«مدن» تعزّز كفاءة سلاسل الإمداد السعودية باستثمارات تتجاوز 147 مليون دولار

خبير لوجستي لـ«الشرق الأوسط»: القطاع يستهدف 10 % من الناتج المحلي

شاحنة للأمن والسلامة التابعة لـ«مدن» (مدن)
شاحنة للأمن والسلامة التابعة لـ«مدن» (مدن)
TT

«مدن» تعزّز كفاءة سلاسل الإمداد السعودية باستثمارات تتجاوز 147 مليون دولار

شاحنة للأمن والسلامة التابعة لـ«مدن» (مدن)
شاحنة للأمن والسلامة التابعة لـ«مدن» (مدن)

رسّخت الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن) مكانة المملكة منصة لوجستية عالمية ومركزاً حيوياً للتجارة العابرة بين القارات الثلاث، مدعومة بضخ استثمارات نوعية تجاوزت 553 مليون ريال (147.5 مليون دولار) خلال عام 2025، لترتفع المساحات اللوجستية المطورة داخل المدن الصناعية إلى أكثر من 16 مليون متر مربع، وبمعدل نمو سنوي بلغ 35 في المائة، تماشياً مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية.

وتأتي هذه القفزة الاستثمارية لتترجم الدور المحوري الذي تلعبه «مدن»، التي تأسست عام 2001، في تحمُّل مسؤولية تطوير وإدارة الأراضي الصناعية والمناطق اللوجستية المتكاملة في المملكة، حيث تشرف حالياً على منظومة واسعة تضم نحو 36 مدينة صناعية قائمة وتحت التطوير تنتشر في مختلف مناطق البلاد، إلى جانب إشرافها على المجمعات والمدن الصناعية الخاصة. كما تعمل الهيئة بصفتها ممكّناً استراتيجياً للمستثمرين من خلال توفير بنية تحتية متطورة، وحلول لوجستية ذكية، ومصانع جاهزة لدعم رواد الأعمال، بما يتسق مع مستهدفات «رؤية 2030» لرفع إسهام القطاع الخاص وتنويع الاقتصاد الوطني.

في هذا السياق، أكد الخبير اللوجستي نشمي الحربي لـ«الشرق الأوسط»، أن «مدن» تمثل الركيزة التنفيذية لتحويل المملكة منصة لوجستية عالمية، مشيراً إلى نجاحها المستمر الذي برز بوضوح خلال عام 2024 في جذب استثمارات نوعية بقيمة 24 مليار ريال (6.4 مليار دولار)، منها 6 مليارات ريال (1.6 مليار دولار) استثمارات أجنبية، بما يعزز سلاسل الإمداد الوطنية ويرفع إسهام القطاع في الناتج المحلي الإجمالي.

مبنى «مدن» في العاصمة السعودية الرياض (الشركة)

تكامل مع الاستراتيجيات الوطنية

وفي إطار توافق الخطط التشغيلية مع الأجندة التنموية للمملكة، يتسق هذا التوسع الذي تقوده «مدن» مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، حيث تشرف الهيئة على تطوير منصات ذات استخدام صناعي ولوجستي ومراكز توزيع متطورة تضمن مرونة تدفق البضائع.

وقد تعزز هذا المسار بدعم مباشر من برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب)، مما مكّن الهيئة من تطوير أكثر من 13 مليون متر مربع، وتدشين مدن صناعية جديدة في الطائف وعسير، فضلاً عن إطلاق منطقة لوجستية نوعية في الدمام. وشملت حزمة دعم «ندلب» تعزيز السعات الكهربائية بأكثر من 600 ميغاواط، وإنشاء ما يزيد على 700 مصنع ومنتج جاهز، بالإضافة إلى توفير مستودعات ذاتية ووحدات مساندة ومراكز تضم مصانع متعددة الأدوار، بهدف تسهيل وتسريع بيئة الأعمال أمام المستثمرين ورواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

وهنا، يعود الخبير اللوجستي نشمي الحربي ليشير إلى أن القيمة الحقيقية لهذه المشروعات تكمن في قدرتها على ترجمة تلك الاستراتيجيات الوطنية إلى واقع ملموس، وذلك عبر خلق بنية تحتية نموذجية تربط المدن الصناعية بالمنافذ الدولية مباشرة، وتضمن اختصار الوقت والتكلفة في نقل البضائع بين مراكز الإنتاج والأسواق النهائية.

منظومة لوجستية متكاملة

وسّعت «مدن» خلال السنوات الماضية نطاق خدماتها اللوجستية، لتشمل أراضي لوجستية متنوعة المساحات ومتكاملة الخدمات، ومراكز توزيع مخصصة لتخزين السلع والمنتجات قبل توزيعها مباشرة، ومستودعات للخدمات اللوجستية للغير (3PL)، ومستودعات مبردة، وساحات حاويات، وساحات شاحنات متكاملة الخدمات، إلى جانب وحدات ذاتية التخزين وساحات مفتوحة للتخزين.

حسب الحربي، تحتضن «مدن» حالياً 23 مركزاً لوجستياً مفعلاً بمساحة إجمالية تتجاوز 34 مليون متر مربع، موضحاً أن هذه المراكز توفر للمستثمرين بيئة تشغيلية منخفضة التكاليف وعالية الكفاءة بفضل قربها من الموانئ والمطارات وتكامل خدماتها التشغيلية.

أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)

استثمارات تدعم سلاسل الإمداد

شهد عام 2025 تخصيص أراضٍ لوجستية في 18 مدينة صناعية بمساحة إجمالية تجاوزت مليون متر مربع، وبحجم استثمارات تجاوز 500 مليون ريال (133.3 مليون دولار)، شملت إنشاء مستودعات ومراكز توزيع وساحات شاحنات متكاملة الخدمات ومشروعات للخدمات اللوجستية للغير.

كما استقطبت المدن الصناعية عدداً من الاستثمارات النوعية، من بينها مشروع لشركة «جينغ دونغ العقارية» لتطوير مستودعات في «واحة مدن» بجدة على مساحة 40 ألف متر مربع، باستثمارات بلغت 100 مليون ريال (26.7 مليون دولار).

وفي المدينة الصناعية الثالثة بجدة، أنشأت شركة «كودو» للتغذية والإعاشة مركز توزيع على مساحة 18 ألف متر مربع باستثمارات بلغت 50 مليون ريال (13.3 مليون دولار)، في حين دشنت شركة «ماسكو السعودية التجارية المحدودة» مشروعاً للخدمات اللوجستية للغير على مساحة 10 آلاف متر مربع باستثمارات بلغت 10 ملايين ريال (2.7 مليون دولار).

كما نفذت شركة «سمسا» مشروعاً لتطوير الخدمات اللوجستية في المدينة الصناعية الأولى بالأحساء على مساحة 6 آلاف متر مربع باستثمارات بلغت 10 ملايين ريال (2.7 مليون دولار).

وأوضح الحربي أن قطاع الصناعات التحويلية والغذائية يتصدّر الطلب على الخدمات اللوجستية، مشيراً إلى أن المملكة تشهد نمواً متسارعاً في التجارة الإلكترونية وقطاع الأدوية، وهو ما يرفع الطلب على مراكز التوزيع والخدمات اللوجستية المتخصصة.

ربط المدن الصناعية بالمنافذ

وفي إطار تطوير البنية اللوجستية، نفذت «مدن» مشروع محطة قطار البضائع في المدينة الصناعية الثانية بالدمام، لربط المنطقة اللوجستية بميناء الملك عبد العزيز بالدمام، بما يدعم حركة البضائع بين المناطق الصناعية والمنافذ البحرية.

كما خصصت الهيئة 6 محطات وقود في عدد من المدن الصناعية بمساحة إجمالية بلغت 65.1 ألف متر مربع، وبحجم استثمارات وصل إلى 36.6 مليون ريال (9.8 مليون دولار)، شملت مدن الخرج، وتبوك، والمدينة المنورة، وجدة الثالثة، ومكة المكرمة الأولى.

وشهد العام كذلك تخصيص 14 ساحة شاحنات متكاملة الخدمات بمساحة تجاوزت 498 ألف متر مربع في عدد من المدن الصناعية، من بينها الثالثة بجدة، والثانية بالرياض، والثالثة بالدمام.

كما خصصت «مدن» 16 عقداً لوجستياً بقيمة استثمارية تصل إلى 500 مليون ريال (133.3 مليون دولار)، لتنفيذ مواقف حافلات الدعم في مواسم الحج والعمرة داخل المدينة الصناعية الثانية في مكة المكرمة، على مساحة تجاوزت 850 ألف متر مربع.

وفي جانب الاستدامة، أطلقت «مدن» محطتَين لشحن المركبات الكهربائية في المدينة الصناعية الثانية بالرياض، بقدرة تستوعب خدمة أربع مركبات، دعماً للنقل الكهربائي وتعزيز كفاءة التنقل داخل المدن الصناعية.

صورة جوية لمدينة رأس الخير الصناعية (دارة الملك عبد العزيز)

التحول الرقمي واللوجستيات الذكية

وقال الحربي إن التقنية أصبحت المحرك الفعلي للعمليات اللوجستية، مشيراً إلى استثمارات بلغت 8.8 مليار ريال (2.35 مليار دولار) في 15 مركز بيانات لدعم التحول الرقمي وتمويل تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة.

وأضاف أن «مدن» تتبنى حلول الأتمتة والتقنيات الذكية لرفع دقة التتبع وتحسين الكفاءة التشغيلية، إلى جانب استهداف تحويل 100 مصنع نماذج عالمية إلى «مصانع المستقبل»، بما يدعم ريادة المملكة في الخدمات اللوجستية الذكية.

وأوضح أن من أبرز التحديات المستقبلية التي تواجه القطاع تسارع التحول الرقمي ومتطلبات الاستدامة البيئية، مشيراً إلى أن «مدن» تعمل على مواجهة هذه التحديات عبر مبادرة «مدن خضراء»، والاستثمار في الأمن السيبراني، وتأهيل الكوادر الوطنية لقيادة العمليات اللوجستية المتقدمة.

التجارة الإلكترونية والفرص الاستثمارية

وأشار الحربي إلى أن المملكة سجلت أكثر من 290 مليون طلب توصيل خلال عام 2024، وهو ما يعزّز الحاجة إلى مراكز توزيع عالية الكفاءة ومستودعات متطورة قادرة على مواكبة النمو المتسارع في التجارة الإلكترونية.

ورأى أن المستودعات الذكية المؤتمتة، ومراكز الخدمات اللوجستية المتخصصة، وسلاسل التبريد الخاصة بالأغذية والأدوية، وحلول الخدمات اللوجستية الخضراء، تمثّل أبرز الفرص الاستثمارية الواعدة خلال السنوات المقبلة.

وأكد أن الخدمات اللوجستية أصبحت الممكّن الأول للمنتج السعودي، من خلال خفض التكاليف التشغيلية وتسريع الوصول إلى الأسواق العالمية عبر الربط المباشر مع خطوط الملاحة وسلاسل الإمداد الدولية.

وتوقع الحربي أن يرتفع إسهام القطاع اللوجستي إلى 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة، مع تحول المملكة إلى نقطة ارتكاز رئيسية للتجارة العالمية العابرة بين القارات الثلاث، مدعومة ببنية تحتية لوجستية ورقمية متنامية.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

طفرة المشاريع السعودية تفرض قواعد جديدة للمشتريات وسلاسل الإمداد

الاقتصاد جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)

طفرة المشاريع السعودية تفرض قواعد جديدة للمشتريات وسلاسل الإمداد

تتجه مشاريع البناء الكبرى في السعودية إلى تبنِّي نماذج أكثر مرونة في التخطيط والتصميم والمشتريات، مع ازدياد الضغط على سلاسل الإمداد وتنافس المشاريع.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث إلى الحضور في المؤتمر الصحافي الحكومي (وزارة الإعلام)

الرياض تجمع عمالقة التقنية في «ليب 2026» بصفقات كبرى واستثمارات مرتقبة

قال وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، المهندس عبد الله السواحه، إن الاقتصاد الرقمي في السعودية نما إلى أكثر من 139 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة من النسخة السابقة لمنتدى الرياض الاقتصادي (واس)

منتدى الرياض الاقتصادي يناقش 5 دراسات لدعم التنمية خلال أكتوبر

يناقش منتدى الرياض الاقتصادي 5 دراسات متخصصة، تتناول الأمن الغذائي، والذكاء الاصطناعي، والنقل والتشريعات، والفعاليات الكبرى، والتنمية المستدامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
مبنى البنك المركزي السعودي (الشرق الأوسط)

«ساما» السعودي يرخِّص لشركة جديدة لمزاولة الدفع الآجل

أعلن البنك المركزي السعودي الترخيص لشركة «جيل الدفع الآجل» لمزاولة نشاط الدفع الآجل، ليرتفع بذلك إجمالي عدد شركات التمويل المرخصة في السعودية إلى 78 شركة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الوفدان السعودي والباكستاني خلال مباحثات لتعزيز الأمن الغذائي وتوسيع التعاون الزراعي والتجاري بين البلدين (واس)

السعودية وباكستان تستهدفان رفع الصادرات الزراعية والغذائية إلى 3 مليارات دولار

اتفقت السعودية وباكستان على تعزيز الأمن الغذائي ورفع الصادرات الزراعية والغذائية الباكستانية للمملكة إلى 3 مليارات دولار.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)

بنكا الإمارات ومصر المركزيان ينسقان بشأن فروع بنك مصر بعد إشعار الخزانة الأميركية

مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على إنستغرام)
مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على إنستغرام)
TT

بنكا الإمارات ومصر المركزيان ينسقان بشأن فروع بنك مصر بعد إشعار الخزانة الأميركية

مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على إنستغرام)
مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على إنستغرام)

أكد مصرف الإمارات المركزي والبنك المركزي ​المصري، في بيان مشترك صدر اليوم الأحد، على التعاون والتنسيق بينهما بشأن فروع بنك مصر ‌في الإمارات، ‌وذلك ​بعد ‌أن ⁠أعلنت وزارة ​الخزانة الأميركية، ⁠يوم الجمعة، أنها اتخذت إجراءات لقطع فروع البنك في الدولة الخليجية عن ⁠المعاملات بالدولار بسبب ‌تعاملاتها ‌مع إيران.

وورد في ​البيان ‌أن البنكين يؤكدان ‌على «التعاون والتنسيق التام والدائم بينهما بخصوص قيام فروع بنك مصر ‌بالإمارات العربية المتحدة بمزاولة أعمالها كافة ⁠بصورة ⁠طبيعية».

وأضاف البيان: «ستقوم فروع بنك مصر بالإمارات العربية المتحدة باتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة كافة خلال الفترة المحددة لذلك».


طفرة المشاريع السعودية تفرض قواعد جديدة للمشتريات وسلاسل الإمداد

جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)
جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

طفرة المشاريع السعودية تفرض قواعد جديدة للمشتريات وسلاسل الإمداد

جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)
جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)

تتجه مشاريع البناء الكبرى في السعودية إلى تبنِّي نماذج أكثر مرونة في التخطيط والتصميم والمشتريات، مع ازدياد الضغط على سلاسل الإمداد، وتنافس المشاريع المتزامنة على الموارد والمورِّدين، في وقت تتجه فيه الشركات إلى تعزيز التوطين، وبناء شراكات طويلة الأجل مع المقاولين والمورِّدين، والاستفادة من البيانات والذكاء الاصطناعي لتحسين القدرة على التنبؤ بالمخاطر والاستجابة لها.

وقال كريستوفر سيمور، المدير العام لشركة «Mace Consult» في الشرق الأوسط وأفريقيا، إن مفهوم المرونة في قطاع البناء تغيَّر بصورة كبيرة خلال السنوات الخمس الماضية، في ظل النمو السريع للمشاريع في السعودية؛ مشيراً إلى أن السوق تحتاج إلى وقت لبناء طاقتها الاستيعابية، ومواكبة تنوع المشاريع التي تدخل مراحل التنفيذ.

وأوضح خلال جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض، أن تعزيز المرونة يتطلب إشراك السوق في مراحل مبكرة من التخطيط، ومنح الشركات رؤية أوضح حول المشاريع التي ستدخل مرحلة التنفيذ، حتى تتمكن من الاستعداد لها.

مرونة أكبر في تصميم المشاريع

وأشار سيمور إلى أن التغيير لا يقتصر على التخطيط؛ بل يمتد إلى تصميم المشاريع ومواصفاتها، موضحاً أن التصاميم يجب أن تكون أكثر مرونة بما يسمح باستخدام البدائل عند عدم توفُّر بعض المنتجات أو وجود فترات توريد طويلة، إلى جانب زيادة الاعتماد على المصادر المحلية.

وقال إن الأشهُر الستة الماضية شهدت تغييرات كبيرة في مواصفات وتصاميم عدد من المشاريع القائمة، بما في ذلك الرسومات واختيارات المنتجات، الأمر الذي أدى إلى زيادة عمليات الاستبدال واللجوء إلى البدائل في البرامج الكبرى.

وأضاف أن التغيير الثالث يرتبط بتطور أدوات الرقابة على المشاريع، مع تحسُّن أدوات التحكم والمتابعة وانتشار مكاتب إدارة المشاريع، ما جعل الفجوات والمشكلات أكثر وضوحاً مع رفعها إلى مستويات الإدارة العليا.

جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)

وأكد أن المشروع المرن يحتاج إلى حوكمة قوية وشفافية، وبيئة لا يخشى فيها العاملون من طرح المشكلات الصعبة، إلى جانب التخطيط المبكر، موضحاً أن التغيير سيحدث بالتأكيد، ولكن الأهم هو إنشاء بيئة قادرة على الاستجابة له وإدارته.

وجاءت الجلسة تحت عنوان «من الرؤية إلى التنفيذ: القيادة والحوكمة لعصر جديد من المرونة في المشتريات وسلاسل الإمداد لقطاع البناء»، ضمن «Big 5 Talks» في اليوم الأول من المعرض، وأدارها داركو ماكورا، الرئيس التنفيذي لمجموعة «الخولي» وزميل المعهد المعتمد للبناء FCIOB))، بمشاركة سيمور، وخالد الدغيثر، مدير إدارة المشتريات والعقود في «مجموعة روشن»، ويوسف بن زايد، المدير العام لشركة «الفطيم لإدارة المرافق».

«روشن»: المشتريات تنتقل من خفض التكلفة إلى خلق القيمة

وقال خالد الدغيثر إن المشتريات في السوق السعودية كانت قبل 5 سنوات تعتمد بصورة أكبر على طرح المناقصات، والحصول على أفضل تكلفة، ثم توقيع العقود، والانتقال إلى المناقصة التالية.

وأوضح أن ما تحاول «روشن» بناءه حالياً هو خلق القيمة، والاستفادة من خططها متعددة السنوات، لمنح المقاولين والمورِّدين قدرة أكبر على التنبؤ بحجم الأعمال التي سيحصلون عليها مستقبلاً.

وأضاف أن ذلك ينقل العلاقة من معاملات منفردة إلى علاقات أطول، تتيح تبادل المعرفة وتقاسم المخاطر؛ مشيراً إلى أن مشاريع «روشن» تقوم على مجتمعات متعددة المراحل، وليس على مشاريع منفردة، ما يجعل بناء هذه العلاقات مع المورِّدين والمقاولين عاملاً مهماً في تعزيز مرونة شبكة الإمداد.

الحوكمة وسرعة القرار

وفيما يتعلق بالتوازن بين الحوكمة وسرعة اتخاذ القرار، قال يوسف بن زايد، إن الحوكمة يفترض أن توفر السلطة والوضوح للمشاريع التي تشرف عليها؛ مشيراً إلى أن إدارة المرافق تأتي مكمِّلة لما يتم إنجازه في قطاع الإنشاء والمقاولين.

وأوضح أن الحوكمة يجب أن تمنح المقاول والمصمم وضوحاً حول كيفية إدارة المشروع أو الأصل وإمكانية صيانته، بما يساعد على إطالة دورة حياته.

من جانبه، قال سيمور إن الحوكمة لا تبطئ التنفيذ؛ بل يمكن أن تسرِّعه؛ لأنها توفر الإطار الذي يربط الأدلة والمعلومات القادمة من المشروع بالقرار الذي يجب اتخاذه.

وأضاف أن وجود مصفوفة واضحة للصلاحيات، وتمكين مدير المشروع وفريقه من اتخاذ القرارات ضمن المستويات المحددة أمر ضروري، محذراً من أن تصعيد القرارات بصورة مستمرة إلى مستويات أعلى قد يجعل شخصاً واحداً «عنق زجاجة» للمشروع.

التوطين يتحول إلى أداة لإدارة مخاطر الإمداد

وفي محور المشتريات، قال الدغيثر إن السعر وتحويل المخاطر إلى المقاولين لا يزالان جزءاً من المعادلة، ولكنهما لم يعودا المعيارين الوحيدين.

وأوضح أن السوق انتقلت إلى نهج يركز بصورة أكبر على إدارة المخاطر والمرونة؛ مشيراً إلى أن استراتيجية التوريد لدى «روشن» أسهمت في تعزيز منظومتها المحلية، ورفعت نسبة التوطين لديها إلى 52 في المائة.

وقال إن «روشن» لا تنظر إلى نسبة التوطين بوصفها مؤشراً للامتثال فقط، وإنما بوصفها «مؤشراً على المرونة».

وأضاف أن أقل سعر لا يعني بالضرورة اختيار المقاول المناسب؛ إذ يجب النظر أيضاً إلى قدرته المالية، وطاقة التوريد المحلية، والتكامل الرقمي مع عمليات الشركة، وقدرته على إبلاغها بأي اضطرابات تحدث على أرض الواقع، بما يسمح بالتدخل بسرعة لدعم تنفيذ المشروع.

من جانبه، قال سيمور إن نقل المخاطر إلى المقاول لا يعني التخلص منها، موضحاً أن المخاطر ستظل في النهاية على عاتق العميل.

وأضاف أن المبدأ المتعارف عليه يتمثل في وضع المخاطر لدى الطرف الأكثر قدرة على إدارتها، ولكن يجب في الوقت نفسه التأكد من أن هذا الطرف يستطيع تسعير المخاطر بصورة عادلة.

وأوضح أن المقاولين غالباً ما يكونون الأقدر على إدارة مخاطر سلاسل الإمداد، بحكم تعاملهم المباشر مع السوق، ولكن تحميلهم مخاطر من دون منحهم القدرة على تسعيرها بصورة عادلة قد يدفعهم إلى تسعير المخاطر بشكل مرتفع تحسباً لتطورات غير متوقعة، وهو ما قد لا يكون في مصلحة العميل.

وأشار إلى أن المقاول يمكن أن يتحمل جزءاً من المخاطر لإظهار التزامه بالمشروع ونجاحه، ولكن من دون أن يصل ذلك إلى مستوى يهدد قدرته على الاستمرار.

جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)

«الفطيم»: المورِّدون شركاء في المشروع

وقال يوسف بن زايد، إن استراتيجية المشتريات يجب أن تستهدف بناء شراكة مع المورِّدين والشركات التي تتقدم للمناقصات، بدلاً من النظر إليهم فقط بوصفهم أطرافاً تعاقدية.

وأوضح أن المالك يمكنه الحصول على قيمة إضافية من هذه العلاقة، من خلال الاستفادة من قدرات وخبرات المقاولين والمورِّدين في مراحل مختلفة من المشروع.

وأشار إلى أنه سبق أن استفاد من خبرات مرتبطة بأعمال الميكانيكا والكهرباء والتكييف (MEP) في مرحلة إدارة المرافق، بما يمكن أن يقدم قيمة إضافية للعميل.

وأكد أهمية النظر إلى دورة الحياة الطويلة للمبنى والأصل، بحيث لا يقتصر التفكير على مرحلة الإنشاء، وإنما يمتد إلى كيفية تشغيل الأصل وصيانته على المدى الطويل.

وفيما يتعلق بالمخاطر، قال بن زايد إن استخدام بنود «القوة القاهرة» (Force Majeure) أصبح متكرراً في الآونة الأخيرة وبصورة مبالغ فيها في بعض الحالات.

وأضاف أن التعامل مع هذه الحالات يتطلَّب مساهمة جميع الأطراف، موضحاً أنه لا يمكن تحميل العميل المسؤولية بصورة تلقائية، إذا كان بالإمكان تفادي بعض التداعيات، والوصول بالمشروع إلى نهاية ناجحة وأكثر مرونة.

وأشار إلى أن المقاول يمكن أن يتحمَّل جزءاً من المخاطر لإظهار التزامه بالمشروع ونجاحه، ولكن من دون أن يصل ذلك إلى مستوى يهدد قدرته على الاستمرار.

وفي محور التكنولوجيا، قال سيمور إن أكثر من 85 في المائة من البيانات التي يتم إنشاؤها خلال تنفيذ المشروع لا يعاد استخدامها بعد الغرض الذي أنشئت من أجله.

ووصف ذلك بأنه فرصة كبيرة أمام القطاع؛ مشيراً إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي والخوارزميات يمكن أن يساعد في تحليل تاريخ المشاريع السابقة والمشاريع المشابهة، وتحسين القدرة على التنبؤ بالأحداث التي قد تقع، وإدارة المخاطر بصورة أفضل.

وأوضح أن الاستفادة من البيانات يمكن أن تحسِّن إدارة مخاطر سلاسل الإمداد والحوكمة، إلا أن القطاع لا يزال يواجه مشكلة في تصنيف البيانات منذ بداية المشروع.

حضور يتأهب للمشاركة في فعاليات «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أن البيانات تبدأ في التراكم منذ اليوم الأول للمشروع، بينما يتم وضع تصنيف البيانات في كثير من الأحيان في مراحل متأخرة، مثل مرحلة تعيين مكتب إدارة المشروع، بعد أن يكون التصميم قد تجاوز مرحلة التصور ودخل مراحل متقدمة.

وقال إن هذا الأمر يحدث في وقت متأخر جداً، داعياً إلى وضع تصنيفات البيانات في وقت مبكر، وتوحيد طريقة خروج البيانات من المشروع، بما يسمح بالاستفادة منها بصورة أكبر.

وأضاف أن القطاع يمتلك اليوم أدوات رقمية متقدمة، ولكنه لا يزال يرتكب أخطاء أساسية في التعامل مع البيانات، مشدداً على ضرورة تغيير طريقة إعداد المشاريع وإدارة البيانات في الوقت الحالي.

وفي هذا السياق، قال بن زايد إن التطور التقني في قطاع الإنشاءات لا يمكن إنكاره؛ مشيراً إلى توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات في القطاع.

وكشف أن «الفطيم» تعمل على تطوير استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات المشتريات، موضحاً أن الشركة تقوم حالياً بتدريب وكيل يعتمد على الذكاء الاصطناعي للتفاعل مع المورِّدين والتفاوض معهم.

وقال إن هذا الاستخدام لا يزال قيد التطوير، معتبراً أن توظيف التقنيات الحديثة يمكن أن يغيِّر طريقة العمل في قطاع الإنشاءات والتعاقدات، ولكنه شدَّد في الوقت نفسه على أهمية عدم فقدان العنصر البشري.

وأكد ماكورا خلال النقاش أهمية أن تضع المؤسسات ضوابط واضحة للتقنيات والمنتجات القائمة على الذكاء الاصطناعي التي تسمح باستخدامها في المشاريع، وألا يُترك للموظفين اختيار أي أدوات بصورة عشوائية، مع ضرورة التحقق من نتائجها وتقييمها من جانب المختصين.

وانطلقت الأحد أعمال معرض «Big 5 Construct Saudi» في مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات، بواجهة «روشن»، ويستمر حتى 2 سبتمبر (أيلول)، ويفتح أبوابه يومياً من الرابعة عصراً حتى العاشرة مساءً.

ويجمع المعرض أكثر من ألف شركة عارضة من أكثر من 50 دولة، إلى جانب أكثر من 40 متحدثاً، حسب الموقع الرسمي للفعالية.


ترمب يعتزم ملء الاحتياطي النفطي الأميركي بالخام الفنزويلي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في صورة أرشيفية بنادي ليبرتي ناشونال للغولف (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في صورة أرشيفية بنادي ليبرتي ناشونال للغولف (أ.ب)
TT

ترمب يعتزم ملء الاحتياطي النفطي الأميركي بالخام الفنزويلي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في صورة أرشيفية بنادي ليبرتي ناشونال للغولف (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في صورة أرشيفية بنادي ليبرتي ناشونال للغولف (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الولايات المتحدة ستستخدم النفط الفنزويلي لإعادة ملء احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، في خطوة جديدة تكشف عن أحد الأهداف العملية للاتفاق النفطي الذي أبرمته واشنطن مع كاراكاس، والذي يمنح الولايات المتحدة سيطرة أغلبية على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات الفنزويلية المؤكدة.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن عملية إعادة ملء الاحتياطي ستبدأ «قريباً»، واصفاً النفط الفنزويلي بأنه «هدية من فنزويلا إلى شعب الولايات المتحدة».

ويأتي الإعلان فيما لا يزال الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي عند مستوى منخفض تاريخياً، بعدما تراجع إلى نحو 290 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ 44 عاماً.

ولفت ترمب إلى أن الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي «أُفرغ تقريباً» بسبب الرئيس السابق جو بايدن، مضيفاً أن عملية إعادة ملئه بالنفط الفنزويلي ستبدأ «قريباً».