11 سبتمبر... فاتورة تتجاوز 8 تريليونات دولار

ربع قرن من الحروب والأمن والديون والتعويضات

حريق برجي مركز التجارة الأميركي بمدينة نيويورك في يوم 11 سبتمبر عام 2001 (أ.ف.ب)
حريق برجي مركز التجارة الأميركي بمدينة نيويورك في يوم 11 سبتمبر عام 2001 (أ.ف.ب)
TT

11 سبتمبر... فاتورة تتجاوز 8 تريليونات دولار

حريق برجي مركز التجارة الأميركي بمدينة نيويورك في يوم 11 سبتمبر عام 2001 (أ.ف.ب)
حريق برجي مركز التجارة الأميركي بمدينة نيويورك في يوم 11 سبتمبر عام 2001 (أ.ف.ب)

بعد 25 عاماً على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لم تعد التكلفة الاقتصادية لذلك اليوم قابلة للقياس بقيمة برجي مركز التجارة العالمي اللذين انهارا، أو بالطائرات التي دُمرت، أو حتى بالدخل الذي فقده الضحايا. فالصدمة التي استمرت ساعات تحولت إلى واحدة من أطول الفواتير الاقتصادية في التاريخ الأميركي الحديث، امتدت من إعادة بناء مانهاتن إلى حربي أفغانستان والعراق، ومن إنشاء منظومة أمن داخلي ضخمة إلى فوائد الديون ورعاية المحاربين القدامى وتعويض المصابين بأمراض مرتبطة بالهجمات.ولا يوجد رقم واحد متفق عليه يمثل «تكلفة 11 سبتمبر»، لأن النتيجة تتغير وفق العناصر التي تدخل في الحساب. فإذا اقتصر القياس على الدمار والخسائر الاقتصادية المباشرة في نيويورك، نتحدث عن عشرات المليارات من الدولارات. أما إذا شمل الحروب وبرامج مكافحة الإرهاب والأمن الداخلي وفوائد الاقتراض والتزامات رعاية المحاربين القدامى، فإن الفاتورة تتجاوز 8 تريليونات دولار، مع استمرار بعض الالتزامات لعقود مقبلة. ويؤكد «مشروع تكاليف الحرب» التابع لمعهد واتسون للشؤون الدولية والعامة في جامعة براون، أن هذا الرقم يمثل الإنفاق والالتزامات الفيدرالية المرتبطة بحروب ما بعد 11 سبتمبر، وليس خسائر الهجمات المباشرة نفسها.

إحياء ذكرى 11 سبتمبر في مدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

* عشرات المليارات في ساعات

في الحلقة الأولى من الخسائر، قدّر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك التكلفة المباشرة للهجوم على المدينة بما يتراوح بين 33 و36 مليار دولار. وشمل ذلك نحو 21.6 مليار دولار لإصلاح واستبدال المباني والبنية التحتية والممتلكات، و7.8 مليار دولار من الدخل المتوقع على مدى حياة الأشخاص الذين قتلوا، وما بين 3.6 و6.4 مليار دولار من الأجور المفقودة بسبب تعطل النشاط الاقتصادي.

لكن التقديرات الأوسع كانت أكبر بكثير؛ فقد راجع «مكتب محاسبة الحكومة الأميركية» ثماني دراسات عن التداعيات الاقتصادية، وخلص إلى أن دراسة «مؤسسة شراكة مدينة نيويورك» قدمت التقدير الأكثر شمولاً آنذاك. وقدرت المؤسسة الخسائر المباشرة وغير المباشرة بنحو 83 مليار دولار بأسعار 2001، منها نحو 67 مليار دولار كان متوقعاً تعويضها من التأمين والمساعدات الفيدرالية أو النشاط الاقتصادي الذي ولدته عمليات التعافي وإعادة البناء.

وامتدت الصدمة سريعاً إلى قطاعات بعيدة عن موقع الهجمات، خصوصاً الطيران والسياحة والفنادق والتأمين والأسواق المالية. كما أجبرت الحكومة والشركات على إعادة تعريف مفهوم المخاطر الأمنية، لتبدأ مرحلة جديدة أصبح فيها الإنفاق على الحماية من الإرهاب بنداً دائماً في الاقتصاد الأميركي.

برج مركز التجارة الأميركي الجديد في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

* من هجوم إلى حرب عالميةالقفزة الكبرى في الفاتورة جاءت مع إطلاق الولايات المتحدة ما سمته «الحرب العالمية على الإرهاب»، بدءاً من غزو أفغانستان في 2001، ثم العراق في 2003، واتساع العمليات العسكرية ومكافحة الإرهاب إلى مناطق متعددة حول العالم.ويقدر «مشروع تكاليف الحرب» في جامعة براون أن الحكومة الأميركية أنفقت أو التزمت بإنفاق أكثر من 8 تريليونات دولار على حروب ما بعد 11 سبتمبر وتداعياتها. ويشمل الحساب الإنفاق العسكري، والزيادات المرتبطة بالحروب في الموازنة الأساسية لوزارة الدفاع، ونفقات وزارة الخارجية، وبرامج مكافحة الإرهاب والأمن الداخلي، وفوائد الاقتراض، إضافة إلى الرعاية الحالية والمستقبلية للمحاربين القدامى.ومن هذا الإجمالي، قدرت دراسة الميزانية الأساسية للمشروع الإنفاق والالتزامات حتى السنة المالية 2022 بنحو 5.8 تريليون دولار، قبل إضافة أكثر من 2.2 تريليون دولار من الالتزامات المستقبلية المقدرة لرعاية المحاربين القدامى، ليصل الإجمالي إلى نحو 8 تريليونات دولار.

وهنا تظهر واحدة من أهم السمات الاقتصادية للحروب التي أعقبت الهجمات، وهي أن واشنطن لم تمولها بالكامل من الإيرادات الجارية أو زيادات ضريبية مخصصة، وإنما اعتمدت بدرجة كبيرة على الاقتراض. ولذلك لا تنتهي التكلفة بانتهاء العمليات العسكرية، بل تنتقل إلى الموازنات التالية في صورة فوائد ومدفوعات دين.

إحياء ذكرى 11 سبتمبر في مدينة نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)

* فاتورة المحاربين لم تبلغ ذروتهاتمثل رعاية المحاربين القدامى أحد أكبر الالتزامات طويلة الأجل. وتقدر الباحثة ليندا بيلمز، في دراسة ضمن «مشروع تكاليف الحرب»، أن النفقات الطبية وتعويضات العجز والمزايا المرتبطة بالمحاربين في حروب ما بعد 11 سبتمبر ستصل إلى ما بين 2.2 و2.5 تريليون دولار بحلول 2050.الأهم أن الجزء الأكبر من هذه التكلفة لم يُدفع بعد، إذ تزداد احتياجات الرعاية الصحية مع تقدم المحاربين القدامى في العمر. وتشير الدراسة إلى أن الإنفاق على رعاية المحاربين القدامى ارتفع من 2.4 في المائة من الموازنة الفيدرالية في السنة المالية 2001 إلى 4.9 في المائة في 2020، رغم تراجع العدد الإجمالي للمحاربين القدامى الأحياء من مختلف الحروب الأميركية.هكذا تظل الحروب مكلفة مالياً حتى بعد مغادرة آخر جندي ساحة القتال، لأن التعويضات والرعاية الصحية تستمران لعقود.

إحياء ذكرى 11 سبتمبر في مدينة نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)

* أمراض «ما بعد البرجين»هناك فاتورة أخرى ما زالت تتضخم في نيويورك نفسها، فالغبار والمواد السامة التي انتشرت بعد انهيار مركز التجارة العالمي خلّفت أمراضاً مزمنة بين رجال الإطفاء وعمال الإنقاذ والتنظيف والسكان والعاملين في المنطقة.وفق أحدث بيانات وزارة العدل الأميركية، تلقى «صندوق تعويض ضحايا 11 سبتمبر» حتى 31 أغسطس (آب) 2026 أكثر من 112 ألف مطالبة، ومنح أكثر من 18.56 مليار دولار لأكثر من 77 ألف مطالب منذ إعادة فتحه في 2011. وقد مُدّد الموعد النهائي لتقديم المطالبات حتى الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2090، ما يجعل التعويضات الصحية المرتبطة بالهجمات التزاماً يمتد إلى نهاية القرن تقريباً.

بالتوازي، يقدم «برنامج الصحة الخاص بمركز التجارة العالمي»، الذي يديره «المعهد الوطني للسلامة والصحة المهنية» التابع لـ«مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها»، المتابعة الطبية والعلاج لأكثر من 125 ألفاً من المستجيبين للهجمات والناجين منها. والبرنامج، الذي أنشئ بموجب «قانون جيمس زادروغا للصحة والتعويض عن أحداث 11 سبتمبر»، مخول بالعمل حتى عام 2090.ومن عام 2011 إلى عام 2024، خصص البرنامج 180.3 مليون دولار للأبحاث الطبية، إضافة إلى 99.2 مليون دولار لـ«سجل الصحة الخاص بمركز التجارة العالمي»، فيما يستمر تمويل الأبحاث المتعلقة بالتأثيرات الجسدية والنفسية طويلة الأجل حتى 2090.

إحياء ذكرى 11 سبتمبر في مدينة نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)

* التكلفة التي لا تظهر في الموازنةلكن حتى رقم 8 تريليونات دولار لا يقدم الصورة الاقتصادية كاملة، لأن هناك ما يسميه الاقتصاديون «تكلفة الفرصة البديلة»، التي تتمثل في فرضية «ماذا كان يمكن للولايات المتحدة أن تحقق لو وُجه جزء من تلك التريليونات إلى البنية التحتية أو التعليم أو الصحة أو البحث العلمي أو خفض الدين؟».ويشير «مشروع تكاليف الحرب» إلى أن قطاعات مثل التعليم والطاقة النظيفة تستطيع توليد وظائف أكثر لكل دولار إنفاق مقارنة بالقطاع الدفاعي. كما أن تقدير 8 تريليونات دولار نفسه لا يشمل فوائد مستقبلية إضافية ستترتب على الاقتراض المستخدم لتمويل الحروب، ما يعني أن الحساب سيواصل الارتفاع.تضاف إلى ذلك تكاليف يصعب تحويلها إلى رقم دقيق، مثل الوقت الإضافي والإجراءات الأمنية في المطارات والمواني، وتكاليف الامتثال التي تحملتها الشركات، والاستثمارات الهائلة في المراقبة والأمن الإلكتروني وحماية البنية التحتية.

إحياء ذكرى 11 سبتمبر في مدينة نيويورك الأميركية (أ.ف.ب)

* حساب لم يُغلق بعدبعد ربع قرن، تكشف الأرقام أن الأثر الاقتصادي الأكبر لهجمات 11 سبتمبر لم يقع في ذلك الصباح نفسه، بل نتج عن القرارات والسياسات التي اتخذت في السنوات التالية، فالخسائر المباشرة في نيويورك بلغت عشرات المليارات، لكن الرد الأميركي عليها خلق التزامات تقاس بالتريليونات. وبين حروب ما بعد 11 سبتمبر التي تجاوزت تكلفتها وارتباطاتها المستقبلية 8 تريليونات دولار، ورعاية المحاربين القدامى التي قد تستمر في التصاعد حتى منتصف القرن، وبرامج الصحة والتعويضات الممولة حتى 2090، أصبحت التداعيات الاقتصادية للحدث عابرة للأجيال.بذلك، فإن التكلفة الاقتصادية الحقيقية لـ11 سبتمبر ليست رقماً تاريخياً يمكن إغلاق دفاتره في الذكرى الخامسة والعشرين. فالحدث الذي استمر ساعات أعاد تشكيل أولويات الإنفاق والأمن والسياسة الخارجية الأميركية لعقود، وما زالت أجزاء من فاتورته تُدفع اليوم، بينما ستتحمل أجيال لم تكن قد ولدت في 2001 جانباً من تكاليفه حتى النصف الثاني من هذا القرن.


مقالات ذات صلة

«اتحاد الشغل» التونسي يدعو إلى التظاهر لـ«تصحيح المسار»

شمال افريقيا مظاهرة سابقة نظمها «اتحاد الشغل» التونسي في العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية (الاتحاد)

«اتحاد الشغل» التونسي يدعو إلى التظاهر لـ«تصحيح المسار»

دعا «اتحاد الشغل» لمظاهرات مكثفة بعد غد السبت، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتدني الخدمات العامة، وللمطالبة بالحريات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
الاقتصاد شاحنات تحمل الفحم في ميناء البضائع بمدينة ليانينغانغ الصينية (أ.ف.ب)

صندوق النقد يدعو الصين إلى تحفيز مالي أكبر

دعا صندوق النقد الدولي الصين لتوسيع إجراءات التحفيز المالي بصورة ملموسة، محذراً من أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم لا يزال يواجه خطر الانزلاق إلى الانكماش السعري

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

بنك اليابان يمهد لمزيد من رفع الفائدة

تزداد مؤشرات احتمال استمرار بنك اليابان بتشديد سياسته النقدية خلال الأشهر المقبلة، بعدما حذرت عضو مجلس إدارته جونكو كويدا من المبالغة في الحذر بشأن رفع الفائدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)

أوروبا تصعّد ضغوطها التجارية على الصين

تدخل العلاقات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة من المفاوضات المعقدة، مع اجتماع قادة الدول الأوروبية السبع والعشرين في بروكسل

«الشرق الأوسط» (بروكسل - بكين)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في لقاء الشهر الماضي مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في نيويورك (أ.ف.ب)

اليابان تستثمر 21 مليار دولار في صناعة الرقائق الأميركية

تعتزم اليابان استثمار ما يصل إلى 21 مليار دولار لإنشاء مصنعين لأشباه الموصلات في ولاية نيويورك الأميركية، ضمن شراكة مع الحكومة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو - نيويورك)

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
TT

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)

تعهدت دول مجموعة السبع بتخصيص 2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر عرضة للمخاطر، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتداعياته على إمدادات الأسمدة وتكاليف الغذاء، وفق ما أعلنه وزير الاقتصاد الفرنسي، رولان ليسكور، الخميس.

وقال ليسكور، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، إن البنك الدولي حدد 44 دولة قد تواجه مشكلات في الأمن الغذائي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية.

وأوضح الوزير الفرنسي أن التعهد يستهدف مساعدة الدول الأكثر فقراً، مع تركيز خاص على الأسمدة، التي تُعد عنصراً أساسياً في الإنتاج الزراعي، في وقت تؤدي فيه اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط على أسعار الغذاء.

وفي سياق آخر، قال ليسكور إن دول المجموعة جمعت 260 مليون يورو (291 مليون دولار) للمساهمة في إصلاح القبة الواقية في موقع كارثة تشيرنوبل النووية، التي تضررت جراء هجمات روسية في فبراير (شباط) 2025.

وكانت فرنسا، التي تتولى الرئاسة الحالية لمجموعة السبع، قد قدرت في مارس (آذار) الماضي تكلفة الإصلاحات بنحو 500 مليون يورو، ودعت الدول الأعضاء إلى المساهمة في تمويلها. وأعلنت الولايات المتحدة في أبريل (نيسان) تقديم 100 مليون دولار لهذا الغرض.

وأضاف ليسكور أن هناك حاجة إلى تأمين بضعة ملايين إضافية من اليورو، مشيراً إلى تنظيم مؤتمر للتعهدات المالية في باريس خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لجمع مزيد من التمويل. كما أكد استمرار رغبة دول المجموعة في دعم أوكرانيا.


وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
TT

وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

أعلن مجلس إدارة وكالة الطاقة الدولية عزمه تسريع الإفراج عن الكميات المتبقية من الاحتياطيات النفطية، والبالغة نحو 100 مليون برميل، في إطار التحرك الجماعي الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي استجابةً لأزمة مضيق هرمز، وذلك في ظل استمرار شح أسواق النفط، خصوصاً الديزل.

وقال المجلس، في بيان صدر الخميس، إن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن نحو 330 مليون برميل، فيما اتفقت على اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال الكميات المتبقية في الوقت المناسب، مع مراعاة الظروف الوطنية لكل دولة.

وأوضح أن خططاً محددة وُضعت لتسريع الإفراج عن الكميات المتبقية، تشمل إتاحة أكثر من 20 مليون برميل من الديزل في أقرب وقت ممكن، في وقت تواصل فيه الوكالة مراقبة تطورات الأسواق وتقييم احتياجاتها.

وأشار المجلس إلى أن بعض الدول الأعضاء أفرجت عن كميات تفوق ما تعهّدت به في مارس، فيما تعتزم دول أخرى زيادة الكميات المطروحة، بما يرفع إجمالي الاحتياطيات المقرر الإفراج عنها إلى أكثر من 400 مليون برميل، وهو الحجم الأصلي للعمل الجماعي.

ودعا المجلس الدول الأعضاء التي تمتلك قدرات لإنتاج النفط وتكريره إلى زيادة إمدادات الخام والمنتجات المكررة، مع التركيز على الديزل، مؤكداً أهمية ضمان حرية تدفق تجارة الطاقة.

وجاء البيان عقب اجتماع مجلس الإدارة، الذي أكد التزام الوكالة بأمن الطاقة العالمي، مشيراً إلى أحدث تقييمات أمانتها العامة التي تظهر استمرار الضغوط على أسواق النفط، ولا سيما سوق الديزل.

وأضاف أن الوكالة ستواصل متابعة تنفيذ خطة مارس، بما يتماشى مع بيان قادة مجموعة السبع، وستطلع قادة المجموعة ومجلس إدارتها على التقدم المحرز، وأي إجراءات إضافية قد تستدعيها تطورات السوق، استناداً إلى تقييم محدث يُركز على سوق الديزل.


أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، في أعقاب تقلبات واسعة النطاق في الأسواق العالمية أثارت مخاوف بشأن استدامة «حمى» الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة، مُسجِّلاً تراجعاً للمرة السادسة خلال الأيام الـ7 التي أعقبت وصوله إلى مستوى قياسي. وأدى ضعف أسهم الذكاء الاصطناعي إلى هبوط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.2 في المائة، ليسجِّل أكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية، في حين أظهرت قطاعات أخرى من سوق الأسهم مزيداً من الصمود. وفي الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 251 نقطة، أو بنسبة 0.5 في المائة، كما سجَّلت غالبية الأسهم الأميركية مكاسب.

وتزامنت هذه التقلبات مع صدور تقرير أظهر تسارع التضخم في الولايات المتحدة بوتيرة تجاوزت توقعات الاقتصاديِّين. ويُعزى استمرار ارتفاع الأسعار جزئياً إلى مواصلة المستهلكين الإنفاق رغم زيادة التكاليف، إذ أظهر تقرير منفصل، صدر يوم الخميس، أن إيرادات تجار التجزئة الأميركيِّين خلال الشهر الماضي تجاوزت توقعات المحللين.

وبالنسبة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، بدأت موجة الهبوط الحادة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، قبل أن تمتد تداعياتها إلى الأسواق الآسيوية، حيث تراجع مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية بنسبة 7.6 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» في اليابان بنسبة 4.9 في المائة، لتعود هذه التقلبات وتلقي بظلالها على الأسواق الأميركية.

وتشكِّل هذه التطورات أحدث حلقة في سلسلة من التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، والتي قادت أداء الأسواق لسنوات. وتضخ الشركات استثمارات ضخمة في هذا المجال، أملاً في زيادة أرباحها وتعزيز الإنتاجية. غير أن إنشاء مراكز البيانات وتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي يتطلبان تكاليف باهظة، ما دفع كثيراً من الشركات إلى اللجوء إلى الاقتراض لتمويل هذه الاستثمارات.

ومع وصول عوائد السندات في الأسواق العالمية إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ سنوات، تزداد المخاوف بشأن قدرة الشركات على مواصلة هذا الإنفاق المتسارع. فقد راكمت شركات كثيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ديوناً كبيرة في إطار سعيها إلى تحقيق طموحاتها التوسعية، في حين تتعرَّض أسهمها لضغوط متزايدة بفعل أعباء التمويل.

وفي هذا السياق، تراجع سهم شركة «كور ويف» المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، بنسبة 7 في المائة، بعد هبوطه بنسبة 15.5 في المائة في الجلسة السابقة. وكانت الشركة قد أعلنت خلال الصيف أنها ستسدد ديوناً مستحقة بقيمة 4.41 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الحالي، إضافة إلى 6.18 مليار دولار في عام 2027. وحتى 30 يونيو (حزيران)، كانت الشركة تمتلك سيولةً نقديةً تزيد على 5.5 مليار دولار.

كما تجعل العوائد المرتفعة في سوق السندات المستثمرين أقل استعداداً، بوجه عام، لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم، لا سيما تلك التي تُتداول عند مستويات تقييم عالية.

وتراجع سهم «إنفيديا» الشركة المتخصصة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.1 في المائة، ليكون أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكانت الشركة قد استفادت من طفرة الذكاء الاصطناعي لتصبح الأعلى قيمة سوقية في «وول ستريت»، في حين حقَّق سهمها مكاسب بنحو 1415 في المائة منذ نهاية عام 2022 وحتى بداية تعاملات يوم الخميس.

وجاءت هذه الخسائر رغم إعلان إحدى الشركات الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تُعد نتائجها مؤشراً على أداء القطاع، أرباحاً قوية. فقد أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي) نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين، بينما قال المدير المالي للشركة، ويندل هوانغ، إن التوقعات تشير إلى استمرار قوة الطلب خلال الأشهر الـ3 الأخيرة من عام 2026.

ورغم هذه النتائج، فإن سهم الشركة المدرج في الولايات المتحدة انخفض بنسبة 4.4 في المائة.

وكانت شركة أخرى محورية في قطاع الذكاء الاصطناعي قد أعلنت، يوم الأربعاء، نتائج قوية للأرباح، لكنها لم تنجح بدورها في استعادة حماسة المستثمرين تجاه القطاع. وقال كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه إس إم إل» الهولندية، إن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي قوي للغاية، إلى درجة أن بعض العملاء يتحدثون عن تقديم طلبيات تمتد حتى عامي 2029 و2030.

في المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعاملات يوم الخميس، في إشارة إلى ارتفاع أسعار السندات مع إقبال المستثمرين على شرائها. وتُعدُّ سندات الخزانة من الأصول الاستثمارية الأكثر أماناً نسبياً، نظراً إلى انخفاض مخاطر تعثر الحكومة الأميركية عن السداد، وغالباً ما يزداد الإقبال عليها في أوقات القلق والاضطرابات في الأسواق.

وانخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5.05 في المائة، مقارنة بـ5.19 في المائة في وقت متأخر من يوم الأربعاء. وكانت العوائد قد تجاوزت 5.30 في المائة في وقت سابق من الشهر الحالي، مسجِّلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم، ومؤشرات على استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وجاء تراجع العوائد رغم صدور بيانات اقتصادية أميركية أقوى من المتوقع، وهي بيانات من شأنها عادةً أن تدفع العوائد إلى الارتفاع. فإلى جانب بيانات مبيعات التجزئة، أظهر تقرير آخر أن عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي جاء أقل من توقعات الاقتصاديين، ما قد يشير إلى تراجع وتيرة تسريح العمال في البلاد.

وفي الأسواق العالمية، تكبَّدت الأسهم الكورية الجنوبية أكبر الخسائر، إذ هبط مؤشر «كوسبي»، الذي تهيمن على أدائه شركتا الرقائق الإلكترونية «سامسونغ للإلكترونيات» و«إس كيه هاينكس» مُسجِّلاً أسوأ أداء يومي له منذ يوليو (تموز). وبذلك، يكون المؤشر قد تراجع بنسبة 39 في المائة مقارنة بمستواه القياسي المُسجَّل في يونيو الماضي.