هل أحبطت الحرب الإيرانية وعود الحكومة المصرية بتحسن الأوضاع؟

بعدما بَشَّرت بـ«جني ثمار» الإصلاحات الاقتصادية

رئيس الوزراء المصري متحدثاً خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري متحدثاً خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة (مجلس الوزراء)
TT

هل أحبطت الحرب الإيرانية وعود الحكومة المصرية بتحسن الأوضاع؟

رئيس الوزراء المصري متحدثاً خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري متحدثاً خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة (مجلس الوزراء)

بعد أسابيع من تصريحات تبشر بـ«جني ثمار» إصلاحات اقتصادية، كررها رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، جاءت زيادات أسعار المحروقات بنسب وصلت إلى 30 في المائة على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية، لتعيد التساؤل عن مصير وعود «تحسن الأوضاع».

خلال السنوات العشر الماضية، طبقت الحكومة المصرية إصلاحات اقتصادية وُصفت بـ«القاسية»، وفق توصيات صندوق النقد الدولي، تضمنت رفع الدعم عن المحروقات، وأسعار الكهرباء، ووقف التعيينات الحكومية في مختلف الهيئات، وتطبيق برنامج للطروحات الحكومية شمل تخارج الدولة، وزيادة دور القطاع الخاص في العديد من القطاعات.

وفي إطار برنامج الإصلاحات، شهد الجنيه المصري تراجعات؛ وبعدما كان يُتداول بسعر صرف أقل من 9 جنيهات للدولار قبل نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، تدنى تدريجياً إلى نحو 52 جنيهاً للدولار حالياً، في انخفاض تزامن مع سلسلة إجراءات اتُخذت للحد من تداعيات برامج الإصلاح الاقتصادي على الفئات الأشد احتياجاً.

عُدلت تعريفة المواصلات فور الإعلان عن زيادات المحروقات (محافظة الجيزة)

ومنذ بداية العام المالي الجاري في يوليو (تموز) الماضي، كرر مدبولي عدة مرات تأكيداته على تحسن الوضع الاقتصادي على خلفية إنجاز العديد من المشروعات، ودخولها حيز التنفيذ، بالإضافة إلى زيادة موارد الدولة المالية من العملات الأجنبية، في وقت كان يفترض وفق تعهد سابق لرئيس الحكومة أن تبقى أسعار المحروقات من دون تغيير حتى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل بعد الزيادة التي أُقرت في نفس الشهر من العام الماضي.

ضغوط التضخم

يقول وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية في مجلس النواب حسن عمار لـ«الشرق الأوسط» إن قرار زيادة أسعار المحروقات الأخير «ينسف أي وعود سابقة بتحسن الأوضاع الاقتصادية، ويعكس غياب رؤية حكومية قادرة على التعامل مع الظروف الحالية بشكل واضح»، مشيراً إلى وجود مسارات بديلة عدة كان يمكن الاعتماد عليها لتخفيف الضغوط على المواطنين.

ويضيف: «الحكومة تُحمل المواطن تكاليف كل شيء يمكن أن يحدث من دون تحملها لدورها. القرارات الأخيرة تزيد من أعباء الضغوط التضخمية على المواطن في وقت كان يفترض أن تتحمل فيه الحكومة مسؤوليتها لأطول فترة ممكنة بما يسمح بتجاوز هذه الأزمة بأقل الأضرار».

واستطرد قائلاً: «ما حدث سيُزيد من الأعباء على المواطنين الذين يدفعون ثمناً ليس لهم ذنب فيه مع غياب فقه أولويات الإنفاق لدى الحكومة التي تخالف توجيهات رئيس الجمهورية بالتخفيف عن المواطنين».

وللتخفيف من وطأة الحدث، تعهد رئيس الوزراء بزيادة المرتبات والأجور في موازنة العام المالي الجديد التي ستعرض على رئيس الجمهورية خلال أيام بحسب تصريحاته في مؤتمر صحافي، عقده الثلاثاء، مشيراً إلى أن تبعات الحرب الإيرانية أحدثت اضطراباً شديداً في سلاسل الإمداد، مما أثر على العديد من السلع.

تعوِّل الحكومة المصرية على التوسع في برامج الحماية الاجتماعية (وزارة التضامن)

لكن الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، شكك في قدرة زيادات الأجور التي أعلنها رئيس الوزراء على الحد من آثار الموجة التضخمية المتوقع أن تبدأ نتيجة رفع أسعار المحروقات، لافتاً إلى تعهدات سابقة غير محققة بتحسن الأوضاع الاقتصادية.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «جزء من الأزمة مرتبط بالنهج الاقتصادي الذي تتبعه الحكومة، وتجعل الاقتصاد المصري أكثر عرضة للتأثر بالخارج، مع الاعتماد على الاستيراد بشكل أساسي، واقتصار موارد النقد الأجنبي بشكل رئيس على عائدات قناة السويس، والسياحة، وتحويلات المغتربين».

وهو يرى أن السياسات الحكومية المتبعة في الوقت الحالي لن تؤدي إلى تحسن اقتصادي بشكل مستدام مع بقاء هيكل الاقتصاد معتمداً على الخارج.

وهنا يشير النائب عمار إلى أن الحكومة أضاعت فرصاً عديدة في السنوات الماضية لتوطين الصناعات، وجذب رؤوس أموال توفر احتياجات السوق المحلية، على حد قوله، مضيفاً أنها تطالب المواطن الآن بتحمل النتائج.

وفي المقابل، يرى فريق آخر أن قرارات الحكومة الأخيرة بشأن أسعار المحروقات جاءت بهدف استمرار دفع عجلة الاقتصاد، بما يدعم خطتها، باعتبار أن تأخر القرارات رغم التغيرات العالمية كان سيؤدي لتآكل قدرة البلاد على مواجهة التداعيات.

وهو رأي يتبناه المدون والإعلامي المصري لؤي الخطيب، الذي لفت إلى «استمرار غياب أي مؤشرات على هدوء الأسعار عالمياً»، وقال إن سعر الصرف يتحدد على أساس العرض والطلب، وليس بقرارات إدارية من الحكومة.


مقالات ذات صلة

عوائد خطة التقشف المصرية تفتح الجدل حول جدواها

الاقتصاد عوائد خطة «التقشف» الحكومية تفتح الجدل حول جدواها      (الشرق الأوسط)

عوائد خطة التقشف المصرية تفتح الجدل حول جدواها

فتحت عوائد خطة التقشف المصرية الجدل حول جدواها فبينما أعلنت الحكومة نجاحها في «ترشيد استهلاك الكهرباء والوقود» تحدث خبراء عن «خسائر» بقطاعات اقتصادية.

عصام فضل (القاهرة )
الاقتصاد أحد شوارع القاهرة ليلاً (أ.ف.ب)

«تكلفة الخوف» تدفع تجاراً مصريين لـ«المبالغة في التسعير»

أعلن وكلاء عدد من ماركات السيارات والهواتف «زيادات رسمية» عدة مرات مع نقص في المعروض ببعضها، فيما عادت ظاهرة «الأوفر برايس».

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا مستقلو الحافلة في طريقهم لسيارات الإسعاف عقب وقوع الحادث (محافظة قنا)

إصابة 38 شخصاً في انقلاب حافلة بصعيد مصر

تلقت السلطات المحلية، الجمعة، إخطاراً يفيد بانقلاب حافلة على الطريق الصحراوي «قنا - سوهاج» متجهة إلى محافظة أسوان (صعيد مصر).

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا قانون الإيجار القديم يستمر في إثارة الجدل حتى بعد صدوره (الشرق الأوسط)

تسهيلات الحكومة المصرية لا تُهدئ مخاوف مستأجري «الإيجار القديم»

ما زالت الخمسينية أسماء قطب، ترفض أن تستجيب لمناشدات الحكومة لقاطني شقق «الإيجار القديم» والمحتاجين لوحدات سكنية بديلة بالتسجيل عبر المنصة الحكومية.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا مواطنون يتجولون في وسط القاهرة ليلاً (أ.ف.ب)

ارتياح في مصر بعد تخفيف إجراءات «الإغلاق المبكّر» للمحال

أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي مساء الخميس تخفيف مواعيد إغلاق المحال التجارية من الساعة 9 إلى 11 مساء يومياً بدءاً من الجمعة حتى 27 أبريل الحالي.

عصام فضل (القاهرة)

أرباح «بلاك روك» تقفز في الربع الأول مدعومة بتدفقات قياسية وقوة رسوم الأداء

يظهر شعار «بلاك روك» خارج مقرها الرئيسي في حي مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
يظهر شعار «بلاك روك» خارج مقرها الرئيسي في حي مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

أرباح «بلاك روك» تقفز في الربع الأول مدعومة بتدفقات قياسية وقوة رسوم الأداء

يظهر شعار «بلاك روك» خارج مقرها الرئيسي في حي مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
يظهر شعار «بلاك روك» خارج مقرها الرئيسي في حي مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

أعلنت شركة «بلاك روك»، الثلاثاء، نمو أرباحها في الربع الأول من العام، مدفوعةً بتدفقات نقدية قوية إلى صناديقها المتداولة في البورصة، إلى جانب ارتفاع إيرادات رسوم الأداء؛ مما انعكس إيجاباً على سهمها الذي صعد بنسبة 2.8 في المائة خلال التداولات التي سبقت افتتاح السوق.

واجتذبت صناديق المؤشرات المتداولة النشطة التابعة للشركة اهتمام المستثمرين الباحثين عن فرص للاستفادة من تباينات السوق عبر منتجات منخفضة التكلفة، في وقتٍ تواصل فيه الضغوط الاقتصادية الكلية الناجمة عن التوترات الجيوسياسية العالمية التأثير على أداء الأسواق، وفق «رويترز».

وسجلت «بلاك روك» صافي تدفقات نقدية داخلة بقيمة 130 مليار دولار خلال الربع الأول، استحوذت صناديق «آي شيرز» المتداولة في البورصة على الحصة الكبرى منها، فيما جذبت أنشطة الأسواق الخاصة تدفقات إضافية بلغت 9 مليارات دولار خلال الفترة نفسها.

وأظهرت الأصول المُدارة لدى الشركة قدراً من المرونة، مدعومةً بهذه التدفقات القوية التي ساعدت أكبر مدير أصول في العالم على التخفيف من أثر تراجعات السوق. وارتفع إجمالي الأصول المُدارة إلى 13.89 تريليون دولار، مقارنةً بـ 11.58 تريليون دولار في الفترة ذاتها من العام الماضي.

ورغم هذا الأداء، فإن أسهم الشركة تراجعت بنسبة 4.4 في المائة منذ بداية عام 2026، متخلفةً عن أداء شركة «ستيت ستريت» الأصغر حجماً، في حين انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 4.6 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام.

نمو رسوم الأداء

كما أسهم توسّع «بلاك روك» بمجال الأسواق الخاصة في تعزيز نتائجها؛ إذ تتيح هذه الاستثمارات تحقيق عوائد أعلى وتفعيل رسوم الأداء حتى في بيئات السوق المتقلبة.

وأتاحت هذه الاستراتيجيات - التي تشمل صناديق المؤشرات المتداولة النشطة والاستثمارات البديلة - للشركة تنويع مصادر دخلها خلال فترات عدم اليقين؛ مما دعم نمو إيراداتها من رسوم الأداء في الربع الأول من عام 2026.

وبلغت رسوم الأداء المرتبطة بالاستشارات الاستثمارية 272 مليون دولار خلال الأشهر الأولى من العام، مقارنةً بـ60 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، مسجلةً قفزة ملحوظة.

وحققت الشركة صافي ربح قدره 2.21 مليار دولار، أو ما يعادل 14.06 دولار للسهم الواحد، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في 31 مارس (آذار) الماضي، مقارنةً بـ1.51 مليار دولار، أو 9.64 دولار للسهم، في الفترة ذاتها من العام السابق.


«هرمز» تحت ضغط التأمين... «أقساط الحرب» تتجاوز القوانين الدولية

سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

«هرمز» تحت ضغط التأمين... «أقساط الحرب» تتجاوز القوانين الدولية

سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

بينما تشتعل التوترات العسكرية في مضيق هرمز، تدور في الكواليس حرب من نوع آخر لا تقل خطورة؛ بطلها شركات التأمين التي باتت تتحكم في مصير السفن. ومع قفز تكاليف التأمين إلى مستويات جنونية، يحذِّر مختصون عبر «الشرق الأوسط» من أنَّ العالم أمام «ساعة الحقيقة»؛ فإغلاق الممر المائي لا يهدِّد تدفق النفط فحسب، بل يهدِّد رغيف الخبز في أفقر دول العالم، ويضع القوانين الدولية التي تحمي التجارة تحت اختبار الانهيار.

وكانت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب في مضيق هرمز ارتفعت إلى ما بين 1 في المائة و7.5 في المائة من قيمة السفن، بعد أن كانت أقل من 1 في المائة، وذلك عقب تصاعد الهجمات. وبمعنى آخر، يمكن أن تصل أقساط التأمين لرحلة واحدة كبيرة لناقلة نفط تبلغ قيمتها 100 مليون دولار إلى ما بين مليونَي دولار و9 ملايين دولار، بعد أن كانت تبلغ نحو 250 ألف دولار قبل تصاعد التوترات.

وفي هذا الإطار، قال رئيس مجلس التنفيذيين اللبنانيين، ربيع الأمين، لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري ضيق لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً. بل بات يشبه الرئة الوحيدة التي يتنفس منها الاقتصاد العالمي. وحين تُهدَّد هذه الرئة، لا يختنق النفط وحده، بل يختنق الغذاء والدواء والأمل معه. وهنا تتحوَّل الجغرافيا إلى قدر».

وتابع: «المشهد مقلق، لا من باب التحليل الأكاديمي البارد، بل لأن تداعياته تطرق أبواب الشركات التي نعمل معها، والأسواق التي نتنفس هواءها يومياً، حين ترتفع أقساط التأمين البحري بين 30 في المائة و120 في المائة في أشهر معدودة». وشدَّد على أنه حين تنسحب شركات التأمين الكبرى كلياً من تغطية السفن التي يتحتم مرورها عبر مضيق هرمز، فهذا لا يعني فقط ارتفاع التكاليف، بل يعني أن منظومة الثقة التجارية برمتها باتت تترنح، على حدّ تعبيره.

خريطة تُظهر مضيق هرمز وبراميل نفط مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد (رويترز)

الأرقام تقول ما لا تقوله الخطب

وقال الأمين: «أكثر من 230 ناقلة نفط محملة تنتظر اليوم وقت مرورها عبر المضيق، دون قدرة على المغادرة. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأنه (أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية)». وشرح أن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قفزت أكثر من 70 في المائة، كما ارتفع وقود الطائرات 95 في المائة مما دفع مطارات أوروبية إلى تقنين التزود بالوقود. وبعض التقديرات ترى أن النفط قد يلامس 200 دولار للبرميل إن طال الإغلاق. واستدرك أن ما يقلق أكثر من النفط هو القمح ومنتجات الأسمدة، مبيناً أن منطقة الخليج، ليست فقط خزان الطاقة العالمي، بل هي أيضاً المغذي الأول لحقول العالم، لافتاً إلى أن 35 في المائة من صادرات اليوريا العالمية تعبر هذا المضيق.

وأضاف: «الهند تستورد 70 في المائة من احتياجاتها من هذه المنطقة. وأسعار اليوريا قفزت 26 في المائة لتبلغ 585 دولاراً للطن، في رقم لم يُرَ منذ سنوات. حين يرتفع سعر السماد، يرتفع سعر الخبز. والذي يدفع الفاتورة الأثقل ليس المزارع الأوروبي أو الأميركي، بل الأسرة الفقيرة في أفريقيا وجنوب آسيا، حيث يُقدَّر أن 45 مليون شخص باتوا على حافة انعدام الأمن الغذائي الحاد». وأوضح أن «الأزمات الجيوسياسية لها ثمن يتوزع بشكل غير عادل، بينما المتفاوضون في غرف مغلقة يتجادلون حول مصالح استراتيجية، في وقت تعاني فيه الأمم الفقيرة من ارتفاع أسعار السلع». وشدَّد على ضرورة أن تتعامل قطاعات التأمين والشركات والحكومات مع هذا الواقع، لا بمنطق «الاستجابة للأزمة»، بل بمنطق «استباق الكارثة»، مؤكداً الحاجة إلى «منظومة تأمين إقليمية مرنة، وآليات تمويل طارئة، وقنوات حوار تُقدِّم الأمن الغذائي والطاقوي على أي حسابات أخرى؛ لأنَّ الاستقرار الاقتصادي لا يُبنى بعد الكارثة، بل يُبنى قبلها».

اختبار شرعية النظام الدولي

من جهته، قال مدير «مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية»، الدكتور سعيد سلام، لـ«الشرق الأوسط»: «إن أزمة مضيق هرمز الراهنة لم تعد مجرد صراع عسكري، بل تحوَّلت إلى اختبار لشرعية النظام الدولي، حيث باتت الحسابات الدقيقة لشركات التأمين العالمي هي المحرِّك الفعلي لتدفقات التجارة، متجاوزةً في أثرها القوانين والاتفاقات الدولية». ووفق سلام، فإنَّ التصعيد العسكري الذي بدأ في أواخر فبراير (شباط) الماضي، وما تبعه من إغلاق إيران المضيق وشنها هجمات على 19 - 20 سفينة تجارية لم تلتزم بالشروط الإيرانية للعبور، أمور أدت إلى خلق حالة من «الإغلاق الاقتصادي» الشامل.

ولفت إلى أنَّ شركات التأمين رفعت التكاليف خوفاً من المخاطر غير المسبوقة، إلى مستويات جعلت الملاحة في مضيق هرمز غير مجدية تجارياً؛ ما دفع الناقلات للبحث عن مسارات بديلة طويلة ومكلفة، بينما تحاول القوى الكبرى والجهات الدولية ضمان استمرار الإمدادات عبر تدخلات استثنائية لم تنجح حتى الآن في استعادة الثقة بالمسار الملاحي. وشدَّد سلام على أنَّ هذا الواقع يُمثِّل تقويضاً لمنظومة القانون البحري التي تأسَّست منذ عام 1982، حيث تبرز فجوة واسعة بين الحق القانوني في «المرور عبر المضائق» وواقع التهديدات التي تفرضها طهران، في محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة. وأوضح أنَّ انخراط الدول العظمى في تقديم ضمانات حكومية للسفن يُعقِّد المشهد، حيث يضفي صبغةً سياسيةً مباشرةً على الشحن التجاري؛ ما يجعل هذه السفن أهدافاً في نزاعات وصراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، وهو ما ينذر بتفتيت النظام البحري العالمي إلى مناطق نفوذ متباينة يحكمها منطق القوة والتهديد بدلاً من حرية التجارة.

على الجانب الآخر، فإنَّ التنافس بين القوى الدولية، وفق سلام، انتقل إلى الفضاء التأميني والتقني، فبينما تحاول المنظومة الغربية إدارة المخاطر بتكاليف باهظة، بدأت الصين في تقديم ضمانات موازية للسفن المرتبطة بها، ما يمهِّد لانقسام العالم إلى معسكرات تأمينية، كل منها يسير وفق أجندة جيوسياسية خاصة.

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

الجبهة الأكثر خطورة

وأضاف سلام إلى قتامةِ المشهد، مسألةَ التهديد السيبراني الذي أصبح برأيه يمثل الجبهة الأكثر خطورة، حيث لم تعد الألغام البحرية هي العائق الوحيد، بل أصبحت الأنظمة الرقمية لإدارة الموانئ والتحكم في السفن عرضةً لاختراقات تعطِّل السلاسل العالمية للحظات، وهو ما لا توفره عقود التأمين التقليدية. وأكد أنَّ الأثر الأعمق لهذه الأزمة يكمن في تداخلها مع الأمن الغذائي العالمي، مبيناً أنَّ الاقتصاد العالمي يعتمد على غاز الخليج لإنتاج الأسمدة، وأي تعطُّل في هذا المسار يرفع أسعار الغذاء، ويقلص الإنتاج الزراعي في الدول النامية؛ ما يخلق ضغوطاً اجتماعية واقتصادية قد تفجِّر موجات هجرة جماعية تضغط على استقرار الدول الغنية. وعليه والحديث لسلام، فإن فشل مفاوضات إسلام آباد يؤكد «أننا بصدد مرحلة طويلة من الغموض»، حيث لن تكتفي الشركات بالتحوُّط المالي، بل ستكون مضطرةً لتبني استراتيجيات هجينة تجمع بين التأمين، والأمن السيبراني، والتحالفات الاستراتيجية لتجاوز هذه المخاطر.

وتابع: «إنَّ عهد الملاحة الآمنة والمكفولة دولياً قد ولَّى، والعالم الآن أمام واقع جديد يفرض فيه التهديد نفسه بوصفه قاعدةً للتعامل في المضيق. فالشركات التي ستنجو في هذا المشهد هي التي تمتلك مرونةً فائقةً وقدرةً استباقيةً على قراءة المخاطر قبل وقوعها، بينما يبقى الانتظار السلبي مقامرةً تكلِّف النظام العالمي بأكمله ركوداً تضخمياً لا مفر منه، في وقت بات فيه تأمين المسار هو المعيار الوحيد لضمان استمرارية الإنتاج والنمو في عالم لا يعترف بضعف المترددين».


أميركا تتوقع ذروة أسعار النفط خلال أسابيع

حفارة نفط تعمل في حقل بتكساس (رويترز)
حفارة نفط تعمل في حقل بتكساس (رويترز)
TT

أميركا تتوقع ذروة أسعار النفط خلال أسابيع

حفارة نفط تعمل في حقل بتكساس (رويترز)
حفارة نفط تعمل في حقل بتكساس (رويترز)

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، إن من المرجح أن تصل أسعار النفط إلى ذروتها «خلال الأسابيع القليلة المقبلة» بمجرد استئناف حركة السفن عبر مضيق هرمز، قبل أن تعود لمعدلاتها الطبيعية، مع استقرار حركة الملاحة في المضيق.

وتحوم أسعار النفط الفورية حالياً حول 150 دولاراً للبرميل، بينما تتداول العقود الآجلة عند 100 دولار للبرميل.

وقال رايت خلال منتدى «سيمافور» للاقتصاد العالمي في واشنطن، إن من المتوقع أن تستمر الأسعار في الارتفاع حتى تستأنف حركة السفن «بشكل ملموس» عبر المضيق. وكان قد ذكر في تعليقات سابقة أن من المرجح أن تنخفض أسعار النفط قريباً.

وأضاف رايت: «سنشهد ارتفاعاً في أسعار الطاقة، وقد تواصل الارتفاع حتى نرى حركة ملاحية ملموسة عبر مضيق هرمز... ومن المرجح أن يصل سعر النفط إلى ذروته خلال ذلك الوقت. وقد يحدث ذلك في غضون الأسابيع القليلة المقبلة».

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأحد، إن أسعار النفط والبنزين يُحتمل أن تظل مرتفعة حتى انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، في اعتراف نادر بالتداعيات السياسية المحتملة لقراره مهاجمة إيران قبل 6 أسابيع.