تيم كوك يطوي صفحة 15 عاماً في «أبل»... إرث الـ4 تريليونات دولار

الرئيس التنفيذي لـ«أبل» تيم كوك (إ.ب.أ)
الرئيس التنفيذي لـ«أبل» تيم كوك (إ.ب.أ)
TT

تيم كوك يطوي صفحة 15 عاماً في «أبل»... إرث الـ4 تريليونات دولار

الرئيس التنفيذي لـ«أبل» تيم كوك (إ.ب.أ)
الرئيس التنفيذي لـ«أبل» تيم كوك (إ.ب.أ)

في أغسطس (آب) 2011، تولى تيم كوك قيادة «أبل» في إحدى أصعب لحظات الشركة الرمزية؛ فقد خلف ستيف جوبز، أحد أبرز المبتكرين في تاريخ التكنولوجيا، وكانت المقارنة بين الرجلين تبدو حتمية. لكن كوك لم يحاول أن يكون جوبز آخر، بل اختار أن يبني «أبل» بطريقته الخاصة، مستنداً إلى خبرته في إدارة العمليات وسلاسل الإمداد، وقدرته على التفاوض، وإدارة العلاقات المعقدة.

وبعد 15 عاماً، يغادر كوك منصب الرئيس التنفيذي في 31 أغسطس 2026، تاركاً وراءه شركة تغير حجمها المالي بصورة هائلة. ويتولى جون تيرنوس، رئيس هندسة الأجهزة في «أبل»، منصب الرئيس التنفيذي بدءاً من 1 سبتمبر (أيلول) 2026، فيما سيبقى كوك رئيساً تنفيذياً لمجلس إدارة الشركة، مع استمرار مشاركته في بعض الملفات الاستراتيجية، بما في ذلك التواصل مع صناع السياسات حول العالم.

من 350 ملياراً إلى أكثر من 4 تريليونات دولار

ربما تختصر الأرقام قصة عهد كوك أكثر من أي وصف آخر. فعندما أصبح رئيساً تنفيذياً، كانت القيمة السوقية لـ«أبل» نحو 350 مليار دولار، لكنها تجاوزت اليوم 4 تريليونات دولار، بعدما وصلت لفترة وجيزة إلى نحو 5 تريليونات دولار في يوليو (تموز).

وقفز سهم الشركة بأكثر من ألفين في المائة منذ تولي كوك منصبه، متفوقاً بفارق كبير على مكاسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» خلال الفترة نفسها.

أما الإيرادات السنوية، فقد ارتفعت من نحو 108 مليارات دولار في 2011 إلى 416 مليار دولار في 2025، أي إنها تضاعفت نحو 4 مرات.

ولم يكن «آيفون» استثناءً من هذه القفزة، إذ ارتفعت إيراداته من 47.1 مليار دولار في 2011 إلى 209.6 مليار دولار في 2025، ليظل المنتج الأساسي الذي يدور حوله جزء كبير من منظومة «أبل».

تيم كوك خلال «مؤتمر أبل العالمي للمطورين» داخل مقر «أبل بارك» في كوبرتينو بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

كوك لم يكتفِ بالـ«آيفون»

كان أحد أهم رهانات كوك هو توسيع المنظومة المحيطة بالهاتف، بحيث يصبح «آيفون» جزءاً من الحياة اليومية وليس مجرد جهاز.

وخلال عهده، أطلقت الشركة «أبل ووتش» و«إيربودز»، فيما توسع قطاع الخدمات بصورة كبيرة، حتى تجاوزت إيراداته 100 مليار دولار سنوياً، ليصبح ثاني أكبر أعمال الشركة بعد «آيفون».

وساعد هذا التحول «أبل» على بناء مصادر إيرادات أوسع تنوعاً وأقل اعتماداً على دورة إطلاق الهواتف وحدها، من الخدمات والاشتراكات إلى الأجهزة القابلة للارتداء والمنتجات المرتبطة بها.

كما دفع كوك الشركة إلى التخلي عن رقائق «إنتل» في أجهزة «ماك» والانتقال إلى رقائقها المصممة داخلياً، في خطوة عززت أداء أجهزة الكومبيوتر المحمولة والمكتبية وكفاءة استهلاكها الطاقة.

سلاح كوك الخفي: سلسلة الإمداد

لم يكن كوك مبتكراً في تصميم المنتجات على طريقة جوبز، لكنه جاء إلى منصب الرئيس التنفيذي بخبرة عميقة في العمليات وسلاسل الإمداد.

وهذه الخبرة أصبحت أحد أهم أسلحته في إدارة إمبراطورية «أبل»، خصوصاً أن تصنيع «آيفون» يعتمد على شبكة عالمية معقدة من الموردين والمصانع، في مقدمتها الصين.

ويقول خبراء إن هدوء كوك، وسرعة اتخاذه القرارات، وقدرته على التفاوض، ساعدت «أبل» في الحفاظ على تدفق إنتاج «آيفون» رغم الأزمات الجيوسياسية والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.

ووصف جين مونستر، الشريك الإداري في شركة «ديب ووتر لإدارة الأصول» والمتابع «أبل» منذ سنوات، كوك بأنه بقدر ما أنه رئيسٌ تنفيذيٌ، فقد كان «رجلَ دولة»، في إشارة إلى الدور الذي لعبه في إدارة العلاقات السياسية والاقتصادية المحيطة بالشركة.

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

بين واشنطن وبكين

كان الحفاظ على سلاسة أعمال «أبل» يتطلب من كوك إدارة علاقة شديدة الحساسية بين الولايات المتحدة والصين، وهما سوقان حيويتان لإمبراطورية الشركة.

ومع تصاعد التوتر التجاري خلال إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وارتفاع الرسوم الجمركية، واجهت «أبل» ضغوطاً لـ«بناء» مزيد من هواتفها داخل الولايات المتحدة.

لكن الشركة اتجهت إلى مسار آخر، وتعهدت باستثمار 600 مليار دولار لتوسيع عملياتها في الولايات المتحدة، بما يشمل إنتاج مكونات أساسية لـ«آيفون» محلياً، في خطوة ساعدتها على تجنب بعض الضغوط المرتبطة بالرسوم الجمركية.

الاختبار ينتقل إلى جون تيرنوس

يبدأ جون تيرنوس مهمته في قيادة «أبل» بمرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي ورث فيها كوك الشركة من جوبز. فالشركة لا تزال تملك قوة هائلة في الأجهزة والخدمات، لكنها تواجه سباقاً متسارعاً في الذكاء الاصطناعي، حيث يرى محللون أنها تأخرت عن منافسين مثل «مايكروسوفت» و«غوغل».

وتتجه الأنظار إلى قدرة تيرنوس على مواصلة إرث كوك، مع توقعات بأن تدخل «أبل» مرحلة جديدة من الابتكار تشمل تطوير قدرات «سيري» بالاستفادة من نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب منتجات جديدة قد تشمل هاتفاً قابلاً للطي ونظارات ذكية وأجهزة تركز بصورة أكبر على الذكاء الاصطناعي.

لكن التحدي الأكبر أمام الرئيس التنفيذي الجديد قد لا يكون مجرد ابتكار منتج جديد، بل الحفاظ على الآلة الضخمة التي بناها كوك طيلة 15 عاماً.

نهاية عهد وبداية اختبار جديد

غادر جوبز «أبل» تاركاً وراءه إرث الابتكار، بينما يغادر كوك الشركة التنفيذية بعد أن أعاد تعريف معنى القيادة فيها.

لم يحاول كوك منافسة جوبز في الإبداع والاستعراض، بل ركز على توسيع نطاق الشركة، وتعزيز سلاسل إمدادها، وتنويع مصادر إيراداتها، وتحويل «آيفون» من منتج ناجح إلى مركز لمنظومة رقمية عالمية. ومن شركة تبلغ قيمتها نحو 350 مليار دولار عندما تسلم قيادتها، أصبحت «أبل» اليوم شركة تتجاوز قيمتها 4 تريليونات دولار، فيما أصبح السؤال الذي يواجه جون تيرنوس أصعب من مجرد خلافة كوك: هل يستطيع الحفاظ على آلة النمو التي بناها كوك، وإقناع العالم بأن «أبل» لا تزال قادرة على كتابة فصلها التكنولوجي الكبير المقبل؟


مقالات ذات صلة

«شات جي بي تي» يضيف أدوات جديدة للصور والرسائل والمهام

تكنولوجيا تصل ميزات جديدة لتوسيع القدرات وتحسين تجربة العمل (GPT-Image-2)

«شات جي بي تي» يضيف أدوات جديدة للصور والرسائل والمهام

تُواصل «أوبن إيه آي» (OpenAI) توسيع قدرات «شات جي بي تي» (ChatGPT) بوتيرة متسارعة، في وقت تتحول المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي من تطوير نماذج قادرة على تقديم…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «ماك ميني» يوفر استخدامات متعددة، من تشغيل الأجهزة المنزلية وبيئات العمل الاحترافية في الاستوديوهات إلى تنفيذ مهام وكلاء الذكاء الاصطناعي في الشركات والمؤسسات (الشرق الأوسط)

«أبل» تكشف عن «ماك ميني» و«ماك ستوديو» بقدرات معززة للذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «أبل» إطلاق جيل جديد من جهاز «ماك ميني» مزود بشريحتي «إم 6» و«إم 5 برو».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا «إيربودز» بكاميرات تتيح لـ«سيري» فَهم ما حولك (أبل)

«أبل» تختبر سماعة «إيربودز» مزوَّدة بكاميرا وذكاء بصري

كشفت «أبل» عن طريق الخطأ واحدة من أوضح الإشارات حتى الآن إلى خططها المستقبلية لسماعات «إيربودز»، (AirPods).

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا شعار شركة «أبل» يظهر ضمن رسم توضيحي (رويترز)

«أبل» تغيّر قواعد تتبع بيانات مستخدمي «آيفون» بعد ضغوط أوروبية

من المقرر أن تدخِل شركة «أبل» تعديلات على نظامها الخاص بتتبع التطبيقات في هواتف «أيفون» في الدول الأوروبية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا شعار شركة «أبل» يظهر ضمن رسم توضيحي (رويترز)

«أبل» تتهم موظفاً سابقاً بتصوير وثائق سرية قبل انتقاله إلى «أوبن إيه آي»

صعّدت شركة «أبل» نزاعها القانوني مع «أوبن إيه آي» متهمةً أحد موظفي الأخيرة وهو موظف سابق لديها بتصوير وثائق سرية تتعلق بخطط تطوير منتجات لم يُكشف عنها

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وزير الاتصالات يفتتح «ليب 26» ويعلن سلسلة من الصفقات التقنية في السعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات خلال حديثه للحضور في المؤتمر الصحافي أمس للحديث عن «ليب 26» (الشرق الأوسط)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات خلال حديثه للحضور في المؤتمر الصحافي أمس للحديث عن «ليب 26» (الشرق الأوسط)
TT

وزير الاتصالات يفتتح «ليب 26» ويعلن سلسلة من الصفقات التقنية في السعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات خلال حديثه للحضور في المؤتمر الصحافي أمس للحديث عن «ليب 26» (الشرق الأوسط)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات خلال حديثه للحضور في المؤتمر الصحافي أمس للحديث عن «ليب 26» (الشرق الأوسط)

افتتح وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبدالله السواحة أعمال النسخة الخامسة من «ليب 26»، الاثنين، في مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات بملهم، تحت شعار «إلى عوالم جديدة»، كاشفاً عن سلسلة من الاستثمارات والمشروعات الجديدة في قطاعات التقنية والذكاء الاصطناعي، مبيناً في الوقت ذاته أن شركة «إكس إيه آي» ستنفذ أول توسع لها خارج الولايات المتحدة في السعودية، من خلال مشروع بقدرة أولية تبلغ 50 ميغاواط، على أن يرتفع إلى 500 ميغاواط في مراحل لاحقة.

وتطرق وزير الاتصالات وتقنية المعلومات إلى إعلان شركة «إنفيديا» عن أحد أكبر مصانع الذكاء الاصطناعي في العالم داخل المملكة، واصفاً المشروع بأنه أحد «الجواهر التاجية» للاقتصاد السعودي، ويجسد رؤية المملكة في التحول إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي.

وذكر أن الاقتصاد الرقمي في بلاده هو الأكبر والأسرع والأكثر جرأة وينمو بما نسبته 70 في المائة، وتعد السعودية من الدول المتقدمة تقنياً، مفصحاً عن أن تمكين المرأة في المنظومة يصل إلى 36 في المائة وهي الرقم واحد بين دول مجموعة العشرين، وكذلك إحدى أكبر قصص النجاح في الفضاء، كأول امرأة في محطة الفضاء الدولية.

وبيَّن السواحة أن بلاده تواصل العمل مع شركائها الدوليين لقيادة التحولات التقنية وتسريع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يدعم مستهدفات «رؤية 2030» ويعزز مكانة المملكة في الاقتصاد الرقمي العالمي.

ويشارك في النسخة الخامسة أكثر من ألف متحدث وخبير عالمي، وأكثر من 1800 شركة تقنية، إلى جانب ما يزيد على 600 شركة ناشئة، وأكثر من 1900 مستثمر وممثل لصناديق الاستثمار الجريء.

وتناقش النسخة الحالية أحدث التوجهات التي ترسم مستقبل التقنية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية والبيانات والأمن السيبراني والتقنية المالية والصحية والمدن الذكية والطاقة والمناخ والفضاء والألعاب والتقنية الرياضية والتجارة الرقمية.

كما تقدم النسخة الخامسة مجموعة من المساحات والتجارب النوعية، تشمل «LEAP Connect» لبناء الروابط والشراكات، و«Sports Tech Hub» لاستكشاف مستقبل التقنية الرياضية، و«World Tech Zone» لعرض الابتكارات العالمية، و«LEAP Studios» لصناعة المحتوى المباشر، إلى جانب برامج الشركات الناشئة والمستثمرين ومنصات الإعلان عن الاستثمارات والاتفاقيات والمبادرات التقنية.


محاولات ترمب لخفض أسعار النفط تضر بالاقتصاد الأميركي

شخصان يزودان سيارتهما بالوقود في إحدى المحطات بمدينة شيكاغو الأميركية (رويترز)
شخصان يزودان سيارتهما بالوقود في إحدى المحطات بمدينة شيكاغو الأميركية (رويترز)
TT

محاولات ترمب لخفض أسعار النفط تضر بالاقتصاد الأميركي

شخصان يزودان سيارتهما بالوقود في إحدى المحطات بمدينة شيكاغو الأميركية (رويترز)
شخصان يزودان سيارتهما بالوقود في إحدى المحطات بمدينة شيكاغو الأميركية (رويترز)

انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتجي الطاقة الأحفورية الذين يحصلون على كثير من الأموال نتيجة الاضطراب الكبير في الإمدادات في السوق العالمية، الناجم عن إغلاق مضيق هرمز.

وقال ترمب إنه كان يتعين على «شركات النفط أن تعيد بعضاً من هذه الأموال إلى عامة الشعب، ومن الأفضل بالنسبة لها خفض سعر التجزئة، أي سعر المستهلك».

ويرى الدكتور بنجامين زيشر وهو زميلٌ بارز في معهد المشاريع الأميركية، حيث يُعنى بسياسات الطاقة والبيئة، وشغل سابقاً منصب كبير الاقتصاديين في مؤسسة «راند»، وأستاذ مساعد للاقتصاد في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية، أنه «على نطاق ضيق، يتعين علينا أن نتساءل ما إذا كانت هذه التعليقات تعكس تفكيراً اقتصادياً سليماً. وعلى نطاق أوسع: ما التأثيرات التي يمكن أن نتوقعها عندما يسعى صناع السياسات إلى الحد من ردود فعل أسعار السوق والأرباح إزاء أي اضطراب كبير في سلسلة التوريد؟».

ويقول زيشر، في تحليله، إنه كان نحو 25 في المائة من التجارة البحرية العالمية في النفط الخام والمنتجات البترولية، ونحو 19 في المائة من الغاز الطبيعي المسال، يمر عبر مضيق هرمز، حتى بدأت إيران في التهديد ومهاجمة شحنات النفط التي تسلك المضيق.

وبناء على ذلك، تسببت الأعمال العدائية مع إيران وتهديداتها لطرق الشحن في اضطراب بإمدادات الطاقة سواء الأكبر أو بين الأكبر في التاريخ الحديث لسوق النفط الخام العالمية. ومن ثم لا يمكن أن يشعر أي أحد بأن هناك مفاجأة بالنسبة لارتفاع أسعار النفط الخام بشكل حاد هذا العام، ومعها ارتفعت أسعار المنتجات البترولية المكررة، خصوصاً وقود النقل.

وكان للأسعار المرتفعة التأثير الواضح في زيادة الأرباح ربع السنوية أو السنوية التي حققها منتجو الطاقة الأحفورية، ويذكر موقع «أويل برايس» أنه خلال العام الماضي، زادت أرباح قطاع الطاقة بنسبة 128.2 في المائة مقابل 37.9 في المائة بالنسبة لمؤشر «ستاندارد آند بورز 500».

ولكن ذلك هو فقط بداية القصة؛ الأسعار ترتفع والأسعار تنخفض ومعها العائدات الاقتصادية للاستثمار التي يحققها منتجو الطاقة الأحفورية. وخلال أعوام 1999 - 2025، تراوحت هذه العائدات الاقتصادية بين 38.97 في المائة و64.19 في المائة.

وخلال الفترة نفسها، تراوحت العائدات الاقتصادية حسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» من 36.55 في المائة إلى 32.15 في المائة مع متوسط سنوي 9.99 في المائة. ويلاحظ مع ذلك أن عوائد استثمارات الطاقة أكثر تقلباً بنسبة 11 في المائة - أي أكثر خطورة - من عوائد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500».

وقال زيشر: «ولنتأمل الآن بعض التداعيات المترتبة على الاقتراح الذي يدعو إلى أن يعيد منتجو النفط بعضاً من الأرباح إلى عامة الناس. وما يعنيه هذا في الأساس هو أن احتمالات الارتفاع ستكون محدودة، في حين أن مخاطر الجانب السلبي ليست كذلك».

في نهاية المطاف، لن يدعو أي سياسي إلى أن يقدم الجمهور مساهمات لمنتجي النفط، بوصف ذلك تعويضاً عن عام سيئ... (ولا ينبغي لهم ذلك).

ويعني التفاوت هذا أنه بمرور الوقت لن يتمكن منتجو النفط من تحقيق معدل عائد تنافسي؛ وسوف تكون النتيجة الواضحة نقص الاستثمار ونقص إنتاج الثروة الوطنية التي تجسدها موارد الطاقة الأحفورية.

وستكون النتيجة أيضاً غير متسقة مع أجندة «الهيمنة على الطاقة» المعلنة للإدارة، والتي تعتمد على مستوى فعال من الاستثمار في إنتاج الطاقة المحلية.

الأسعار المصطنعة

اقترح ترمب أن تستهدف شركات النفط أسعاراً للبنزين بالتجزئة تبلغ نحو 2.50 دولار للغالون (بلغت الأسعار بدءاً من 27 أغسطس/آب نحو 4.10 دولار). وتكمن إحدى المشكلات في اختلاف الأسعار لمنتجات متطابقة تقريباً، وستختلف الأرباح بين المنتجين نظراً لاختلاف ظروف التكلفة وغيرها من المعايير الأساسية، وبالتالي سيقدمون تخفيضات سعرية متفاوتة.

وعلى نحو أوسع نطاقاً، تعكس أسعار البنزين بالتجزئة ظروف السوق التنافسية، وليس هدفاً محدداً بشكل تعسفي. فإذا أدت ظروف العرض والطلب إلى سعر توازن السوق - السعر الذي يوازن بين العرض والطلب - عند نحو 4 دولارات، فإن سعراً مصطنعاً قدره 2.50 دولار سيؤدي إلى طوابير طويلة أمام محطات البنزين، حيث يتنافس المستهلكون على البنزين «الرخيص» بالانتظار في الطوابير.

وتقدم حالات النقص والطوابير والتشوهات الجغرافية الهائلة التي لوحظت خلال سبعينات القرن الماضي، درساً مفيداً حول الآثار التي تترتب على إبقاء الأسعار دون مستويات توازن السوق.

وهناك مسألة أخرى تتمثل في أن تكلفة النفط الخام تبلغ 57 في المائة فقط من سعر التجزئة للبنزين. وتبلغ تكاليف التكرير 21 في المائة، والتوزيع والتسويق - نقل البنزين إلى محطات البيع بالتجزئة وتشغيل المحطات نفسها 8 في المائة، والضرائب الفيدرالية وضرائب الولايات 14 في المائة.

علاوة على ذلك، تشمل السياسة الفيدرالية من بين كثير من التشوهات معيار الوقود المتجدد - وهو إلزامية الإيثانول - مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التكرير وأسعار البنزين. وقد دعمت الإدارة البرنامج، الذي يعد أكثر من مجرد دعم ضخم للمصالح الزراعية في الغرب الأوسط.

الفرص البديلة

تدرك السوق بوضوح أن التهديدات التي تواجه نقل الطاقة في مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وربما غيرها من المعوقات، قد ازدادت بشكل ملحوظ على المدى الطويل، بغض النظر عن نتيجة الأعمال العدائية الحالية في الخليج والمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

وربما تساعد الزيادات المخطط لها والمستمرة في سعة خطوط الأنابيب وما شابه ذلك، ولكن من الواضح أن هذه البدائل تكلفتها أعلى من النقل الآمن عبر الممرات المائية؛ ولهذا السبب لم يتم استخدام هذه التوسعات حتى الآن.

ويعني هذا التحول طويل الأمد في بيئة التهديدات، ارتفاع الأسعار بشكل دائم عما كانت عليه في السابق، ومع مرور الوقت، زيادة الاستثمار في البنية التحتية للطاقة والإنتاج في الولايات المتحدة.

وسوف يكون ذلك بوضوح استجابة سوقية فعالة لتحول كبير في الأوضاع الدولية، مما سيؤدي، مرة أخرى، إلى زيادة في الثروة الوطنية الأميركية. أما السياسات التي تحد من العوائد الناتجة عن هذه الأسعار المرتفعة فتضعف تلك الاستجابة الاستثمارية.

واختتم زيشر تحليله بالقول: «لا تكمن القضية الأساسية فيما إذا كانت أسعار البنزين المرتفعة مرغوبة أم لا - فمن الواضح أنها تكبد المستهلكين تكاليف حقيقية - بل فيما إذا كان قمع إشارات السوق الناجمة عن اضطراب كبير في الإمدادات سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقليل العرض والاستثمار والكفاءة الإنتاجية للاقتصاد. والإجابة الواضحة هي نعم».


تعافي المصانع الصينية لا يخفي ضعف الطلب

روبوت يقوم بإعداد المثلجات للزبائن في أحد المتاجر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
روبوت يقوم بإعداد المثلجات للزبائن في أحد المتاجر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
TT

تعافي المصانع الصينية لا يخفي ضعف الطلب

روبوت يقوم بإعداد المثلجات للزبائن في أحد المتاجر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
روبوت يقوم بإعداد المثلجات للزبائن في أحد المتاجر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

أظهرت أحدث بيانات النشاط الاقتصادي في الصين تحسناً محدوداً في قطاع التصنيع خلال أغسطس (آب)، لكنه لم يكن كافياً لإخراج المصانع من منطقة الانكماش، فيما ظل قطاع الخدمات ضعيفاً بصورة لافتة، ما يعزز المخاوف من أن التعافي في ثاني أكبر اقتصاد في العالم لا يزال غير متوازن، ويعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات والصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا.

وارتفع مؤشر مديري المشتريات التصنيعي الرسمي إلى 49.8 نقطة في أغسطس من 49.2 نقطة في يوليو (تموز)، متجاوزاً متوسط توقعات الاقتصاديين البالغ 49.6 نقطة. ومع ذلك، بقي المؤشر دون مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش، ما يعني أن قطاع المصانع لا يزال يتراجع، وإن بوتيرة أبطأ. وأظهرت البيانات الرسمية تحسناً في الطلب والإنتاج، مع عودة المؤشرين الفرعيين للطلبات الجديدة والإنتاج إلى مستويات تتجاوز 50 نقطة، وهو تطور إيجابي يشير إلى أن بعض الشركات بدأت ترى تحسناً في تدفقات الأعمال. لكن الصورة تصبح أقل تفاؤلاً عند النظر إلى القطاعات غير الصناعية. فقد استقر مؤشر مديري المشتريات للخدمات والإنشاءات عند 49 نقطة، وهو أضعف مستوى منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022، ما يؤكد أن الطلب الداخلي لم يستعد زخمه.

وقالت لين سونغ، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة الصين الكبرى في بنك «آي إن جي»، إن ضعف الخدمات يحمل دلالة مهمة لأن القطاع يعتمد بصورة أساسية على السوق المحلية، ما يعني أن تصرف الأسر والشركات ما زال حذراً. وأضافت أن بيانات أغسطس ترجح شهراً جديداً من النشاط الداخلي البطيء، مع احتمالات محدودة لتعاف قوي في المدى القريب.

وهذا التباين يفسر جزءاً كبيراً من طبيعة الاقتصاد الصيني الحالية. فالقطاعات المرتبطة بالتصدير والتكنولوجيا المتقدمة، خصوصاً المعدات والذكاء الاصطناعي، تحقق أداءً أفضل من القطاعات التي تعتمد على المستهلك المحلي. وحسب البيانات، تجاوزَ مؤشرا مديري المشتريات في تصنيع المعدات والتصنيع عالي التقنية مستوى 51 نقطة، في حين بقيت صناعات السلع الاستهلاكية والقطاعات كثيفة استهلاك الطاقة في منطقة الانكماش.

وقال شو تيانتشن، كبير الاقتصاديين في وحدة «إيكونوميكس» للأبحاث، إن الطلب المحلي يبدو وكأنه يتحسن، لكنه رجح أن يكون هذا التحسن مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي والصادرات أكثر من كونه نتيجة توسع قوي في السياسات الحكومية.

أما تشيوي تشانغ، رئيس وكبير الاقتصاديين في «بينبوينت لإدارة الأصول»، فعدّ أنه من المبكر استنتاج أن الاقتصاد دخل مرحلة انتعاش حقيقي. وتؤكد المؤشرات الأخرى هذا الحذر. فقد تباطأ استهلاك السلع والإنتاج الصناعي في بداية النصف الثاني من العام، بينما واصل الاستثمار في الأصول الثابتة التراجع. كما لا تزال سوق العقارات تبحث عن قاع بعد أكثر من خمس سنوات من الركود، ما يضغط على ثروة الأسر وثقة المستهلكين واستثمارات الشركات.

في المقابل، بقيت الصادرات محركاً رئيسياً للنمو. وأسهم الطلب القوي على المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دعم شحنات التكنولوجيا المتقدمة، ورفع أسعار بعض السلع المصنعة في الصين. لكن الاعتماد على التصدير يخلق بدوره مخاطر جديدة، خصوصاً مع تصاعد التوترات التجارية ومخاوف الولايات المتحدة وأوروبا من فائض الطاقة الإنتاجية الصينية.

كما أن قوة قطاعات التصدير لا تنتقل بالتساوي إلى بقية الاقتصاد. فالشركات التي تعتمد على الطلب المحلي تواجه ضغوطاً على الأرباح، ما انعكس على نمو الأرباح الصناعية ككل.

وتزداد الضغوط على صنّاع السياسات مع تباطؤ النمو إلى 4.3 في المائة خلال الربع الثاني، وهو أضعف معدل في أكثر من ثلاث سنوات. وكان القادة الصينيون قد تعهدوا في يوليو بإطلاق إجراءات إضافية لدعم الاقتصاد، مع تسريع الإنفاق على مشروعات البنية التحتية المدرجة بالفعل في الموازنة.

كما وسعت وزارة المالية برامج دعم فوائد القروض للشركات الخاصة الصغيرة والمستهلكين، في محاولة لتقليل تكلفة التمويل وتحفيز الطلب. لكن هذه الإجراءات قد لا تكون كافية وحدها.

وترى «آي إن جي» أن تأثير دعم الفائدة ربما يكون محدوداً نسبياً، مرجحة طرح خطوات إضافية خلال الأسابيع المقبلة. وفي الوقت نفسه، لم يقدم بنك الشعب الصيني إشارات واضحة إلى خفض وشيك في أسعار الفائدة أو نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك، ما يعكس حذراً في استخدام أدوات التحفيز النقدي التقليدية.

ويرى تشانغ لي تشون، المحلل في الاتحاد الصيني للوجستيات والمشتريات، أن استمرار مؤشر التصنيع تحت مستوى 50 نقطة يعني أن ثقة الشركات لا تزال غير مستقرة، داعياً إلى تعزيز الاستثمار الحكومي في الخدمات العامة بما يساعد على زيادة الطلبات ودعم النشاط. ومع ذلك، لا تبدو بكين مستعدة للعودة إلى نموذج التحفيز الضخم الذي استخدمته في أزمات سابقة. فقد أكدت صحيفة «الشعب اليومية» أن الصين لا تعتمد بصورة مفرطة على التحفيز القوي، وأنها لا تزال قادرة على تحقيق هدف النمو السنوي.