اليابان تستنجد بمدخرات الأُسَر لتمويل ديونها القياسية

حوافز ضريبية مرتقبة مع قفزة تكلفة خدمة الدين

رئيسة الوزراء اليابانية في مقر رئاسة الحكومة بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية في مقر رئاسة الحكومة بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)
TT

اليابان تستنجد بمدخرات الأُسَر لتمويل ديونها القياسية

رئيسة الوزراء اليابانية في مقر رئاسة الحكومة بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية في مقر رئاسة الحكومة بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)

تتجه اليابان إلى اختبار أداة جديدة لمواجهة واحدة من أكثر المعضلات المالية حساسية في الاقتصادات المتقدمة، والتي تتعلق بكيفية تمويل جبل من الدين العام في عصر انتهت فيه الفائدة الصفرية وتراجع فيه البنك المركزي تدريجياً عن دوره بوصفه المشتري المهيمن للسندات الحكومية؟

ففي الوقت الذي تستعد فيه طوكيو لقفزة قياسية في تكاليف خدمة الدين، كشفت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما أن الحكومة تدرس تقديم حوافز ضريبية للأفراد للاستثمار في السندات الحكومية اليابانية، في خطوة قد تساعد على توسيع قاعدة المشترين وتعويض جانب من التراجع في مشتريات بنك اليابان. وتكتسب الخطوة أهمية استثنائية بعدما أفادت وكالة «كيودو» بأن وزارة المالية تتوقع ارتفاع تكاليف خدمة الدين بنحو 17 في المائة خلال السنة المالية المقبلة إلى مستوى قياسي يبلغ 36.64 تريليون ين (نحو 230 مليار دولار). ويأتي ذلك بالتزامن مع توقع تجاوز طلبات الموازنة للسنة المالية 2027 مستوى 130 تريليون ين للمرة الأولى، مقارنة بنحو 122 تريليون ين في السنة الحالية.

هذه الأرقام تكشف عن تحول جذري في البيئة التي أدارت فيها اليابان ديونها لعقود. فطوال سنوات، استطاعت الحكومة تحمل مستويات استثنائية من الدين العام بفضل أسعار الفائدة شديدة الانخفاض، وسياسة نقدية جعلت بنك اليابان مشترياً ضخماً للسندات. ولكن ارتفاع التضخم وتطبيع السياسة النقدية بدآ بتغيير هذه المعادلة. وتخطط وزارة المالية لاستخدام سعر فائدة مفترض يبلغ 3.8 في المائة عند حساب تكاليف خدمة الدين في موازنة السنة المقبلة، وهو الأعلى منذ 29 عاماً، مقارنة بـ3 في المائة في موازنة 2026. وهذه ليست مجرد فرضية محاسبية؛ بل اعتراف رسمي بأن عصر التمويل شديد الرخص ربما انتهى. وتداول عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات الثلاثاء حول 2.895 في المائة، بينما تجاوزت عوائد بعض الآجال الطويلة 4 في المائة. ومع إعادة تمويل السندات المستحقة وإصدار ديون جديدة بأسعار أعلى، تنتقل زيادة العوائد تدريجياً إلى فاتورة الفوائد الحكومية... وهنا تظهر أهمية الأسر اليابانية.

قالت كاتاياما إن الحكومة يُرجح أن تطرح إجراءات ضريبية محتملة مرتبطة بحيازة الأفراد للسندات ضمن إصلاحات السنة المالية المقبلة، ولكنها شددت على ضرورة درس الفكرة بعناية؛ خصوصاً في ضوء احتمال استفادة أصحاب الثروات الكبيرة منها بدرجة أكبر. وتحاول الحكومة عملياً تحويل جزء من المدخرات المالية الضخمة للأسر اليابانية إلى مصدر أكثر استقراراً لتمويل الدين العام. وكانت السندات الحكومية المخصصة للأفراد متاحة منذ عام 2003 بآجال 3 وخمسة وعشرة أعوام، ولكنها لا تزال تمثل جزءاً صغيراً من سوق الدين اليابانية.

اقتصادياً، قد تحقق الحوافز الضريبية أكثر من هدف. فهي تستطيع زيادة العائد الصافي الذي يحصل عليه المواطن من السندات من دون اضطرار الحكومة إلى رفع العائد الاسمي بالقدر نفسه، كما توسع قاعدة المستثمرين وتقلل اعتماد الخزانة على مجموعة محدودة من المؤسسات المالية والبنك المركزي. والأهم أن المستثمر الفردي قد يكون أقل ميلاً إلى المضاربة مقارنة بالمؤسسات الدولية، ما يوفر للحكومة قاعدة طلب محلية مستقرة في الفترات التي تشهد فيها أسواق السندات تقلبات حادة.

لكن السياسة تنطوي على مفارقة. فمنذ سنوات تدفع اليابان الأسر إلى الانتقال: «من الادخار إلى الاستثمار»، وتشجعها على شراء الأسهم والصناديق الاستثمارية بهدف توجيه الثروة المالية نحو الأصول الأكثر إنتاجية. ومنح إعفاءات خاصة للسندات الحكومية قد يعيد جزءاً من تلك الأموال إلى تمويل الدولة بدلاً من الشركات والاستثمارات ذات المخاطر الأعلى. ولهذا أشارت كاتاياما صراحة إلى ضرورة موازنة الحوافز المقترحة مع سياسة تشجيع الاستثمار، إضافة إلى التساؤلات المتعلقة بالعدالة؛ فالإعفاء الضريبي على دخل السندات قد يمنح فائدة أكبر للأسر الأعلى دخلاً وثروة والقادرة أصلاً على استثمار مبالغ كبيرة.

أما المشكلة الأعمق، فهي أن توسيع قاعدة المشترين يعالج تمويل الدين أكثر مما يعالج أسبابه.

فطلبات الموازنة للسنة المالية 2027 مرشحة لتجاوز 130 تريليون ين، مدفوعة جزئياً بالسياسة المالية التوسعية لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، وبرامج الاستثمار العام التي تسمح للوزارات بطلب تمويل من دون سقف محدد مسبقاً. كما تعتزم الحكومة إدخال نفقات إلى الموازنة الأساسية كانت تمول سابقاً من موازنات تكميلية. ومع ارتفاع تكلفة الفائدة، تتشكل دائرة مالية شديدة الحساسية: دين ضخم يحتاج إلى إعادة تمويل، وعوائد أعلى ترفع خدمة الدين، وزيادة مدفوعات الفائدة تضغط على الموازنة، ما قد يتطلب بدوره إصدار مزيد من السندات. وفي الوقت نفسه، لم يعد بنك اليابان قادراً على أداء الدور نفسه الذي لعبه خلال حقبة التيسير النقدي الاستثنائي. فالبنك يقلص مشترياته من السندات، بينما تواجه المصارف التجارية قيوداً مرتبطة برأس المال ومخاطر أسعار الفائدة تحد من قدرتها على استيعاب إصدارات متزايدة بلا حدود. وتصبح القضية أكثر حساسية لأن اليابان تمتلك أحد أعلى مستويات الدين العام نسبة إلى الناتج بين الاقتصادات المتقدمة. وبالتالي، فإن ارتفاعاً يبدو محدوداً في متوسط تكلفة التمويل يمكن أن يتحول بمرور الوقت إلى مبالغ هائلة بسبب ضخامة رصيد الدين. ومع ذلك، تمنح البيئة الجديدة الحكومة فرصة لم تكن متاحة عندما كانت العوائد قرب الصفر. فالسندات اليابانية أصبحت أكثر جاذبية للمستثمر المحلي، بعدما اقتربت عوائد الآجال الطويلة من مستويات تنافس بعض السندات الأميركية والألمانية. وهذا يعني أن وزارة المالية لم تعد تطلب من الأسر شراء أصل شبه عديم العائد؛ بل أداة دخل ثابت يمكن أن تصبح جزءاً حقيقياً من المحافظ الاستثمارية. ويتمثل الاختبار المقبل في تصميم الحوافز.

فإذا كانت سخية للغاية، فقد تفقد الخزانة إيرادات ضريبية وتصب الفائدة بصورة غير متناسبة في مصلحة الأثرياء. وإذا كانت محدودة، فلن تغير هيكل الطلب على السندات بالقدر المطلوب.

لذلك، فإن النقاش حول إعفاءات المستثمرين الأفراد يتجاوز السياسة الضريبية إلى إعادة هندسة سوق الدين اليابانية نفسها. فطوكيو تبحث عن مشترٍ جديد في اللحظة التي يتراجع فيها المشتري القديم، أي بنك اليابان، وفي وقت ترتفع فيه احتياجات الإنفاق وتكاليف الاقتراض معاً. وقد تساعد مدخرات الأسر على تخفيف اضطرابات هذه المرحلة الانتقالية، ولكنها لن تلغي الحساب المالي الأساسي؛ فكلما طال بقاء العوائد مرتفعة، واستمر الإنفاق في التوسع، أصبحت استدامة الدَّين أكثر ارتباطاً بقدرة الحكومة على ضبط الموازنة وتعزيز النمو، وليس فقط بقدرتها على العثور على مشترين جدد لسنداتها.


مقالات ذات صلة

«شي إن» تجتاز اختبار الاكتتاب قبل أول تداول في بورصة هونغ كونغ

الاقتصاد شعار شركة «شي إن» على مدخل مكتبها في مدينة ساو باولو بالبرازيل (رويترز)

«شي إن» تجتاز اختبار الاكتتاب قبل أول تداول في بورصة هونغ كونغ

تقترب شركة «شي إن» من دخول بورصة هونغ كونغ بعد سنوات من المحاولات المتعثرة للإدراج في أسواق عالمية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاشة على جسر بمدينة شنغهاي الصينية تعرض حركة الأسهم والأسواق المالية (أ.ف.ب)

اليوان يتراجع من قمته والأسهم الصينية تتماسك

تحركت الأسواق الصينية بحذر شديد، الثلاثاء، في مشهد جمع بين محاولة بنك الشعب الصيني تهدئة الارتفاع السريع لليوان، واستقرار نسبي للأسهم.

«الشرق الأوسط» (بكين)
تحليل إخباري لافتة معلقة خارج السفارة الكندية في واشنطن العاصمة (أ.ف.ب) p-circle 00:58

تحليل إخباري ترمب يصعِّد ضد كندا... حرب تجارية تختبر الاقتصاد والجمهوريين قبل انتخابات 2026

تتجه الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا إلى مرحلة أكثر خطورة، بعدما تحولت الرسوم الجمركية التي يفرضها الرئيس الأميركي إلى مصدر ضغط اقتصادي وسياسي.

الاقتصاد عمال يثبتون شاشة لعرض حركة الأسهم على واجهة أحد مكاتب الأوراق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

أسهم اليابان تعكس المسار... والسندات تحت ضغط

نجحت الأسهم اليابانية في تحويل خسائرها المبكرة إلى مكاسب بنهاية تعاملات الثلاثاء، مستفيدة من تعافي أسهم أشباه الموصلات في كوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد ضيوف في جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية «هيوماين» خلال مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (الشركة)

«هيوماين» و«ميسترال إيه آي» الفرنسية تطوران نماذج ذكاء اصطناعي بالعربية

أعلنت شركة «هيوماين» السعودية وشركة «ميسترال إيه آي» الفرنسية، شراكة استراتيجية للتعاون في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«وودسايد» تتخلى عن هدف الطاقة النظيفة… وتسجل ارتفاعاً في أرباح النصف الأول

منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)
منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)
TT

«وودسايد» تتخلى عن هدف الطاقة النظيفة… وتسجل ارتفاعاً في أرباح النصف الأول

منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)
منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)

تخلت شركة «وودسايد» للطاقة عن هدف طويل الأجل لخفض الانبعاثات، وعن خطة إنفاق 5 مليارات دولار على الطاقة النظيفة بحلول عام 2030، للتركيز على أعمالها الأساسية في مجال النفط والغاز، وذلك بعد تسجيل ارتفاع في أرباح النصف الأول من العام بنسبة 7 في المائة.

وأعلنت ليز ويستكوت، الرئيسة التنفيذية للشركة الأسترالية، خلال مكالمة هاتفية لمناقشة الأرباح، الثلاثاء، أن الشركة ستجري مراجعة استراتيجية لأصولها في مجال الطاقة النظيفة، وتحديداً مشروع «بومونت نيو أمونيا» في تكساس، وذلك ضمن خططها لتركيز استثماراتها، وخفض التكاليف بمقدار 350 مليون دولار بدءاً من عام 2028.

وأوضحت أن الشركة تسير على المسار الصحيح لتحقيق هدفها المتمثل في خفض الانبعاثات بحلول عام 2030، وأنها ستحافظ على التزامها بخفض انبعاثاتها المباشرة، إلا أنها ستخفض هدف «النطاق 3» الذي يغطي الانبعاثات الناتجة عن استخدام منتجاتها. وقالت ويستكوت: «لقد وُضعت هذه الأهداف في سياق سوقي مختلف».

وأوضحت ويستكوت، وفقاً لـ«رويترز»، أن شركتها حاولت، دون جدوى، جعل استثمارات الطاقة النظيفة مجدية اقتصادياً.

وأضافت، في إشارة إلى مشروع الهيدروجين الأخضر في أوكلاهوما الذي أُلغي في عام 2025: «لقد استثمرنا في الولايات المتحدة، لكن لم يكن هناك عملاء يدعمون هذا المشروع... نحن نراقب السوق، ولا نرى أي فرصة لاستثمار مبلغ 5 مليارات دولار بحلول عام 2030».

جاءت تصريحاتها بعد أن أعلنت «وودسايد» عن ارتفاع صافي أرباحها الأساسية بعد الضريبة بنسبة 7 في المائة لتصل إلى 1.33 مليار دولار في الأشهر الستة المنتهية في 30 يونيو (حزيران)، متجاوزةً بذلك توقعات المحللين في شركة «فيزيبل ألفا» البالغة 1.32 مليار دولار.

وأضافت «وودسايد» أنها تتوقع تحقيق المزيد من المكاسب التجارية بعد إعادة توجيه الشحنات إلى أسواق ذات أسعار أفضل خلال أزمة الشرق الأوسط، وذلك بعد أن أعلنت عن ارتفاع متوسط ​​سعر بيعها إلى 74 دولاراً للبرميل المكافئ للنفط في النصف الأول من العام، مقارنةً بـ61.70 دولار في العام السابق.

وأعلنت الشركة عن توزيع أرباح مرحلية بقيمة 57 سنتاً للسهم، مقارنةً بـ53 سنتاً في العام الماضي.

وأبقت وودسايد على توقعاتها لإنتاج عام 2026 عند مستوى يتراوح بين 174 و185 مليون برميل من المكافئ النفطي، بعد أن خفضتها في يوليو (تموز)، وأكدت مجدداً توجيهاتها بشأن الإنفاق الرأسمالي لعام 2026 عند مستوى يتراوح بين 4 و4.5 مليار دولار.

لم تعد الطاقة النظيفة محور اهتمام «وودسايد»

كانت خطط الإنفاق على الطاقة النظيفة قد وُضعت من قبل سلفها، ميغ أونيل، في عام 2021، عندما كانت تحت ضغط المستثمرين لتقديم شركة أكثر مراعاةً للبيئة قادرة على الصمود أمام التحول في قطاع الطاقة.

وقبل عامين رُفضت خطة عمل «وودسايد» للتحول المناخي (CTAP) بنسبة 57.8 في المائة في اجتماعها السنوي، حيث رأى المساهمون أن الشركة لا تبذل جهوداً كافية لخفض الانبعاثات. وبعد ذلك بوقت قصير اشترت الشركة أصول «بومونت للأمونيا الجديدة» مقابل 2.35 مليار دولار.

ومنذ ذلك الحين خفضت شركات النفط الكبرى، بما في ذلك شركة «بي بي»، (التي يعمل بها أونيل الآن) وشركة «شل»، إنفاقها على مصادر الطاقة المتجددة.

وأدت حرب إيران أيضاً إلى زيادة التركيز على أمن الطاقة، بعد أن أدى إغلاق مضيق هرمز إلى انخفاض إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم بنسبة 20 في المائة، وارتفاع الأسعار. وقد حقق ذلك مكاسب طائلة لشركات مثل «وودسايد»، التي ستظل محفظتها من الغاز الطبيعي المسال مرتبطة بنسبة 75 في المائة بأسعار النفط حتى عام 2028.

وانخفضت أسهم «وودسايد إنرجي» بنسبة 1 في المائة لتصل إلى 33.45 دولار أسترالي للسهم بحلول الساعة 03:08 بتوقيت غرينتش، بعد انتعاش سابق في السوق، بينما ارتفع مؤشر S&P/ASX 200 القياسي بنسبة 3.57 في المائة.


روسيا تعتزم تمديد حظر تصدير السولار حتى سبتمبر

سيارات تصطف للتزود بالوقود في محطة بمدينة روستوف-أون-دون الروسية (رويترز)
سيارات تصطف للتزود بالوقود في محطة بمدينة روستوف-أون-دون الروسية (رويترز)
TT

روسيا تعتزم تمديد حظر تصدير السولار حتى سبتمبر

سيارات تصطف للتزود بالوقود في محطة بمدينة روستوف-أون-دون الروسية (رويترز)
سيارات تصطف للتزود بالوقود في محطة بمدينة روستوف-أون-دون الروسية (رويترز)

تعتزم روسيا تمديد حظر تصدير السولار حتى نهاية سبتمبر (أيلول)، في ظل استمرار نقص الوقود في السوق المحلية وتعطل عدد من المصافي جراء هجمات متكررة شنتها طائرات مسيرة أوكرانية. حسبما نقلت «رويترز» عن مصادر في قطاع النفط، الثلاثاء.

وقال أحد المصادر إن تمديد الحظر حتى نهاية العام لا يزال قيد الدراسة.

وفرضت روسيا الحظر خلال الفترة من الثامن إلى 31 يوليو (تموز) ضمن حزمة أوسع من الإجراءات الرامية إلى دعم سوق الوقود المحلية، قبل أن تمدده في وقت لاحق لمنتجي الوقود حتى 31 أغسطس (آب).

وحظرت روسيا أيضاً تصدير السولار للجهات غير المنتجة إلى جانب بنزين السيارات حتى 31 يناير (كانون الثاني) من العام المقبل، ووقود الطائرات حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

ومع ذلك، عاد نقص الوقود إلى الظهور في بعض المناطق خلال أغسطس، بعد انفراجة مؤقتة في أواخر يوليو عندما بدأت السلطات المحلية رفع القيود تدريجياً أو تخفيفها.

وقال أحد المصادر في السوق إن حظر تصدير السولار قد يخضع للمراجعة تبعاً لزيادة الإنتاج، مع انتهاء المصافي الروسية من أعمال الصيانة غير المجدولة التي فُرضت عليها عقب الهجمات.

وقال ألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي، الأسبوع الماضي إن الحكومة لم تقرر بعد ما إذا كانت سترفع الحظر، مضيفاً أنه لا يوجد نقص في السولار في السوق المحلية.

وذكر نوفاك أن عدة مصافي أكملت أعمال الصيانة واستأنفت توريد كميات إضافية من الوقود.


«الإقصاء الاقتصادي» يبدأ من إيران... وصداه يمتد من «هرمز» إلى الأسواق العالمية

TT

«الإقصاء الاقتصادي» يبدأ من إيران... وصداه يمتد من «هرمز» إلى الأسواق العالمية

سائقون يصطفون في طابور أمام محطة وقود بطهران (أ.ف.ب)
سائقون يصطفون في طابور أمام محطة وقود بطهران (أ.ف.ب)

لم تعد العقوبات الأميركية الجديدة على إيران مجرد جولة إضافية من الضغط على اقتصاد يعاني أصلاً تداعيات الحرب، وتراجع التجارة، وانهيار العملة، بل تدخل واشنطن مرحلةً تسعى فيها إلى إعادة رسم شبكة العلاقات التجارية والمالية التي تسمح لطهران بالبقاء على اتصال بالاقتصاد العالمي. ومع توسيع العقوبات لتشمل الشحن، والطيران، والتكنولوجيا، والذهب، والأصول الرقمية، ورفع مخاطر العقوبات الثانوية على الأطراف التي تواصل التعامل مع إيران، باتت الأسواق تراقب ليس فقط ما ستخسره طهران، بل ما إذا كان هذا الضغط سيولِّد صدمةً جديدةً في الطاقة والشحن والتأمين والتضخم العالمي.

وتأتي هذه الحملة في وقت تتقاطع فيه 3 مسارات شديدة الحساسية للأسواق: الحرب واضطراب الملاحة في مضيق «هرمز»، وتشديد القيود على صادرات النفط الإيرانية، ومحاولة وزارة الخزانة الأميركية في الوقت نفسه تهدئة سوق السندات طويلة الأجل. ولذلك فإنَّ التأثير النهائي للعقوبات لن يتحدَّد بحجم قائمة الأسماء والكيانات المستهدَفة وحدها، وإنما بمدى قدرة واشنطن على تحويل التهديد بالعقوبات الثانوية إلى إجراءات فعلية تطال مؤسسات مالية وتجارية كبيرة.

العقوبات تنتقل من إيران إلى شركائها

أطلقت إدارة الرئيس دونالد ترمب ما سمّته «عملية الإقصاء الاقتصادي»؛ بهدف قطع القنوات التي ما زالت تتيح لإيران الحصول على الإيرادات والتمويل والتجارة الخارجية.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أنَّ الحملة تستهدف ما وصفها بـ«أهم شرايين الحياة» التي تستخدمها إيران خارج حدودها، وتشمل الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن البحري، إلى جانب توسيع مخاطر العقوبات الثانوية على الجهات التي تواصل التعامل مع النظام الإيراني. كما شملت الإجراءات الجديدة عشرات الأفراد والكيانات والسفن.

لكن أهمية الخطوة لا تكمن في العقوبات المباشرة وحدها، وإنما في محاولة واشنطن نقل تكلفة التعامل مع إيران إلى أطراف ثالثة. فالشركة أو البنك أو شركة الشحن التي قد لا تكون إيرانيةً يمكن أن تجد نفسها مضطرةً إلى الاختيار بين استمرار نشاطها مع طهران، أو الحفاظ على قدرتها على الوصول إلى النظام المالي الأميركي.

وهنا تبدأ العقوبات في التَّحوُّل من أداة موجَّهة إلى دولة بعينها إلى آلية ضغط تمتد عبر شبكة التجارة العالمية. وهذا هو الجانب الذي يراقبه المستثمرون من كثب: هل ستكتفي واشنطن بالتحذير، أم ستبدأ فعلاً في معاقبة مؤسسات كبيرة ذات انكشاف دولي؟.

الاختبار الحقيقي للتصعيد

قد تكون الخطوة الأهم في الأيام المقبلة خارج قائمة العقوبات التي أُعلنت بالفعل. فإذا نفَّذت وزارة الخزانة تهديدها باتخاذ إجراء ضد مؤسسة مالية كبيرة ذات انكشاف دولي، فسيكون ذلك مؤشراً على انتقال الحملة إلى مستوى أكثر خطورة، لأنَّ استهداف بنك كبير يمكن أن يفرض على مؤسسات أخرى إعادة تقييم تعاملاتها مع إيران بسرعة.

أما إذا اقتصر الإجراء على وسيط مالي صغير أو جهة محدودة الانكشاف، فقد يعني ذلك أن واشنطن ما زالت حذرة من التكلفة المالية الأوسع التي قد تنتج عن ضرب مؤسسة ذات أهمية للنظام المالي العالمي.

ومن ثم، فإنَّ السؤال الذي يهمُّ الأسواق لم يعد فقط: كم عدد الأفراد والسفن والكيانات التي عوقبت؟ بل: مَن سيكون الهدف المالي التالي؟

هذه النقطة قد تكون أكثر أهميةً في تحديد رد فعل الأسواق من الإعلان الحالي نفسه؛ لأنَّ العقوبات المعلنة حتى الآن، رغم اتساعها، لم تصل إلى أقصى مستوى كانت الأسواق قد تهيأت له. وتشير تقارير إلى أنَّ واشنطن لم تفرض بعد عقوبات واسعة على مؤسسات مالية صينية كبرى مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، ما يترك الباب مفتوحاً أمام تصعيد إضافي.

سائقون يصطفون في طابور أمام محطة وقود بطهران (أ.ف.ب)

العقوبات تلامس عنق الزجاجة العالمي

إذا كان القطاع المالي يمثل قناة انتقال العقوبات إلى الأسواق، فإن مضيق «هرمز» يمثل القناة المادية الأخطر. فقد حذَّرت وزارة الخزانة الأميركية مُلّاك السفن وشركات الشحن من أنَّ الاستجابة لطلبات معلومات من جهات إيرانية مرتبطة بالمضيق قد تعرِّضهم للعقوبات أو الغرامات الأميركية، حتى إذا لم تتضمَّن العملية أي مدفوعات مالية.

كما سبق لواشنطن أن حذرت من أن دفع رسوم إيرانية مقابل المرور عبر المضيق يمكن أن يُشكِّل انتهاكاً للعقوبات.

وهكذا تجد شركات الملاحة نفسها أمام معادلة غير مسبوقة: التعامل مع الجهات الإيرانية قد يعرّضها للعقوبات الأميركية، بينما يؤدي تجنب التعامل معها أو الامتناع عن استخدام بعض مسارات الملاحة إلى زيادة تكاليف التشغيل والمخاطر اللوجيستية.

وتراجعت حركة العبور في المضيق بصورة حادة خلال الأزمة، في وقت هدَّدت فيه إيران باتخاذ إجراءات ضد عشرات السفن التي تقول إنها خالفت قواعد العبور. وتشير تقارير إلى أن طهران وضعت عشرات الناقلات على قائمة معرضة للغرامات أو الاحتجاز أو المصادرة.

وهنا يظهر أحد أخطر السيناريوهات بالنسبة للأسواق: إذا احتجزت إيران أو صادرت إحدى السفن المدرجة على القائمة، فقد تقفز علاوة المخاطر البحرية بسرعة، حتى لو لم تتراجع صادرات النفط العالمية بالقدر نفسه. فالأسواق لا تسعر النفط فقط؛ إنها تسعر أيضاً احتمال عدم وصوله.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خلال مؤتمره الصحافي لإعلان تشديد العقوبات على إيران (رويترز)

النفط لا يعكس وحده حجم الصدمة

قد يكون سعر النفط المؤشر الأكثر وضوحاً لتداعيات التصعيد، لكنه لا يعكس بالضرورة الحجم الكامل للصدمة التي يمكن أن تنتقل إلى الاقتصاد العالمي. فحتى إذا بقي سعر الخام مستقراً نسبياً، فإن ارتفاع المخاطر الأمنية قد يدفع أقساط التأمين على السفن إلى الصعود، أو يجبر شركات النقل على تغيير مساراتها، أو يؤدي إلى تأخر الناقلات، ما يرفع تكلفة نقل الطاقة والسلع.

ومن ثم، قد تنتقل تداعيات الأزمة من سعر البرميل إلى تكلفة الرحلة، ومنها إلى أسعار المنتجات النهائية. ولا يحتاج الوقود إلى تسجيل قفزة كبيرة حتى ترتفع تكاليف تذاكر الطيران والشحن، كما يمكن لزيادة تكلفة نقل المواد الأولية أن تضيف ضغوطاً إلى تكاليف الإنتاج والتوزيع.

وتكمن الخطورة في أنَّ هذه الزيادات قد تتراكم عبر سلسلة الإمداد، لتصل في النهاية إلى المستهلك في صورة أسعار أعلى، بما يعيد إشعال الضغوط التضخمية.

لماذا تراجعت أسعار النفط رغم التصعيد؟

ومع ذلك، فإنَّ حركة النفط بعد إعلان العقوبات أظهرت أن الأسواق لم تتعامل معها بوصفها صدمةً فوريةً في الإمدادات. فقد تراجعت الأسعار في التعاملات الأميركية الثلاثاء، مع هبوط خام برنت بأكثر من 3 في المائة إلى نحو 89 دولاراً للبرميل.

ولا يعني ذلك أنَّ الأسواق تجاهلت مخاطر العقوبات أو اضطراب الملاحة، بل يعكس موازنة المستثمرين بين عوامل عدة في الوقت نفسه: احتمال تراجع صادرات النفط الإيرانية وتشدد القيود على حركة الملاحة من جهة، واحتمال أن يدفع تصاعد الضغط الاقتصادي أطراف الحرب نحو التفاوض والتهدئة من جهة أخرى، فضلاً عن استمرار تأثير توقعات الطلب العالمي في اتجاه الأسعار.

وبالتالي، لا ينبغي قراءة تراجع النفط بوصفه غياباً للمخاطر، بل بوصفه مؤشراً إلى أن السوق لم ترَ بعد في الإجراءات المعلنة صدمةً فوريةً وكبيرةً في الإمدادات. وهذه المعادلة يمكن أن تتغيَّر سريعاً إذا انتقلت واشنطن إلى إجراءات أشد، أو إذا تعرَّضت حركة الناقلات أو صادرات الخام لاضطراب فعلي.

لا يكفي النظر إلى الشحنات التي تصل إلى الصين

يبقى النفط الحلقة الأولى والأسرع في انتقال الأزمة إلى الاقتصاد العالمي. وتشتري الصين الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية، لكن قراءة تأثير العقوبات من خلال حجم الشحنات التي تصل إلى الموانئ الصينية فقط قد تكون مضللة؛ فالشحنات التي تصل اليوم قد تكون قد غادرت إيران قبل أسابيع، وبالتالي فهي تعكس نشاطاً سابقاً أكثر مما تعكس قدرة طهران الحالية على تجاوز القيود.

ولهذا، فإنَّ المؤشر الأكثر أهميةً في المرحلة المقبلة هو حجم النفط الإيراني الذي يتمكَّن من الخروج من البلاد فعلياً بعد تشديد العقوبات والحصار البحري.

فإذا استمرَّت الصادرات في التدفق عبر مسارات بديلة، واستخدمت طهران وشركاؤها أساليب جديدة للالتفاف على العقوبات، فقد يكون أثر الإجراءات على المعروض العالمي محدوداً في المدى القصير. أما إذا بدأت الصادرات الفعلية في الانخفاض، بالتزامن مع تراجع قدرة شركات الشحن والتأمين على التعامل مع النفط الإيراني، فسيصبح الضغط أكبر على سوق الخام.

وهنا لا تحتاج السوق إلى فقدان كميات ضخمة حتى ترتفع الأسعار؛ يكفي أن تزداد حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات المستقبلية حتى ترتفع علاوة المخاطر الجيوسياسية.

إيرانيون يتسوقون في سوق بطهران (إ.ب.أ)

الريال الإيراني... مقياس الضغط من الداخل

وفي الداخل الإيراني، ظهر أحد أوضح مؤشرات الضغط في سوق العملة. فقد هبط الريال إلى مستوى قياسي بلغ نحو 2.02 مليون ريال مقابل الدولار في السوق المفتوحة يوم الاثنين، مع اتساع المخاوف من تأثير العقوبات الجديدة والحرب على الاقتصاد الإيراني.

ومن هنا يصبح استقرار الريال عند مستوى مليونَي ريال للدولار أو دخوله نطاقاً جديداً أعلى من ذلك أحد المؤشرات المهمة التي ينبغي مراقبتها. فانخفاض العملة لا يضغط فقط على قدرة إيران على الاستيراد، بل يرفع تكلفة السلع والمواد الخام، ويزيد التضخم، ويضعف القوة الشرائية للأسر، ويجعل تمويل التجارة الخارجية أكثر صعوبة. وبالتالي، فإنَّ مسار الريال قد يكون مؤشراً أسرع على مدى انتقال العقوبات إلى الاقتصاد الإيراني من حجم العقوبات المعلنة نفسها.

الملاذ الذي يستفيد من التصعيد

في المقابل، تتلقى سوق الذهب دعماً من ارتفاع مستوى عدم اليقين. فقد ارتفع الذهب بنحو 0.8 في المائة بعد إعلان العقوبات إلى 4639.49 دولار للأوقية، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف مايو (أيار)، مع توجُّه المستثمرين إلى الأصول التي ينظر إليها بوصفها أدوات تحوط في فترات التوتر الجيوسياسي.

وهنا تتحرَّك العقوبات في اتجاهين متعاكسين: فهي تضغط على إيران عبر استهداف إحدى قنوات التمويل التي تعتمد عليها، بينما يؤدي التصعيد نفسه إلى زيادة الطلب العالمي على الذهب بوصفه ملاذاً آمناً.

وبالتالي، فإنَّ استمرار الأزمة قد يعني بقاء الذهب مدعوماً حتى في فترات تراجع النفط، لأنَّ العاملَين لا يتحرَّكان دائماً في الاتجاه نفسه.

صدمة التضخم تصطدم بمشكلة الدين

وفي سوق السندات، تأتي التطورات الإيرانية فوق سوق تعاني أصلاً ضغوطاً مرتبطة بالعجز المالي والتضخم وتكاليف الاقتراض. واستقرَّ عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات قرب 4.701 في المائة، بينما بلغ عائد السندات لأجل 30 عاماً نحو 5.229 في المائة في التعاملات الأوروبية المبكرة الثلاثاء.

وتكتسب هذه المستويات أهميةً خاصةً لأنَّ أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة يمكن أن يُعقِّد مهمة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في خفض التضخم، بينما تبقى وزارة الخزانة الأميركية مطالبة بإدارة عبء الاقتراض المرتفع.

وفي المقابل، رفعت الخزانة الأميركية حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل للعملية الواحدة، مقارنة بسقف سابق بلغ مليارَي دولار، على أن يبدأ تطبيق الحجم الجديد في سبتمبر (أيلول).

وبذلك تواجه الأسواق معادلة معقدة: التصعيد الجيوسياسي قد يرفع التضخم وأسعار الطاقة، في حين تحاول «الخزانة» تخفيف الضغوط على الطرف الطويل من منحنى العائد. وإذا استمر التضخم مرتفعاً، تصبح مهمة خفض العوائد أكثر صعوبة، لأنَّ المستثمرين سيطالبون بعائد أعلى للتعويض عن مخاطر التضخم والاقتراض الحكومي.

هل تستطيع إيران تجاوز الحصار؟

لا يزال الاختبار الحقيقي للعقوبات في قدرتها على منع إيران من الالتفاف عليها. فعلى مدى عقود، طوَّرت طهران وشبكاتها التجارية أساليب متعددة للتعامل مع القيود الأميركية، من شركات وسيطة وأساطيل ظل، إلى ترتيبات مالية وتجارية خارج القنوات التقليدية.

لكن البيئة الحالية تختلف عن جولات العقوبات السابقة، لأن الضغط الاقتصادي يأتي متزامناً مع الحرب، والحصار البحري، وتراجع حركة التجارة، وانخفاض قيمة العملة.

ولهذا قد لا يكون السؤال: هل تستطيع إيران تجاوز العقوبات؟ بل: بأي تكلفة تستطيع تجاوزها؟

فحتى إذا تمكَّنت طهران من مواصلة تصدير جزء من نفطها، فإنَّ ارتفاع تكلفة النقل والتمويل والتأمين والوساطة والخصومات المطلوبة من المشترين يمكن أن يقلص العائد الصافي الذي تحصل عليه.

السيناريو الأخطر

ومن هنا تبرز نقطة مهمة في قراءة التطورات المقبلة. فالإعلان الحالي، رغم اتساعه، ليس بالضرورة الصدمة القصوى التي كانت الأسواق تستعد لها. لكن ذلك لا يعني أن الضغط الاقتصادي على إيران يتراجع. فالاقتصاد الإيراني يتعرَّض في الوقت نفسه لضغوط متراكمة: تراجع الصادرات، وضعف الواردات، وانخفاض العملة، وارتفاع التضخم، واضطراب حركة الملاحة، وازدياد صعوبة الوصول إلى التمويل الدولي.

ولهذا فإنَّ السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لطهران قد لا يكون صدور عقوبة واحدة ضخمة، بل بناء منظومة تنفيذ تدريجية تصبح فيها تكلفة كل معاملة مع إيران أعلى من سابقتها. وفي الوقت الذي يمكن أن تعود فيه طرق التجارة والطاقة إلى العمل بصورة طبيعية بالنسبة إلى منافسي إيران، قد تجد طهران نفسها أكثر عزلة عن أسواق النفط والتمويل الدولي.

4 مؤشرات تحدد اتجاه الأسواق

وفي المرحلة المقبلة، ستكون هناك 4 مؤشرات أكثر أهمية من مجرد عدد العقوبات الجديدة:

أولاً، المؤسسة المالية المستهدفة: إذا انتقلت واشنطن إلى معاقبة بنك كبير ذي انكشاف دولي، فسيكون ذلك تصعيداً نوعياً يمكن أن يدفع مؤسسات أخرى إلى تقليص تعاملاتها مع إيران.

ثانياً، مسار الريال: استقرار العملة حول مستوى مليونَي ريال للدولار سيكون مختلفاً تماماً عن دخولها نطاقاً جديداً أعلى من ذلك، لأن استمرار الانخفاض سيعني انتقال العقوبات والحرب بصورة أعمق إلى الاقتصاد المحلي.

ثالثاً، النفط الإيراني الذي يخرج فعلياً من البلاد: لا تكفي مراقبة الشحنات التي تصل إلى الصين، بل ينبغي متابعة الصادرات الجديدة، وقدرة إيران على تجاوز القيود البحرية والمالية.

رابعاً، مصير السفن المدرجة على القائمة الإيرانية: أي احتجاز أو مصادرة لناقلة من السفن المستهدفة يمكن أن يرفع المخاطر البحرية بصورة حادة، ويجعل شركات الشحن أكثر ميلاً إلى تجنب المنطقة أو رفع تكلفة التأمين.

صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في السوق الكبيرة بطهران يوم 17 أغسطس 2026 (رويترز)

أين تكمن نقطة التحول؟

في النهاية، لا تعمل العقوبات في فراغ. فهي تأتي في سوق طاقة تعاني بالفعل اضطرابات، وفي ممر بحري استراتيجي تراجعت حركة العبور فيه بشدة، وفي اقتصاد عالمي لا يزال حساساً تجاه التضخم، وفي سوق سندات أميركية تحاول وزارة الخزانة تهدئة عوائدها طويلة الأجل. ولهذا فإنَّ الخطر على الأسواق العالمية لا يكمن في العقوبات وحدها، بل في تفاعلها مع الحرب ومضيق «هرمز» وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.

وإذا بقيت صادرات النفط الإيرانية قادرةً على تجاوز القيود، ولم تتعرَّض السفن لمزيد من الاحتجاز، وظهرت مؤشرات على تهدئة الحرب، فقد تتمكَّن الأسواق من استيعاب الإجراءات الجديدة. أما إذا تزامن تشديد العقوبات مع انخفاض فعلي في صادرات النفط، وتصعيد في المضيق، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتراجع أكبر للريال، فستتحوَّل الأزمة من ضغط اقتصادي على إيران إلى صدمة أوسع في الأسواق العالمية.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: لم يعد نجاح الحملة الأميركية يقاس فقط بمدى خنق الاقتصاد الإيراني، بل بقدرة واشنطن على زيادة الضغط من دون إشعال صدمة أكبر في الاقتصاد العالمي.