الصين تستعرض قدرات «روبوتاتها البشرية» باحتفالات رأس السنة القمرية

في عرض باهر لطموحات بكين التكنولوجية

روبوتات بشرية في عرض صيني بمناسبة رأس السنة القمرية الجديدة بالعاصمة بكين (أ.ب)
روبوتات بشرية في عرض صيني بمناسبة رأس السنة القمرية الجديدة بالعاصمة بكين (أ.ب)
TT

الصين تستعرض قدرات «روبوتاتها البشرية» باحتفالات رأس السنة القمرية

روبوتات بشرية في عرض صيني بمناسبة رأس السنة القمرية الجديدة بالعاصمة بكين (أ.ب)
روبوتات بشرية في عرض صيني بمناسبة رأس السنة القمرية الجديدة بالعاصمة بكين (أ.ب)

استعرض البرنامج التلفزيوني الأكثر مشاهدة في الصين، وهو حفل رأس السنة القمرية السنوي الذي بثته قناة «سي سي تي في» الرسمية، يوم الاثنين، السياسة الصناعية الرائدة للبلاد، وسعي بكين إلى الهيمنة على سوق الروبوتات البشرية ومستقبل التصنيع.

وعرضت أربع شركات ناشئة صاعدة في مجال الروبوتات البشرية، وهي «يونيتري روبوتيكس»، و«غالبوت»، و«نويتكس»، و«ماجيك لاب» منتجاتها في الحفل، وهو حدث تلفزيوني بارز للصين يُضاهي مباراة السوبر بول بالولايات المتحدة.

وتضمنت الفقرات الثلاث الأولى من البرنامج روبوتات بشرية بارزة، من بينها عرض مطول لفنون الدفاع عن النفس، حيث قدّم أكثر من اثني عشر روبوتاً بشرياً من إنتاج شركة «يونيتري» عروضاً قتالية متقنة، ملوّحة بالسيوف والعصي والننشاكو على مقربة من أطفال بشريين.

وشملت عروض القتال مشهداً طموحاً تقنياً يحاكي الحركات المتذبذبة والسقوط للخلف في أسلوب «الملاكمة» الصيني، ومُظهراً ابتكارات في تنسيق الروبوتات المتعددة واستعادة التوازن بعد السقوط، حيث يستطيع الروبوت النهوض بعد السقوط.

كما تضمنت الفقرة الافتتاحية للبرنامج بشكل بارز روبوت الدردشة الذكي «دوباو» من إنتاج شركة «بايت دانس»، بينما ظهرت أربعة روبوتات بشرية من إنتاج شركة «نويتكس» إلى جانب ممثلين بشريين في مشهد كوميدي، وقدمت روبوتات «ماجيك لاب» رقصة متزامنة مع ممثلين بشريين على أنغام أغنية «صُنع في الصين».

روبوتات بشرية في عرض صيني بمناسبة رأس السنة القمرية الجديدة بالعاصمة بكين (أ.ب)

* زخم مع الاكتتابات

ويأتي هذا الزخم المُحيط بقطاع الروبوتات البشرية في الصين في وقت تستعد فيه شركات كبرى، مثل «أجيبوت»، و«يونيتري»، لطرح أسهمها للاكتتاب العام الأولي هذا العام، بينما تُطلق الشركات الناشئة المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي مجموعة من النماذج الرائدة خلال عطلة رأس السنة القمرية الرابحة التي تستمر تسعة أيام.

وأبهر حفل العام الماضي الحضور بعرض 16 روبوتاً بشرياً بالحجم الطبيعي من «يونيتري»، وهي تُلوّح بالمناديل وترقص بتناغم مع فنانين بشريين. والتقى مؤسس «يونيتري» بالرئيس شي جينبينغ بعد أسابيع في ندوة تقنية رفيعة المستوى، وهي الأولى من نوعها منذ عام 2018.

كما التقى شي بخمسة مؤسسين لشركات ناشئة في مجال الروبوتات خلال العام الماضي، وهو عدد يُضاهي عدد رواد الأعمال في مجال السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات الذين التقاهم في الفترة نفسها، مما منح هذا القطاع الناشئ حضوراً لافتاً.

وقال جورج ستيلر، المدير الإداري لمنطقة آسيا ورئيس قسم الروبوتات والأتمتة في شركة «ستيلر للاستشارات التقنية»، إن عرض قناة «سي سي تي في» الذي استقطب 79 في المائة من نسبة مشاهدة البث التلفزيوني المباشر في الصين العام الماضي، يُستخدم منذ عقود لتسليط الضوء على طموحات بكين التكنولوجية، بما في ذلك برنامجها الفضائي، والطائرات المسيّرة، والروبوتات.

وأضاف ستيلر: «ما يُميّز هذا الحفل عن الفعاليات المماثلة في أماكن أخرى هو سهولة الانتقال من السياسة الصناعية إلى هذا الحدث البارز». وتابع: «تحصل الشركات التي تظهر على منصة الحفل على مكافآت ملموسة تتمثل في طلبات حكومية، واهتمام المستثمرين، وفرص الوصول إلى الأسواق».

روبوتات بشرية في عرض صيني بمناسبة رأس السنة القمرية الجديدة بالعاصمة بكين (أ.ب)

* قفزة باهرة

وأوضح ستيلر: «لم يمضِ سوى عام واحد... والقفزة النوعية في الأداء لافتة للنظر»، مضيفاً أن التحكم المذهل في حركة الروبوتات يُظهر تركيز شركة «يونيتري» على تطوير «عقول» الروبوتات؛ وهي برمجيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تُمكّنها من إنجاز مهام حركية دقيقة يُمكن استخدامها في بيئات المصانع الواقعية.

وخلف مشهد الروبوتات التي تركض في سباقات الماراثون، وتؤدي حركات الكونغ فو البهلوانية، وضعت الصين الروبوتات والذكاء الاصطناعي في صميم استراتيجيتها التصنيعية للجيل المقبل القائمة على الذكاء الاصطناعي، مُراهنةً على أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الأتمتة ستُعوّض الضغوط الناجمة عن شيخوخة القوى العاملة.

ويقول بو تشاو، محلل التكنولوجيا المقيم في بكين: «تُجسّد الروبوتات الشبيهة بالبشر كثيراً من نقاط قوة الصين في سردية واحدة: قدرات الذكاء الاصطناعي، وسلسلة توريد الأجهزة، والطموح التصنيعي. كما أنها تُعدّ الشكل الأكثر وضوحاً للجمهور والمسؤولين». ويضيف أنه «في السوق الناشئة، يُصبح الاهتمام مورداً ثميناً».

واستحوذت الصين على 90 في المائة من إجمالي شحنات الروبوتات الشبيهة بالبشر التي بلغت حوالي 13,000 روبوت على مستوى العالم العام الماضي، متفوقةً بذلك بفارق كبير على منافسيها الأميركيين، بما في ذلك روبوت «أوبتيموس» من شركة «تسلا»، وفقاً لشركة الأبحاث «أومديا».

ويتوقع «مورغان ستانلي» أن تتجاوز مبيعات الروبوتات الشبيهة بالبشر في الصين ضعفها لتصل إلى 28,000 وحدة هذا العام. كما صرح إيلون ماسك بأنه يتوقع أن تكون الشركات الصينية منافسه الأكبر، في ظل تركيزه على الذكاء الاصطناعي المجسد وروبوته البشري الرائد «أوبتيموس». وقال ماسك الشهر الماضي: «يستهين الناس خارج الصين بها، لكنها قوة لا يستهان بها».


مقالات ذات صلة

بريطانيا في مواجهة «صدمة طاقة»: لماذا تبدو الأكثر عرضة للخطر؟

الاقتصاد أسعار البنزين معروضة في محطة وقود بلندن (رويترز)

بريطانيا في مواجهة «صدمة طاقة»: لماذا تبدو الأكثر عرضة للخطر؟

تواجه بريطانيا مخاطر اقتصادية متزايدة تفوق نظيراتها في أوروبا والولايات المتحدة نتيجة التوترات الجيوسياسية الحالية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مقهى في وسط مدينة روندا - إسبانيا (رويترز)

بعد مراجعة البيانات الرسمية... منطقة اليورو تسجل نمواً 1.4 % في 2025

أظهرت بيانات رسمية مُعدّلة نُشرت يوم الجمعة أن اقتصاد منطقة اليورو سجّل نمواً بنسبة 1.4 في المائة خلال عام 2025، بوتيرة أبطأ قليلاً من التقديرات السابقة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد رجل يحمل جوال مساعدات غذائية في منطقة بغرب اليمن (إ.ب.أ)

أسعار الغذاء العالمية ترتفع في فبراير بعد 5 أشهر من التراجع

أعلنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، يوم الجمعة، أن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت في فبراير بعد انخفاضها لخمسة أشهر متتالية.

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد سفن حاويات في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

تجارة الصين تفوق التوقعات... و«حرب إيران» تزيد «عدم اليقين»

قال مسؤولون إن التجارة الصينية بدأت العام بقوة أكبر من المتوقع، لكن تدهور الوضع الجيوسياسي يُثير حالة جديدة من عدم اليقين.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مقر بنك اليابان المركزي في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)

اليابان تتأهب لمواجهة تقلبات حرب إيران

قالت وزيرة المالية اليابانية إن طوكيو ستنسق مع السلطات الخارجية، وهي على أهبة الاستعداد لاتخاذ إجراءات لمواجهة تقلبات السوق الناجمة عن حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

نمو أرباح «المطاحن الرابعة» السعودية 17 % إلى 53 مليون دولار في 2025

داخل أحد مصانع «المطاحن الرابعة» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
داخل أحد مصانع «المطاحن الرابعة» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

نمو أرباح «المطاحن الرابعة» السعودية 17 % إلى 53 مليون دولار في 2025

داخل أحد مصانع «المطاحن الرابعة» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
داخل أحد مصانع «المطاحن الرابعة» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

حققت شركة «المطاحن الرابعة» السعودية قفزة في أدائها المالي بنهاية عام 2025، حيث ارتفع صافي الربح بنسبة 17.47 في المائة ليصل إلى 200 مليون ريال (53 مليون دولار)، مقارنة بأرباح عام 2024 البالغة 170.9 مليون ريال.

وأرجعت الشركة في بيان على موقع سوق الأسهم السعودية (تداول)، يوم الأحد، هذا النمو، الذي بلغت قيمته 30 مليون ريال، إلى سعيها لتحقيق الكفاءة التشغيلية التي أثمرت عن زيادة الإيرادات بنسبة 7 في المائة، وهو ما عزز هوامش الربح بشكل كبير، خصوصاً مع نجاح كبح نمو تكلفة البضاعة المباعة عند مستوى 6 في المائة فقط.

وعلى الرغم من الارتفاع الملحوظ في مصاريف البيع والتوزيع بنسبة 38 في المائة نتيجة التوسع في الخدمات اللوجيستية والحملات التسويقية، فإن الانضباط المالي ساهم في استقرار المصاريف العامة والإدارية عند مستويات العام الماضي.

كما لعبت استراتيجية إدارة السيولة النقدية دوراً محورياً في دعم النتائج النهائية، حيث ارتفعت الإيرادات المالية المحققة من الودائع المتوافقة مع الشريعة بنسبة 34 في المائة مقارنة بالعام السابق.

وفيما يخص الإيرادات الإجمالية، فقد سجلت الشركة نمواً بنسبة 6.95 في المائة لتصل إلى 660 مليون ريال (175.8 مليون ريال)، مدفوعة بشكل رئيسي بالأداء القوي لقطاع الدقيق الذي شهد توسعاً في كمية المبيعات بنسبة 13 في المائة عبر جميع فئاته.

وساهم تحسن أسعار النخالة في دعم نمو الإيرادات رغم استقرار مستويات أدائه التشغيلي، في حين تم تعويض جزء من هذا النمو نتيجة التراجع في قطاع الأعلاف الذي سجل انخفاضاً في كمية مبيعاته بنسبة 17 في المائة خلال العام الحالي.


انخفاض صافي أرباح «صافولا» السعودية 91 % خلال 2025

مبنى «صافولا» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
مبنى «صافولا» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

انخفاض صافي أرباح «صافولا» السعودية 91 % خلال 2025

مبنى «صافولا» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
مبنى «صافولا» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

تراجع صافي أرباح «مجموعة صافولا»، إحدى المجموعات الصناعية الكبرى في السعودية، خلال عام 2025 بنسبة 91 في المائة ليصل إلى 874.5 مليون ريال (232.6 مليون دولار)، مقارنة مع 9.97 مليار ريال (2.6 مليار دولار) في عام 2024، وفق بيان الشركة على موقع سوق الأسهم السعودية (تداول).

وأوضحت الشركة أن الانخفاض يعود بشكل رئيس إلى تسجيل عدة بنود غير متكررة في عام 2024، إضافة إلى تباين الأداء بين قطاعات المجموعة.

ومن أبرز أسباب التراجع عدم تسجيل أرباح غير متكررة خلال 2025، كانت قد تحققت في عام 2024 نتيجة توزيع كامل حصة المجموعة في شركة «المراعي» البالغة 34.52 في المائة على مساهمي «صافولا»، بقيمة 11.3 مليار ريال بعد خصم الزكاة البالغة 288 مليون ريال.

كما انخفضت حصة المجموعة من نتائج الشركات الزميلة، لعدم وجود أرباح من استثمارها السابق في «المراعي»، والذي سبق توزيعه على المساهمين بقيمة 782 مليون ريال خلال 2024.

وتراجعت ربحية قطاع التجزئة من 154 مليون ريال إلى 115 مليون ريال، نتيجة ارتفاع المصروفات التشغيلية المرتبطة بافتتاح متاجر جديدة والاستثمار في برنامج تحسين تجربة العملاء، إضافة إلى عدم وجود عكس لمخصص غير متكرر للذمم المدينة المتقادمة بقيمة 16 مليون ريال تم تسجيله في 2024.

كذلك ارتفعت المصروفات التشغيلية نتيجة توحيد القوائم المالية لـ«الشركة المصرية المتحدة للسكر» في 2025 بعد أن كانت تعالج محاسبياً بوصفها شركة زميلة في 2024.

في المقابل، ساهمت عدة عوامل في دعم ربحية المجموعة خلال 2025، أبرزها تحسن أداء قطاع تصنيع الأغذية الذي سجل صافي ربح قدره 481 مليون ريال، مقارنة بصافي خسارة بلغ 1.6 مليار ريال في 2024، وذلك نتيجة عدم تسجيل عدد من الخسائر غير المتكررة التي تم الاعتراف بها في العام السابق، إلى جانب تحقيق مكسب قدره 34 مليون ريال من التخارج من الأعمال في تركيا.

كما تحسن أداء قطاع الأغذية المجمدة مسجلاً صافي ربح قدره 46 مليون ريال في 2025 مقابل خسارة قدرها 33 مليون ريال في 2024، في حين انخفضت خسائر قطاع خدمات الأغذية من 117 مليون ريال إلى 77 مليون ريال.

وساهم عكس مخصصات الزكاة للأعوام السابقة بقيمة 247 مليون ريال، وانخفاض مصروف ضريبة الدخل، وارتفاع الإيرادات التشغيلية الأخرى نتيجة عكس مخصصات لم تعد مطلوبة بقيمة 53 مليون ريال، إضافة إلى ارتفاع الإيرادات التمويلية نتيجة مكسب غير متكرر بلغ 40 مليون ريال من تسوية التزام خيار البيع، في دعم نتائج الشركة.

كما تراجعت تكاليف التمويل نتيجة عدم تسجيل أعباء مالية مرتبطة بديون تمت تسويتها في 2024 بقيمة 334 مليون ريال، وعدم وجود مصروف إضافي بقيمة 20 مليون ريال مرتبط بإعادة شراء وإلغاء صكوك الشركة البالغة قيمتها مليار ريال، إضافة إلى عدم تسجيل أثر انخفاض قيمة الجنيه المصري الذي بلغ 109 ملايين ريال خلال الربع الأول من 2024.

وأشارت الشركة إلى أنه بعد استبعاد البنود غير المتكررة والاستثنائية، بلغ صافي الربح المعدل للمجموعة 539 مليون ريال في عام 2025 مقارنة مع 296 مليون ريال في عام 2024، بما يعكس تحسن الأداء التشغيلي الأساسي للمجموعة.


الصراع بالشرق الأوسط يضع التضخم الأميركي في مهب رياح الطاقة

امرأة تدفع ثمن البنزين في محطة «شل» بواشنطن العاصمة (رويترز)
امرأة تدفع ثمن البنزين في محطة «شل» بواشنطن العاصمة (رويترز)
TT

الصراع بالشرق الأوسط يضع التضخم الأميركي في مهب رياح الطاقة

امرأة تدفع ثمن البنزين في محطة «شل» بواشنطن العاصمة (رويترز)
امرأة تدفع ثمن البنزين في محطة «شل» بواشنطن العاصمة (رويترز)

يواجه الاقتصاد الأميركي «فجوة توقيت» حرجة تضع صناع السياسة النقدية في مأزق؛ إذ تترقب الأسواق هذا الأسبوع تقارير اقتصادية تعكس مشهداً يعود إلى ما قبل اندلاع الحرب في إيران، في وقت تشتعل فيه أسعار الطاقة على أرض الواقع. وتتجلى حدة هذه الأزمة في التباين الصارخ بين بيانات يناير (كانون الثاني) التي تشير إلى تضخم عنيد، وبيانات فبراير (شباط) التي توحي بتباطؤ مرتقب، مما يخلق ارتباكاً حول أي من هذه القراءات يعبر فعلياً عن صحة الاقتصاد. وتتضاعف هذه الحيرة مع اندلاع الصراع الجيوسياسي الذي جعل أرقام فبراير - رغم أنها الأحدث - تبدو وكأنها تنتمي لزمن مختلف، بينما تهدد صدمة إمدادات النفط الحالية بإعادة إشعال التضخم في مارس (آذار) قبل أن يتمكَّن «الاحتياطي الفيدرالي» من استيعاب البيانات السابقة.

ويأتي هذا الترقب في أعقاب تقرير وظائف «مخيب للآمال» لشهر فبراير، حيث فقد الاقتصاد الأميركي بشكل مفاجئ 92 ألف وظيفة، وارتفع معدل البطالة إلى 4.4 في المائة. هذا التدهور في سوق العمل يضرب التصورات السابقة باستقرار التوظيف، ويضع صنّاع القرار في حيرة بين معالجة الركود المحتمل وبين كبح جماح التضخم الذي دخل مرحلة جديدة من عدم اليقين المطلق نتيجة العمليات العسكرية الجارية وتوقف الإنتاج في عدد من مصافي النفط الإقليمية.

شخص يقود دراجة نارية صغيرة بينما يتصاعد الدخان في منطقة صناعة النفط بالفجيرة (رويترز)

فجوة البيانات

ومن المنتظر أن يكشف تقرير مؤشر أسعار المستهلكين، المقرر صدوره يوم الأربعاء، عن صورة «مخادعة» للاستقرار؛ حيث تشير التوقعات إلى ارتفاع التضخم الأساسي بنسبة 0.2 في المائة فقط لشهر فبراير، وهو ما قد يوحي بانحسار ضغوط الأسعار قبل اندلاع الشرارة الأولى للحرب. ومع ذلك، تشير التحليلات العميقة لـ«بلومبرغ» و«المصرف الملكي الكندي» إلى وجود فجوة نادرة بين مؤشرات التضخم؛ فبينما يظهر مؤشر أسعار المستهلكين هدوءاً، يتوقع أن يظهر مؤشر إنفاق الاستهلاك الشخصي (PCE) -المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي- يوم الجمعة، «عناداً» واضحاً في قراءات يناير بنسبة ارتفاع تصل إلى 0.4 في المائة، ليظل المعدل السنوي ثابتاً عند 3 في المائة. ويعزو المحللون هذا التباين إلى ثغرات إحصائية وتوقعات ببيانات مفقودة تتعلق بقطاع الإسكان، مما يجعل الأسواق في حالة ارتباك حول أي المؤشرين يعكس الحقيقة الاقتصادية الراهنة.

وفي هذا السياق، يرى خبراء «بلومبرغ» أن تقرير مؤشر أسعار المستهلكين لشهر فبراير سيكون المحفز المقبل لرهانات السوق على معدل الفائدة الفيدرالية، خصوصاً بعد أرقام الرواتب الكارثية للشهر نفسه. ويشيرون إلى مفارقة فنية؛ فبينما يُتوقع أن يأتي مؤشر إنفاق الاستهلاك الشخصي الأساسي «ساخناً» لشهر يناير، فإن الأسواق قد تعمد إلى تجاهل أو استبعاد هذه القراءة المرتفعة لصالح بيانات التضخم في فبراير الأكثر حداثة، إذا ما جاءت الأخيرة فاترة وباهتة كما هو متوقع، مما يعزز التكهنات بأن التضخم كان يسير فعلياً نحو الهبوط قبل حدوث الصدمة الجيوسياسية.

عامل يُشغّل صمامات في حقل الرميلة النفطي بالعراق (رويترز)

صدمة الوقود... وتقليص القدرة الشرائية

وعلى صعيد قطاع الطاقة، فإنَّ صدمة الحرب بدأت بالفعل في رسم خريطة تضخمية مغايرة لشهر مارس. فبينما بقيت بيانات فبراير بمنأى عن آثار النزاع، تسببت العمليات العسكرية في قفزة هائلة في أسعار وقود السيارات، حيث سجلت أسعار التجزئة واحدة من أكبر الزيادات الأسبوعية منذ إعصار «كاترينا» عام 2005. ويحذر المصرف الملكي الكندي في تقرير له من أن بقاء أسعار النفط عند مستويات 100 دولار للبرميل سيبقي التضخم فوق مستوى 3 في المائة طوال عام 2026. هذه القفزة ستؤدي حتماً إلى تقلص القوة الشرائية للمستهلكين، حيث يجد الأميركيون أنفسهم مضطرين لدفع مبالغ أكبر في محطات الوقود، مما يقلل من قدرتهم على الإنفاق الاختياري ويضغط بشكل مباشر على مبيعات التجزئة الحقيقية، رغم أن القيم الاسمية للمبيعات قد تبدو مرتفعة بسبب زيادة الأسعار.

من جهته، يرى بنك «باركليز» أن وصول سعر النفط إلى عتبة 100 دولار للبرميل سيكون «تضخمياً بلا شك» على المستوى العام. ويوضح البنك أن كل زيادة مستدامة بنسبة 10 في المائة في أسعار الخام تضيف نحو 0.2 نقطة مئوية إلى مؤشر أسعار المستهلكين خلال شهرين، مدفوعة بشكل أساسي بأسعار البنزين. ويحذر من أن بقاء النفط قرب 100 دولار لفترة طويلة قد يدفع التضخم الإجمالي للاقتراب من 3 في المائة بحلول نهاية 2026، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير التخفيضات المتوقعة في أسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» إذا بدأت توقعات التضخم في الارتفاع.

ضخة بنزين تُركّب داخل سيارة في محطة وقود «موبيل» بشارع بيفرلي بوليفارد في ويست هوليوود (رويترز)

ضغوط هيكلية... وعدوى الأسعار

وفي الوقت ذاته، تبرز ضغوط هيكلية مقلقة في مؤشر أسعار المنتجين، حيث سجَّلت القراءات الأخيرة قفزات متتالية بلغت 0.6 في المائة و0.8 في المائة في شهرَي ديسمبر (كانون الأول) ويناير. وتعكس هذه الأرقام محاولات تجار الجملة لتمرير تكاليف التعريفات الجمركية المرتفعة إلى بائعي التجزئة للحفاظ على هوامش أرباحهم. ورغم صدور أمر قضائي مؤخراً يتطلب من الإدارة الأميركية رد أكثر من 130 مليار دولار من التعريفات الجمركية العالمية للمستوردين، فإن الخبراء يستبعدون أن يترجم ذلك إلى تخفيف تضخمي فوري؛ فالشركات التي طبَّقت زيادات سعرية بالفعل من غير المرجح أن تتراجع عنها في ظلِّ حالة عدم اليقين الجيوسياسي، مما يعني أن عدوى الأسعار ستستمر في الانتقال إلى المستهلك النهائي ببطء ولكن بثبات.

واجهة مبنى مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن العاصمة (رويترز)

مأزق «الاحتياطي الفيدرالي»

أما بالنسبة للسياسة النقدية، فيجد «الاحتياطي الفيدرالي» نفسه في مأزق «فترة التعتيم الإعلامي» قبيل اجتماع 17 - 18 مارس. ومع بقاء التضخم السنوي فوق مستهدفه بنسبة 2 في المائة في المائة، يتوقَّع المحللون إبقاء معدلات الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة. فمن جهة، يضغط ضعف سوق العمل والتباطؤ في خلق الوظائف نحو خفض الفائدة، ومن جهة أخرى، تجبر صدمة الطاقة والارتفاع المرتقب في تضخم مارس البنك المركزي على التمسك بموقفه المتشدد. كما يراقب «الاحتياطي الفيدرالي» بيانات الدخل المتاح للإنفاق، حيث إن نمو الأجور بنسبة 0.6 في المائة المتوقع في يناير قد يوفِّر بعض الدعم للمستهلكين، لكنه قد يغذي أيضاً دوامة الأجور والأسعار التي يسعى البنك لتجنبها.

وبعيداً عن أرقام التضخم، تتجه الأنظار يوم الجمعة إلى بيانات فرص العمل لشهر يناير، والتي ستكشف عن مستوى الطلب الحقيقي على العمالة ومدى صمود الشركات. وفي اليوم نفسه، سيقدم استطلاع جامعة ميشيغان الأولي لشهر مارس نظرةً طازجةً ومباشرةً حول كيفية رؤية الأميركيين لأثر الصراع في إيران على ميزانياتهم الخاصة. وسيكون هذا الاستطلاع بمثابة «مقياس حرارة» لمشاعر المستهلكين تجاه تضخم مارس المتصاعد، وتحديثاً مهماً لمواقفهم بشأن سوق العمل وتوقعات التضخم في ظل الحرب الجارية.

وعلى الصعيد العالمي، تمتد تداعيات الصراع في إيران لتشمل الاقتصادات الكبرى المعتمدة على الطاقة؛ ففي أوروبا، تراقب ألمانيا وفرنسا أثر الأزمة على قطاعاتهما الصناعية، خصوصاً بعد تحسن طفيف شهدته ألمانيا في نهاية 2025 بفضل الإنفاق الدفاعي والبنية التحتية.

وفي آسيا، تواجه دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند تهديداً مزدوجاً، حيث يؤدي ارتفاع أسعار المستوردات النفطية إلى الضغط على النمو وتعقيد مهمة البنوك المركزية هناك. إن البيانات الاقتصادية التي ستصدر هذا الأسبوع، من الناتج المحلي لليابان إلى التضخم في الهند، ستكون جميعها تحت مجهر الصراع في الشرق الأوسط، مما يؤكد أن الاقتصاد العالمي لعام 2026 بات اليوم محكوماً بالميدان أكثر من لغة الأرقام الصرفة.