في وقت كان الجميع يتأهب فيه لسماع أنباء الانكماش، فجَّر الاقتصاد البريطاني مفاجأة مدوية مع بداية عام 2026، محققاً نمواً بنسبة 0.6 في المائة خلال الربع الأول متجاوزاً كافة التوقعات. هذا الصعود الذي وصفه المحللون بـ«القفزة الشجاعة»، جاء ليمثل دفعة نادرة لحكومة كير ستارمر التي ترنحت مؤخراً تحت وطأة الهزائم الانتخابية والتمرد الداخلي.
فرغم أن الحرب بدأت تضع أوزارها على موازين الطاقة عالمياً في نهاية فبراير (شباط)، فإن شهر مارس (آذار) سجل نمواً منفرداً بنسبة 0.3 في المائة متجاوزاً توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى انكماش بنسبة 0.2 في المائة. هذا التمرد على التوقعات قاده قطاع الخدمات الحيوي، خاصة في مجالات البرمجة والإعلان.

بيد أن هذا النمو، رغم بريقه الرقمي، يخفي خلفه «غريزة بقاء» استهلاكية أكثر من كونه تعافياً حقيقياً. فالمواطنون الذين اندفعوا لملء خزانات الوقود وتخزين السلع، فعلوا ذلك خوفاً من غلاء الغد لا تفاؤلاً باليوم، مما خلق «زخماً اصطناعياً» مهدداً بالتبخر بمجرد استهلاك تلك المخزونات، وفق اقتصاديين. ومن هنا، تصبح «الدفعة» التي تلقاها ستارمر مجرد «استراحة محارب» قصيرة الأجل، تضعه في مواجهة مباشرة مع حقيقة أن هذا المسار قد لا يكون مستداماً.
وعلّقت وزيرة الخزانة راشيل ريفز، على البيانات قائلة: «تُظهر أرقام اليوم أن الحكومة لديها الخطة الاقتصادية الصحيحة». وأضافت أن الاقتصاد «في وضع أقوى الآن ونحن نتعامل مع تكاليف الحرب في إيران. ليس هذا هو الوقت المناسب للمخاطرة باستقرارنا الاقتصادي».
Today’s strong growth figures show the Government has the right economic plan.The choices I have made as Chancellor mean our economy is in a stronger position as we deal with the costs of the war in Iran.Now is not the time to put our economic stability at risk.
— Rachel Reeves (@RachelReevesMP) May 14, 2026
وتأتي هذه البيانات في وقت يدرس فيه بنك إنجلترا إمكانية رفع أسعار الفائدة نظراً لاحتمال تسارع ضغوط الأسعار في الأشهر المقبلة.
سراب القمة
خلف هذه الأرقام الوردية، يلوح في الأفق تحذير شديد اللهجة من الاقتصاديين؛ فالربع الأول قد يكون «نقطة الذروة» التي لن تتكرر هذا العام. ومع وصول التضخم إلى 3.3 في المائة بفعل اشتعال أسعار الوقود، بدأت ملامح الركود التضخمي تلوح في الأفق. فبينما تفتخر ريفز بصحة خطتها، يرى المحللون أن صدمة الطاقة الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز ستبدأ بامتصاص زخم النمو تدريجياً، مما قد يدفع البلاد نحو ركود تقني في النصف الثاني من العام.

المأزق السياسي والمالي
ولا تتوقف التحديات عند حدود التجارة، بل تمتد إلى قلب القرار السياسي؛ حيث يواجه ستارمر عاصفة كاملة تهدد بقاءه في السلطة بعد هزائم انتخابية قاسية وتمرد داخلي في حزب العمال. هذا الاضطراب السياسي لم يمر مرور الكرام على المستثمرين، إذ ارتفعت تكاليف الاقتراض الحكومي (عائدات السندات) لمستويات لم تشهدها البلاد منذ عقود، مما يجعل تمويل النمو أمراً باهظ التكلفة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل ذرة استقرار.
من جهتهم، يجد صُناع السياسة النقدية أنفسهم اليوم في موقف لا يحسدون عليه؛ فمن جهة، تضغط أسعار الطاقة المشتعلة لرفع أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم «الإجباري»، ومن جهة أخرى، يخشى البنك أن أي زيادة في تكاليف الاقتراض الآن قد تقتل ما تبقى من روح في جسد الاقتصاد المنهك أصلاً من تداعيات الحرب.
إنها مرحلة «الانتظار الصعب»، حيث يراقب الجميع بحذر: هل ستصمد بريطانيا أمام أطول أزمة طاقة في العقد الحالي، أم أن نمو الربع الأول كان مجرد هدوء ما قبل العاصفة؟
