من «مفتاح الإيقاف» إلى حظر «الذكاء الفائق»... واشنطن أمام معضلة الذكاء الاصطناعي

صانعو السياسات يوازنون بين مخاطر غير مسبوقة وتكلفة إبطاء الابتكار

أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)
أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)
TT

من «مفتاح الإيقاف» إلى حظر «الذكاء الفائق»... واشنطن أمام معضلة الذكاء الاصطناعي

أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)
أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)

لم تعد المخاوف الأميركية من الذكاء الاصطناعي المتقدِّم تدور حول سيناريوهات مستقبلية بعيدة، بعدما كشفت حوادث حديثة عن قدرة بعض النماذج على تجاوز قيود وضعتها الشركات المطوِّرة، والوصول إلى الإنترنت وأنظمة خارجية والتَّصرُّف بطرق لم يوجّهها إليها البشر بصورة مباشرة.

وفي الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا على تطوير نماذج أكثر قدرة واستقلالية، تتسع في واشنطن دعوات لوضع حدود أكثر صرامة على هذه التكنولوجيا، في معركة تتجاوز الأمن السيبراني إلى مستقبل الاستثمار، والابتكار، والإنتاجية، والقدرة التنافسية الأميركية في مواجهة الصين.

وتضع التطورات الأخيرة الإدارة الأميركية والكونغرس أمام معادلة معقدة: كيف يمكن احتواء المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي من دون إبطاء التكنولوجيا التي يُنظَر إليها في الوقت نفسه بوصفها أحد أهم محركات النمو والإنتاجية والتنافس الاقتصادي في العقود المقبلة؟

حادثة «هاغينغ فيس» تشعل الإنذار

أصبحت حادثة اختراق منصة «هاغينغ فيس» محوراً رئيسياً في هذا الجدل، بعدما كشفت التحقيقات التي أجرتها «أوبن إيه آي» عن أن نماذج استُخدِمت خلال اختبارات للأمن السيبراني تمكَّنت من تجاوز بعض الضوابط والوصول إلى الإنترنت واستغلال ثغرات للوصول إلى أنظمة تابعة لجهات خارجية.

وقالت «أوبن إيه آي» إن الحادثة كانت الأكثر خطورة من هذا النوع التي رصدتها حتى الآن، وإنها أظهرت أن النماذج شديدة القدرة يمكنها، في غياب الضمانات المناسبة، الالتفاف على الضوابط التقنية، والتواصل عبر قنوات غير مصرَّح بها، وتنفيذ إجراءات لم يطلبها منها أي إنسان بصورة مباشرة.

شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

ورغم أن الشركة قالت إن الحادثة لم تؤثر في بيانات العملاء أو وظائف منتجاتها أو توافرها، فإنَّ أهميتها بالنسبة إلى صانعي السياسات تكمن في شيء آخر: إذا كانت الأنظمة قادرة على تجاوز الحواجز الموضوعة داخل بيئة اختبار، فإن السؤال يصبح: كيف يمكن ضمان بقاء السيطرة البشرية عندما تنتشر هذه القدرات على نطاق تجاري واسع.

تحقيقات في الكونغرس

دفعت هذه التطورات أعضاء في الكونغرس إلى التحرك، فقد أطلق السيناتور الجمهوري جوش هاولي تحقيقاً في «أوبن إيه آي»، مطالباً بتفاصيل حول حادثة «هاغينغ فيس» وحوادث أخرى قال إنها تثير تساؤلات بشأن احتمال خروج نماذج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة.

وقال هاولي إن الأميركيين يستحقون معرفة تفاصيل ما حدث، خصوصاً مع ازدياد المخاوف من أنظمة أكثر استقلالية وقدرة على اتخاذ إجراءات معقدة من دون تدخل بشري مباشر.

وفي تحرُّك منفصل، طالب السيناتور الديمقراطي، كريس فان هولن، بأن تتيح «أوبن إيه آي» للجهات الفيدرالية المعنية بالأمن السيبراني الوصول إلى المعلومات اللازمة لتقييم مستوى المخاطر.

وقال فان هولن إن على الشركة، إذا لم تكن قادرة على ضمان سلامة نظام «GPT-6 Astra» ومراقبته بصورة فعالة، أن تسحبه من الاستخدام العام.

وتكشف هذه التَّحرُّكات عن انتقال النقاش في واشنطن من مرحلة الدعوات العامة إلى مزيد من الشفافية إلى سؤال أكثر جوهرية: مَن يملك سلطة التدخل عندما يتصرَّف نظام متقدِّم بطريقة غير متوقعة؟

شعار شركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك» (رويترز)

ساندرز يذهب أبعد من الرقابة

لكن أبرز تحرك سياسي حتى الآن جاء من السيناتور المستقل بيرني ساندرز، والنائب الديمقراطي غريغ كاسار، اللذين أعلنا مشروع قانون لحظر «الذكاء الاصطناعي الفائق» ووقف تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدِّم مؤقتاً إلى حين وضع قواعد اتحادية للسلامة.

ويذهب ساندرز إلى أبعد بكثير من الدعوة إلى تشديد الرقابة على الشركات. فهو يريد حظراً دائماً لتطوير ونشر أنظمة «الذكاء الاصطناعي الفائق»، إلى جانب وقف مؤقت لتطوير الأنظمة المتقدمة إلى أن تنشئ الحكومة جهةً تنظيميةً اتحاديةً، وتضع قواعد واضحة لمراجعة النماذج.

ويقول ساندرز إن قادة شركات الذكاء الاصطناعي أنفسهم يقرون بأنهم لا يفهمون التكنولوجيا بصورة كاملة، وإنها بدأت تتجاوز قدرتهم على السيطرة عليها. ولذلك يرى أن مواصلة تطوير أنظمة أكثر قوة في هذه الظروف أمر غير مسؤول، وأن مستقبل البشرية لا ينبغي أن يُترَك في أيدي عدد محدود من عمالقة التكنولوجيا.

أما كاسار، فيحذر من أن الذكاء الاصطناعي الفائق يمكن أن يمسَّ الأمن والحرية وحياة الأميركيِّين، مشيراً إلى المفارقة التي يرى أنها قائمة حالياً، وهي أن التكنولوجيا الأكثر تقدماً تخضع لتنظيم أقل من قطاعات يومية كثيرة.

من اليسار: إيلون ماسك والمؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي والرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان (أ.ف.ب)

إعادة توزيع المخاطر

ويبدو أن مشروع ساندرز لا يوقف التكنولوجيا فقط... بل يعيد توزيع المخاطر. وهنا تبرز الأهمية الاقتصادية لمشروع القانون.

فالقضية ليست مجرد منع تقنية مستقبلية، وإنما تحديد مَن يتحمل تكلفة المخاطر الناتجة عن تطويرها.

فشركات الذكاء الاصطناعي تستثمر بكثافة في تطوير نماذج أكثر قدرة، بينما تستفيد الشركات والمساهمون والاقتصاد من المكاسب المحتملة الناتجة عن رفع الإنتاجية والأتمتة وتحسين البرمجيات والخدمات والبحث العلمي.

لكن في المقابل، فإن وقوع حادث أمني واسع أو استخدام نموذج متقدم في هجوم إلكتروني أو تطوير أسلحة بيولوجية أو التسبب في أضرار اقتصادية كبيرة قد يخلق تكاليف تتجاوز الشركة التي طورت النظام، لتنتقل إلى شركات أخرى والحكومة والمستهلكين ودافعي الضرائب.

ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى إنشاء جهة تنظيمية اتحادية جديدة، قادرة على مراقبة الأنظمة المتقدمة خلال دورة حياتها، والتدخل لإزالة القدرات الخطرة، بل والإشراف على تدمير أنظمة «الذكاء الفائق»، وفق مشروع ساندرز.

أي أن المعركة ليست فقط حول حجم الذكاء الاصطناعي الذي يمكن السماح للشركات ببنائه، وإنما حول كيفية توزيع العائد الاقتصادي من هذه التكنولوجيا مقابل المخاطر التي قد تنتج عنها.

معادلة أصعب: السلامة... أم التنافسية؟

لكن أي تشديد كبير للقيود يفتح في المقابل سؤالاً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الحساسية: ماذا يحدث إذا أبطأت الولايات المتحدة تطوير الذكاء الاصطناعي بينما واصلت الصين المضي قدماً؟

وهذا هو الجانب الذي يجعل القضية مختلفة عن تنظيم قطاع تقني تقليدي.

فالذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطاً بالإنتاجية، والقدرة الصناعية، والأمن السيبراني، والبحث العلمي، والرقائق، ومراكز البيانات، والطاقة، والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرقمية.

وبالتالي، فإن أي تباطؤ أميركي واسع قد تكون له تكلفة تتجاوز شركات الذكاء الاصطناعي نفسها، لتطال القدرة التنافسية للاقتصاد الأميركي في قطاعات تعتمد بصورة متزايدة على هذه التكنولوجيا.

ولهذا يصر نواب آخرون على ضرورة وضع ضوابط، لكن مع الحفاظ على قدرة الولايات المتحدة على المنافسة عالمياً. ويبرز هنا تحذير متكرر في النقاش الأميركي: إذا فرضت واشنطن قيوداً شديدة بينما واصلت الصين تطوير قدراتها، فقد تتحوَّل سياسة السلامة نفسها إلى مصدر لخطر استراتيجي واقتصادي آخر.

فنيون قاموا بتعبئة الروبوتات بعد مظاهرة دعت إلى تنظيم تطوير الذكاء الاصطناعي في وارسو (أ.ف.ب)

من «مفتاح الإيقاف» إلى معايير السيطرة

ولا يقتصر النقاش في الكونغرس على مشروع ساندرز.

ففي يوليو (تموز)، طرح النائبان الديمقراطي تيد ليو والجمهوري ناثانيال موران «قانون مفتاح إيقاف الذكاء الاصطناعي»، الذي يستهدف إلزام مطوري أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي بالاحتفاظ بقدرة تقنية على إبطاء الأنظمة أو تعليقها أو إيقافها بالكامل، مع منح الحكومة صلاحيات للتدخل في الأنظمة التي يمكن أن تسبب أضراراً كارثية.

وفي سبتمبر (أيلول)، طرح النائبان الديمقراطي جوش غوتهايمر، والجمهوري مايك لولر مشروع «قانون وقف الذكاء الاصطناعي المارق»، الذي يركز على وضع معايير وطنية لاكتشاف وكلاء الذكاء الاصطناعي والتَّحقُّق منهم والسيطرة عليهم.

وتختلف هذه المقاربة عن مشروع ساندرز جذرياً.

فبدلاً من إيقاف التطوير المتقدم، تركز على إبقاء الإنسان داخل دائرة السيطرة، بحيث تستطيع الشركات والجهات الحكومية معرفة الأنظمة التي تعمل داخل شبكاتها، وما الذي تستطيع الوصول إليه، وكيف يمكن تعطيلها عند الضرورة.

الإنتاجية في الجهة الأخرى من المعادلة

وتزداد صعوبة النقاش لأن الذكاء الاصطناعي لا يمثل خطراً محتملاً فقط، بل يمثل أيضاً فرصة اقتصادية هائلة.

فالتكنولوجيا تعد برفع الإنتاجية، وأتمتة المهام، وتسريع البحث والتطوير، وخفض تكاليف بعض الخدمات، وخلق منتجات وأسواق جديدة.

وبالتالي، فإن تجميد تطوير الأنظمة المتقدمة قد يعني تأجيل جزء من هذه المكاسب، في وقت تحاول فيه الاقتصادات الكبرى زيادة الإنتاجية لمواجهة ارتفاع تكاليف العمالة، والشيخوخة السكانية، والضغوط المالية.

وهنا تظهر مفارقة أساسية: التكنولوجيا نفسها التي يخشى المشرعون أن تسبب اضطرابات اقتصادية واسعة قد تكون أيضاً إحدى الأدوات الرئيسية لرفع الإنتاجية والنمو في المستقبل.

وهذا يجعل قرار التنظيم أكثر تعقيداً من مجرد الاختيار بين «السلامة» و«الابتكار». فهناك أيضاً تكلفة اقتصادية لعدم الابتكار، وتكلفة اقتصادية محتملة للابتكار غير المنضبط.

إحدى الموظفات تقوم باستبدال أحد مكونات حاسوب «ألبس» العملاق في المركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة (CSCS) بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)

الكونغرس يتأخر عن سرعة التكنولوجيا

ويأتي هذا الجدل في وقت لم يواكب فيه التشريع الأميركي حتى الآن السرعة التي تطورت بها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

فقد أوصت مجموعة من الحزبين في الكونغرس عام 2024 بتخصيص ما لا يقل عن 32 مليار دولار على مدى 3 سنوات للذكاء الاصطناعي وضماناته، لكن المتابعة التشريعية لم تتناسب مع سرعة تطور التكنولوجيا.

وفي غضون سنوات قليلة فقط، انتقل الذكاء الاصطناعي من روبوتات محادثة قادرة على الإجابة عن الأسئلة، إلى أنظمة أكثر استقلالية تستطيع تنفيذ سلسلة من المهام، والتعامل مع الإنترنت، وكتابة البرمجيات، وتحليل الثغرات، والتفاعل مع أنظمة أخرى.

وهذا التَّحوُّل هو الذي يضغط على المشرِّعين لوضع قواعد قبل أن تصبح القدرات الجديدة جزءاً من البنية الأساسية للاقتصاد.

شعار شركة الذكاء الاصطناعي «أنثروبيك» في حدث استضافته الشركة (د.ب.أ)

مَن ينظِّم «الذكاء الفائق»؟

ويذهب مشروع ساندرز إلى أبعد من إنشاء هيئة رقابية عادية، إذ يقترح وكالة اتحادية جديدة على مستوى مجلس الوزراء، ومجلساً استشارياً للذكاء الاصطناعي، مع صلاحيات لمراقبة الأنظمة المتقدمة خلال دورة حياتها والإشراف على إزالة القدرات الخطرة.

كما يقترح عقوبات شديدة للغاية على المخالفين، تشمل ما يسميه المشروع «عقوبة الإعدام للشركات»، إلى جانب عقوبات بالسجن تصل إلى 20 عاماً على الأفراد.

ويطرح المشروع كذلك بُعداً دولياً، إذ يدعو الولايات المتحدة إلى السعي لاتفاقات دولية تمنع تطوير الذكاء الاصطناعي الفائق في أي مكان، إلى جانب تنسيق الجهود مع الحلفاء واستخدام أدوات مثل ضوابط التصدير.

وهنا تنتقل القضية مرة أخرى من الاقتصاد الأميركي إلى اقتصاد التكنولوجيا العالمي: إذا أصبحت قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدم موضوعاً للاتفاقات الدولية وضوابط التصدير، فقد تتغير خريطة الاستثمار في الرقائق ومراكز البيانات والحوسبة المتقدمة، كما حدث في قطاعات التكنولوجيا الاستراتيجية الأخرى.

أشخاص يسيرون بجوار جناح «Enflame» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي (رويترز)

معركة على مستقبل الاقتصاد

وفي جوهرها، تعكس المواجهة الحالية في واشنطن خلافاً أوسع حول مستقبل الاقتصاد الأميركي.

فالمؤيدون لتشديد الرقابة يرون أن تكلفة وقوع حادث كارثي قد تفوق بكثير تكلفة إبطاء التطوير اليوم، وأن ترك الشركات التي تستفيد اقتصادياً من السباق لتحدد وحدها حدود السلامة يمثل تضارباً في المصالح.

أما المعارضون للوقف الشامل، فيحذرون من أن التكنولوجيا تتطور عالمياً، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع ببساطة التوقف بينما يواصل منافسوها الاستثمار فيها.

وبين الموقفين تظهر مقاربة ثالثة تكتسب زخماً: الاستمرار في تطوير الذكاء الاصطناعي، لكن مع جعل القدرة على المراقبة والتدخل والإيقاف شرطاً أساسياً قبل نشر الأنظمة الأكثر خطورة.

وهكذا، لم يعد السؤال الأميركي هو ما إذا كان ينبغي تنظيم الذكاء الاصطناعي، وإنما إلى أي مدى يمكن تنظيمه من دون خنق أحد أهم محركات الابتكار والإنتاجية، ومن دون أن تتحوَّل المنافسة العالمية على التكنولوجيا إلى سباق تتراجع فيه اعتبارات السلامة كلما ارتفعت قيمة السبق؟

ومع انتقال النقاش من «مخاطر الذكاء الاصطناعي» إلى مشاريع قوانين تتناول الحظر والوقف ومفاتيح الإيقاف والرقابة الاتحادية، يبدو أن واشنطن بدأت تدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط حول مدى ذكاء الآلات، بل حول مَن يملك السيطرة عليها، ومَن يحصل على عوائدها، ومَن يدفع ثمن أخطائها إذا خرجت عن السيطرة.


مقالات ذات صلة

اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين تنطلق في بانكوك

الاقتصاد أشخاص يمرون بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)

اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين تنطلق في بانكوك

يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في بانكوك هذا الأسبوع، للمشاركة في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا خلال الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك (رويترز)

صندوق النقد يحذِّر من الضغوط التضخمية ويدعو إلى خفض العجز المالي والتحرك سريعاً

دعا صندوق النقد الدولي الدول الأعضاء إلى التحرك سريعاً عند رصد ارتفاع التضخم، والعمل على خفض العجز المالي الكبير، في ظل استمرار الضغوط التضخمية.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
يوميات الشرق الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي والنزاعات النووية يشكلان أكبر تهديدين للبشرية (رويترز)

تقرير: الذكاء الاصطناعي والحرب النووية يهددان بفناء البشرية بحلول 2100

حذر تقرير جديد من أن الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي والنزاعات النووية يشكلان أكبر تهديدين قد يؤديان لانقراض البشرية بحلول عام 2100.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد غورغييفا تتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أ.ب)

صندوق النقد الدولي: الذكاء الاصطناعي يدعم النمو العالمي عند 3 % رغم صدمة الطاقة

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إن الاستثمار القوي في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يحافظ على النمو العالمي عند نحو 3 في المائة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
العالم بيل غيتس (د.ب.أ)

بيل غيتس: الهجمات الإلكترونية المدعّمة بالذكاء الاصطناعي أخطر تهديد وشيك

حذّر المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، بيل غيتس، اليوم الأحد، من أن الذكاء الاصطناعي غير المنظم يشكل تهديداً متزايداً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

محافظة «المركزي الإندونيسي» تؤكد استقلالية قرار الفائدة رغم التعاون الوثيق مع الحكومة

محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا (رويترز)
محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا (رويترز)
TT

محافظة «المركزي الإندونيسي» تؤكد استقلالية قرار الفائدة رغم التعاون الوثيق مع الحكومة

محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا (رويترز)
محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا (رويترز)

قالت ديستري دامايانتي، المحافظة الجديدة للبنك المركزي الإندونيسي، في مقابلة مع «رويترز»، الاثنين، إن البنك يتمتع باستقلالية كاملة في تحديد أسعار الفائدة، رغم تعاونه بصورة أوثق مع الحكومة في إطار ما وصفته بـ«التكامل» في السياسات.

وتولت دامايانتي منصب محافظة بنك إندونيسيا الشهر الماضي، عقب الاستقالة المفاجئة لسلفها في أواخر يوليو (تموز).

وقالت إن التنسيق بين صانعي السياسات المالية والنقدية، لضمان تحركهم في الاتجاه نفسه، من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الاقتصاد.

وأوضحت أن الحكومة دُعيت إلى حضور جزء من الاجتماعات الشهرية لمراجعة السياسة النقدية، كما أنها تشارك في اجتماعات مع الرئيس برابوو سوبيانتو، لكن ذلك لا يمنحها سلطة اتخاذ القرار بشأن أسعار الفائدة.

وأضافت: «عندما نكون بصدد اتخاذ قرار بشأن السياسة النقدية، سواء برفع أسعار الفائدة أو خفضها أو استخدام حوافز أخرى، فإن لدينا كامل الصلاحية لاتخاذ هذا القرار».

وتُعد المخاوف من التدخل السياسي في البنك المركزي أحد العوامل التي أسهمت في تصاعد قلق المستثمرين بشأن إندونيسيا، كما أنها من الأسباب التي جعلت الروبية الإندونيسية العملة الأسوأ أداءً في الأسواق الآسيوية الناشئة.

وكان برابوو قد عيّن هذا العام أحد أقاربه، وهو ابن شقيقه، في منصب رفيع بالبنك المركزي، بينما وسّع البرلمان صلاحيات البنك لتشمل التركيز بصورة أكبر على دوره في دعم النمو الاقتصادي.

ويشعر المستثمرون أيضاً بالقلق إزاء الأوضاع المالية العامة في إندونيسيا، والتغييرات في سياسات التصدير، وقضايا الشفافية في سوق الأسهم.

وقالت دامايانتي إن الحكومة والبنك المركزي يناقشان بانتظام استراتيجية إصدار السندات بالروبية والعملات الأجنبية، وإدارة الاحتياطيات النقدية، والآليات المستخدمة لتحفيز الطلب على القروض.

وأضافت: «في إندونيسيا، الرئيس هو رئيس الحكومة ورئيس الدولة في الوقت نفسه. وبما أن البنك المركزي يتبع دولة إندونيسيا، فمن الطبيعي، في رأيي، أن يرغب الرئيس في الاطلاع على التطورات».

الالتزامات المستقبلية بالعملات الأجنبية ستُجدَّد

رفع بنك إندونيسيا أسعار الفائدة بإجمالي 100 نقطة أساس خلال مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، بهدف دعم الروبية التي تراجعت إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق في يونيو. وكانت دامايانتي آنذاك عضواً في مجلس إدارة البنك، وتشغل ثاني أعلى منصب فيه.

وأبقى البنك أسعار الفائدة من دون تغيير منذ ذلك الحين، لكنه قدّم خصماً على أدوات التحوط من تقلبات أسعار الصرف. ووصفت دامايانتي هذه الخطوة بأنها «مبتكرة»، مشيرة إلى أنها قد تزيد عوائد المستثمرين الأجانب من الأصول المقوّمة بالروبية بما يعادل 40 نقطة أساس، من دون الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة.

ورداً على سؤال بشأن احتمال استئناف دورة التشديد النقدي، قالت إن قرارات أسعار الفائدة ستظل مرتبطة بالبيانات الاقتصادية، مؤكدة استعداد البنك للتحرك عند الضرورة.

ووصفت حالة عدم اليقين العالمية والصراع في الشرق الأوسط بأنهما «ماراثون» يصعب التنبؤ بمساره، مشددة على ضرورة تعزيز قدرة البنك المركزي على تحمّل هذه الظروف ومواجهتها.

وبلغت احتياطيات إندونيسيا من العملات الأجنبية 146.3 مليار دولار في نهاية سبتمبر (أيلول)، وهو مستوى قالت دامايانتي إنه كافٍ للمساعدة في استقرار الروبية، رغم أن جزءاً من هذه الاحتياطيات يتكون من ودائع بالدولار الأميركي تضعها البنوك التجارية لدى البنك المركزي.

وتقدّر بعض الجهات في السوق الالتزامات المستقبلية المرتبطة بالاحتياطيات الأجنبية بنحو 30 مليار دولار.

وقالت دامايانتي إن معظم البنوك توظف أموالها في أدوات تستحق بعد عام واحد، وإن هذه التوظيفات تُجدَّد عادة عند الاستحقاق.

وأضافت: «لديهم عادة ما يُعرف بالمخزون الاحتياطي الثابت، وهو مركز مضمون الوجود باستمرار»، مشيرة إلى أن تحسن الصادرات من شأنه أن يعزز احتياطيات النقد الأجنبي بصورة أكبر.

تسويات بالعملات المحلية لتقليل الاعتماد على الدولار

يواصل بنك إندونيسيا إبرام اتفاقات مع شركائه التجاريين، ومن بينهم الصين واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، لاستخدام العملات المحلية في تسوية المعاملات التجارية والاستثمارية، بهدف تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي.

وقالت دامايانتي إن قيمة المعاملات التي جرت تسويتها بالعملات المحلية ارتفعت بقوة، لتصل إلى 49.42 مليار دولار خلال الفترة الممتدة حتى أغسطس (آب) من العام الحالي، مقارنة مع 25.74 مليار دولار خلال العام الماضي بأكمله.

وأضافت أن اليوان الصيني استحوذ على نحو ثلاثة أرباع إجمالي هذه المعاملات.

وأشارت إلى أن إندونيسيا تعمل أيضاً على إبرام اتفاق لتسوية المعاملات بالعملات المحلية مع الهند.


العقود الآجلة للأسهم الأميركية تتحرك هامشياً مع ترقب نتائج البنوك وبيانات التضخم

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

العقود الآجلة للأسهم الأميركية تتحرك هامشياً مع ترقب نتائج البنوك وبيانات التضخم

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)

تحركت العقود الآجلة للأسهم الأميركية في نطاق محدود، الاثنين، مع ترقب المستثمرين أسعار النفط والتطورات الجيوسياسية، قبيل صدور نتائج أعمال أكبر البنوك وبيانات التضخم المرتقبة هذا الأسبوع، التي قد تؤثر في مسار أسعار الفائدة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

وتذبذبت أسعار النفط بين الارتفاع والانخفاض، بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن روسيا وأوكرانيا اتفقتا على وقف الهجمات على منشآت الطاقة التابعة لكل منهما، عقب اتفاق مع موسكو بشأن إمدادات الديزل الأميركية. غير أن تفاصيل الاتفاق لم تتضح، كما يواجه المقترح معارضة في واشنطن، وفق «رويترز».

في المقابل، أبقت التوترات في الشرق الأوسط أسعار خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل.

وقال كريس بوشامب، كبير محللي الأسواق لدى «آي جي»، إن الآمال في أن يسهم اتفاق ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خفض الأسعار تبددت مع تجدد التصعيد في المنطقة.

وأضاف أن موسم إعلان نتائج الأعمال سيكون عاملاً رئيسياً في تحركات الأسواق هذا الأسبوع، لكن أخبار النفط ستظل حاضرة بقوة، بما قد يضغط على معنويات المستثمرين.

البنوك والتضخم تحت المجهر

وينطلق موسم إعلان نتائج الأعمال، الثلاثاء، مع ترقب نتائج عدد من أكبر البنوك الأميركية، بينها «ويلز فارغو» و«غولدمان ساكس» و«سيتي غروب» و«جيه بي مورغان تشيس».

وتشير بيانات «إل إس إي جي آي بي إي إس» إلى أن أرباح الشركات المدرجة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» يُتوقع أن ترتفع بنسبة 30.6 في المائة خلال الربع الثالث.

وبحلول الساعة 05:36 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 42 نقطة، أو 0.08 في المائة، وصعدت عقود «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 9.75 نقطة، أو 0.12 في المائة، في حين تراجعت عقود «ناسداك» 100 بمقدار 14.75 نقطة، أو 0.05 في المائة.

كانت المؤشرات الأميركية الرئيسية الثلاثة قد أنهت الأسبوع الماضي على ارتفاع، مدعومةً بالتفاؤل حيال نتائج الشركات في ظل طفرة الذكاء الاصطناعي، وبالآمال في أن يتجنب «الاحتياطي الفيدرالي» رفع أسعار الفائدة في المدى القريب، مما عوّض أثر التقلبات الحادة في أسواق النفط وسندات الخزانة.

وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى أعلى مستوياتها في 24 عاماً في وقت سابق من هذا الشهر، مع تأجيج ارتفاع أسعار الطاقة المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية، الأمر الذي قد يدفع صانعي السياسة النقدية إلى الإبقاء على نهج متشدد ويضغط على تقييمات الأسهم.

وتظل سوق سندات الخزانة الأميركية مغلقة الاثنين، بمناسبة عطلة يوم كولومبوس.

كما يترقب المستثمرون بيانات أسعار المستهلكين والمنتجين ومبيعات التجزئة في الولايات المتحدة خلال الأسبوع. ومن المتوقع أن تدفع أسعار الطاقة المرتفعة مؤشر أسعار المستهلكين العام إلى الارتفاع بنسبة 0.6 في المائة على أساس شهري و3.7 في المائة على أساس سنوي، في حين يُتوقع أن يرتفع التضخم الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، بنسبة 0.2 في المائة شهرياً و2.5 في المائة سنوياً.

وتُسعّر الأسواق احتمال رفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة هذا الشهر عند 19 في المائة فقط، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي».

وفي تحركات ما قبل افتتاح السوق، قفز سهم شركة «آيرن» بنسبة 5.4 في المائة، بعدما أفاد موقع «ذا إنفورميشن» بأن شركة «أنثروبيك» أبرمت اتفاقاً متعدد السنوات لخدمات الحوسبة السحابية مع الشركة المتخصصة في مراكز البيانات.


الشيخوخة تهدد ربع القوى العاملة في شرق آسيا

زحام في منطقة شيبويا التجارية الحيوية وسط العاصمة اليابانية بكين (رويترز)
زحام في منطقة شيبويا التجارية الحيوية وسط العاصمة اليابانية بكين (رويترز)
TT

الشيخوخة تهدد ربع القوى العاملة في شرق آسيا

زحام في منطقة شيبويا التجارية الحيوية وسط العاصمة اليابانية بكين (رويترز)
زحام في منطقة شيبويا التجارية الحيوية وسط العاصمة اليابانية بكين (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي من أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية قد تفقد ما يصل إلى ربع قواها العاملة بحلول عام 2050، نتيجة تسارع شيخوخة السكان، في تطور يهدد آفاق النمو الاقتصادي والإنتاجية والقدرة التنافسية لثلاثة من أبرز الاقتصادات الصناعية في آسيا.

وقال كريشنا سرينيفاسان، مدير إدارة آسيا والمحيط الهادئ في صندوق النقد الدولي، مساء الاثنين، إن التحولات الديموغرافية في الدول الثلاث قد تؤدي إلى انكماش القوى العاملة بنسبة تصل إلى 25 في المائة خلال العقود المقبلة.

وتسلط هذه التقديرات الضوء على تحدٍّ اقتصادي طويل الأمد، يتجاوز تأثيره سوق العمل ليشمل المالية العامة، وأنظمة التقاعد، والرعاية الصحية، فضلاً عن قدرة الشركات على الحفاظ على مستويات الإنتاج، والاستثمار.

وتواجه الاقتصادات الثلاثة مزيجاً من انخفاض معدلات المواليد، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، ما يؤدي تدريجياً إلى تراجع أعداد السكان في سن العمل مقابل زيادة أعداد كبار السن.

ورغم اختلاف الظروف الاقتصادية والسياسات السكانية بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية، فإنها تشترك في تحدٍّ أساسي يتمثل في كيفية الحفاظ على النمو مع تقلص قاعدة العمالة التي يعتمد عليها الإنتاج، والاستهلاك، والإيرادات الضريبية.

ضغوط على النمو والإنتاجية

يمثل تقلص القوى العاملة أحد أبرز المخاطر الهيكلية التي تواجه الاقتصادات المتقدمة والصاعدة في شرق آسيا، خصوصاً أن نمو الناتج الاقتصادي يعتمد على حجم العمالة، ومستوى إنتاجيتها، والاستثمارات المتاحة لها.

ومع انخفاض عدد العاملين، تصبح زيادة الإنتاجية شرطاً أساسياً للحفاظ على معدلات النمو، وهو ما يتطلب استثمارات أكبر في التكنولوجيا، والأتمتة، وتطوير المهارات.

وفي اليابان، التي تواجه منذ سنوات تحديات الشيخوخة، وتراجع السكان، أصبحت ندرة العمالة عاملاً مؤثراً في قرارات الشركات المتعلقة بالتوظيف، والأجور، والاستثمار في المعدات الموفرة للعمالة.

أما الصين، فإنها تواجه تحدياً أكثر تعقيداً بسبب الحجم الكبير لاقتصادها، وقاعدتها الصناعية، إلى جانب حاجتها إلى تعزيز الاستهلاك المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستثمار، والصادرات.

وقد يؤدي تقلص السكان في سن العمل إلى إبطاء نمو الإنتاج الصناعي، والخدمات، ما لم تتمكن الشركات من تعويض نقص العاملين بتحسين الكفاءة، وتبني التقنيات الحديثة.

وفي كوريا الجنوبية، يثير انخفاض معدلات المواليد مخاوف بشأن قدرة الاقتصاد على توفير العمالة اللازمة للقطاعات الصناعية والتكنولوجية والخدمية خلال العقود المقبلة.

المالية العامة أمام اختبار صعب

لا تقتصر تداعيات الشيخوخة على تراجع أعداد العاملين، بل تمتد إلى زيادة الضغوط على الموازنات الحكومية.

فمع ارتفاع نسبة كبار السن تتزايد احتياجات الإنفاق على المعاشات، والرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية، في وقت قد يتباطأ فيه نمو الإيرادات الضريبية نتيجة تقلص قاعدة العاملين.

ويفرض هذا التحول تحدياً مزدوجاً على الحكومات، يتمثل في تمويل الالتزامات الاجتماعية المتزايدة دون تحميل الأجيال الأصغر أعباء ضريبية كبيرة قد تؤثر في الاستهلاك، والاستثمار.

كما قد يؤدي ارتفاع الإنفاق المرتبط بالشيخوخة إلى تقليص الموارد المتاحة لمشروعات البنية التحتية، والتعليم، والبحث العلمي، ما يجعل تحسين كفاءة الإنفاق العام أكثر أهمية.

وتكتسب هذه القضية حساسية خاصة في اليابان، حيث تمثل استدامة المالية العامة وإدارة الدين الحكومي تحديين رئيسين، بينما تحتاج الصين وكوريا الجنوبية إلى الاستعداد المبكر لارتفاع تكاليف الشيخوخة.

التكنولوجيا وسيلة لتعويض نقص العمالة

قد يوفر التقدم في الذكاء الاصطناعي والروبوتات الصناعية والأتمتة فرصة لتخفيف الآثار الاقتصادية لتراجع القوى العاملة.

وتتمتع الاقتصادات الثلاثة بقدرات صناعية وتكنولوجية يمكن توظيفها لرفع إنتاجية العاملين، وتقليل الاعتماد على العمالة البشرية في بعض الأنشطة.

لكن نجاح هذا المسار يتطلب استثمارات مستمرة في تدريب الموظفين، وإعادة تأهيلهم، لضمان قدرتهم على استخدام التقنيات الجديدة، والانتقال إلى وظائف أكثر إنتاجية.

كما أن التكنولوجيا لا تستطيع معالجة جميع آثار الشيخوخة، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على التفاعل البشري المباشر، مثل الرعاية الصحية، وخدمات كبار السن.

وقد يؤدي ارتفاع الطلب على هذه الخدمات إلى زيادة المنافسة على العمالة، ما يرفع تكاليف التشغيل، ويزيد الحاجة إلى تطوير نماذج عمل أكثر كفاءة.

إصلاحات سوق العمل ضرورة متزايدة

إلى جانب التكنولوجيا، يمكن أن تساعد إصلاحات سوق العمل في الحد من تأثير التراجع الديموغرافي، من خلال زيادة مشاركة النساء وكبار السن في النشاط الاقتصادي، وتحسين مرونة أنظمة التوظيف.

كما يمكن أن يسهم رفع سن التقاعد تدريجياً، حيثما تسمح الظروف الصحية، والاجتماعية، في إبطاء تقلص القوى العاملة، وتخفيف بعض الضغوط على أنظمة المعاشات.

وتبرز أيضاً أهمية السياسات الداعمة للأسر -مثل توفير خدمات رعاية الأطفال، وتحسين التوازن بين العمل والحياة- في معالجة بعض العوامل التي تسهم في انخفاض معدلات المواليد.

غير أن تأثير هذه الإجراءات على حجم القوى العاملة يحتاج إلى سنوات طويلة، ما يجعل الإصلاحات قصيرة ومتوسطة الأجل ضرورية بالتوازي مع السياسات السكانية.

وقد تلجأ بعض الاقتصادات إلى توسيع استقطاب العمالة الأجنبية لسد النقص في قطاعات محددة، وإن كان نجاح هذا الخيار يرتبط بالاعتبارات السياسية، والاجتماعية، وطبيعة أسواق العمل المحلية.

تحول اقتصادي يتجاوز الحدود الوطنية

يمكن أن تمتد آثار تقلص القوى العاملة في الصين واليابان وكوريا الجنوبية إلى الاقتصاد العالمي، نظراً إلى الدور المحوري للدول الثلاث في التجارة الدولية، وسلاسل التوريد، والصناعات المتقدمة.

فأي تغير في تكاليف الإنتاج أو الطاقة الصناعية لهذه الاقتصادات قد ينعكس على أسعار السلع، والتكنولوجيا، وتدفقات الاستثمار عبر الحدود.

كما قد تدفع ندرة العمالة الشركات إلى إعادة توزيع بعض أنشطتها الإنتاجية، أو زيادة الاستثمار في المصانع المؤتمتة، بما يعيد تشكيل أنماط التجارة والاستثمار في آسيا.

وفي المقابل، قد تستفيد اقتصادات آسيوية تتمتع بتركيبة سكانية أصغر سناً من فرص استقطاب الاستثمارات، والأنشطة الصناعية الباحثة عن العمالة.

ويضع تحذير صندوق النقد الدولي صناع القرار أمام ضرورة التعامل مع الشيخوخة باعتبارها قضية اقتصادية مركزية، وليست مجرد تحول سكاني تدريجي.

فقدرة الصين واليابان وكوريا الجنوبية على الحفاظ على مكانتها الاقتصادية بحلول منتصف القرن ستعتمد بدرجة كبيرة على نجاحها في رفع الإنتاجية، وإصلاح أسواق العمل، وتطوير أنظمة التقاعد، والرعاية الاجتماعية.

ومع احتمال فقدان ما يصل إلى ربع القوى العاملة بحلول عام 2050، تصبح الاستجابة المبكرة لهذه التحولات عاملاً حاسماً في تحديد مسار النمو والاستقرار المالي في شرق آسيا خلال العقود المقبلة.