سندات لبنان تسعّر التعافي قبل اكتمال التسوية

الأسعار تقترب من 30 سنتاً للدولار رغم تعثر الإصلاح وإعادة هيكلة الدين

سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

سندات لبنان تسعّر التعافي قبل اكتمال التسوية

سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تغرّد «سندات لبنان الدولية (اليوروبوندز)» خارج نطاق الخسائر المالية الجسيمة الناجمة عن جولات الحرب، وبمنأى عن حال الانكماش الحاد التي أصابت المؤشرات الاقتصادية الأساسية، لتقترب مجدداً من عتبة 30 في المائة من قيمتها الاسمية، بعد ارتفاعات متتالية قاربت نسبها المجمعة الأعلى، نحو 28 في المائة من بداية السنة، وفق توزيع الشرائح والاستحقاقات.

ويثير الإقبال الأجنبي على حيازة السندات، والمساهمة تلقائياً في رفع أسعار تداولها، تساؤلات محقّة بشأن التوقعات الاستثمارية وخلفياتها، في ظل استمرار توغّل البلد واقتصاده في حال «عدم اليقين»، المعزّزة بحروب تدميرية ومخاوف مشروعة من احتمالات تجدّدها أو توسع نطاقها، بينما يستمر التباطؤ من قبل الحكومة في تحديد خريطة طريق إعادة هيكلة الدين العام، ويتعثر عقد اتفاق تمويلي مساند مع «صندوق النقد الدولي» بسبب العجز عن استكمال الاستجابة لشروطه الحاكمة.

وتشير المؤسسة المصرفية الدولية «غولدمان ساكس»، في تقييم محدث، إلى أن «مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع لا يزال عالقاً»، وهو عنصر أساسي في أي تسوية شاملة للأزمة المالية. في حين تنوه بأن إقرار «قانون إعادة هيكلة المصارف» المعدّل في أغسطس (آب) الماضي، أزال عقبة مهمة من أمام برنامج محتمل مع «صندوق النقد» وإعادة هيكلة الدين.

ولم يكن عابراً في التقييم الجديد من المؤسسة الدولية، الذي وردت خلاصاته في تحليل من بنك «بلوم أنفست»، التنويه بأن بلوغ أسعار السندات عتبة 30 سنتاً لكل دولار، ربما ينطوي على تفاؤل «أكبر من اللازم» أو مبالغ فيه، بوصف أن الطريق لإعادة هيكلة الدين العام لا تزال تواجه عقبات جيوسياسية وتشريعية كبيرة.

«مصرف لبنان المركزي» (المصرف)

ومن دون مواربة، وأبعد من مجرد القول إن الأسعار مرتفعة، تعدّ المؤسسة أن حلّ مسألة سلاح «حزب الله» وإعادة احتكار الدولة استخدام القوة يمثل، عملياً، شرطاً مهماً للحصول على دعم مالي دولي واسع، حتى لو لم يكن ذلك شرطاً رسمياً لـ«صندوق النقد». في حين أن استمرار خطر الصراع يجعل التقدم نحو إعادة هيكلة الدين صعباً؛ ولهذا تحديداً، فإن التداول السوقي للسندات بأسعار مرتفعة حالياً (29 سنتاً للدولار)، لا يعكس، بصورة كافية، المخاطر المتبقية.

ويقع ضمن الشروط الدولية لاستدامة الدين وتدفق التمويلات والقروض الخارجية، وفق مسؤول مالي رفيع المستوى تواصلت معه «الشرق الأوسط»، مبادرة وزارة المال إلى إطلاق جولات مفاوضات مباشرة مع الدائنين، توخياً لإبرام اتفاقية رضائية تحدّد قيم السداد للأصول والفوائد والجدول الزمني الجديد، تبعاً لتوفر الإمكانات المالية وفائض الموازنة؛ مما يشكل المدخل البديهي لعودة لبنان، بقطاعيه العام والخاص، إلى الأسواق المالية الدولية.

ويرتقب، في حال «تقدم» التسويات الكبرى ونجاحها في تكريس سيادة الدولة ومرجعيتها السيادية في قرارات الحرب والسلم، والتقدم الموازي في الإصلاحات المالية، تبيان التأثير الأوضح على قيمة هذه الأصول المستحقة، من خلال تيسير المفاوضات المباشرة مع الدائنين المحليين والأجانب، لا سيما بعد تحرّر الموازنة تقنياً وفعلياً من نحو ثلثي قيمة الدين العام المحرر بالليرة، الذي «تبخرت» قيمته الحقيقية إلى أقل من مليار دولار؛ من جراء الانهيار الكارثي لسعر الصرف.

وتشير الترقبات الاستثمارية إلى أن عملية إعادة هيكلة هذه الشريحة من الديون العامة، وفق الخيارات التي أوردتها مؤسسات مالية ووكالات تصنيف دولية، بينها «مورغان ستانلي» و«موديز»، ستفضي إلى شطب نحو 65 في المائة من قيمتها الاسمية، أي بنسبة استرداد تبلغ 35 في المائة، وربما ترتقي إلى نسبة 40 و45 في المائة، وفق سيناريو أكبر تفاؤلاً يفترض رفد الإصلاحات بخطة مالية متوسطة المدى وبإعادة تنشيط القطاع المالي، أو تنحدر إلى نحو 25 في المائة في حال المراوحة وبطء الإصلاحات الهيكلية وتعذر عقد الاتفاق مع «صندوق النقد».

الدخان يتصاعد في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية على مدينة عربصاليم (رويترز)

وتضم قائمة حاملي «اليوروبوندز» بنوكاً ومؤسسات مالية وصناديق استثمارية دولية، بينها «بلاك روك»، و«آشمور»، بنسب مجمّعة حاكمة تتعدّى 40 في المائة، إلى جانب المصارف المحلية، و«المصرف المركزي»، ومستثمرين محليين وأجانب. في حين، تنص العقود القانونية للإصدارات على الاحتكام إلى محاكم نيويورك، وإلزامية موافقة 75 في المائة من الدائنين على أي اتفاقية جديدة تتضمن إعادة هيكلة قيم السداد وخفض الفوائد وتمديد مهل الاستحقاقات.

ومن المرجّح، وفق المسؤول المالي، أن الطلب الاستثماري على السندات اللبنانية يلاحق جولات المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ويترقب احتمال انتهائها إلى اتفاق متكامل؛ مما ينعش التطلعات لتغيير الصورة النمطية في أبعادها الجيوسياسية، لا سيما لجهة تنامي قدرات الدولة على بسط سلطاتها المركزية، وحل معضلة السلاح «غير الشرعي»، شرطاً لازماً لتدفق الدعم الخارجي، إقليمياً ودولياً.

كما تسهم معطيات إصلاحية جزئية أو غير مكتملة في عكس إشارة واعدة لإغناء البعد المالي صوب تحقيق التوازن الفعلي المنشود، الذي يمهّد لاعتماد استراتيجية استدامة الدين العام، الكفيلة شرطياً بجذب الدعم والتمويل، لا سيما أن حزمة الإصلاحات «المتأخرة» متنوعة، وتشمل، خصوصاً، إطلاق غالبية الهيئات الناظمة في قطاعات حيوية وأساسية، والوقف التام لتمويل قطاع الكهرباء عبر سلفات الخزينة، وتحسّن إدارة المالية العامة، ورفع سقوف الإنفاق، بما يستجيب لردم جزء من فجوات مخصصات القطاع العام، واستمرار العمل على تنمية موارد الخزينة وتحقيق فوائض أولية في الموازنة، مع التقدير بطابعها الدفتري أو النظري، ما دام يجري عزل موجبات الدين العام.

ولا تكمن الأهمية الخاصة لهذه المحفظة في قيمة أصولها الدفترية البالغة نحو 30.6 مليار دولار، وتراكم فوائدها بنحو 15 مليار دولار، ولا بوصفها، العبء الأكبر على مالية الدولة المنهكة، بل في أنها تحولت، وفق المسؤول المالي، إلى نواة الانفجارات النقدية والمالية التي توالت بسرعة قياسية، عقب قرار الحكومة الأسبق، في ربيع عام 2020، بالامتناع عن دفع المتوجبات المستحقة من الأصول والفوائد، وتكفلت بإخراج لبنان وقطاعه المالي من الأسواق المالية الدولية، لتبلغ مستوى أزمة نظامية عاتية ضربت أسس النظام المالي، وتستمر ارتداداتها لسابع عام على التوالي.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية التصعيد الإسرائيلي

المشرق العربي جانب من الدمار الذي أصاب بلدة ميفدون في جنوب لبنان إثر القصف الذي استهدفها مساء الجمعة (أ.ف.ب)

«حزب الله» يحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية التصعيد الإسرائيلي

في حين يستمر التصعيد الإسرائيلي بالجنوب والبقاع، لم يصدر عن «حزب الله» موقف لسقوط «علي الطاهر»، بل شن هجوما على الدولة اللبنانية، وما وصفه بـ«نهجها الاستسلامي».

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان عقب تنفيذ القوات الإسرائيلية عملية تفجير استهدفت منازل في بلدة المنصوري بجنوب لبنان مساء الجمعة (د.ب.أ)

إسرائيل توسع منطقة عملياتها في جنوب لبنان أبعد من «الخط الأصفر»

تتسع دائرة العمليات الإسرائيلية جنوب لبنان إلى قرى ومناطق أبعد من نطاق الوجود العسكري المباشر، عبر التوغلات والتفجيرات والتجريف والسيطرة بالنار.

صبحي أمهز (بيروت)
تحليل إخباري الدخان يتصاعد من بلدة المنصوري بعد استهدافها بقصف إسرائيلي مساء الجمعة (د.ب.أ)

تحليل إخباري «حزب الله» يخلي «علي الطاهر»... بضوء أخضر إيراني

فاجأ «حزب الله» الوسط السياسي اللبناني بإخلائه تلال «علي الطاهر» ليسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، بدلاً من تسليمها للجيش.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد بعد تنفيذ القوات الإسرائيلية تفجيراً في موقع بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

قتيلان في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

أوقعت غارة إسرائيلية، الجمعة، قتيلين في جنوب لبنان، وذلك غداة إعلان الدولة العبرية سيطرتها على مرتفعات علي الطاهر التي تعد موقعاً استراتيجياً لـ«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جندي لبناني يؤمّن طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل 4 أسرى أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية في إطار اتفاق بين الجانبين (د.ب.أ)

لبنان: ملف المحتجزين لدى إسرائيل إلى مرحلة جديدة

يفتح الإفراج عن خمسة محتجزين لدى إسرائيل، ثلاثة لبنانيين وسوريين، مرحلة جديدة في ملف الأسرى والمفقودين

«الشرق الأوسط» (بيروت)

تركيا ترفع توقعات التضخم إلى 28.4 % بسبب تداعيات حرب إيران

من أكلات الخريف في إسطنبول (شاترستوك)
من أكلات الخريف في إسطنبول (شاترستوك)
TT

تركيا ترفع توقعات التضخم إلى 28.4 % بسبب تداعيات حرب إيران

من أكلات الخريف في إسطنبول (شاترستوك)
من أكلات الخريف في إسطنبول (شاترستوك)

رفعت تركيا توقعاتها للتضخم في نهاية العام الحالي إلى 28.4 في المائة، في تعديل يعكس التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للحرب مع إيران على أسعار الطاقة والسلع، بينما تمسكت الحكومة بمسارها الرامي إلى إعادة التضخم إلى خانة الآحاد بحلول 2029، بالتوازي مع تسريع النمو الاقتصادي إلى 5 في المائة.

وقال نائب الرئيس التركي جودت يلماز، الأحد، لدى عرض برنامج الحكومة الاقتصادي متوسط الأجل للفترة 2027- 2029، إن مكافحة التضخم استغرقت وقتاً أطول من المتوقع نتيجة تداعيات الحرب؛ مشيراً إلى أن الآثار المباشرة وغير المباشرة للصراع على التضخم تقدر بنحو 7 نقاط مئوية، وفق تقديرات البنك المركزي التركي.

وتوقع يلماز أن يبدأ التضخم في التراجع مجدداً خلال الربع الأخير من 2026، ليصل إلى 28.4 في المائة بنهاية العام، قبل أن ينخفض إلى 21 في المائة في 2027، و13.5 في المائة في 2028، ثم 9 في المائة في 2029.

وتأتي هذه التوقعات أعلى بكثير من المستهدف السابق للحكومة. ففي برنامجها متوسط الأجل السابق للفترة 2026- 2028، كانت أنقرة تتوقع أن يبلغ التضخم 16 في المائة بنهاية 2026.

وكان التضخم السنوي قد تباطأ بشكل طفيف إلى 31.51 في المائة في أغسطس (آب)، مقارنة مع 31.75 في المائة في يوليو (تموز)، وفق البيانات الرسمية.

وقال يلماز إن الاتجاه النزولي القوي للتضخم «استقر مؤقتاً» نتيجة ضغوط من جانب العرض ناجمة عن تداعيات الحرب، ولكنه أكد أن الحكومة حققت «تقدماً كبيراً» في مكافحة التضخم، الذي لا يزال يمثل الأولوية الرئيسية لبرنامجها الاقتصادي.

النمو يعود إلى التسارع

وفي مقابل رفع توقعات التضخم، تستهدف الحكومة التركية عودة الاقتصاد إلى مسار نمو أسرع خلال السنوات المقبلة. وتتوقع أن يتسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي من 3.3 في المائة هذا العام إلى 4.2 في المائة في 2027، ثم 4.6 في المائة في 2028، وصولاً إلى 5 في المائة في 2029.

وتراهن أنقرة على أن يؤدي استمرار انخفاض التضخم وتحسن الاستقرار الاقتصادي إلى توفير أساس أقوى للنمو والاستثمار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الانضباط المالي.

وتتوقع الحكومة أن ينخفض عجز الموازنة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.5 في المائة في 2027، ثم إلى 3.1 في المائة في 2028 و2.8 في المائة في 2029.

كما تستهدف خفض معدل البطالة تدريجياً من 8.1 في المائة في 2026 إلى 7.6 في المائة في 2029، مع توفير نحو 2.1 مليون وظيفة إضافية خلال فترة البرنامج، بما يدفع معدل البطالة إلى أقل من 8 في المائة بحلول نهاية 2029.

7 نقاط مئوية من تداعيات الحرب

وأصبحت الحرب في الشرق الأوسط عاملاً رئيسياً في إعادة حسابات الاقتصاد التركي؛ خصوصاً في ظل تأثيرها على أسواق الطاقة والسلع وتكاليف النقل.

وقال يلماز إن الحكومة تراقب من كثب التوترات الإقليمية وتأثيراتها في أسواق الطاقة والسلع، وتتخذ إجراءات للحد من انعكاساتها على الاقتصاد التركي.

ويمثل ارتفاع تكاليف الطاقة تحدياً خاصاً لتركيا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة، ما يجعل أي ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز قابلاً للانتقال إلى تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار المستهلكين.

وقال يلماز إن الحكومة وضعت مجموعة من السياسات التي وصفها بأنها «واقعية ومتسقة» لتحقيق أهداف البرنامج، مؤكداً أن مكافحة التضخم والانضباط المالي سيظلان في صدارة الأولويات.

طموح لاقتصاد يتجاوز 2.2 تريليون دولار

ولا تقتصر أهداف البرنامج الجديد على التضخم والنمو؛ إذ تسعى الحكومة إلى رفع الدخل القومي إلى أكثر من 2.2 تريليون دولار، وزيادة صادرات السلع والخدمات إلى 450 مليار دولار بحلول نهاية فترة البرنامج متوسط الأجل.

ويعكس ذلك محاولة أنقرة الموازنة بين خفض التضخم واستعادة النمو، بعد سنوات من ارتفاع الأسعار بصورة حادة. فقد تجاوز التضخم السنوي 30 في المائة منذ ديسمبر (كانون الأول) 2021، قبل أن يبلغ ذروته عند أكثر من 75 في المائة في مايو (أيار) 2024، ثم بدأ مساراً هبوطياً تدريجياً.

ويرى البرنامج الحكومي أن استمرار هذا المسار، إلى جانب ضبط المالية العامة وزيادة الإنتاج والصادرات، يمثل الأساس للوصول إلى تضخم أحادي الرقم في 2029.

لكن رفع توقعات التضخم لهذا العام إلى 28.4 في المائة، مقارنة مع 16 في المائة في التوقعات السابقة، يكشف حجم الصدمة التي فرضتها الحرب على الحسابات الاقتصادية التركية، ويضع قدرة الحكومة على مواصلة خفض الأسعار أمام اختبار جديد خلال الأشهر المقبلة.


ماذا تعني تهديدات ترمب بوقف التجارة إذا لم يخفض «الفيدرالي» الفائدة؟

ترمب يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يوم أداء اليمين الدستورية (أرشيفية - رويترز)
ترمب يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يوم أداء اليمين الدستورية (أرشيفية - رويترز)
TT

ماذا تعني تهديدات ترمب بوقف التجارة إذا لم يخفض «الفيدرالي» الفائدة؟

ترمب يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يوم أداء اليمين الدستورية (أرشيفية - رويترز)
ترمب يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يوم أداء اليمين الدستورية (أرشيفية - رويترز)

لم يعد ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على «الاحتياطي الفيدرالي» يقتصر على المطالبة بخفض أسعار الفائدة، بل انتقل إلى ربط السياسة النقدية مباشرة بالسياسة التجارية، في تهديد غير معتاد بأن توقف الولايات المتحدة التجارة مع الدول التي تسجل عجزاً تجارياً معها إذا لم يستجب البنك المركزي لمطالبه. ويأتي ذلك في لحظة شديدة الحساسية للسياسة النقدية الأميركية، إذ أظهرت بيانات الوظائف لشهر أغسطس (آب) قوة أكبر من المتوقع، مما دفع الأسواق إلى زيادة رهاناتها على رفع الفائدة بدلاً من خفضها.

وبذلك يضع ترمب رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، كيفين وارش، أمام معادلة سياسية واقتصادية معقدة: الاستجابة لضغوط البيت الأبيض، أو التشبث باستقلالية البنك المركزي ومواجهة تضخم لا يزال أعلى من مستهدفه. وفي المقابل، فإن تنفيذ تهديد وقف التجارة مع شركاء رئيسيين لن يخفض بالضرورة الأسعار أو تكاليف الاقتراض، بل قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف السلع، بما يضيف ضغوطاً تضخمية جديدة على الاقتصاد الأميركي.

وتكتسب هذه المواجهة أهمية أكبر لأن ترمب يربط للمرة الأولى بهذا الوضوح بين مستوى الفائدة والعلاقات التجارية الأميركية، في وقت يستعد فيه «الفيدرالي» لاجتماعه في 15 و16 سبتمبر (أيلول)، بينما ينتظر المستثمرون بيانات التضخم المقبلة لتحديد ما إذا كان الاقتصاد يحتاج إلى تشديد السياسة النقدية أم الإبقاء عليها دون تغيير.

وكان ترمب قال في منشور على منصته «تروث سوشيال» يوم الجمعة: «اخفضوا الفائدة أو سأوقف التجارة مع الدول التي لدينا عجز معها»، معتبراً أن هذا الخيار أفضل من فرض الرسوم الجمركية.

وأضاف أن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، بقيادة كيفين وارش الذي اختاره بنفسه خلفاً لجيروم باول، «يجب أن يتصرف بذكاء»، داعياً أعضاءه إلى التحلي بما وصفه بـ«الوطنية».

تضخم وسوق عمل... معادلة معقدة

كان وارش قد ألمح الأسبوع الماضي إلى استعداده لدعم رفع الفائدة إذا ظل التضخم مرتفعاً، قائلاً خلال كلمته في ندوة «جاكسون هول» السنوية إن البنك يجب أن يكون واثقاً من أن التضخم الأساسي يتجه نحو هدفه البالغ 2 في المائة «بوضوح وبسرعة كافية».

كما قال محافظ «الاحتياطي الفيدرالي»، مايكل بار، إنه مستعد للتصويت لمصلحة رفع الفائدة قريباً إذا لم تظهر بيانات التضخم الجديدة تقدماً في إعادة ارتفاع الأسعار إلى مستوى 2 في المائة.

في المقابل، أبدى المحافظ كريس والر استعداداً للانتظار لفترة أطول لمراقبة تطورات الاقتصاد، لكنه قال إنه سيدعم رفع الفائدة إذا لم يتباطأ التضخم في نهاية المطاف.

محافظ «الاحتياطي الفيدرالي» كريستوفر والر (رويترز)

وتكتسب بيانات مؤشر أسعار المستهلك الأميركي المرتقبة الأسبوع المقبل أهمية خاصة في تحديد اتجاه القرار المقبل، بعدما ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 3.4 في المائة في يوليو (تموز)، بزيادة نقطة مئوية كاملة منذ اندلاع الحرب مع إيران في فبراير (شباط).

وكان ارتفاع أسعار الغاز والنفط المحرك الرئيسي لهذه الزيادة، بعدما واجهت ناقلات النفط صعوبة كبيرة في عبور مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل بالنسبة للشركات، ودفع عدداً من الشركات إلى التحذير من زيادات جديدة في أسعار السلع والخدمات.

تهديد قد يرفع التضخم

ومن شأن تنفيذ ترمب تهديده بوقف التجارة مع الدول التي تسجل الولايات المتحدة عجزاً معها أن يؤدي إلى مزيد من الضغوط التضخمية، إذ ستحتاج الشركات الأميركية إلى إيجاد موردين بديلين للسلع التي تحصل عليها حالياً من تلك الدول.

وقد يكون استبدال بعض الموردين سريعاً أمراً بالغ الصعوبة، أو حتى مستحيلاً في بعض القطاعات، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف السلع بالنسبة للشركات والمستهلكين، فضلاً عن تأثيرات سلبية محتملة على الاقتصاد الأوسع.

وبلغ العجز التجاري الأميركي مع جميع الشركاء التجاريين نحو 1.2 تريليون دولار العام الماضي، بينما سجَّلت الولايات المتحدة أكبر عجز منفرد مع الصين، بأكثر من 200 مليار دولار، تلتها المكسيك وفيتنام.

حملة متواصلة ضد «الفيدرالي»

ولا يمثل تهديد ترمب المرة الأولى هذا الأسبوع التي يطالب فيها بخفض أسعار الفائدة. ففي حديث للصحافيين في المكتب البيضاوي (الاثنين)، وصف مجرد الحديث عن رفع الفائدة بأنه «سخيف»، قائلاً إن نجاح الاقتصاد في تحقيق النمو لا يؤدي إلى التضخم، وإن ارتفاع الأسعار ناتج عن أسباب أخرى.

ويأتي ذلك ضمن حملة مستمرة يمارسها ترمب للضغط على «الاحتياطي الفيدرالي» من أجل خفض تكاليف الاقتراض، في وقت يحاول فيه البنك المركزي الحفاظ على استقلال قراراته النقدية.

وشملت ضغوط الرئيس محاولة إقالة محافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك على خلفية اتهامات تتعلق بالاحتيال في معاملات عقارية، وهي اتهامات لم تثبت قضائياً، كما لم توجه إليها اتهامات بارتكاب مخالفات.

وكانت وزارة العدل الأميركية قد فتحت العام الماضي تحقيقاً جنائياً بشأن تعامل باول مع مشروع تجديدات بمليارات الدولارات لمقر «الاحتياطي الفيدرالي»، قبل أن ينتهي التحقيق لاحقاً، مما أزال عقبة مهمة أمام تأكيد تعيين وارش رئيساً للبنك المركزي.

وفي الوقت الذي يضغط فيه ترمب باتجاه خفض الفائدة، تظهر بيانات سوق العمل والتضخم أن «الفيدرالي» قد يواجه مبررات أقوى للإبقاء على سياسته المتشددة، بل ورفع الفائدة إذا استمر ارتفاع الأسعار.

وبذلك، لا تبدو المواجهة المقبلة مجرد خلاف حول مستوى الفائدة، بل اختباراً أوسع للعلاقة بين البيت الأبيض والبنك المركزي، في وقت تتقاطع فيه السياسة النقدية مع التجارة والتضخم والنمو الاقتصادي.


«أوبك بلس» يبقى على سياسة الإنتاج دون تغيير لشهر أكتوبر

شعار «أوبك» (رويترز)
شعار «أوبك» (رويترز)
TT

«أوبك بلس» يبقى على سياسة الإنتاج دون تغيير لشهر أكتوبر

شعار «أوبك» (رويترز)
شعار «أوبك» (رويترز)

أعلنت سبع دول في تحالف «أوبك بلس»، الأحد، الاتفاق على إبقاء سياسة الإنتاج دون تغيير لشهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.وأكدت الدول السبع وهي؛ السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان والجزائر وسلطنة عُمان، «التزامها باستقرار السوق».وأوضح بيان صحافي صادر من «أوبك»، أن «الدول السبع المشاركة قررت الإبقاء على الإنتاج المطلوب لشهر سبتمبر 2026 لشهر أكتوبر 2026».وجددت الدول السبع التزامها الجماعي بتحقيق الامتثال الكامل لإعلان التعاون.وذكر البيان أن الدول السبع الأعضاء في تحالف أوبك بلس، ستواصل عقد اجتماعات شهرية لمراجعة أوضاع السوق، على أن يعقد الاجتماع القادم في 4 أكتوبر 2026.

وتسببت حرب إيران في تعطل الإمدادات من منطقة الشرق الأوسط، التي تغذي النسبة الأكبر من قارة آسيا، المستهلك الأكبر عالميا، وذلك جراء تعطل مضيق هرمز.وفي أغسطس (آب) الماضي، اتفق التحالف، على زيادة الإنتاج في أعقاب زيادات تدريجية ليلغي بالكامل شريحة تخفيضات للإمدادات بلغت 1.65 مليون برميل يوميا، كان قد جرى الاتفاق عليها في عام 2023.ولا يزال تحالف «أوبك بلس»، يطبق شريحة أخرى من تخفيضات الإنتاج، تشمل معظم أعضاء المجموعة المكونة من 21 دولة حتى نهاية عام 2026. وقبل أن تقرر المجموعة كيفية إنهاء التخفيضات تدريجيا وإعادة الإنتاج إلى السوق، يتعين عليها مراجعة الطاقة الإنتاجية للنفط لدى الأعضاء لتحديد خطوط الأساس لإنتاج عام 2027، والتي سيتقرر بناء عليها تحديد الحصص.