المستثمرون الأجانب يتحولون إلى البيع الصافي في الأسهم الآسيوية خلال سبتمبر

رجل ينعكس صورُه على لوحة لعرض أسعار الأسهم في طوكيو (رويترز)
رجل ينعكس صورُه على لوحة لعرض أسعار الأسهم في طوكيو (رويترز)
TT

المستثمرون الأجانب يتحولون إلى البيع الصافي في الأسهم الآسيوية خلال سبتمبر

رجل ينعكس صورُه على لوحة لعرض أسعار الأسهم في طوكيو (رويترز)
رجل ينعكس صورُه على لوحة لعرض أسعار الأسهم في طوكيو (رويترز)

تحول المستثمرون الأجانب إلى صافي البائعين للأسهم الآسيوية في سبتمبر (أيلول)، في انعكاس للتدفقات المسجلة خلال الشهر السابق، مع تراجع شهية المستثمرين للأصول عالية المخاطر بفعل الارتفاع الحاد في عوائد سندات الخزانة الأميركية، واستمرار المخاوف بشأن التضخم، وتشديد السياسات النقدية في الاقتصادات المتقدمة.

وبلغ صافي مبيعات المستثمرين الأجانب من الأسهم في المنطقة 23.49 مليار دولار، مقابل صافي مشتريات بنحو 4.72 مليار دولار في أغسطس (آب)، وفقاً لبيانات مجموعة بورصات لندن «إل إس إي جي» التي تغطي أسواق الأسهم في كوريا الجنوبية وتايوان والهند وإندونيسيا وتايلاند وفيتنام والفلبين، وفق «رويترز».

واستحوذت كوريا الجنوبية على أكثر من 70 في المائة من إجمالي التدفقات الخارجة من المنطقة، مع انسحاب المستثمرين الأجانب من أحد أكبر الأسواق الآسيوية ذات الثقل في قطاع التكنولوجيا، عقب موجة صعود قوية للأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وقال جيسون لوي، رئيس استراتيجية مشتقات الأسهم لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك «بي إن بي باريبا»: «شهدت أسواق الأسهم الآسيوية الرئيسية تدفقات أجنبية خارجة واسعة النطاق في سبتمبر (أيلول)، بما يتماشى مع ردود فعل الأسواق المعتادة تجاه ارتفاع العوائد في الاقتصادات المتقدمة وصعود الدولار الأميركي».

وارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 53.5 نقطة أساس خلال سبتمبر، ليصل يوم الأربعاء إلى 5.3645 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2002، مع تأجيج ارتفاع أسعار النفط المخاوف من استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.

كما رفع كل من مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي والبنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة، في إطار مساعي صانعي السياسات لاحتواء الضغوط التضخمية التي تفاقمت بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة الناجم عن التوترات المرتبطة بإيران.

وعمدت صناديق التحوط العالمية أيضاً إلى تقليص انكشافها على الأسهم الآسيوية.

وأظهرت أبحاث «غولدمان ساكس» أن المراكز التي تتجاوز فيها حيازات صناديق التحوط من الأسهم الآسيوية أوزانها النسبية في المؤشر المرجعي، أو ما يُعرف بالمراكز ذات الوزن الزائد، تراجعت إلى 13 في المائة مقارنة بمؤشر «إم إس سي آي» العالمي لجميع الدول بحلول منتصف سبتمبر، انخفاضاً من ذروة بلغت 20 في المائة في يونيو (حزيران).

وشهدت الأسهم الهندية بدورها تدفقات أجنبية خارجة كبيرة بلغت 3.75 مليار دولار الشهر الماضي، بعد شهرين من التدفقات الداخلة. وخلال الشهر الحالي، سجلت الأسهم الكورية الجنوبية والهندية مزيداً من التدفقات العابرة للحدود إلى الخارج، بلغت 4.81 مليار دولار و3.25 مليار دولار على التوالي.

وعلى أساس صافٍ، باع المستثمرون الأجانب أسهماً تايوانية بقيمة 1.28 مليار دولار، وتايلاندية بقيمة 783 مليون دولار، وإندونيسية بقيمة 576 مليون دولار، وفلبينية بقيمة 135 مليون دولار خلال الشهر الماضي.

في المقابل، سجلت الأسهم الفيتنامية تدفقات أجنبية داخلة محدودة بلغت 6.68 مليون دولار.

وقال وائل مكارم، كبير استراتيجيي الأسواق المالية في شركة الوساطة «إكسنس»: «من المرجح أن تظل التدفقات الأجنبية تحت الضغط على المدى القريب».

وأضاف: «ما دامت عوائد السندات الأميركية مرتفعة، واستمرت الأسواق في تسعير توقعات تشديد السياسة النقدية خلال العام المقبل، فستواجه الأسهم الآسيوية منافسة من أصول ذات عوائد أعلى في الأسواق المتقدمة».


مقالات ذات صلة

العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع قليلاً مع تراجع النفط

الاقتصاد متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع قليلاً مع تراجع النفط

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية قليلاً، يوم الجمعة، مع تراجع أسعار النفط بفعل انحسار المخاوف بشأن الإمدادات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد متعاملون يعملون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)

تباين أداء الأسهم الآسيوية وسط سيولة ضعيفة بسبب العطلات

تباين أداء الأسهم الآسيوية يوم الجمعة، في ظل تداولات محدودة بسبب العطلات، فيما تراجعت أسعار النفط بعد مكاسبها الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

تراجعت أسهم «وول ستريت» في مستهل تعاملات الخميس، بعد ارتفاع حاد في أسعار النفط إثر تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة قد تشن هجمات جديدة على إيران.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أحد فروع متاجر «إكسترا» في السعودية (الشركة)

أرباح «إكسترا» السعودية تنخفض 26.7 % في الربع الثالث

انخفض صافي أرباح شركة «إكسترا» للإلكترونيات بنسبة 26.7 في المائة خلال الربع الثالث من عام 2026، إلى 104.63 مليون ريال (27.9 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد يعمل المتداولون في قاعة التداول ببورصة نيويورك (NYSE) - الولايات المتحدة (رويترز)

«ستيت ستريت»: شهية المؤسسات للمخاطرة تتراجع ومخصصات السندات ترتفع

تراجعت شهية المؤسسات العالمية للمخاطرة خلال سبتمبر (أيلول)، منهية سلسلة ارتفاع استمرت خمسة أشهر، وفق مؤشر «ستيت ستريت» لشهية المخاطرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع قليلاً مع تراجع النفط

متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع قليلاً مع تراجع النفط

متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية قليلاً، يوم الجمعة، مع تراجع أسعار النفط بفعل انحسار المخاوف بشأن الإمدادات في الشرق الأوسط، في حين ظلت أسهم شركات الاتصالات تحت الضغط بعدما أثارت صفقة استحواذ «سبايس إكس» على نطاق ترددي مخاوف بشأن المنافسة في القطاع.

وانخفضت أسعار النفط بعدما صرَّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن بلاده لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة الشهر المقبل، مما خفَّف المخاوف من أن يؤدي الصراع إلى مزيد من الاضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية، وفق «رويترز».

وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 1.2 في المائة، لكنها ظلت فوق مستوى 100 دولار للبرميل، الذي يُعدُّ عتبة نفسية مهمة في الأسواق.

وفي سوق السندات، اتسمت عوائد سندات الخزانة الأميركية بالاستقرار النسبي، إذ استقرَّ العائد على السندات القياسية لأجل 10 سنوات عند 5.25 في المائة، ليظل قريباً من أعلى مستوى له في 24 عاماً، والبالغ 5.364 في المائة، والمُسجَّل يوم الأربعاء.

واتجه مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500»، و«ناسداك» الذي تغلب عليه أسهم شركات التكنولوجيا، نحو تحقيق مكاسب أسبوعية، رغم تراجعهما خلال الجلستين السابقتين، مدعومَين بالتفاؤل المحيط بموسم إعلان نتائج الرُّبع الثالث، لا سيما في ظلِّ الزخم الذي يقوده قطاع الذكاء الاصطناعي، والذي دفع المؤشرَين إلى تسجيل مستويات قياسية في وقت سابق من الأسبوع.

كما كان مؤشر «داو جونز» للشركات الكبرى يتجه نحو تحقيق مكاسب أسبوعية طفيفة.

وسجَّلت أسهم شركات النمو الكبرى ارتفاعات عامة في تعاملات ما قبل افتتاح السوق؛ إذ صعد سهم «إنفيديا» بنسبة 1.6 في المائة، بينما ارتفع سهما «تسلا» و«أمازون» بنحو 1 في المائة لكل منهما.

وارتفع سهم «سبايس إكس» بنسبة 3.7 في المائة، بعدما أبرمت الشركة المتخصصة في تصنيع الصواريخ والأقمار الاصطناعية صفقة للاستحواذ على محفظة من نطاقات الطيف الترددي منخفضة النطاق تغطي أنحاء الولايات المتحدة، في خطوة تمثل تحدياً مباشراً، عبر الفضاء، لشركات الاتصالات اللاسلكية التقليدية الكبرى في البلاد.

في المقابل، تعرَّضت أسهم شركات الاتصالات لضغوط حادة؛ إذ تراجع سهما «تي موبايل يو إس» و«إيه تي آند تي» أكثر من 6 في المائة لكل منهما، بينما انخفض سهم «فيريزون» بنسبة 5.3 في المائة.

وبحلول الساعة 5:54 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة المصغرة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 86 نقطة، أو 0.17 في المائة، كما صعدت العقود الآجلة المصغرة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 31.5 نقطة، أو 0.4 في المائة. وارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 251 نقطة، أو 0.81 في المائة.

ومن المقرر أن يتسارع موسم إعلان النتائج الفصلية للشركات الأسبوع المقبل، مع استعداد كبرى المصارف للكشف عن نتائجها. وقد أسهمت التوقعات بتحقيق أرباح قوية في دعم الأسهم الأميركية خلال الفترة الأخيرة، رغم التقلبات الجيوسياسية والمخاوف بشأن ارتفاع أسعار الفائدة.

ومن بين الأسهم التي سجَّلت مكاسب مبكرة، ارتفع سهم شركة «هيومانا» بنسبة 14.5 في المائة، بعدما أظهرت بيانات حكومية أميركية أن 95 في المائة من أعضاء الشركة المشتركين في خطط «ميديكير أدفانتغ» للتأمين الصحي لعام 2027 مسجلون في خطط حاصلة على تصنيف 4 نجوم أو أكثر.

في المقابل، انخفض سهم «أبل» بنسبة 1.8 في المائة، عقب تقارير إعلامية أفادت بأن الشركة المُصنِّعة لهواتف «آيفون» طلبت من بعض مورديها خفض إنتاج مكونات هاتفَي «آيفون 18 برو» و«آيفون 18 برو ماكس»، في ظلِّ ارتفاع تكاليف رقائق الذاكرة وزيادة الأسعار، الأمر الذي أدى إلى تراجع طلب المستهلكين.


الصين تعزز التحفيز المالي لإنقاذ النمو الاقتصادي

محطة الحاويات في ميناء نانجينغ شرق الصين (أ.ف.ب)
محطة الحاويات في ميناء نانجينغ شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين تعزز التحفيز المالي لإنقاذ النمو الاقتصادي

محطة الحاويات في ميناء نانجينغ شرق الصين (أ.ف.ب)
محطة الحاويات في ميناء نانجينغ شرق الصين (أ.ف.ب)

كثفت الصين إجراءات دعم اقتصادها، الجمعة، عبر تخصيص 550 مليار يوان (82 مليار دولار) من حصص إصدار الدين الحكومي غير المستخدمة، بهدف تخفيف الضغوط المالية على الحكومات المحلية وتسريع الاستثمار في البنية التحتية، في أحدث محاولة لتعزيز النشاط الاقتصادي، وضمان تحقيق مستهدف النمو السنوي الذي يتراوح بين 4.5 و5 في المائة.

وتزامنت الخطوة مع إعلان بنك الشعب الصيني زيادة صافي مشترياته من السندات الحكومية خلال سبتمبر (أيلول)، وتعهد وزارة المالية بتوسيع الطلب المحلي وتحسين كفاءة الإنفاق على الابتكار التكنولوجي. كما تستعد بكين لاستئناف صادرات الوقود المكرر بعد توقف مؤقت خلال عطلة العيد الوطني، في خطوة قد توفر بعض الإمدادات للأسواق الآسيوية التي تواجه نقصاً في المشتقات النفطية.

وتعكس هذه القرارات تحركاً منسقاً على مستوى السياسة المالية والسيولة النقدية وإدارة الإمدادات، في وقت يواجه فيه ثاني أكبر اقتصاد في العالم ضعفاً مستمراً في الاستهلاك والاستثمار، وأزمة عقارية طويلة الأمد، رغم قوة الصادرات والقطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة.

82 مليار دولار لدعم الاقتصاد المحلي

أعلنت وزارة المالية الصينية توزيع 550 مليار يوان من حصص الدين الحكومي غير المستغلة، على أن يخصص منها 300 مليار يوان لدعم العمليات اليومية للحكومات على مستوى المقاطعات الفرعية والمناطق الإدارية.

وستوجه القيمة المتبقية، البالغة 250 مليار يوان، إلى مشروعات البنية التحتية، خصوصاً المشروعات الجاري تنفيذها، مع إعطاء اهتمام للمناطق الأقوى اقتصادياً والقادرة على تحويل التمويل إلى نشاط استثماري ملموس.

ويستهدف هذا التوزيع معالجة مشكلتين متزامنتين؛ الأولى الضغوط على الموارد المالية للحكومات المحلية، والثانية تباطؤ الاستثمار الذي يشكل أحد المحركات التقليدية للنمو الصيني.

وتواجه السلطات المحلية صعوبات في تمويل التزاماتها نتيجة استمرار أزمة القطاع العقاري، التي أضعفت الإيرادات المرتبطة بالأراضي، إلى جانب الأعباء المتراكمة على الديون والإنفاق على الخدمات العامة.

ومن شأن توجيه جزء من التمويل إلى العمليات الحكومية الأساسية أن يخفف ضغوط السيولة، بينما قد يساعد تمويل مشروعات البنية التحتية القائمة على تسريع التنفيذ وتجنب تعثر استثمارات بدأت بالفعل.

وتأتي الخطوة بعد تعهد مجلس الدولة الصيني، الشهر الماضي، بتكثيف الدعم الاقتصادي المضاد للدورات الاقتصادية، في مواجهة الضغوط المتزايدة على النشاط المحلي.

وكانت بكين قد استخدمت حصص الدين غير المستغلة لتعزيز الإنفاق قرب نهاية العامين الماضيين، إلا أن المبلغ المعلن هذا العام يتجاوز المخصصات المماثلة في عامي 2024 و2025، ما يشير إلى اتساع نطاق التدخل المالي.

تباطؤ الطلب يهدد مستهدف النمو

تزايدت الحاجة إلى إجراءات التحفيز بعدما فقد الاقتصاد الصيني جزءاً من زخمه عقب الربع الأول من العام، مع استمرار ضعف الطلب المحلي وتراجع الاستثمار العقاري.

ورغم استفادة قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والصادرات الصناعية من الطلب العالمي، لم تكن هذه المحركات كافية لتعويض التباطؤ في قطاعات الاقتصاد التقليدية.

ويعكس هذا التباين تحدياً هيكلياً أمام صناع القرار؛ إذ يمكن للصادرات والتكنولوجيا دعم الإنتاج الصناعي، لكن استدامة النمو تتطلب تحسناً أوسع في إنفاق الأسر واستثمارات الشركات.

وفي تقرير تناول أداء السياسة المالية خلال النصف الأول من عام 2026، تعهدت وزارة المالية باتباع سياسة مالية أكثر نشاطاً، والعمل على توسيع الطلب المحلي وتعميق الإصلاحات المالية.

كما أكدت ضرورة رفع كفاءة الاستثمارات الموجهة إلى الابتكار العلمي والتكنولوجي، في إشارة إلى استمرار أولوية القطاعات المتقدمة ضمن استراتيجية النمو الصينية.

ويبرز هنا التحدي الذي تواجهه بكين في توزيع الموارد بين دعم الاستهلاك على المدى القصير، وتمويل الاستثمارات التي ترفع الإنتاجية والقدرة التنافسية على المدى الطويل؛ فزيادة الإنفاق على البنية التحتية قد توفر دعماً سريعاً للنشاط الاقتصادي، لكن أثرها المستدام يعتمد على الجدوى الاقتصادية للمشروعات وقدرتها على تحقيق عوائد تتجاوز تكلفة تمويلها.

البنك المركزي يعزز السيولة

بالتوازي مع التحرك المالي، أعلن بنك الشعب الصيني أنه نفذ مشتريات صافية من السندات الحكومية بقيمة 100 مليار يوان (14.94 مليار دولار) خلال سبتمبر، عبر عمليات السوق المفتوحة.

ويمثل المبلغ ضعف صافي المشتريات المسجل في أغسطس (آب)، والبالغ 50 مليار يوان، ما يعكس زيادة دعم السيولة في النظام المالي.

ويمكن لمشتريات السندات الحكومية أن تساعد في تحسين أوضاع السيولة وتخفيف بعض الضغوط على سوق الدين، في وقت تستعد فيه السلطات لزيادة استخدام حصص الاقتراض المتاحة.

لكن أثر هذه الإجراءات في الاقتصاد الحقيقي سيعتمد على مدى انتقال السيولة إلى الاستثمار والإنفاق، وليس فقط على توافر الأموال داخل النظام المصرفي.

وتواجه الصين تحدياً يتمثل في أن انخفاض تكلفة التمويل أو وفرة السيولة لا يضمنان بالضرورة انتعاش الطلب على الائتمان، ما دامت الأسر والشركات حذرة بشأن آفاق الدخل والعائد على الاستثمار.

ومن ثم، فإن الجمع بين الإنفاق المالي المباشر وتوفير السيولة قد يكون أكثر تأثيراً من الاعتماد على السياسة النقدية وحدها.

اختبار فاعلية التحفيز

تكشف الإجراءات المعلنة الجمعة، عن اتساع نطاق استجابة السلطات الصينية للتباطؤ الاقتصادي، من خلال دعم موازنات الحكومات المحلية، وتسريع الاستثمار، وتوفير السيولة، وإدارة صادرات المنتجات النفطية.

لكن نجاح الحزمة سيعتمد على قدرتها على معالجة ضعف الطلب المحلي، وليس فقط تحسين أوضاع التمويل أو استكمال المشروعات القائمة.

وتبقى أزمة العقارات عاملاً ضاغطاً على ثقة الأسر وموارد الحكومات المحلية، فيما يثير الاعتماد المستمر على الاستثمار الحكومي تساؤلات بشأن كفاءة تخصيص رأس المال واستدامة الدين.

ومن جهة أخرى، يوفر نمو الصادرات والتكنولوجيا المتقدمة قاعدة دعم للاقتصاد، لكنه لا يلغي الحاجة إلى انتعاش الاستهلاك الخاص والاستثمارات المحلية.

ومع اقتراب نهاية العام، ستتركز أنظار المستثمرين على سرعة استخدام حصص الدين الجديدة، ومدى تحسن الإنفاق المحلي، وتأثير مشتريات البنك المركزي للسندات في أوضاع الائتمان.

وتراهن بكين على أن الجمع بين السياسة المالية الأكثر نشاطاً والسيولة النقدية والدعم الموجه للقطاعات الإنتاجية، سيساعدها في تحقيق مستهدف النمو السنوي. غير أن الاختبار الحقيقي سيبقى في قدرة هذه الإجراءات على تحويل الدعم الحكومي إلى تعافٍ اقتصادي أوسع وأكثر استدامة.


اليابان تراجع إنفاقها لاحتواء ضغوط الين والدين

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في جلسة برلمانية سابقة (رويترز)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في جلسة برلمانية سابقة (رويترز)
TT

اليابان تراجع إنفاقها لاحتواء ضغوط الين والدين

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في جلسة برلمانية سابقة (رويترز)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في جلسة برلمانية سابقة (رويترز)

تسعى الحكومة اليابانية إلى إعادة صياغة سياستها الاقتصادية والمالية تحت ضغط الأسواق، مع تعهد رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، بمراقبة تحركات الين والتضخم من كثب، وإطلاق مراجعة جديدة للإنفاق العام بهدف توفير موارد لتمويل تعهداتها الانتخابية دون زيادة الاعتماد على الاقتراض.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه اليابان ارتفاعاً في عوائد السندات الحكومية إلى مستويات لم تشهدها منذ عقود، وسط مخاوف المستثمرين من تدهور أوضاع المالية العامة واستمرار الضغوط التضخمية، في تحول يضع سياسات تاكايتشي التوسعية السابقة أمام اختبار اقتصادي وسياسي متزايد.

وقالت تاكايتشي، أمام البرلمان الجمعة، إن الحكومة ستواصل التدقيق في تطورات أسعار الصرف والأسعار، وستتعامل معها بصورة مناسبة، مشيرة إلى أن إدارة السياسة المالية ستأخذ في الحسبان مجموعة من العوامل المؤثرة في الاقتصاد، من بينها أسعار الفائدة وتحركات الين.

وجاءت تصريحاتها رداً على سؤال لأحد نواب المعارضة بشأن السياسة الاقتصادية والتداعيات المحتملة لضعف العملة اليابانية، ما يؤدي إلى رفع تكلفة الواردات، خصوصاً الطاقة والمواد الغذائية، ويزيد الضغوط على الأسر والشركات.

وكانت تاكايتشي قد أكدت، الخميس، أن الاقتصاد الياباني لم يعد بحاجة إلى سياسات تستهدف إعادة تنشيط التضخم، بعدما تجاوز مرحلة الانكماش السعري التي استمرت سنوات طويلة.

كما شددت على احترام حكومتها الكامل لاستقلالية بنك اليابان في تحديد السياسة النقدية، في إشارة إلى أنها لن تعارض بالضرورة أي زيادات إضافية في أسعار الفائدة. وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنظر إلى أن تاكايتشي كانت من أبرز المدافعين عن السياسات المالية والنقدية التيسيرية، قبل أن تدفعها مخاوف الأسواق بشأن الدين العام والتضخم وضعف الين إلى تبني خطاب أكثر حذراً.

• تحول في السياسة الاقتصادية

يمثل الموقف الجديد محاولة لإقناع المستثمرين بأن الحكومة لم تعد تعتبر التوسع المالي والنقدي وسيلة مناسبة لمعالجة التحديات الاقتصادية الحالية؛ فبعد سنوات من التركيز على تحفيز الطلب والخروج من الانكماش، تواجه اليابان اليوم بيئة مختلفة تتسم بارتفاع الأسعار وتكاليف الاقتراض، ما يجعل زيادة الإنفاق الحكومي غير الممول أكثر عرضة لإثارة مخاوف الأسواق.

وتسعى تاكايتشي إلى تحقيق توازن بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على استدامة المالية العامة، خصوصاً مع ارتفاع الإنفاق المطلوب للدفاع والسياسات الصناعية وبرامج تخفيف أعباء المعيشة.

وفي هذا السياق، تعهدت الحكومة بوضع سقف لإصدارات السندات الجديدة عند نحو 40 تريليون ين، رغم وصول طلبات الإنفاق المقدمة لإعداد موازنة العام المقبل، إلى مستوى قياسي يبلغ 143 تريليون ين.

ويزيد هذا التباين بين احتياجات الإنفاق والقيود المفروضة على الاقتراض أهمية البحث عن مصادر تمويل بديلة، لا سيما أن ارتفاع عوائد السندات يرفع تدريجياً تكلفة خدمة الدين العام.

• مراجعة شاملة للصناديق والدعم

أعلنت الحكومة، الجمعة، إعادة إطلاق مبادرة لمراجعة الإنفاق العام مستوحاة من نموذج «وزارة الكفاءة الحكومية» الأميركية، والمعروفة اختصاراً باسم «DOGE»، بهدف تحديد الأموال غير المستخدمة وإعادة توجيه الموارد إلى أولويات الموازنة.

وستركز الجولة الجديدة على 201 صندوق حكومي مخصص لأغراض محددة، يُقدر أن تبلغ أرصدتها مجتمعة نحو 7 تريليونات ين؛ أي ما يعادل 44.35 مليار دولار، بنهاية السنة المالية المقبلة.

وتعتزم الحكومة استرداد الأموال الراكدة، أو التي لم تُستخدم لفترات طويلة وإعادتها إلى الخزانة العامة، إلى جانب إخضاع برامج الدعم لتقييمات أكثر صرامة للتكاليف والمنافع.

وستعتمد المراجعة على خبراء خارجيين وأساليب لصنع السياسات تستند إلى الأدلة، بهدف تحسين كفاءة الإنفاق والتأكد من تحقيق البرامج الحكومية عوائد اقتصادية تتناسب مع تكلفتها.

وقالت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، إن المبادرة ضرورية لبناء إطار للموازنة والضرائب يدعم هدف إدارة تاكايتشي المتمثل في تحقيق اقتصاد قوي مع الحفاظ على الاستدامة المالية.

وتأتي الخطوة بعد نتائج محدودة للجولة الأولى من المراجعة، التي تناولت نحو 120 إعفاءً وتدبيراً ضريبياً خاصاً، لكنها أسفرت عن 3 مقترحات فقط لإلغائها.

وأثار هذا الحصاد الضعيف تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على تحقيق وفورات كبيرة من خلال مراجعة البرامج القائمة، ما زاد الضغوط لتوسيع نطاق التدقيق وتشديد معايير الإنفاق.

ونقلت «رويترز» عن مصدر حكومي، طلب عدم الكشف عن هويته، أن تاكايتشي تعلق آمالاً كبيرة على المراجعة الجديدة، نظراً إلى ضخامة أرصدة الصناديق التي قد توفر مصدراً مهماً للتمويل.

لكن حجم الأموال الموجودة في هذه الصناديق لا يعني بالضرورة إمكانية تحويلها بالكامل إلى الخزانة العامة، إذ يرتبط بعضها بالتزامات وبرامج محددة، بينما قد تكون الوفورات الناتجة عن استرداد الأموال غير المستخدمة ذات طبيعة مؤقتة.

• خفض ضريبة الغذاء يختبر الموازنة

تسعى الحكومة إلى إيجاد موارد لتمويل خفض ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية، المقرر بدء تطبيقه في أبريل (نيسان) 2027، وهو أحد أبرز تعهدات تاكايتشي الرامية إلى تخفيف الضغوط المعيشية.

لكن تمويل هذا الخفض يمثل تحدياً في ظل تزايد الاحتياجات المالية للدفاع والاستثمار الصناعي، وارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي.

ومن المنتظر أن تُستخدم نتائج مراجعة الإنفاق في محادثات الإصلاح الضريبي ومفاوضات إعداد الموازنة بنهاية العام، حيث ستواجه الحكومة مطالب متزايدة بتوضيح كيفية تمويل تعهداتها دون الإضرار بثقة المستثمرين.

ويرى اقتصاديون أن نجاح المراجعة لا يقاس فقط بحجم الأموال المستردة، بل أيضاً بكيفية إعادة توزيعها بين دعم الاستهلاك والاستثمارات التي ترفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد.

وحذر كيجي كاندا، كبير الاقتصاديين في «معهد دايوا للأبحاث»، من أن خفض تمويل الصناديق وبرامج الدعم لتغطية تكلفة تخفيض ضريبة الاستهلاك قد يؤدي إلى تحويل الموارد من إجراءات تعزز جانب العرض إلى سياسات تحفز الطلب.

وأضاف أنه إذا كانت أولوية الحكومة تتمثل في تعزيز إمكانات النمو الياباني، فإن توجيه الموارد المالية نحو الاستثمار سيكون أكثر فاعلية وأقل تسبباً في الضغوط التضخمية.

وتبرز هذه الملاحظة أحد التحديات الرئيسية أمام الحكومة؛ إذ إن تخفيف الأعباء الضريبية قد يدعم القدرة الشرائية للأسر، لكنه لا يعالج بالضرورة القيود الهيكلية على الإنتاج أو نقص العمالة وارتفاع تكاليف الطاقة.

• الأسواق تترقب الأفعال لا التصريحات

تواجه تاكايتشي مهمة استعادة ثقة أسواق السندات، بعدما دفعت المخاوف من زيادة الاقتراض الحكومي وتدهور المالية العامة عوائد الدين الياباني إلى مستويات مرتفعة تاريخياً.

وتزداد حساسية المستثمرين تجاه أي إجراءات قد تؤدي إلى توسيع العجز المالي، خصوصاً مع توجه بنك اليابان نحو تطبيع السياسة النقدية بعد سنوات طويلة من الفائدة شديدة الانخفاض.

وفي الوقت نفسه، فإن ضعف الين يضاعف تكلفة الواردات، بينما قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم، ما يحد من قدرة الحكومة على الاعتماد على التحفيز المالي الواسع دون تداعيات.

ومن هنا، تكتسب تصريحات تاكايتشي بشأن احترام استقلالية بنك اليابان أهمية تتجاوز السياسة النقدية؛ إذ تشير إلى استعداد الحكومة للتكيف مع بيئة أسعار فائدة أعلى، بدلاً من الضغط للحفاظ على التيسير النقدي.

لكن الاختبار الفعلي سيأتي عند إعلان تفاصيل الموازنة المقبلة، ومدى قدرة الحكومة على تحويل مراجعة الصناديق والإعفاءات إلى وفورات ملموسة ومستدامة.

كما ستراقب الأسواق ما إذا كانت الحكومة ستلتزم بسقف إصدارات السندات الجديدة، وكيف ستوازن بين تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق الدفاعي والصناعي.

وتعكس التطورات الأخيرة انتقال السياسة الاقتصادية اليابانية إلى مرحلة أكثر تعقيداً، لم يعد فيها تحفيز الطلب وحده كافياً لدعم النمو، بينما أصبحت السيطرة على التضخم وتكلفة الدين واستقرار العملة أولويات متداخلة.

وتراهن تاكايتشي على أن تحسين كفاءة الإنفاق وإعادة توجيه الموارد يمكن أن يوفرا مساحة لتنفيذ تعهداتها دون إثارة مخاوف المستثمرين. غير أن نجاح هذا المسار سيعتمد على حجم الوفورات الفعلية، وقدرة الحكومة على تقديم موازنة تقنع الأسواق بأن دعم الاقتصاد لن يأتي على حساب الاستدامة المالية.