إسبانيا تطلق حزمة طوارئ جريئة لمواجهة صدمة الطاقة والحد من التضخم

80 إجراء تشمل خفض الضرائب وتجميد الإيجارات لاحتواء تداعيات «حرب إيران»

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مؤتمر صحافي بالعاصمة مدريد يوم الجمعة للإعلان عن حزمة الطوارئ الاقتصادية (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مؤتمر صحافي بالعاصمة مدريد يوم الجمعة للإعلان عن حزمة الطوارئ الاقتصادية (أ.ف.ب)
TT

إسبانيا تطلق حزمة طوارئ جريئة لمواجهة صدمة الطاقة والحد من التضخم

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مؤتمر صحافي بالعاصمة مدريد يوم الجمعة للإعلان عن حزمة الطوارئ الاقتصادية (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مؤتمر صحافي بالعاصمة مدريد يوم الجمعة للإعلان عن حزمة الطوارئ الاقتصادية (أ.ف.ب)

في مواجهة التداعيات الاقتصادية المتسارعة للحرب في الشرق الأوسط، أعلنت إسبانيا عن حزمة دعم واسعة بقيمة 5 مليارات يورو (نحو 5.8 مليار دولار)، تشمل عشرات الإجراءات الرامية إلى حماية الأسر والشركات من ارتفاع أسعار الطاقة.

وتعكس هذه الخطوة اتجاهاً أوروبياً متزايداً للتدخل المباشر في الأسواق لاحتواء التضخم ومنع انتقال صدمة النفط إلى الاقتصاد الحقيقي. وأقر مجلس الوزراء الإسباني خطة تتضمن 80 إجراءً موزعة على حزمتَي دعم، تستهدف في المقام الأول تخفيف الأعباء عن الأسر الأكثر هشاشة ودعم القطاعات الاقتصادية الأكثر تأثراً بارتفاع تكاليف الطاقة.

وأكد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن الحزمة تتضمن تخفيضات كبيرة في الضرائب على الكهرباء تصل إلى 60 في المائة، إلى جانب توفير نحو 200 مليون يورو من التكاليف للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. ولا تقتصر الإجراءات على الجانب الضريبي، بل تمتد إلى تدخلات مباشرة في السوق، حيث قررت الحكومة تمديد عقود الإيجار وتجميد الأسعار بشكل مؤقت، إلى جانب فرض قيود على هوامش أرباح بعض الشركات، في محاولة للحد من انتقال موجة التضخم إلى أسعار السلع والخدمات الأساسية.

وتعد هذه الخطوات من بين أكثر التدخلات جرأة في السياسات الاقتصادية الأوروبية الحديثة؛ إذ تعكس استعداد الحكومات لتجاوز آليات السوق التقليدية في أوقات الأزمات.

وفي خطوة موازية، تستعد مدريد لخفض ضريبة القيمة المضافة على الوقود إلى 10 في المائة بدلاً من 21 في المائة، مع تعليق الرسوم المفروضة على المحروقات، ما قد يؤدي إلى خفض أسعار البنزين والديزل بما يتراوح بين 0.30 و0.40 يورو للتر. كما تشمل الإجراءات إلغاء ضريبة بنسبة 5 في المائة على استهلاك الكهرباء، ما يعزز الأثر المباشر للحزمة على المستهلكين. وتأتي هذه التحركات في سياق أوروبي أوسع، حيث تسعى دول الاتحاد إلى احتواء موجة تضخم متوقعة قد تقترب من 4 في المائة خلال العام المقبل، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة. وقد سبقت إيطاليا ذلك بخفض الرسوم على الوقود، بينما تدرس ألمانيا إجراءات تشمل فرض ضرائب استثنائية على شركات النفط، ما يعكس تنسيقاً غير معلن بين الاقتصادات الكبرى في منطقة اليورو.

ورغم شمولية الحزمة الإسبانية، يشير خبراء إلى أن تأثيرها قد يختلف بين الفئات. فخفض أسعار الوقود، على سبيل المثال، قد يفيد بشكل أكبر مالكي السيارات، الذين غالباً ما ينتمون إلى فئات دخل أعلى، في حين تتطلب حماية الفئات الأكثر هشاشة إجراءات دعم مباشرة أكثر استهدافاً.

وفي المقابل، تتمتع إسبانيا بميزة نسبية مقارنة ببعض شركائها الأوروبيين؛ إذ يعتمد اقتصادها بشكل أكبر على مصادر الطاقة المتجددة. فقد ساهمت وفرة الأمطار وارتفاع إنتاج الطاقة الكهرومائية، إلى جانب التوسع في طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية، في إبقاء أسعار الكهرباء عند مستويات منخفضة نسبياً هذا العام، مقارنة بدول أخرى تعتمد بشكل أكبر على الغاز المستورد. غير أن هذه الميزة لا تعني الحصانة الكاملة من تداعيات الأزمة؛ إذ تظل إسبانيا عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية، خاصة في قطاع النقل والصناعات المرتبطة بالطاقة. لذلك، تسعى الحكومة إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، من خلال تقديم خصومات ضريبية كبيرة على الاستثمارات في هذا القطاع، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي وتعزيز الاستدامة على المدى الطويل.

وقد توفر الحزمة الإسبانية دعماً مهماً للشركات، خصوصاً في القطاعات الصناعية التي تواجه ضغوطاً متزايدة من ارتفاع تكاليف الإنتاج. غير أن فرض قيود على هوامش الأرباح قد يثير مخاوف لدى بعض المستثمرين بشأن بيئة الأعمال، خاصة إذا استمرت هذه الإجراءات لفترة طويلة.

كما تعكس هذه السياسات تحولاً أوسع في دور الدولة داخل الاقتصاد الأوروبي، حيث باتت الحكومات أكثر استعداداً للتدخل المباشر لحماية المستهلكين وضبط الأسواق في أوقات الأزمات، حتى وإن جاء ذلك على حساب بعض مبادئ السوق الحرة.

وتؤكد الخطوات الإسبانية أن أزمة الطاقة الحالية تدفع الحكومات إلى تبني سياسات استثنائية لمواجهة تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. وبين خفض الضرائب وتجميد الأسعار ودعم الاستثمارات، تسعى مدريد إلى تحقيق توازن بين حماية المواطنين والحفاظ على استقرار الاقتصاد. ومع استمرار التقلبات في أسواق الطاقة العالمية، تبدو هذه الإجراءات جزءاً من موجة أوسع من التدخلات التي قد تعيد تشكيل السياسات الاقتصادية في أوروبا خلال المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

توترات «هرمز» تشعل أسعار النفط وتهدد الإمدادات

الاقتصاد سفن في مضيق هرمز (أ.ب)

توترات «هرمز» تشعل أسعار النفط وتهدد الإمدادات

اتجهت أسعار النفط يوم الجمعة إلى تسجيل أكبر مكاسب أسبوعية منذ منتصف يوليو (تموز)، مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مقر البورصة في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

الأسهم الصينية تتراجع واليوان عند ذروة جديدة

أنهت الأسهم الصينية الأسبوع على تراجع مع فقدان موجة الصعود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بعض زخمها.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

تراجع عوائد السندات يدعم الأسهم اليابانية

تراجعت عوائد السندات الحكومية اليابانية، الجمعة، مع ارتفاع الين وتزايد رهانات الأسواق على رفع بنك اليابان أسعار الفائدة هذا الشهر

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
شؤون إقليمية صورة من أحد شوارع طهران في 2 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

الضغوط الأميركية تبدأ في إنهاك الاقتصاد الإيراني

قالت مصادر إيرانية رفيعة المستوى إن الحملة الأميركية الرامية إلى خنق الاقتصاد الإيراني عبر تقييد صادرات النفط ووقف التهرب من العقوبات أصبحت أشد وطأة على طهران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مصفاة «إمبريال أويل» داخل «الممر الصناعي» لـ«وادي الكيميائيات» في سارنيا بأونتاريو الكندية (رويترز)

فائض التجارة الكندية يتراجع بقوة... والصادرات إلى أميركا تحت الضغط

تراجع فائض التجارة الكندية بصورة حادة في يوليو (تموز) الماضي، في وقت تستعد فيه الشركات لمواجهة تأثير الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة البالغة 50 في المائة...

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)

الأسهم الهندية ترتفع مع تراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية

ورقة نقدية من الروبية الهندية (رويترز)
ورقة نقدية من الروبية الهندية (رويترز)
TT

الأسهم الهندية ترتفع مع تراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية

ورقة نقدية من الروبية الهندية (رويترز)
ورقة نقدية من الروبية الهندية (رويترز)

ارتفعت الأسهم الهندية يوم الجمعة، مع صعود مؤشر » بومباي سينسيكس » القياسي بنسبة 0.7 في المائة إلى 76,682 نقطة، فيما ارتفع مؤشر «نيفتي 50» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.35 في المائة إلى 23,956 نقطة، مدعومة بتراجع التوقعات بشأن رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة هذا الشهر، وهو ما عزز أسواق الأسهم العالمية ودفع عوائد السندات إلى الانخفاض.

وفي سوق الصرف، استقرت الروبية الهندية إلى حد كبير أمام الدولار الأميركي عند 94.49 روبية للدولار، وسط ترجيحات بأن يكون بنك الاحتياطي الهندي قد باع دولارات للحد من الضغوط التي تتعرض لها العملة نتيجة ارتفاع أسعار النفط، وفق «رويترز».

وفي سوق السندات الحكومية، استقر سعر السند القياسي لأجل 10 سنوات عند 99.8 روبية، فيما بقي العائد دون تغيير عند 6.9643 في المائة. ويترقب المتعاملون طرح إصدارات جديدة من الديون عبر المزاد الأسبوعي، في وقت لا تزال فيه أسعار النفط المرتفعة تشكل عامل ضغط، ولا سيما على السندات ذات الآجال الأطول.

أما في سوق مقايضات مؤشر الليلة الواحدة، فقد ارتفع معدل المقايضة لأجل عام واحد بمقدار نقطتي أساس إلى 6.02 في المائة، بينما تراجع معدل المقايضة لأجل خمس سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساس إلى 6.47 في المائة.

وفي سوق النقد، لم تُسجّل بعد أي تداولات على سعر الإقراض لليلة واحدة في الهند، بينما بلغ معدل الإقراض لليلة واحدة لليلة واحدة 4.3 في المائة.


العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع مع ترقب بيانات الوظائف

من داخل بورصة نيويورك (أ.ب)
من داخل بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع مع ترقب بيانات الوظائف

من داخل بورصة نيويورك (أ.ب)
من داخل بورصة نيويورك (أ.ب)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشري «ناسداك 100»، الذي يضم شركات التكنولوجيا، و«ستاندرد آند بورز 500» القياسي، يوم الجمعة، قبيل صدور بيانات الوظائف التي قد تختبر الزخم الذي شهدته أسواق الأسهم مؤخراً.

ومن المقرر صدور البيانات بعد يوم من تراجع محافظ «الاحتياطي الفيدرالي»، كريستوفر والر، عن توقعات رفع أسعار الفائدة. ويتوقع المتداولون الآن احتمالاً يقارب 50 في المائة لرفع أسعار الفائدة، مقارنةً بنحو 63 في المائة قبل تصريحات والر، وفقاً لأداة «فيد ووتش».

وبينما دفع تركيز رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، كيفين وارش، على التضخم بعض المحللين إلى التساؤل عما إذا كانت اتجاهات سوق العمل ستؤثر في توقعات البنك المركزي لأسعار الفائدة، لا تزال بيانات الوظائف المرتقبة مرشحة لتحديد اتجاه الجلسة الأخيرة من الأسبوع، وفق «رويترز».

وبعد بداية هادئة لشهر سبتمبر (أيلول)، استعادت الأسهم توازنها بعدما قال والر إنه سيدعم الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير إذا أظهرت البيانات انحسار الضغوط التضخمية.

وقال فيليكس فيزينا-بوارييه، كبير الاستراتيجيين في شركة «بي سي إيه» للأبحاث: «لتصريحات والر أهمية بالغة لعدة أسباب. فهذا آخر حدث رئيسي يتعلق بتصريحات (الاحتياطي الفيدرالي) قبل فترة التعتيم التي تسبق اجتماع سبتمبر، مما يترك الأسواق في حيرة من أمرها حتى صدور القرار».

وأضاف أن والر كان غالباً سبّاقاً في استشراف دورات رفع وخفض أسعار الفائدة، مما يمنح توجيهاته مزيداً من المصداقية.

ومن المتوقع أن يكون نمو الوظائف قد انتعش في أغسطس (آب). ويرجح أن تكون الوظائف غير الزراعية قد ارتفعت بمقدار 56 ألف وظيفة، بعد انخفاضها بمقدار 23 ألف وظيفة في يوليو (تموز)، وفقاً لاستطلاع أجرته «رويترز» شمل خبراء اقتصاديين.

وأظهرت أحدث بيانات الوظائف غير الزراعية أن الاقتصاد فقد وظائف بشكل غير متوقع في يوليو، كما جرى تعديل مكاسب الوظائف التي أُعلن عنها سابقاً للشهرين السابقين بالخفض بشكل حاد.

وفي الساعة 4:24 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» 40 نقطة، أو 0.07 في المائة، بينما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 4.75 نقطة، أو 0.06 في المائة، وصعدت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 124.25 نقطة، أو 0.42 في المائة.

وانخفض سهم «لولوليمون أثليتيكا» بنسبة 17.67 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، بعدما خفضت الشركة توقعاتها لأرباح وإيرادات العام بأكمله.

وتراجع سهم «أدوبي» بنسبة 3.18 في المائة بعد إعلان الشركة أن رئيسها التنفيذي المخضرم، شانتانو نارايان، سيسلم زمام القيادة إلى أنيل تشاكرافارثي، أحد المديرين التنفيذيين المخضرمين في الشركة.

ومع اقتراب عطلة عيد العمال، يستمر الجدل حول ضعف أداء الأسهم موسمياً خلال شهر سبتمبر.

وتاريخياً، يُعد سبتمبر أضعف شهور السنة بالنسبة للأسهم، لكن معظم التراجع يتركز في النصف الثاني من الشهر، إذ بلغ متوسط العوائد أقل من 1 في المائة، وفقاً لميليسا براون، رئيسة قسم أبحاث قرارات الاستثمار العالمية في شركة «سيمكورب».

كما سيحصل المستثمرون على أحدث مؤشرات التضخم عندما تنشر وزارة العمل بيانات مؤشر أسعار المستهلك ومؤشر أسعار المنتجين الأسبوع المقبل.


توترات «هرمز» تشعل أسعار النفط وتهدد الإمدادات

سفن في مضيق هرمز (أ.ب)
سفن في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

توترات «هرمز» تشعل أسعار النفط وتهدد الإمدادات

سفن في مضيق هرمز (أ.ب)
سفن في مضيق هرمز (أ.ب)

اتجهت أسعار النفط يوم الجمعة إلى تسجيل أكبر مكاسب أسبوعية منذ منتصف يوليو (تموز)، مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وتراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، ما أعاد مخاطر الإمدادات في الشرق الأوسط إلى صدارة حسابات أسواق الطاقة العالمية.

واستقرت العقود الآجلة لخام برنت الجمعة عند 95.52 دولار للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 0.1 في المائة إلى 91.36 دولار.

وعلى أساس أسبوعي، قفز «برنت» 7.6 في المائة، فيما صعد الخام الأميركي 10.4 في المائة، ويتجه الخامان إلى تحقيق أقوى مكاسب منذ الأسبوع المنتهي في 20 يوليو.

وتعكس هذه المكاسب ارتفاع «علاوة المخاطر الجيوسياسية» في الأسعار، بعدما تجددت الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإيران، بالتزامن مع استمرار الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية. وأسهمت المخاوف من تعطل الإمدادات في دفع متوسط أسعار الديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية.

وزادت المخاوف بعدما جدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تهديداته باستهداف البنية التحتية العسكرية والمدنية في إيران، بما في ذلك منشآت الطاقة، في وقت دخلت فيه الحرب، التي بدأت بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران في نهاية فبراير (شباط)، شهرها السابع.

ويرى محللو «إيه إن زد» أن المخاطر الجديدة تبرر أسعاراً أعلى للنفط، إذ رفعوا توقعاتهم لخام برنت على المدى القصير إلى 95 دولاراً للبرميل، محذرين من احتمالات ارتفاع إضافي إذا تصاعد الصراع في الشرق الأوسط.

وقال المحللون إن السوق تدخل «مرحلة تكيف دقيقة»، بعدما ساعدت المخزونات المرتفعة في امتصاص صدمة الإمدادات الأولى، لكن المشكلة أصبحت تتمثل في الحفاظ على توازن السوق مع تراجع هذه الاحتياطيات.

وتتركز المخاوف بصورة خاصة على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية. وأظهرت بيانات أولية لشركة «كبلر» أن أربع سفن فقط لنقل السلع الأولية عبرت المضيق الخميس، مقارنة بتسع سفن في اليوم السابق، وبفارق كبير عن متوسط الأيام العشرة البالغ نحو 15 سفينة.

وشملت الحركة المسجلة ناقلتين متوسطتي المدى، وناقلة بضائع من طراز «كامسارماكس»، وسفينة من طراز «هاندي سايز». ولا تشمل البيانات السفن التي قد تكون عبرت المضيق بعد إيقاف أجهزة الإرسال الخاصة بنظام التعرف التلقائي لتجنب رصدها.

والأكثر دلالة بالنسبة لسوق النفط أن ناقلتين عملاقتين للخام فقط عبرتا المضيق منذ بداية الأسبوع، ما يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب حركة الطاقة عبر الممر البحري.

وقبل اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير، كان نحو 125 سفينة تجارية كبيرة تعبر المضيق يومياً، تشمل ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال وسفن الحاويات والبضائع السائبة. وكان الممر يستوعب ما يعادل خُمس الإمدادات اليومية العالمية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال.

وتكشف المقارنة بين مستويات الحركة الحالية وما قبل الحرب حجم الاختناق الذي تواجهه سلاسل الإمداد. كما أدى الحصار الأميركي على الشحن المرتبط بإيران إلى توقف صادرات الخام الإيراني منذ إعادة فرضه في منتصف يوليو (تموز).

وقال كلاوديو غاليمبرتي، كبير الاقتصاديين لدى «ريستاد إنرجي»، إن صادرات النفط والمنتجات النفطية التي جرى رصدها يومياً خلال الحرب تراوحت في معظم الوقت بين أربعة وستة ملايين برميل يومياً، باستثناء ارتفاع مؤقت اقترب من مستويات ما قبل الحرب خلال الاتفاق قصير الأجل بين إيران والولايات المتحدة.

وتوقع بقاء التدفقات عند مستويات منخفضة للغاية حتى نوفمبر (تشرين الثاني)، مع استمرار الخلافات بين واشنطن وطهران وارتفاع التكاليف الاقتصادية الناجمة عن اضطراب حركة التجارة.

وتعزز التطورات السياسية احتمالات استمرار الأزمة. فقد قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن واشنطن لن تجري محادثات مع إيران ما لم تتوقف طهران عن مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز.

وفي المقابل، وسعت إيران قائمة السفن التي تعتبرها غير ممتثلة للقواعد، والتي قد تواجه غرامات أو مصادرة أو احتجازاً عند محاولة عبور المضيق، بينما لا تزال السفن العراقية من بين العدد المحدود من السفن التي تسمح لها طهران بالمرور.

ولا يقتصر اضطراب الشحن على «هرمز». ففي مضيق باب المندب على البحر الأحمر، أظهرت بيانات «كبلر» عبور 22 سفينة شحن الخميس، انخفاضاً من 31 سفينة في اليوم السابق، وأقل من متوسط الأيام العشرة البالغ 24 سفينة.

ومع ذلك، حدت إشارات سياسية من روسيا من ارتفاع أسعار الخام خلال جلسة الجمعة. فقد قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه لا يزال يرى مساراً محتملاً للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب في أوكرانيا، وإن الولايات المتحدة والصين مستعدتان لدعم تسوية سلمية.

لكن أسواق النفط تبدو حالياً أكثر تركيزاً على الإمدادات الفعلية من الإشارات الدبلوماسية. فاستمرار تراجع حركة السفن عبر «هرمز»، بالتزامن مع الضغوط على المصافي الروسية وتهديد منشآت الطاقة الإيرانية، يجعل أي تصعيد جديد قادراً على إضافة علاوة مخاطر أكبر إلى الأسعار.