«أرامكو» تفتح خزائن بياناتها لـ«معادن» بحثاً عن ثروة تحت الأرض

الذكاء الاصطناعي يدخل سباق التنقيب في مساحة تعادل 10 % من السعودية

شاحنة تدخل إلى منجم لاستكشاف المعادن في السعودية (واس)
شاحنة تدخل إلى منجم لاستكشاف المعادن في السعودية (واس)
TT

«أرامكو» تفتح خزائن بياناتها لـ«معادن» بحثاً عن ثروة تحت الأرض

شاحنة تدخل إلى منجم لاستكشاف المعادن في السعودية (واس)
شاحنة تدخل إلى منجم لاستكشاف المعادن في السعودية (واس)

أبرمت «أرامكو السعودية» و«التعدين العربية السعودية» (معادن) اتفاقية مساهمين لتأسيس مشروع مشترك لاستكشاف المعادن وتعدين الصخور الصلبة في المملكة، في خطوة تجمع للمرة الأولى على هذا النطاق بين قاعدة البيانات الجيولوجية المتراكمة لدى «أرامكو» وخبرة «معادن» في الاستكشاف والتعدين، بهدف تسريع اكتشاف موارد معدنية جديدة، وفي مقدمتها النحاس، باستخدام الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء.

وتُحوّل الاتفاقية التفاهمات التي أعلنها الطرفان خلال مؤتمر التعدين الدولي في الرياض في يناير (كانون الثاني) 2025 إلى شراكة تشغيلية، في وقت تسعى فيه السعودية إلى توسيع قاعدة مواردها المعدنية وتطوير قطاع التعدين ليصبح أحد روافد تنويع الاقتصاد، وتعزيز حضور المملكة في سلاسل إمداد المعادن الحيوية عالمياً.

وبموجب الاتفاقية، تمتلك «معادن» 51 في المائة من المشروع المشترك، مقابل 49 في المائة لـ«أرامكو»، على أن يركز المشروع أعماله على «المنطقة الرابعة» التحويلية ضمن منطقة الرف العربي، التي تمتد على مساحة تقارب 182 ألف كيلومتر مربع، بما يعادل نحو 10 في المائة من مساحة المملكة، وبعرض يصل إلى 100 كيلومتر موازٍ للدرع العربي.

شعار «أرامكو» (رويترز)

من النفط إلى المعادن

وتكتسب الشراكة أهمية تتجاوز تأسيس كيان جديد، إذ توظف قاعدة معرفية تراكمت لدى «أرامكو» على مدى أكثر من 90 عاماً في أعمال الاستكشاف والإنتاج، إلى جانب خبرة «معادن» في التنقيب عن الموارد المعدنية وتقييمها وتطويرها.

وتملك «أرامكو» أرشيفاً واسعاً من البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية المتعلقة بالطبقات الجوفية في المملكة، فيما تضيف «معادن» خبرتها في تحديد مكامن المعادن وتطويرها. ويتيح دمج هذه الأصول المعرفية بناء قاعدة بيانات أكثر شمولاً تساعد على تحديد المناطق الواعدة وتقليص الوقت والتكلفة اللازمين للاستكشاف.

ويعتمد المشروع كذلك على الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء لتحليل كميات ضخمة من البيانات وربط المؤشرات الجيولوجية والجيوفيزيائية، بما يرفع دقة عمليات الاستكشاف، ويتيح الانتقال من البحث التقليدي إلى نموذج أكثر اعتماداً على البيانات والتقنيات المتقدمة.

«المنطقة الرابعة»... جبهة استكشافية واسعة

ويتركز النشاط الأول للمشروع في «المنطقة الرابعة» التحويلية ضمن الرف العربي، التي تمتد على مساحة تقارب 182 ألف كيلومتر مربع، أي نحو 10 في المائة من مساحة المملكة، وبعرض يصل إلى 100 كيلومتر موازٍ للدرع العربي.

وتمنح هذه المنطقة المشروع نطاقاً واسعاً لاختبار النموذج الجديد للاستكشاف، مع إمكانية البحث عن النحاس والزنك والرصاص والعناصر الأرضية النادرة وغيرها من المعادن المرتبطة بتحول الطاقة.

عاملان داخل أحد مصانع «معادن» في السعودية (الشرق الأوسط)

النحاس... معدن التحول

ويأتي النحاس في مقدمة المعادن المستهدفة للمشروع، نظراً لدوره المحوري في شبكات الكهرباء والمركبات الكهربائية وتخزين الطاقة ومشروعات الطاقة المتجددة، فضلاً عن تنامي الطلب عليه مع التوسع في مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، التي تتطلب كميات كبيرة من شبكات الكهرباء والمعدات والموصلات.

وتقدر قيمة سوق النحاس العالمية حالياً بنحو 250 مليار دولار، مع توقعات بتجاوزها 400 مليار دولار بحلول 2035، وفق بيانات الشراكة. ومع اتساع الفجوة المتوقعة بين الطلب والإمدادات، بات تأمين مصادر جديدة للنحاس والمعادن الحيوية يمثل أولوية استراتيجية للصناعات والاقتصادات الكبرى.

ومن هنا تكتسب أعمال الاستكشاف في السعودية بُعداً يتجاوز تنمية الموارد المحلية، إذ يمكن لنجاحها أن يعزز موقع المملكة في سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحيوية، ويدعم توجهها نحو بناء قطاع تعدين متكامل يخدم الصناعات المرتبطة بالطاقة والتقنيات المستقبلية.

الذكاء الاصطناعي يخفض تكلفة الاستكشاف

ويستهدف المشروع توظيف الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء في تحليل كميات ضخمة من البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية، لتحديد المناطق الأكثر احتمالاً لوجود المعادن قبل الانتقال إلى عمليات الحفر والتقييم.

وقال نائب الرئيس للمعادن التحويلية في «أرامكو السعودية»، صالح محمد الصالح، إن الشراكة تستفيد من أرشيف البيانات الجيولوجية الضخم للشركة للوصول إلى المعادن داخل الحوض الاستكشافي، موضحاً أن الجمع بين خبرة «معادن» والكوادر المتخصصة في «أرامكو» وتقنيات الحوسبة والذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرّع اكتشاف المعادن المهمة لتحول الطاقة ويخفض تكلفة الاستكشاف.

من جهته، أكد النائب التنفيذي للرئيس للاستكشاف في «معادن»، داريل كلارك، أن الجمع بين معرفة «أرامكو» بالرف العربي وخبرة «معادن» في الدرع العربي يتيح التحرك بوتيرة أسرع والاستكشاف بفاعلية أكبر بحثاً عن فرص جديدة.

ويعكس هذا النهج تحولاً في طبيعة الاستكشاف المعدني، من عمليات بحث واسعة ومكلفة إلى نموذج يعتمد بصورة أكبر على البيانات والنماذج الحاسوبية لتحديد المواقع الواعدة وتوجيه الموارد إليها.

ويأتي المشروع في وقت تزداد فيه المنافسة الدولية على تأمين المعادن الحيوية، مع ارتفاع الطلب على النحاس والعناصر الأرضية النادرة وغيرها من المواد اللازمة لشبكات الكهرباء والمركبات الكهربائية والطاقة المتجددة ومراكز البيانات.

ومن شأن نجاح «أرامكو» و«معادن» في تحديد رواسب قابلة للتطوير أن يمنح المملكة فرصة لتعزيز حضورها في هذه الأسواق، ليس فقط كمصدر للخام، وإنما كمشارك في سلاسل القيمة المرتبطة بالمعادن.

مع الإشارة إلى أن الاتفاقية تخضع لاستيفاء عدد من الشروط المحددة مسبقاً، بما في ذلك الحصول على الموافقات الداخلية والتنظيمية اللازمة والموافقات ذات الصلة بقواعد المنافسة.


مقالات ذات صلة

النحاس يتراجع من أعلى مستوى في 6 أشهر

الاقتصاد قضبان نحاسية على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

النحاس يتراجع من أعلى مستوى في 6 أشهر

تراجعت أسعار النحاس خلال تعاملات الثلاثاء، مبتعدة عن أعلى مستوى لها في ستة أشهر الذي سجلته في الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد قضبان نحاس في شركة «سي آند آر ميتالز» بميامي (أ.ف.ب)

النحاس يرتفع في مستهل الأسبوع وسط شحّ المعروض

بدأ النحاس الأسبوع بقوة مدعوماً بشحّ المعروض، ما أسهم أيضاً في اتساع فارق السعر الرئيسي، بعدما سجل، الأسبوع الماضي، أوسع مستوياته خلال خمس سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد قضبان نحاس معروضة على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بفلوريدا (أ.ف.ب)

النحاس يتراجع مع تزايد مخاوف الطلب رغم اتجاهه لتحقيق مكاسب أسبوعية

تراجعت أسعار النحاس يوم الجمعة، لكنها ظلت مرتفعة بشكل طفيف على أساس أسبوعي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد قضبان نحاس على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

النحاس يتراجع بفعل قوة الدولار ومخاوف تباطؤ النمو العالمي

تراجعت أسعار النحاس والمعادن الصناعية الأخرى، الخميس، متأثرة بقوة الدولار ومخاوف بشأن النمو العالمي في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير البترول المصري خلال إعلانه المزايدة العالمية (وزارة البترول)

مصر تطرح مزايدة عالمية للتنقيب عن النفط والغاز في 14 منطقة

قال وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، الأربعاء، إن مصر تطرح مزايدة عالمية للتنقيب عن النفط والغاز في 14 منطقة جديدة أمام الشركات العالمية والمصرية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«بورصة تكساس» تبدأ أول إدراجاتها الرئيسية في مسعى لمنافسة هيمنة نيويورك

شاشة تعرض حركة أحد الأسهم في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض حركة أحد الأسهم في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
TT

«بورصة تكساس» تبدأ أول إدراجاتها الرئيسية في مسعى لمنافسة هيمنة نيويورك

شاشة تعرض حركة أحد الأسهم في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض حركة أحد الأسهم في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)

أعلنت بورصة تكساس أول إدراجاتها الرئيسية، يوم الثلاثاء، في خطوة جديدة ضمن مساعي البورصة الناشئة لتعزيز حضورها، ومنافسة البورصات الكبرى في نيويورك.

وقالت شركة الخدمات المالية «تكساس كابيتال بانكشيرز» إنَّ صندوقين متداولين في البورصة تابعَين لها سيُدرجان في بورصة تكساس بوصفها منصة التداول الرئيسية لهما، اعتباراً من 16 سبتمبر (أيلول)، رهناً بالحصول على الموافقات التنظيمية. ويُتداول الصندوقان حالياً في بورصة «نيويورك أركا» التابعة لمجموعة بورصة نيويورك.

وتُشكِّل هذه الخطوة اختباراً مبكراً لطموح بورصة تكساس في إقامة مركز جديد للشركات والمنتجات الاستثمارية خارج المراكز المالية التقليدية في نيويورك، وفق «رويترز».

وعلى الرغم من أنَّ البورصة نجحت بالفعل في استقطاب إدراجات ثانوية لعدد من الشركات، فإنَّ الإدراج الأولي يمنحها دوراً أكبر بوصفها المنصة الرئيسية للصندوقين المتداولين، ويعزِّز حضورها في نشاط التداول.

وأكدت «تكساس كابيتال» أنَّ رموز التداول واستراتيجيات الاستثمار الخاصة بالصندوقين ستظلُّ دون تغيير.

وتحظى بورصة تكساس للأوراق المالية (TXSE) بدعم عدد من المستثمرين، من بينهم «بلاك روك»، و«سيتادل سيكيوريتيز»، و«تشارلز شواب».

وبدأت البورصة عمليات التداول الكاملة في يوليو (تموز)، وأعلنت أنَّها تتوقع بدء استقبال طلبات الاكتتابات العامة الأولية العام المقبل.


السوق السعودية تغلق قرب أعلى مستوياتها في شهرين بدعم «معادن»

رجلان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
TT

السوق السعودية تغلق قرب أعلى مستوياتها في شهرين بدعم «معادن»

رجلان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية (تاسي) جلسة الثلاثاء على ارتفاع طفيف بنحو 4 نقاط، ليغلق عند 10912 نقطة، محافظاً على تداولاته قرب أعلى مستوياته منذ يونيو (حزيران) الماضي، وسط نشاط على أسهم المواد الأساسية والطاقة، بينما بلغت قيمة التداولات نحو 4.9 مليار ريال.

وسجَّل المؤشر أعلى مستوى خلال الجلسة عند 10967 نقطة، وهو الأعلى منذ يونيو الماضي، بينما بلغ أدنى مستوى 10898 نقطة.

ودعم أداء السوق ارتفاع سهم «أرامكو السعودية» بأقل من 1 في المائة إلى 26.58 ريال، بينما صعد سهم «معادن» بنسبة 2 في المائة إلى 66 ريالاً، مُسجِّلاً أعلى إغلاق منذ مايو (أيار) الماضي، وسط تداولات تجاوزت 100 مليون ريال.

كما تصدَّر سهم «كيمانول» قائمة الأسهم المرتفعة بالنسبة القصوى عند 30.24 ريال، بينما ارتفعت أسهم «التصنيع»، و«تنمية»، و«جاهز»، و«لوبريف»، و«ساسكو»، و«سابك للمغذيات الزراعية»، و«أديس»، و«سيسكو القابضة»، و«المواساة»، و«نايس ون» بنسب تراوحت بين 2 و5 في المائة.

في المقابل، تراجع سهم «جرير» بنسبة 4 في المائة إلى 16.59 ريال عقب نهاية أحقية توزيعات نقدية بواقع 0.20 ريال للسهم.

كما انخفضت أسهم «بي إس إف»، و«مكة»، و«كابلات الرياض»، و«طيران ناس»، و«الكيميائية»، و«الصناعات الكهربائية» بنسب تراوحت بين 1 و3 في المائة.

وفي قطاع الصناديق العقارية المتداولة، أغلق صندوق «سدكو كابيتال ريت» منخفضاً بنسبة 3 في المائة عند 7.33 ريال.


زخم استثماري بقفزة 252% للتراخيص... والإصلاحات تفتح مسارات جديدة في السعودية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

زخم استثماري بقفزة 252% للتراخيص... والإصلاحات تفتح مسارات جديدة في السعودية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

تواصل السعودية تعزيز جاذبيتها الاستثمارية، عبر مزيج من التَّوسُّع في إصدار التراخيص، إذ قفزت نحو 252 في المائة خلال الرُّبع الثاني من العام الحالي، إلى جانب تطوير البيئة التنظيمية، وإطلاق المبادرات القطاعية، بالتوازي مع نمو ملحوظ في تكوين رأس المال والاستثمار الأجنبي المباشر.

ويُظهِر «راصد الاقتصاد والاستثمار السعودي» للرُّبع الثاني من عام 2026 أنَّ هذه المسارات بدأت تُشكِّل قاعدةً أوسع لنمو النشاط الاستثماري وتنويع الاقتصاد، بما يتسق مع مستهدفات «رؤية 2030».

وسجَّلت التراخيص الاستثمارية الصادرة خلال الرُّبع الثاني قفزةً لافتةً بلغت 252 في المائة على أساس سنوي، لتتجاوز 9 آلاف ترخيصاً، مقارنة مع 2.5 ألف ترخيص في الفترة المماثلة من 2025.

ويعكس هذا الارتفاع تنامي ثقة المستثمرين، واستمرار جاذبية البيئة الاستثمارية في المملكة، بما يدعم توجه السعودية نحو ترسيخ مكانتها وجهةً استثماريةً رائدةً.

وتشير البيانات إلى أنَّ النمو لم يكن محصوراً في نشاط واحد، بل امتدَّ إلى مجموعة واسعة من القطاعات، حيث استحوذت أنشطة التشييد، وتجارة الجملة والتجزئة، والصناعات التحويلية على نحو 66 في المائة من إجمالي التراخيص الاستثمارية الصادرة خلال الرُّبع الثاني.

وجاء قطاع التشييد في الصدارة بـ2.6 ألف ترخيص مقابل 827 ترخيصاً قبل عام، بنمو بلغ 218 في المائة، تلاه قطاع تجارة الجملة والتجزئة بـ2.3 ألف ترخيص مقابل 607 تراخيص، وبنمو 285 في المائة، ثم الصناعات التحويلية بأكثر من ألف تراخيص مقابل 263 ترخيصاً، وبنمو 284 في المائة.

كما سجَّلت قطاعات أخرى زيادات قوية، من بينها النقل والتخزين الذي ارتفع عدد تراخيصه إلى 494 ترخيصاً بنمو 443 في المائة، وخدمات الإقامة والطعام إلى 705 تراخيص بنمو 393 في المائة، والعقارات إلى 118 ترخيصاً بنمو 436 في المائة، بينما سجَّلت الزراعة والغابات وصيد الأسماك أعلى معدل نمو بلغ 736 في المائة.

إصلاحات تنظيمية

بالتوازي مع زيادة التراخيص، واصلت المملكة تحديث البيئة التنظيمية بهدف جعل الاستثمار أكثر مرونة وتنافسية. وشملت أبرز التشريعات الداعمة خلال الرُّبع الثاني إلغاء عدد من الوثائق المتعلقة بالأنشطة التجريبية السياحية، بما في ذلك بعض القرارات واللوائح والأدلة الإجرائية المرتبطة بهذه الأنشطة.

كما جرى تمديد العمل بمبادرة إلغاء الغرامات والإعفاء من العقوبات المالية عن المكلفين لمدة 6 أشهر إضافية، اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) 2026، في خطوة تستهدف تخفيف الأعباء وتحسين البيئة التنظيمية أمام المكلفين.

وتعكس هذه الإجراءات اتجاهاً أوسع نحو تطوير الأنظمة والإجراءات الاستثمارية بما يقلل التعقيدات، ويرفع كفاءة ممارسة الأعمال، ويعزِّز قدرة الاقتصاد السعودي على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.

الاستثمار الرياضي

برز «منتدى الاستثمار الرياضي 2026» بوصفه إحدى المبادرات التي تستهدف توسيع قاعدة الاستثمار في القطاعات الواعدة. واستقطب المنتدى أصحاب الأعمال والمستثمرين والخبراء التنفيذيِّين وصُنَّاع القرار من مختلف دول العالم، في وقت يشهد فيه القطاع الرياضي السعودي تحولاً سريعاً، مدفوعاً بالإصلاحات التنظيمية وتطوير البنية التحتية.

ويعكس المنتدى تَوجُّه المملكة إلى تحويل الرياضة إلى أحد روافد الاقتصاد، إذ أشار التقرير إلى أنَّ الاستثمارات المستهدفة في القطاع تصل إلى 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار)، مع التأكيد على دور الإجراءات الحكومية والجهود الجارية في دفع نمو القطاع ورفع مشاركة القطاع الخاص.

البلاستيك والبتروكيماويات

كما سلَّط التقرير الضوء على «المعرض السعودي للبلاستيك والبتروكيماويات 2026»، الذي جمع بين الجهات الحكومية والمستثمرين وصُنَّاع القرار في قطاع يُعدُّ من الركائز الصناعية للمملكة. واستقطب المعرض 498 شركة عارضة من 24 دولة، بهدف تعزيز الشراكات وسلاسل الإمداد ورفع كفاءة الإنتاج ودعم نمو الصناعات التحويلية.

وفي قطاع الخدمات اللوجستية، جاء «المعرض السعودي للخدمات اللوجستية الذكية 2026» ليبرز الفرص المرتبطة بالتَّحوُّل نحو الخدمات اللوجستية الذكية، وتوظيف الأتمتة والروبوتات والذكاء الاصطناعي في النقل والتخزين وسلاسل الإمداد، بما يعزِّز موقع المملكة مركزاً لوجستياً في المنطقة.

وعلى مستوى الاستثمار المحلي، ارتفع إجمالي تكوين رأس المال الثابت الاسمي خلال الرُّبع الأول من عام 2026 بنحو 5.1 في المائة على أساس سنوي، ليصل إلى 358 مليار ريال (95.4 مليار دولار).

وجاء النمو مدفوعاً بصورة رئيسية بتكوين رأس المال الثابت في القطاع غير الحكومي، الذي ارتفع بنحو 1.3 في المائة، مستحوذاً على نحو 89 في المائة من الإجمالي، بينما بلغت مساهمة تكوين رأس المال الثابت في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي نحو 28 في المائة.

جاذبية لرؤوس الأموال

وتكتسب هذه الأرقام أهميةً خاصةً في ظلِّ سعي السعودية إلى زيادة دور الاستثمار الخاص في النشاط الاقتصادي، إذ تشير البيانات إلى استمرار القطاع غير الحكومي في تشكيل الجزء الأكبر من قاعدة تكوين رأس المال، بما يعكس اتساع مساهمة القطاع الخاص في عملية النمو الاقتصادي.

وفي مؤشر آخر على تنامي جاذبية المملكة لرؤوس الأموال الدولية، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 1.1 تريليون ريال (293.3 مليار دولار) بنهاية عام 2025، مسجِّلاً ارتفاعاً بنحو 13 في المائة مقارنة بعام 2024، وأكثر من الضعف مقارنة برصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2017.

كما ارتفعت نسبة رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 28 في المائة خلال عام 2025.

وبحسب التقديرات الأولية للهيئة العامة للإحصاء، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2025 نحو 136 مليار ريال (36.2 مليار دولار)، مُسجِّلة نمواً نحو 14 في المائة مقارنة بعام 2024.

وتكشف السلسلة الزمنية عن مسار تصاعدي واضح في رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ ارتفع من 502 مليار ريال (133.8 مليار دولار) في 2017 وصولاً إلى 1.1 تريليون ريال في 2025.

التوقعات الدولية

وفي هذا الإطار قال الأستاذ بجامعة الملك فيصل المتخصص في الاقتصاد، الدكتور محمد بن دليم القحطاني، إنه حين تتوقَّع المؤسسات الدولية أن يقفز نمو الاقتصاد السعودي في 2027 إلى 4.3 في المائة و4.9 في المائة طبقاً للبنك الدولي، و5.5 في المائة بحسب صندوق النقد الدولي؛ فالرسالة بين السطور واضحة، وهي أن ثمار التَّحوُّل الاقتصادي بدأت تنتقل من مرحلة البناء والاستثمار إلى مرحلة العوائد والنمو.

وأوضح الدكتور بن دليم في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن المؤسسات الـ3، رغم اختلاف تقديراتها، تتفق على اتجاه واحد وهو استمرار النمو بقوة في 2027. «وهنا تكمن القصة الحقيقية لرؤية المملكة، ليس أن ينمو الاقتصاد سنة واحدة، بل أن يصبح أكثر تنوعاً ومرونة وقدرة على صناعة النمو رغم اضطرابات العالم»، مؤكداً أن الرياض لا تنتظر مستقبل الاقتصاد العالمي، بل تبني موقعها فيه.

قراءة في الاتجاه العام

تعكس مؤشرات الرُّبع الثاني من 2026 انتقال البيئة الاستثمارية السعودية إلى مرحلة أكثر اتساعاً، لا تقتصر فيها الجهود على جذب رؤوس الأموال، وإنما تمتد إلى توسيع قاعدة القطاعات المستفيدة من الاستثمار، وتخفيف القيود التنظيمية، وتحفيز القطاع الخاص، ورفع مساهمة الاستثمارات المحلية والأجنبية في الاقتصاد.

وتبرز القفزة الكبيرة في التراخيص الاستثمارية، إلى جانب تجاوز رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز التريليون ريال، بوصفهما من أبرز مؤشرات التَّحوُّل في المشهد الاستثماري السعودي. كما أنَّ التركيز المتزايد على قطاعات التشييد والتجزئة والصناعة واللوجستيات والسياحة والرياضة يعكس اتساع نطاق الاقتصاد غير النفطي، وتوجُّه المملكة إلى بناء مصادر جديدة للنمو والاستثمار ضمن مستهدفات «رؤية 2030».