خطر الحرب يطارد التعافي.. «صندوق النقد» يخفِّض توقعات نمو الاقتصاد العالمي

حذَّر من تباطؤ أوسع في آسيا... وأزمة الطاقة تلاحق القارة العجوز

غورينشاس يتحدث خلال مؤتمر صحافي لعرض تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» في واشنطن (إ.ب.أ)
غورينشاس يتحدث خلال مؤتمر صحافي لعرض تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

خطر الحرب يطارد التعافي.. «صندوق النقد» يخفِّض توقعات نمو الاقتصاد العالمي

غورينشاس يتحدث خلال مؤتمر صحافي لعرض تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» في واشنطن (إ.ب.أ)
غورينشاس يتحدث خلال مؤتمر صحافي لعرض تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» في واشنطن (إ.ب.أ)

خفَّض صندوق النقد الدولي، يوم الثلاثاء، توقعاته للنمو العالمي لعام 2026، محذِّراً من أن الحرب في الشرق الأوسط تُهدد بتعطيل مسار التعافي الاقتصادي العالمي، عبر اضطراب أسواق السلع الأساسية وارتفاع الأسعار.

وتوقع الصندوق، في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر خلال اجتماعاته الربيعية في واشنطن، أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1 في المائة هذا العام. ويمثل هذا التقدير تراجعاً عن توقعات يناير (كانون الثاني) التي كانت تشير إلى نمو قدره 3.3 في المائة، قبل اندلاع الأعمال العدائية، عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، والتي دفعت طهران إلى الرد وأشعلت تصعيداً أوسع في المنطقة.

وقال كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، بيير-أوليفييه غورينشاس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كنا نتوقع رفع توقعات النمو لعام 2026 إلى 3.4 في المائة لولا الحرب».

وأشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة جاء نتيجة مباشرة للنزاع، في ظل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لشحنات الطاقة، إضافة إلى تشديد الإجراءات العسكرية في المنطقة.

ويتوقع الصندوق أن يرتفع التضخم العالمي إلى 4.4 في المائة هذا العام، بزيادة 0.6 نقطة مئوية عن تقديرات يناير. وأوضح غورينشاس أن مسار تراجع التضخم مرشح للاستئناف لاحقاً، بعد أن شهد العالم تباطؤاً تدريجياً في ضغوط الأسعار خلال السنوات الماضية.

وحدات تخزين النفط والغاز والوقود بمحطة نافيغيتور في غرايز- بريطانيا (إ.ب.أ)

غير أن هذه التوقعات تفترض أن النزاع سيكون محدوداً زمنياً، مع صدمات مؤقتة في أسواق الطاقة. وحذَّر غورينشاس قائلاً: «يجب أن نقلق بشدة من احتمال تحوُّل هذا الوضع إلى أزمة طاقة كبرى».

وفي سيناريوهات أكثر تشاؤماً؛ حيث تبقى أسعار الطاقة مرتفعة لفترة طويلة، قد يتراجع النمو العالمي إلى 2.5 في المائة أو حتى نحو 2 في المائة. وأضاف غورينشاس: «منذ عام 1980، لم يتجاوز النمو العالمي مستوى 2 في المائة إلا في 4 مناسبات تقريباً»؛ مشيراً إلى أزمات كبرى أبرزها الأزمة المالية العالمية في 2008، وجائحة «كوفيد-19».

كما أشار الصندوق إلى أن هذه الصدمة تأتي بعد أقل من عام على تغيرات واسعة في السياسات التجارية الأميركية، ما زال أثرها ممتداً على النظام التجاري العالمي.

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

تأثيرات متفاوتة

ورغم أن التعديلات على التوقعات العالمية تبدو محدودة، شدَّد صندوق النقد الدولي على أن التأثيرات الأشد تتركز في الشرق الأوسط والاقتصادات الهشة. وأوضح أن «الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية ستتأثر بنحو مضاعف مقارنة بالاقتصادات المتقدمة».

وأشار غورينشاس إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة قد ينعكس بزيادة حادة في أسعار الغذاء، ما يضغط بشكل خاص على الدول المستوردة للطاقة ذات الدخل المنخفض. وبالنسبة للاقتصاد الأميركي، ما زال يُتوقع أن يرتفع النمو إلى 2.3 في المائة هذا العام، رغم التعديل الطفيف نحو الأسفل، مع استفادة محدودة من ارتفاع أسعار الطاقة.

حذر من تباطؤ أوسع في آسيا

وفي جانب آخر، خفَّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني هذا العام إلى 4.4 في المائة، في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن التوترات الجيوسياسية. وأشار التقرير إلى أن الصادرات التي تُعد المحرك الرئيسي للنمو الصيني، ما زالت تُظهر قدراً من الصلابة؛ لكن الآفاق المستقبلية للاقتصاد لا تزال ضعيفة. وتوقع الصندوق أن يتباطأ النمو في الصين إلى 4 في المائة بحلول عام 2027، نتيجة «تحديات هيكلية» تشمل تباطؤ قطاع العقارات، وتراجع القوة العاملة، وانخفاض عوائد الاستثمار، وتباطؤ نمو الإنتاجية.

وتوقع أن يواصل بنك اليابان رفع أسعار الفائدة تدريجياً بوتيرة أسرع قليلاً من التقديرات السابقة، مع تباطؤ النمو الاقتصادي الياباني إلى 0.7 في المائة في 2026 و0.6 في المائة في 2027، بعد نمو بلغ 1.2 في المائة في 2025. كما أشار إلى أن التحفيز الحكومي وتخفيف تكاليف الطاقة سيحدَّان من تأثير ضعف الطلب الخارجي، بينما يتوقع أن يقترب التضخم من هدف 2 في المائة بحلول نهاية 2027.

كما خفَّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصادات آسيا الناشئة والنامية إلى 4.9 في المائة في 2026، مقارنة بـ5 في المائة سابقاً، في تباطؤ ملحوظ بعد تسجيل نمو بلغ 5.5 في المائة في العام الماضي. وحذَّر من أن الاضطرابات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط ستؤثر على عدد من اقتصادات جنوب وجنوب شرقي آسيا، من خلال تراجع تدفقات السياحة والتحويلات المالية، ما ينعكس سلباً على الطلب المحلي.

في المقابل، رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد الهندي إلى 6.5 في المائة هذا العام، بزيادة 0.1 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة؛ مشيراً إلى أن خفض الرسوم الجمركية الأميركية من 50 في المائة إلى 10 في المائة ساهم في تخفيف آثار الصدمة الجيوسياسية.

لافتة «خارج الخدمة» معروضة على محطة وقود في رومانفيل بالقرب من باريس (إ.ب.أ)

خفض توقعات نمو منطقة اليورو

كما خُفِّضت توقعات منطقة اليورو إلى 1.1 في المائة مقارنة بـ1.4 في المائة في العام الماضي، وبانخفاض 0.2 نقطة مئوية عن تقديرات يناير، وأشار الصندوق إلى أن مصدِّري منطقة اليورو يواجهون أيضاً ضغوطاً إضافية نتيجة قوة اليورو مقابل الدولار والعملات الرئيسية، ما يقلل تنافسية الصادرات الأوروبية في الأسواق العالمية.

وعلى مستوى الاقتصادات الرئيسية، من المتوقع أن يتباطأ النمو في ألمانيا إلى 0.8 في المائة هذا العام، متأثراً بارتفاع تكاليف الطاقة التي تضغط على قطاعها الصناعي كثيف الاستهلاك للطاقة.

وفي فرنسا، خُفِّضت التوقعات إلى 0.9 في المائة، أي أقل بـ0.3 نقطة مئوية عن تقديرات يناير، بينما جرى تعديل توقعات إسبانيا إلى 2.1 في المائة رغم بقائها من بين الأقوى أداءً في المنطقة بدعم قطاع السياحة. كما خفَّض الصندوق توقعاته لنمو إيطاليا إلى 0.5 في المائة، ليستقر عند مستوى العام الماضي دون تغيير يُذكر.

ناقلات مواد كيميائية ونفط تُفرغ حمولتها في وحدات تخزين الغاز والوقود بمحطة نافيغيتور في غرايز- بريطانيا (إ.ب.أ)

بريطانيا تتلقى أكبر خفض في توقعات النمو

في السياق نفسه، خفَّض صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني، في أكبر مراجعة هبوطية بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى؛ مشيراً إلى نمو لا يتجاوز 0.8 في المائة في عام 2026، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 1.3 في المائة. وعزا هذا التراجع إلى تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي أدت في بدايتها إلى تضاعف أسعار الغاز الطبيعي، وهو مصدر طاقة رئيسي للاقتصاد البريطاني، إضافة إلى بطء وتيرة خفض أسعار الفائدة من قبل بنك إنجلترا نتيجة صدمة أسعار الطاقة.

ورغم عدم توقع انفلات التضخم، حذَّر الصندوق من مخاطر ترسخ توقعات ارتفاع الأسعار مجدداً، في ظل استمرار أثر موجات التضخم السابقة على سلوك المستهلكين والشركات. وقال غورينشاس: «إذا حدث ذلك، فقد نشهد تضخماً أكثر استدامة ينعكس في ارتفاع توقعات الأسعار». وفي هذه الحالة، قد تضطر البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، حتى في ظل صدمة سلبية مستمرة على جانب العرض.


مقالات ذات صلة

غورغييفا تحذر: استمرار ارتفاع النفط حتى عام 2027 يُنذر بركود اقتصادي

الاقتصاد غورغييفا تتحدث خلال مؤتمر ميلكن العالمي 2026 في بيفرلي هيلز (أرشفية - رويترز)

غورغييفا تحذر: استمرار ارتفاع النفط حتى عام 2027 يُنذر بركود اقتصادي

حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط حتى عام 2027 يُنذر بخطر دخول الاقتصاد العالمي في ركود.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
الاقتصاد يصطف الناس في طوابير لتعبئة مركباتهم بمحطة وقود في كراتشي بباكستان يوم 30 أبريل 2026... وسط أزمة وقود تضرب البلاد جراء حرب إيران (إ.ب.أ)

باكستان لإصدار أول سندات مقيّمة باليوان الصيني الأسبوع الحالي

من المتوقع أن تدخل باكستان أسواق رأس المال الصينية لأول مرة عبر إصدار سندات مقيّمة باليوان هذا الأسبوع...

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد يتوقع صندوق النقد الدولي دخلاً صافياً يبلغ نحو 2.6 مليار دولار في كل من السنتين الماليتين 2027 و2028 (رويترز)

صندوق النقد يتوقع 2.5 مليار دولار دخلاً صافياً في 2026 رغم الضبابية الشديدة

قال صندوق النقد الدولي إن مجلس إدارته يتوقع تحقيق دخل صافٍ يبلغ نحو 2.5 مليار دولار في السنة المالية 2026، وذلك عقب المراجعة السنوية للصندوق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كريستالينا غورغييفا تتحدث خلال المؤتمر العالمي السنوي التاسع والعشرين لمعهد ميلكن في بيفرلي هيلز بكاليفورنيا 4 مايو 2026 (أ.ف.ب)

صندوق النقد: «السيناريو السلبي» للحرب تحقق... ونتجه نحو الأسوأ

حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي من أن التضخم بدأ بالفعل الارتفاع وأن الاقتصاد العالمي ربما يواجه «نتائج أسوأ بكثير» حال استمرار حرب إيران حتى 2027.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار البنك المركزي السعودي في مؤتمر التقنية المالية (تصوير: تركي العقيلي)

أصول «المركزي السعودي» الاحتياطية تصل لأعلى مستوى منذ 6 سنوات

ارتفعت الأصول الاحتياطية لدى «البنك المركزي السعودي» خلال شهر مارس 2026 إلى 1.86 تريليون ريال (496 مليار دولار) وهو أعلى مستوى منذ فبراير 2020.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

كيفين وارش: من أروقة «وول ستريت» إلى قمة الهرم النقدي في «الفيدرالي»

وارش في جلسة الإدلاء بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ في 21 أبريل (رويترز)
وارش في جلسة الإدلاء بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ في 21 أبريل (رويترز)
TT

كيفين وارش: من أروقة «وول ستريت» إلى قمة الهرم النقدي في «الفيدرالي»

وارش في جلسة الإدلاء بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ في 21 أبريل (رويترز)
وارش في جلسة الإدلاء بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ في 21 أبريل (رويترز)

يُعتبر الرئيس الجديد لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، كيفن وارش، وجهاً مألوفاً في مجتمعات المال والأعمال، وهو الرجل الذي نجح في إقناع دونالد ترمب بأنه «رجل المرحلة»، حتى إن أثار ذلك تساؤلات حول قدرته على الوقوف في وجه تدخلات رئيس الدولة.

وقد صادق أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي يوم الأربعاء على وصوله إلى قمة المؤسسة التي تحدد أسعار الفائدة وتؤثر في جانب كبير من الاقتصاد العالمي.

وارش، البالغ من العمر 56 عاماً، يعود اليوم إلى «الاحتياطي الفيدرالي» بعد 20 عاماً من خطوته الأولى فيه كخبير في البنوك المركزية؛ حيث كان حينها، وهو في الخامسة والثلاثين، أصغر حاكم في تاريخ المؤسسة.

في تلك الفترة الفاصلة، اشتعل شيب خفيف في شعره البني الكثيف الذي طالما تفاخر به دونالد ترمب. والأهم من ذلك، أنه قضى جزءاً كبيراً من تلك السنوات في «توجيه انتقادات حادة» للمؤسسة، كما يلاحظ ديفيد ويسل، الباحث في معهد «بروكينغز». ويضيف ويسل، الذي يصف وارش بأنه «دبلوماسي جداً وماهر في التعامل مع الناس»: «سيتعين عليه الآن كسب ثقة الفرق والمسؤولين النقديين الآخرين لتنفيذ برنامجه».

ورغم أن المعارضة الديمقراطية تراه «دمية في يد ترمب»، فقد تعهد وارش خلال جلسة استماعه في مجلس الشيوخ «بضمان بقاء إدارة السياسة النقدية مستقلة تماماً»، مؤكداً أن الرئيس لم يطلب منه خفض أسعار الفائدة، وأنه «ما كان ليلتزم» بمثل هذا الأمر أبداً، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وارش يتحدث في جلسة الإدلاء بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ في 21 أبريل (رويترز)

«الصقر» السابق وتوقعات «الحمائم»

يرغب ساكن البيت الأبيض في وجود رئيس للبنك المركزي بصفات «حمائمية»، أي شخص يميل إلى تحفيز الاقتصاد عبر أسعار فائدة منخفضة. ويدرك وارش أنه مراقب بدقة من قبل الأوساط المالية التي جاء منها؛ فهم عرفوه كـ«صقر» حريص على كبح التضخم، ويشتبهون اليوم في حدوث تحول انتهازي في مواقفه.

فخلال حملته لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي»، أسمع وارش دونالد ترمب ما يطرب أذنيه؛ حيث أشاد بسياسات الإدارة «المحفزة للنمو»، وصرّح بأن أسعار الفائدة يمكن أن تنخفض. وفي الوقت نفسه، كان الرئيس يكثف ضغوطه على البنك المركزي، محاولاً إخراج الرئيس المنتهية ولايته جيروم باول، والحاكمة ليزا كوك.

امتنع وارش عن التعليق على هذه القضايا، وهو الآن سيجلس إلى جانبهما في المجلس، خاصة أن باول قرّر البقاء في مجلس الحكام طالما ظل هدفاً لتهديدات سياسية وقضائية. وسيتعين على وارش، الذي صرح أمام أعضاء مجلس الشيوخ برغبته في إجراء «تغييرات كبيرة»، إقناع المسؤولين الحاليين أولاً؛ فهو يطمح إلى التواصل بشكل مختلف وتقليل حجم الأصول المالية التي تحتفظ بها المؤسسة، والتي تضخمت عبر الأزمات المتتالية، للحد من ثقلها في الأسواق المالية.

ثروة هائلة وجذور في التعليم الحكومي

يتربع وارش على رأس ثروة طائلة (وعد بالتنازل عن أصول تزيد قيمتها عن 100 مليون دولار فور تعيينه)، وهو زوج جين لودر، وريثة عائلة مجموعة التجميل الشهيرة «إستي لودر». ومع ذلك، قدّم نفسه بتواضع أمام أعضاء مجلس الشيوخ؛ فهو منحدر من ولاية نيويورك، ولكن من منطقة تبعد 200 كيلومتر عن العاصمة الاقتصادية للبلاد. وقد أشاد بـ«القيم التي ورثها» عن والديه الراحلين، وبـ«المعلمين الاستثنائيين والزملاء العباقرة» الذين رافقوه خلال دراسته في المدارس الحكومية.

بعد الثانوية، التحق بجامعات مرموقة (ستانفورد، هارفارد)، وعمل لسنوات في بنك «مورغان ستانلي» حيث أصبح أحد كبار قيادييه. وارش، القانوني في تكوينه، ترك البنك ومجال عمليات الدمج والاستحواذ ليصبح أحد المستشارين الاقتصاديين للرئيس الجمهوري جورج بوش الابن، وتولى تحديداً ملف الأسواق المالية.

هذا القرب من بوش هو ما دفعه في عام 2006 إلى مجلس حكام البنك المركزي لولاية مدتها 14 عاماً. ويُنسب إليه لعب دور نشط خلال الأزمة المالية عام 2008، لكنه استقال في عام 2011 بسبب خلافه مع السياسة النقدية المتبعة، حيث رأى حينها ضرورة «التشدد» ورفع الفائدة.

انضم لاحقاً إلى المستثمر الملياردير ستانلي دروكنميلر، وهو صوت مؤثر في «وول ستريت»، دفع بقوة لترشيح وارش لـ«الاحتياطي الفيدرالي». وكان دونالد ترمب قد فكر في تعيينه رئيساً منذ عام 2018 خلال ولايته الأولى، لكنه فضّل عليه في نهاية المطاف جيروم باول، الذي سرعان ما تحول إلى «كبش فداء» لانتقادات الرئيس.


ماذا قال كبار خبراء المال عن تثبيت كيفين وارش رئيساً لـ«الفيدرالي»؟

كيفين وارش الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
كيفين وارش الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

ماذا قال كبار خبراء المال عن تثبيت كيفين وارش رئيساً لـ«الفيدرالي»؟

كيفين وارش الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
كيفين وارش الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

عقب مصادقة مجلس الشيوخ على تعيين كيفين وارش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، برزت تساؤلات حادة في الأوساط المالية حول قدرة وارش على الموازنة بين طموحات البيت الأبيض وواقع التضخم المتصاعد.

إليك أبرز ما قاله الخبراء حول هذا التعيين، وفق «رويترز»:

1- رايان سويفت (BCA Research): حذر سويفت من أن توقعات التضخم تمر بمرحلة حرجة، مشيراً إلى أن أي لهجة «حمائمية» (تميل لخفض الفائدة) من وارش في بدايته ستكون بمثابة مشكلة كبرى لسوق السندات، وقد تؤدي إلى فقدان السيطرة على منحنى العائد. وأضاف أنه سيكون «مصدوماً» إذا طالب وارش بخفض الفائدة قريباً، نظراً لصعوبة بناء حجة اقتصادية لذلك في ظل البيانات الحالية.

2- فيل بلانكاتو (Osaic): يرى بلانكاتو أن السوق تفسر تعيين وارش بوصف ذلك إشارة إلى عودة التركيز على مكافحة التضخم وتقليص تدخل البنك المركزي. وأوضح أن السؤال الجوهري يكمن في مدى استقلالية وارش أمام ضغوط ترمب المعلنة لخفض الأسعار، عادّاً أن بقاء جيروم باول في المجلس قد يضمن «تطوراً» تدريجياً للسياسة بدلاً من الانقلاب المفاجئ.

3- كريس بوشامب (IG Group): أشار بوشامب من لندن إلى احتمالية اضطرار وارش لرفع الفائدة هذا العام إذا استمرت ضغوط النفط والتضخم، وهو ما سيكون «مثيراً للاهتمام» سياسياً. وأكد أنه رغم تركيز «الفيدرالي» على التوظيف، فإن بيانات التضخم المقبلة قد تجبر اللجنة على تبني نبرة أكثر تشدداً وتغيير «القصة» بالكامل.

4- جيم بيرد (Plante Moran): أوضح بيرد أن وارش لن يدخل بيئة هادئة، بل سيجد نفسه أمام تحديات معقدة مثل تكاليف الطاقة والتعريفات الجمركية التي لا يمكن حلها بمجرد رفع الفائدة. وشدّد على أن وارش لن يستطيع تغيير المسار بشكل راديكالي بمفرده، نظراً لوجود لجنة تتمتع باستقلالية نسبية ستعمل معه.

5- بول نولتي (Murphy & Sylvest): وصف نولتي جلسات التثبيت بأنها «مسرح ممتع»، مؤكداً أن الحقيقة ستظهر فقط في مؤتمر وارش الصحافي الأول في يونيو (حزيران). وأشار إلى حالة «عدم اليقين» في الأسواق؛ حيث ينقسم المستثمرون بين من يراه «صقراً» يميل للتشدد وتقليص الميزانية، ومن يراه «منفذاً» لرغبات ترمب في خفض الفائدة، مرجحاً في النهاية أن يتبع وارش «لغة البيانات».


بين انقسام «الشيوخ» وعاصفة التضخم... وارش رئيساً لـ«الفيدرالي»

كيفين وارش مرشح ترمب إلى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي (أ.ف.ب)
كيفين وارش مرشح ترمب إلى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي (أ.ف.ب)
TT

بين انقسام «الشيوخ» وعاصفة التضخم... وارش رئيساً لـ«الفيدرالي»

كيفين وارش مرشح ترمب إلى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي (أ.ف.ب)
كيفين وارش مرشح ترمب إلى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي (أ.ف.ب)

صادق مجلس الشيوخ الأميركي، يوم الأربعاء، على تعيين كيفين وارش رئيساً مقبلاً للاحتياطي الفيدرالي، ليتولى قيادة البنك المركزي في مرحلة حرجة يضغط فيها الرئيس دونالد ترمب لخفض أسعار الفائدة، في وقت تلقي فيه بيانات التضخم الجديدة بظلال من الشك على جدوى هذا التوجه.

وفي تصويت هو الأكثر انقساماً في تاريخ تعيينات رؤساء البنك المركزي، نال وارش (56 عاماً) ثقة المجلس لخلافة جيروم باول، الذي تنتهي ولايته رسمياً يوم الجمعة المقبل بعد قيادته للبنك منذ عام 2018.

وعلّق وزير الخزانة سكوت بينست على المصادقة، قائلاً إن «تعيين وارش رئيسا للاحتياطي الفيدرالي يدشن عهداً جديداً في مؤسسة تحتاج إلى المساءلة والتوجيه السياسي السليم».

وخلال كلمة له، حثّ زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون، الجمهوري عن ولاية ساوث داكوتا، زملاءه على دعم وارش، قائلاً إنه من الأهمية بمكان أن يفهم رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليس فقط الاقتصاد الكلي، بل أيضاً أن يُقدّر الاقتصاد الجزئي، أي الأميركيين المجتهدين ووظائفهم ومصادر رزقهم. وأضاف ثون: «كيفن وارش هو خير مثال على ذلك».

وكان كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني التابع للبيت الأبيض، قال في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» يوم الأحد، إنه يعتقد أن الأسواق تشعر بالارتياح لأن وارش «سيساهم في خفض أسعار الفائدة تدريجياً».

وأضاف هاسيت: «من الواضح أن هذا القرار مبني على البيانات. أنا لا أمارس أي ضغط على كيفن وارش».

تفاصيل التصويت

جاءت نتيجة التصويت بـ 54 صوتاً مؤيداً مقابل 45 معارضاً، لتنهي بذلك مسلسلاً استمر لأشهر منذ صيف 2025، شمل عملية بحث موسعة عن خليفة لباول.

واتسم التصويت بصبغة حزبية واضحة، حيث لم يخرج عن الخط الحزبي سوى السيناتور الديمقراطي عن ولاية بنسلفانيا، جون فيترمان، الذي صوّت لصالح وارش.

تطلعات ترمب ومؤهلات وارش

لم يخفِ ترمب تطلعاته بأن يقوم وارش بخفض أسعار الفائدة، بعد أن وجّه انتقادات متكررة لباول واصفاً سياسته النقدية بالتشدد الزائد.

وقد برز اسم وارش ضمن قائمة طويلة من المرشحين ضمت محافظين حاليين في المجلس، مثل كريستوفر والر وميشيل بومان.

وفي سياق الترحيب بهذا التعيين، أشاد النائب الجمهوري فرينش هيل بخبرة وارش في مكافحة التضخم، قائلاً: «لقد أكد الرئيس وارش مراراً على أهمية وضع الاستقرار السعري والقدرة الشرائية في قلب أجندتنا الاقتصادية. إن التزامه بسياسة نقدية منضبطة سيساعد في استعادة الثقة في اقتصادنا».

تحدي التضخم وتقلبات الأسواق

يأتي تأكيد تعيين وارش في أسبوع شهد صدور تقارير اقتصادية تظهر بقاء التضخم أعلى بكثير من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة، مع تسارع الضغوط في سلاسل التوريد إلى أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات. وبناءً على ذلك، بدأت الأسواق في تقليص توقعاتها لخفض الفائدة، بل وبدأت في تسعير احتمالية رفعها في وقت لاحق من هذا العام.

العودة الثانية

ليست هذه المرة الأولى لوارش في أروقة الاحتياطي الفيدرالي؛ حيث سبق له العمل كعضو في المجلس بين عامي 2006 و2011. وهي الفترة التي شهدت بداية استهانة المسؤولين بمخاطر أزمة الرهن العقاري قبل الانخراط في سياسات إنقاذ تاريخية. حينها، كان وارش منتقداً للتوسع غير المسبوق في شراء الأصول (التيسير الكمي) الذي دفع بميزانية البنك لتجاوز 4 تريليونات دولار، معتبراً أن تلك البرامج قد تمادت أكثر مما ينبغي.

ومنذ مغادرته المنصب، ظل وارش منتقداً ثابتاً للسياسة النقدية، بل ودعا في مقابلة مع «سي إن بي سي» العام الماضي إلى «تغيير النظام» داخل البنك المركزي.

تركة ميران والمهمة القادمة

سيشغل وارش المقعد الذي كان يشغله ستيفن ميران، الذي عُيّن في سبتمبر (أيلول) 2025 لاستكمال الفترة المتبقية من ولاية أدريانا كوغلر بعد استقالتها المفاجئة. عُرف ميران بمعارضته الدائمة لقرارات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، حيث كان يطالب بخفض أكبر للفائدة (نصف نقطة بدلاً من ربع نقطة) في عام 2025، وعارض هذا العام تثبيت الأسعار مطالباً بمواصلة الخفض.

الرئيس الأغنى في التاريخ

سيدخل وارش التاريخ كأغنى رئيس للاحتياطي الفيدرالي على الإطلاق، بثروة تتجاوز 100 مليون دولار. وبموجب القواعد الصارمة الجديدة التي تم تبنيها عقب كشف ممارسات تداول مشكوك فيها لبعض المسؤولين السابقين، سيكون لزاماً على وارش التخلص من العديد من استثماراته لتجنب تضارب المصالح.

ومن المقرر أن يترأس وارش أول اجتماع للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يومي 16 و17 يونيو (حزيران) المقبل.