التضخم البريطاني يستقر بشكل غير متوقع عند 2.8 % وسط ترقب قرار «بنك إنجلترا»

عوائد السندات الحكومية هبطت إلى أدنى مستوى في شهرين بعد «مفاجأة» البيانات

متسوق في سوبرماركت بلندن (إ.ب.أ)
متسوق في سوبرماركت بلندن (إ.ب.أ)
TT

التضخم البريطاني يستقر بشكل غير متوقع عند 2.8 % وسط ترقب قرار «بنك إنجلترا»

متسوق في سوبرماركت بلندن (إ.ب.أ)
متسوق في سوبرماركت بلندن (إ.ب.أ)

استقر معدل التضخم في المملكة المتحدة بشكل غير متوقع عند 2.8 في المائة خلال الشهر الماضي، دون تغيير عن أدنى مستوى له في 13 شهراً المسجل في أبريل (نيسان)، وذلك قبل يوم واحد من إعلان بنك إنجلترا قراره المرتقب بشأن أسعار الفائدة، حيث جرى تعويض ارتفاع تكاليف النقل والوقود بتباطؤ في وتيرة ارتفاع أسعار الغذاء.

وعقب صدور البيانات، تراجع الجنيه الإسترليني بشكل طفيف أمام الدولار الأميركي، فيما خفّض المستثمرون بدرجة محدودة رهاناتهم على احتمال رفع أسعار الفائدة خلال ما تبقى من العام الحالي.

وعلّقت وزيرة الخزانة راشيل ريفز على البيانات عل حسابها على منصة «إكس» قائلة: «بينما تدفع الحرب في الشرق الأوسط الأسعار عالمياً إلى الارتفاع، لدينا خطة اقتصادية سليمة، وقد استقر التضخم... نحمي الأسر والشركات من خلال تخفيض فواتير الطاقة وتجميد رسوم الوقود». وأضافت: «يبني حزب العمال بريطانيا أقوى وأكثر أماناً».

وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع معدل التضخم إلى 3 في المائة في مايو (أيار)، في وقت أسهمت فيه الحرب الأميركية الإيرانية في إبقاء التضخم البريطاني أعلى بنحو نقطة مئوية كاملة مقارنة بالتوقعات التي كان بنك إنجلترا قد وضعها في فبراير (شباط). وأوضح مكتب الإحصاء الوطني أن تراجع أسعار اللحوم والخضراوات ومنتجات الألبان، إلى جانب انخفاض أسعار زيت التدفئة المنزلية مقارنة بشهر أبريل، ساهما في تعويض الارتفاع الحاد وغير المتوقع في أسعار تذاكر الطيران والبنزين.

ولا يزال التضخم في المملكة المتحدة أعلى من المستوى المستهدف من جانب بنك إنجلترا البالغ 2 في المائة، وذلك خلال معظم السنوات الخمس الماضية. وكان البنك قد توقع في أبريل أن يرتفع التضخم إلى أكثر من 3.5 في المائة بحلول نهاية العام، مع احتمال تجاوزه 6 في المائة مطلع العام المقبل في أسوأ السيناريوهات المطروحة.

إلا أن الأسواق المالية تلقت هذا الأسبوع دعماً من الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، الذي من المتوقع أن يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز، أحد أهم الممرات العالمية لصادرات النفط، على أن يتم توقيعه رسمياً في سويسرا يوم الجمعة.

وقالت يائيل سيلفين، كبيرة الاقتصاديين في شركة «كيه بي إم جي»: «تعزز بيانات اليوم الحاجة إلى استمرار النهج الحذر من جانب بنك إنجلترا». وأضافت: «لم تُظهر الضغوط التضخمية الأساسية حتى الآن مؤشرات واضحة على تسارعها، وهو ما يرجح أن يدعم قرار أغلبية أعضاء لجنة السياسة النقدية بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماع يوم الخميس». ويتوقع الاقتصاديون الذين استطلعت «رويترز» آراءهم أن تصوت لجنة السياسة النقدية بأغلبية 7 أعضاء مقابل عضوين لصالح تثبيت سعر الفائدة عند 3.75 في المائة. وفي حين يؤكد محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، أن البنك يمتلك الوقت الكافي لتقييم تداعيات النزاع الجيوسياسي، يبدي بعض صناع السياسات قلقهم من احتمال استغلال الشركات ارتفاع تكاليف الطاقة لتوسيع نطاق زيادات الأسعار، أو أن يؤدي ذلك إلى تراجع ثقة الأسر في قدرة البنك المركزي على إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف.

حاكم بنك إنجلترا أندرو بيلي يتحدث إلى «رويترز» (رويترز)

أسعار تذاكر الطيران تدفع التضخم للارتفاع

تأثر الاقتصاد البريطاني بالنزاع في الشرق الأوسط أكثر من معظم الاقتصادات الغربية، نظراً لاعتماده الكبير على واردات الغاز الطبيعي. وأظهرت البيانات أن تكاليف المواد الخام التي يتحملها المصنعون ارتفعت بنسبة 8.7 في المائة على أساس سنوي خلال مايو، مسجلة أكبر زيادة منذ فبراير 2023. وفي الوقت نفسه، ارتفع معدل تضخم أسعار الخدمات، الذي ينظر إليه بنك إنجلترا باعتباره مؤشراً رئيسياً على الضغوط التضخمية المحلية، إلى 3.7 في المائة في مايو مقارنة مع 3.2 في المائة في أبريل، متوافقاً مع توقعات الاقتصاديين.

ويُعزى هذا الارتفاع جزئياً إلى قفزة شهرية بلغت 10.3 في المائة في أسعار تذاكر الطيران، وهي فئة تتسم عادة بدرجة عالية من التقلب، كما أن أسعار عطلة عيد الفصح المرتفعة لم تُحتسب ضمن بيانات أبريل 2026، في حين كانت مدرجة ضمن بيانات الفترة المقابلة من عام 2025، ما ساهم في تضخيم المقارنة السنوية، أما معدل التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة والتبغ، فقد ارتفع إلى 2.6 في المائة في مايو مقارنة مع 2.5 في المائة في أبريل، لكنه جاء أقل بقليل من توقعات الأسواق.

حافلات لندن تعبر جسر واترلو وخلفها كاتدرائية سانت بول (رويترز)

عوائد السندات الحكومية

وفي الأسواق، تراجعت عوائد السندات الحكومية البريطانية بشكل حاد يوم الأربعاء لتسجل أدنى مستوياتها في شهرين، وذلك عقب صدور البيانات. وانخفضت عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عامين بأكثر من 6 نقاط أساس لتصل إلى 4.12 في المائة، وهو أدنى مستوى منذ 17 أبريل، مقارنة بتراجع محدود بلغ نقطتي أساس في نظيرتها الألمانية لأجل عامين، كما تراجعت عوائد السندات لأجل خمس سنوات وعشر سنوات بنحو 4 إلى 5 نقاط أساس، لتسجل أدنى مستوياتها منذ 20 أبريل، عند 4.276 في المائة و4.75 في المائة على التوالي، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن.

ويأتي هذا التراجع في ظل إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية، إذ لا ترى الأسواق حالياً سوى احتمال يقارب 3 في المائة لقيام بنك إنجلترا برفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع الخميس، بينما تشير التوقعات إلى عدم حدوث أي خفض أو رفع ملموس قبل ديسمبر (كانون الأول).

ومنذ الأسبوع الماضي، انخفضت عوائد السندات البريطانية بنحو 20 نقطة أساس، مدفوعة أيضاً بتراجع أسعار النفط عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتفاق سلام مع إيران، ما عزز التوقعات بانحسار ضغوط التضخم.

ويُذكر أن بريطانيا كانت قد باعت سندات بقيمة 9 مليارات جنيه إسترليني (12.1 مليار دولار) لأجل 15 عاماً في وقت سابق، مسجلة أعلى عائد في مثل هذا الإصدار منذ عام 1998 على الأقل.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

مبيعات التجزئة الأميركية تنتعش رغم ضغوط التضخم وارتفاع الوقود

الاقتصاد زبونة تتفقد هاتفها المحمول أثناء تسوقها في متجر بيع بالتجزئة في فيرنون هيلز بإيلينوي (أ.ب)

مبيعات التجزئة الأميركية تنتعش رغم ضغوط التضخم وارتفاع الوقود

أظهرت بيانات حكومية أميركية، الأربعاء، أن مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة سجلت أداءً أفضل من المتوقع خلال شهر مايو، مدفوعة بارتفاع الإنفاق في محطات الوقود.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة عامة لمبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

تباطؤ نمو الأجور بمنطقة اليورو يهدئ مخاوف التضخم ويدعم التريث في رفع الفائدة

أظهرت بيانات صادرة عن البنك المركزي الأوروبي، يوم الأربعاء، أن نمو الأجور المتفاوض عليها في منطقة اليورو يتجه نحو التباطؤ بما يتماشى مع التوقعات.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت)
الاقتصاد البنك المركزي السويدي في ستوكهولم (رويترز)

«المركزي السويدي» يثبّت الفائدة عند 1.75 % ويزيد احتمالات رفعها لاحقاً

أبقى البنك المركزي السويدي، يوم الأربعاء، على سعر الفائدة دون تغيير عند 1.75 في المائة، بما يتماشى مع توقعات الأسواق.

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

أسعار السندات في منطقة اليورو تسجل أطول موجة صعود منذ فبراير

ارتفعت أسعار السندات الحكومية في منطقة اليورو، لليوم الخامس على التوالي، يوم الثلاثاء، مسجلة أطول موجة صعود منذ فبراير الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

مسؤول في «المركزي الأوروبي»: أضرار البنية التحتية للطاقة قد تؤخر انحسار التضخم

قال غابرييل مخلوف، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، إن الاتفاق المؤقت الرامي إلى إنهاء الصراع في الشرق الأوسط لن يضع بالضرورة حداً فورياً لصدمة الطاقة.

«الشرق الأوسط» (دبلن )

مبيعات التجزئة الأميركية تنتعش رغم ضغوط التضخم وارتفاع الوقود

زبونة تتفقد هاتفها المحمول أثناء تسوقها في متجر بيع بالتجزئة في فيرنون هيلز بإيلينوي (أ.ب)
زبونة تتفقد هاتفها المحمول أثناء تسوقها في متجر بيع بالتجزئة في فيرنون هيلز بإيلينوي (أ.ب)
TT

مبيعات التجزئة الأميركية تنتعش رغم ضغوط التضخم وارتفاع الوقود

زبونة تتفقد هاتفها المحمول أثناء تسوقها في متجر بيع بالتجزئة في فيرنون هيلز بإيلينوي (أ.ب)
زبونة تتفقد هاتفها المحمول أثناء تسوقها في متجر بيع بالتجزئة في فيرنون هيلز بإيلينوي (أ.ب)

أظهرت بيانات حكومية أميركية، الأربعاء، أن مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة سجلت أداءً أفضل من المتوقع خلال شهر مايو (أيار)، مدفوعة بارتفاع الإنفاق في محطات الوقود مع استمرار أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة بفعل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية بأن مبيعات التجزئة ارتفعت بنسبة 0.9 في المائة على أساس شهري لتصل إلى 763.7 مليار دولار في مايو، متجاوزة توقعات الاقتصاديين الذين رجحوا زيادة قدرها 0.5 في المائة فقط، بحسب استطلاع أجرته «داو جونز نيوزوايرز» و«وول ستريت جورنال».

وعلى أساس سنوي، ارتفعت المبيعات الإجمالية بنسبة 6.9 في المائة مقارنة بمايو 2025.

ولا تعكس هذه الأرقام أثر التضخم، الذي تسارع بشكل ملحوظ منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أواخر فبراير (شباط)، وما تبعها من اضطرابات في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات تصدير النفط في العالم، الأمر الذي أدى إلى قفزة في أسعار النفط وارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة.

وأظهرت البيانات أن مبيعات محطات الوقود ارتفعت بنسبة 3.4 في المائة مقارنة بأبريل (نيسان)، بينما قفزت بنسبة 26.5 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في حين استقرت مبيعات متاجر البقالة دون تغيير، وتراجع إنفاق المستهلكين في المطاعم والحانات.

ويشير التقرير إلى استمرار متانة الإنفاق الاستهلاكي الأميركي، الذي ظل المحرك الرئيسي لأكبر اقتصاد في العالم رغم الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وقالت باو - لين تيان، الأستاذة المساعدة في جامعة جورج واشنطن، إن قوة الاستهلاك قد تساعد الاقتصاد الأميركي على تجنّب الركود خلال العام الحالي، لا سيما إذا اقتربت الحرب في الشرق الأوسط من نهايتها، وهو ما قد يمنح الأسواق المالية دفعة إضافية ويعزز ثقة المستهلكين.

وأضافت أن استمرار قوة الطلب قد يصعّب في المقابل مهمة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفين وارش في تبرير خفض أسعار الفائدة، لأن النشاط الاقتصادي القوي قد يبقي الضغوط التضخمية قائمة.

ومن المنتظر أن يعقد وارش أول مؤتمر صحافي له بصفته رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، عقب انتهاء الاجتماع الذي استمر يومين لمناقشة السياسة النقدية وأسعار الفائدة.


مؤشر السوق السعودية يغلق على تراجع 0.28 % بضغط من قطاع الطاقة

متداول يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
متداول يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
TT

مؤشر السوق السعودية يغلق على تراجع 0.28 % بضغط من قطاع الطاقة

متداول يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
متداول يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية «تاسي» جلسة يوم الأربعاء، متراجعاً بنسبة 0.28 في المائة، ليغلق عند مستوى 11114 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 4.2 مليار ريال.

وسجّل المؤشر خلال الجلسة أعلى مستوياته عند 11148 نقطة، فيما بلغ أدنى مستوياته 11093 نقطة.

وجاء سهم «جي آي جي» في مقدمة الأسهم الأكثر ارتفاعاً، مغلقاً عند 31.68 ريال، بزيادة بلغت 6.24 في المائة، تلاه سهم «علم» عند 737 ريالاً، ثم سهم «أنابيب الشرق» عند 220 ريالاً، بمكاسب تراوحت بين 3.1 و3.3 في المائة.

في المقابل، تصدّر سهم «جزيرة تكافل» قائمة الأسهم الأكثر انخفاضاً، ليغلق عند 11.52 ريال، تلاه سهم «أسمنت السعودية» عند 31.38 ريال، ثم سهم «بترو رابغ» عند 12.70 ريال، بخسائر تراوحت بين 4.1 و4.9 في المائة.

وعلى مستوى القطاعات، تراجع قطاع الطاقة بنسبة 0.61 في المائة ليغلق عند 5081 نقطة، فيما كان سهم «بترو رابغ» الأكثر انخفاضاً بين أسهم القطاع، بعدما فقد 4.15 في المائة من قيمته.


العقد السوري - الأميركي للغاز: خطوة لكسر «عنق الزجاجة» المالي

حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)
حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)
TT

العقد السوري - الأميركي للغاز: خطوة لكسر «عنق الزجاجة» المالي

حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)
حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)

في اختراق استراتيجي هو الأبرز في مسار العلاقات الاقتصادية والسياسية بين دمشق وواشنطن منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وقَّعت «الشركة السورية للبترول» عقداً تنفيذياً ضخماً مع شركتَي «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي» الأميركيتين لتطوير حقول الغاز وزيادة إنتاجها؛ في خطوة تُعدُّ أول صفقة طاقة أميركية كبرى تشهدها البلاد منذ سنوات، ومؤشراً عملياً على بدء مرحلة «التنفيذ المتكامل» المدعومة بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع العقوبات في يوليو (تموز) 2025.

وجاء هذا العقد استكمالاً لتحركات أميركية مسبقة بدأت مطلع عام 2026 عبر مذكرات تفاهم لشركات أخرى مثل «شيفرون» في الاستكشاف البحري و«إتش كي إن إنرجي» في حقول الرميلان البرية، إلا أن اتفاقية «كونوكو فيليبس» تميزت بكونها العقد التنفيذي الملزم الأكبر لتطوير قطاع الغاز المنزلي، والمدعوم بتحالفات وتمويلات خليجية وأوروبية لإنهاء أزمة الطاقة الحادة في البلاد.

ويرى خبراء طاقة أن أثر هذا العقد المستند إلى تفاهمات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لن يقتصر على الجانب النفطي الفني، بل يُمثل «شهادة ثقة» دولية ستُسهم في كسر «عنق الزجاجة» المالي لموازنة الحكومة السورية الجديدة التي تواجه عجزاً يقارب 1.8 مليار دولار لعام 2026.

وتتزامن هذه العودة الأميركية مع دخول لاعبين إقليميين ودوليين كبار إلى خط الاستثمار في الطاقة السورية، عبر عقود موازية وشراكات مع شركات سعودية (مثل «أديس») وقطرية وفرنسية؛ ما يضع قطاع الغاز السوري على أعتاب مرحلة واعدة تشكل المحرك الأساسي لعملية التعافي وإعادة الإعمار.

ويجسّد العقد على أرض الواقع التفاهمات التي تم التوقيع عليها سابقاً. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وقّعت «السورية للبترول» مذكرة تفاهم مع «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي»، تلتها مباحثات فنية وقانونية وتجارية؛ ليتم تتويج مسار العمل المشترك بين الجانبين به.

بعد توقيع العقد بين «الشركة السورية للبترول» وشركتَي «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي» (وزارة الطاقة السورية)

أهمية العقد

الأكاديمي والخبير السوري في شؤون الطاقة، الدكتور زياد عربش، رأى أن أهمية ما تم إنجازه تأتي من كونه تطويراً فعلياً للعلاقة من مذكرة تفاهم إلى عقد تنفيذي، ويُرسل إشارة قوية إلى الأسواق العالمية بأن سوريا أصبحت بيئة جاذبة للاستثمارات النفطية والغازية، كما يرفع «مستوى النشاط النفطي» في سوريا بشكل ملموس من خلال، زيادة عدد فِرق العمل والمهندسين والفنيين العاملين في الحقول، وتوفير حفارات ومعدات حديثة وفق أحدث المعايير الفنية، وتطوير البنية التحتية واللوجستية اللازمة لعمل هذه الشركات.

وأوضح عربش في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه كلما زاد عدد الشركات العاملة في سوريا، حفَّز ذلك دخول المزيد من الشركات، مما يؤدي إلى خفض التكاليف التشغيلية عبر وفورات الحجم وتبادل الخبرات، ويخلق بيئة تنافسية تعود بالفائدة على الاقتصاد الوطني.

شهادة ثقة

ومن شأن هذا العقد إحداث تأثير مضاعف؛ فوجود وجود شركة بحجم «كونوكو فيليبس» في السوق السورية يُشكّل، برأي عربش، «شهادة ثقة للشركات الأخرى، ويُقلل من المخاطر الملحوظة للاستثمار في سورية، كما يُظهر التزام الحكومة السورية بتوفير بيئة استثمارية جاذبة وقادرة على استقطاب كبرى الشركات العالمية».

وظهرت مؤخراً مؤشرات على هذا التوجه، تمثلت بتوقيع «السورية للبترول» عقداً مع شركة «أديس» السعودية لتطوير حقول الغاز في أبريل (نيسان) الماضي، بعد توقيع مذكرة تفاهم مع «شيفرون» الأميركية وشركة قطرية في فبراير (شباط)، كما تشير تقارير إلى تحالفات بين شركات أميركية وسعودية للاستثمار في شمال شرق سوريا.

حفارة «أورال ماش 2» التي أعيدت إلى العمل في حقول المنطقة الوسطى بسوريا (وزارة الطاقة السورية)

تجاوز «عنق الزجاجة» المالي

وورثت الحكومة السورية الجديدة اقتصاداً مدمراً من النظام السابق وتعاني عجزاً في الموازنة يقارب 1.8 مليار دولار. فحسب بيانات قدمها وزير المالية يسر برنية خلال مؤتمر صحافي في أبريل الماضي وأعلن خلال عن موازنة عام 2026، تُقدّر إيرادات عام 2026 بنحو 959 مليار ليرة سورية (نحو 8.7 مليار دولار)، مقابل نفقات تصل إلى 1056.7 مليار ليرة (نحو 10.5 مليار دولار).

ورأى عربش العقد أنه «خطوة محورية في تجاوز (عنق الزجاجة) المالي الذي تعاني منه موازنة الدولة، وذلك عبر مسارين متلازمين الأول: تخفيف فاتورة الاستيراد؛ إذ تعتمد سوريا حالياً على واردات وإمدادات إقليمية لتحسين التغذية الكهربائية، ففي ذروة ما قبل الحرب، كان إنتاج الغاز يبلغ نحو 28 مليون متر مكعب يومياً، لكنه هبط إلى نحو ثلث هذا المستوى».

وتستهدف الحكومة رفع الإنتاج إلى نحو 15 مليون متر مكعب يومياً في العام القادم، ومن المتوقع، أن يسهم العقد في زيادة الإنتاج بما يتراوح بين 4 -5 مليون متر مكعب يومياً خلال عام واحد من بدء العمل؛ ما يعني، حسب عربش، تراجعاً كبيراً في فاتورة استيراد النفط ومشتقاته، وتأميناً أفضل لحاجة السوق المحلية من الغاز للكهرباء والقطاعات الحيوية.

أما المسار الآخر، فيتمثل بـ«التصدير والإيرادات»؛ فمع تحقيق فائض إنتاج، يمكن التوجه نحو التصدير؛ ما يدر عملة صعبة تسهِم في إراحة موازنة الدولة مالياً وتعزيز قدرتها على تمويل مشاريع إعادة الإعمار والتنمية.

وتشير التقديرات المتداولة إلى أن المرحلة الأولى من المشروع يمكن أن تحقق زيادة في الإنتاج خلال عام واحد من بدء العمل، لكن عربش، قال في هذا الصدد: «لنكن واقعيين وإضافة عام آخر قبل بلوغ الزيادة الخمسة ملايين متر مكعب يومياً».

اختراق مهم في علاقات البلدين

ويأتي توقيع العقد في وقت تشهد فيه العلاقات بين السلطات السورية الجديدة وإدارة ترمب تحسناً متلاحقاً، وذلك بعد سقوط نظام حكم بشار الأسد أواخر عام 2024.

ورأى عربش أن هذا العقد يمثل اختراقاً مهماً في علاقات البلدين، بحكم أنه أول عقد تنفيذي مع شركة نفط وغاز أميركية كبرى منذ سقوط الأسد، ويعكس تحولاً في السياسة الأميركية تجاه سوريا، كما أنه يُتيح قناة للتعاون الاقتصادي المباشر بين البلدين؛ ما قد ينعكس إيجاباً على ملفات سياسية أخرى.

جاء توقيع العقد في وقت تواصل دمشق مساعيها لجذب الاستثمار الأميركي، حيث بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير مع مسؤولين أميركيين الأسبوع الماضي فرص الاستثمار في قطاع النفط والغاز.

ووفق عربش، فإن توقيع العقد قد يمهّد الطريق لتطبيع أوسع في العلاقات بين البلدين، خصوصاً مع دخول شركات أميركية أخرى، مثل Baker Hughes وHunt Energy وArgent LNG، التي تُعدّ خطة شاملة لتطوير قطاع الطاقة في سوريا.

وزير الطاقة السوري محمد البشير يلقي كلمة خلال فعاليات المنتدى العالمي للطاقة في واشنطن (وزارة الطاقة السورية)

الواقع الحالي لحقول الغاز والإنتاج

يواجه قطاع الغاز رحلة شاقة للتعافي من عجز إمدادات عميق خلّفه النزاع المستمر لـ14 عاماً؛ إذ يقدّر تقرير للأمم المتحدة الخسائر المباشرة وغير المباشرة لقطاع النفط والغاز من جراء الحرب التي استمرت 14 عاماً، بأكثر من 115 مليار دولار بين عامي 2011 و2023. بينما تُشير بيانات الإنتاج الحالية المنشورة على صفحة السفارة الأميركية في دمشق، إلى أن إجمالي المعروض المحلي من الغاز يتراوح بين 7 و10 ملايين متر مكعب يومياً فقط، وهو هبوط حاد مقارنة بذروة ما قبل الحرب التي كانت تصل إلى 30 مليون متر مكعب يومياً. وفي المقابل، يقفز الطلب المحلي الإجمالي إلى مستويات تتراوح بين 23 و30 مليون متر مكعب يومياً، مدفوعاً بشكل رئيسي بالعجز الحاد في قطاع توليد الكهرباء. هذا التباين يخلّف فجوةً ونقصاً يومياً مستمراً يصل إلى 15 مليون متر مكعب؛ ما يضع قيوداً شديدة على قدرات محطات التوليد.

ومن هنا، تضع دمشق عينيها على هدف استراتيجي لعام 2030، يسعى للاستفادة من هذه الشراكات الدولية الجديدة لمضاعفة إنتاج الغاز بالكامل قبل نهاية العقد الحالي.

البنية التحتية

ورغم تعرض القطاع لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب، وما لحق بالحقول والمنشآت وخطوط النقل، إضافة إلى العقوبات التي أعاقت عمليات الصيانة لسنوات، فإن تطوير الاحتياطيات المؤكدة من الغاز المقدرة بنحو 285 مليار متر مكعب، يسمح، وفق عربش، بأن يستعيد الإنتاج الحالي وخلال 4 سنوات ذروة ما قبل الحرب (28 مليون متر مكعب يومياً)، في حين تحتاج سوريا إلى نحو 23 مليون متر مكعب يومياً لتأمين الكهرباء بصورة مستمرة.

وتعتمد سوريا حالياً على واردات وإمدادات إقليمية لتحسين التغذية الكهربائية، منها مشروع إمدادها بالغاز الأذربيجاني عبر تركيا بتمويل قطري، الذي يوفر نحو 3.4 مليون متر مكعب يومياً أو مباشرة من دولة قطر عبر الأردن.

وتركّز سوريا حالياً على إعادة تأهيل البنية التحتية للحقول القائمة، من خلال عقود مع شركات مثل «أديس» السعودية لتطوير حقول الغاز، وتستهدف مضاعفة الإنتاج عبر شراكات استراتيجية مع شركات دولية، كما يجسّده العقد مع «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي».

بالتالي يمثل توقيع هذا العقد، حسب عربش، «نقلة نوعية في قطاع الطاقة السوري، ويأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تسعى سورية إلى تجاوز «عنق الزجاجة» المالي، ورفع «مستوى النشاط النفطي»، و«استعادة الثقة الدولية وجذب استثمارات إضافية» من الشركات العربية والغربية، و«فتح صفحة جديدة في العلاقات السورية - الأميركية عبر التعاون الاقتصادي المباشر».

وختم عربش حديثه قائلاً: «مع توقع بدء جني ثمار هذا العقد خلال عام، وما يرافقه من مشاريع موازية مع شركات سعودية وقطرية وفرنسية، فإن قطاع الغاز السوري يدخل مرحلة واعدة قد تشكل محركاً أساسياً للتعافي الاقتصادي وتجاوز الأزمة المالية الخانقة، شرط الشفافية في الطرح والتنفيذ».

أين تقع الحقول؟

انعكست هذه الاتفاقيات فوراً على الأرض بعدما تسلّمت «الشركة السورية للبترول» مؤخراً حقول النفط والغاز التي كانت تحت سيطرة «الإدارة الذاتية» الكردية في شمال شرق البلاد، لتبسط الحكومة سيطرتها على خريطة الثروات التي تتركز في ثلاث مناطق رئيسية:

المنطقة الشرقية (دير الزور والحسكة): وتضم حقل «كونيكو» (شمال شرقي دير الزور) الذي أنشأته «كونوكو فيليبس» عام 2001 بطاقة 4.7 مليار متر مكعب سنوياً وكان ينتج 13 مليون متر مكعب يومياً قبل أن يتوقف نتيجة الاستهدافات، ومعه حقل «الجبسة» في الحسكة، وشكَّلا معاً 53 في المائة من إنتاج سوريا قبل 2011.

المنطقة الوسطى وبادية حمص: وتضم حقل «الشاعر» (أكبر حقول البلاد بطاقة إنتاجية بلغت 35 مليون متر مكعب سنوياً عام 2010)، وحقل «الجحار» غرب تدمر، إلى جانب حقول «المهر» و«الجزل».

وخلص عربش إلى أن قطاع الغاز السوري، وبناءً على هذه المعطيات المتكاملة، يدخل مرحلة واعدة قادرة على قيادة التعافي الاقتصادي وتفكيك الأزمة المالية الخانقة، شريطة الالتزام بأعلى معايير «الشفافية في الطرح والتنفيذ».