المعادن الحرجة «عصب سيادي» جديد... والسعودية تقتحم «المربع الذهبي» عالمياً

«ماكنزي» لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تحوّلت إلى شريك استراتيجي في الصناعات المتقدمة

أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)
أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)
TT

المعادن الحرجة «عصب سيادي» جديد... والسعودية تقتحم «المربع الذهبي» عالمياً

أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)
أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)

لم تعد المعادن الحرجة مجرد مواد أولية تُباع وتُشترى في البورصات العالمية، بل تحولت في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة إلى «عصب سيادي» لا يقل أهمية عن مصادر الطاقة التقليدية. هذا المفهوم الجديد يعكس واقعاً لا يقبل القسمة على اثنين: فمن يمتلك مفاتيح هذه المعادن، يمتلك القدرة على تأمين مستقبله الصناعي والتقني.

وفي وقت يحتدم فيه السباق الدولي لتأمين سلاسل الإمداد، كشف تقرير «مؤشرات مستقبل المعادن» عن تحول جذري في فلسفة القطاع؛ حيث تلاشت النماذج المعولمة لصالح أطر إقليمية أكثر مرونة وأمناً.

وفي قلب هذا المشهد المتغير، تبرز السعودية كفاعل استراتيجي نجح في تحويل إمكاناته الجيولوجية إلى بيئة استثمارية صلبة، وهو ما وضعها ضمن الربع الأعلى عالمياً في جاذبية التعدين، لتمزج بذلك بين وفرة الموارد والإصلاحات التنظيمية الجريئة.

يشير التقرير الذي تم إطلاقه خلال «منتدى التعدين الدولي» في الرياض إلى أن الطلب على عدد من المعادن الحرجة بات ينمو بوتيرة أسرع من التوقعات، مدفوعاً بالتحول الطاقي والتوسع في التقنيات الرقمية والصناعات المرتبطة بها. كما يسلّط الضوء على تحول سلاسل الإمداد من نموذج شديد العولمة إلى نماذج أكثر إقليمية في ظل اعتبارات جيوسياسية ومخاوف تتعلق بأمن الإمدادات.

قفزة الذهب والتحول التنظيمي

في هذا السياق، يرى الشريك في شركة «ماكنزي» الاستشارية جيفري لورش أن النظرة المستقبلية لقطاع المعادن في السعودية إيجابية وبناءة، مشيراً إلى أن القطاع شهد خلال العقد الماضي تحولات كبيرة على مستوى الإنتاج والتنظيم.

وقال لورش، في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، إن المملكة سجلت زيادة بثلاثة أضعاف في إنتاج الذهب إلى جانب نمو في إنتاج الصلب والفوسفات، معتبراً أن هذه القفزة الإنتاجية ترافقت مع تحول تنظيمي كبير غيّر من صورة السوق السعودية لدى المستثمرين.

وهذه القفزة في الإنتاج لم تكن مجرد أرقام، بل كانت تعبيراً عن واقع جديد؛ إذ يوضح لورش أن السعودية انتقلت إلى موقع متقدم عالمياً، لتصبح من ضمن الربع الأعلى من حيث قابلية الاستثمار في قطاع التعدين، وهو ما يعكس أثر الإصلاحات التنظيمية وتحسين بيئة الأعمال.

ورأى لورش أن فرص النمو في السعودية تتركز في مجالات تمتلك فيها المملكة مزايا تنافسية واضحة، لافتاً إلى أن قطاع الفوسفات يمثل إحدى أبرز هذه الفرص، حيث تصنف السعودية ضمن الربع الأعلى عالمياً من حيث التنافسية والتكلفة مع إمكانات توسع إضافية.

أحد مواقع التعدين التابعة لشركة «معادن» في السعودية (الشركة)

آفاق التيتانيوم

كما أشار لورش إلى فرص محتملة لمضاعفة إنتاج الصلب خلال السنوات الـ10 إلى الـ15 المقبلة، إضافة إلى فرص واعدة في المعادن المتخصصة - مثل التيتانيوم - حيث أصبحت السعودية من أكبر مصدري إسفنج التيتانيوم في العالم إلى جانب الألمنيوم وعدد من السلع الأخرى.

ويعد التيتانيوم عنصراً محورياً في صناعات الطيران والتقنيات الطبية المتقدمة، بفضل جمعه الفريد بين الصلابة الفولاذية والخفة الفائقة.

وعلى المستوى العالمي، يكشف تقرير «مؤشرات مستقبل المعادن» عن تسارع لافت في الطلب على بعض المعادن المرتبطة بالتقنيات الحديثة. ويوضح لورش أن الطلب على معادن مثل الغاليوم والجرمانيوم المستخدمة في الصناعات الإلكترونية ينمو بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً، وهو ما يضغط على ميزان العرض والطلب.

في المقابل، أشار إلى أن بعض السلع مثل النيكل شهدت توسعاً سريعاً في الطاقة الإنتاجية خلال الفترة الأخيرة، بدعم من دخول إندونيسيا بقوة في هذا المجال من خلال شراكات دولية، ما أسهم في إضافة كميات كبيرة إلى السوق خلال فترة زمنية قصيرة.

عامل يأخذ عينات من منجم في البرازيل (رويترز)

المعوقات الهيكلية

ورغم آفاق النمو يسلط التقرير الضوء على معوقات هيكلية قد تحد من وتيرة التوسع في القطاع. ويصف لورش نقص الكفاءات البشرية بأنه أحد أكبر التحديات، مشيراً إلى صعوبة استقطاب العمالة المؤهلة للعمل في مواقع نائية أو في مناجم عميقة تحت الأرض.

كما يشير التقرير إلى فجوات كبيرة في البنية التحتية، لا سيما في مناطق مثل جنوب أفريقيا، حيث لا تزال شبكات النقل واللوجيستيات غير مهيأة للتعامل مع الأحجام الضخمة التي يتطلبها قطاع التعدين، وهو ما يشكل عائقاً أمام تحويل الموارد إلى إنتاج فعلي.

فجوة التمويل

ويتناول تقرير «مؤشرات مستقبل المعادن» الفجوة القائمة بين وفرة الموارد المعدنية عالمياً وتدفقات رأس المال اللازمة لتطويرها. ويرى لورش أن هذا الخلل يعود جزئياً إلى الطبيعة التاريخية لتمويل الاستكشاف الذي اعتمد تقليدياً على شركات صغيرة جمعت رؤوس أموالها من أسواق محددة مثل لندن وتورونتو وأستراليا.

ولفت إلى أن السنوات الأخيرة شهدت نمواً في شركات استكشاف تنتمي إلى دول الجنوب العالمي بعد أن عملت بعض هذه الدول على تعزيز قدراتها المحلية في هذا المجال غير أن العوامل التنظيمية والبنية التحتية لا تزال تلعب دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كانت الموارد ستتحول إلى مشاريع إنتاجية.

ويشير التقرير إلى أن التحولات الجارية في قطاع التعدين لا تقتصر على جانب الطلب، بل تمتد إلى بنية سلاسل الإمداد نفسها التي باتت أكثر عرضة للتقلبات الجيوسياسية ومخاطر التركز. وتتجه الحكومات إلى لعب دور أكثر فاعلية في هذا القطاع سواء من خلال السياسات الصناعية، أو دعم الاستثمارات أو إعادة توطين بعض مراحل الإنتاج والمعالجة، بهدف تعزيز أمن الإمدادات وتقليل الاعتماد على موردين أو مناطق بعينها. ويعكس هذا التوجه تحولاً في النظرة إلى المعادن من كونها سلعاً تجارية بحتة إلى أصول استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية وسيادية.

منجم «مهد الذهب» التابع لشركة «معادن» (واس)

تطوير سلسلة القيمة: الرؤية الفرنسية

من جهته، يقدم المفوض الحكومي المشترك للإمدادات الاستراتيجية في وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية بنجامين غاليزو قراءة حكومية للتحولات الجارية في قطاع المعادن، مؤكداً أن الفجوة بين الموارد والتصنيع تعكس اختلافاً في نظرة الدول والشركات إلى سلسلة القيمة.

وقال غاليزو لـ«الشرق الأوسط» إن معظم شركات التعدين تركز على المراحل الأولية مثل الاستكشاف والاستخراج، في حين تنظر الحكومات إلى القطاع من زاوية أشمل تسعى من خلالها إلى تطوير سلسلة القيمة كاملة من المورد الخام إلى مراحل التصنيع والمعالجة النهائية.

وأوضح أن أنشطة المعالجة والصهر تتطلب استثمارات رأسمالية أكبر وتختلف من حيث العوائد وملفات المخاطر مقارنة بالتعدين، وهو ما يجعل تطوير سلسلة متكاملة أكثر تعقيداً وغالباً ما يتم عبر شركات مختلفة بدلاً من كيان واحد يغطي جميع المراحل.

وأضاف أن العديد من الدول المصدرة للمعادن تعمل حالياً على تقليل اعتمادها على تصدير الخام فقط، متجهة نحو التكامل الأمامي وبناء قدرات صناعية محلية، رغم ما يرافق ذلك من تحديات تقنية واستثمارية في ظل بيئة عالمية تتسم بتزايد المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين في سلاسل الإمداد.

الذكاء الاصطناعي... محرك الطلب والعرض

وفيما يتعلق بالتحول الرقمي، يتقاطع ما ورد في التقرير مع آراء لورش، الذي يرى أن الذكاء الاصطناعي والرقمنة يؤثران في القطاع على مستويين متوازيين. فعلى جانب الطلب تسهم هذه التحولات في رفع الاستهلاك العالمي لمواد أساسية في مقدمتها النحاس الذي يستفيد من التوسع في الكهرباء والرقمنة.

أمّا على جانب العرض، فتستخدم الأدوات الرقمية لتحسين كفاءة العمليات ورفع معدلات الاستخلاص، خصوصا في مناجم الذهب والنحاس، بما يسمح بزيادة الإنتاج أو خفض الحاجة إلى استثمارات رأسمالية إضافية، فضلاً عن دورها في رفع القيمة المضافة للوظائف داخل القطاع.

ويخلص التقرير إلى أن قطاع التعدين يدخل مرحلة إعادة تشكل، تتسم بتسارع الطلب وتنامي الدور الحكومي والسعي لإعادة رسم سلاسل الإمداد. وبينما تظل تحديات التمويل والبنية التحتية والموارد البشرية قائمة تفتح التحولات الجارية الباب أمام فرص استراتيجية لدول نجحت في تحسين أطرها التنظيمية وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية في وقت تتبلور فيه معالم توازن جديد بين الأسواق والدول في قطاع يعد من ركائز الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.


مقالات ذات صلة

اتفاق «المعادن والطاقة»: إندونيسيا تمنح واشنطن موطئ قدم بوجه الصين

الاقتصاد خزانات ووحدات تبريد الغاز في «فري بورت» ثاني أكبر مصدر أميركي للغاز الطبيعي المسال بتكساس (رويترز)

اتفاق «المعادن والطاقة»: إندونيسيا تمنح واشنطن موطئ قدم بوجه الصين

وافقت إندونيسيا على توسيع نطاق الوصول أمام المستثمرين الأميركيين في قطاع المعادن الحيوية، وزيادة مشترياتها من النفط الخام وغاز البترول المسال الأميركي.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )
الاقتصاد أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)

السعودية تتقدم من المركز 104 إلى العاشر عالمياً في الاستثمار التعديني

واصلت السعودية صعودها في مؤشرات الاستثمار التعديني العالمية للعام الثاني على التوالي، لتصل إلى المركز العاشر عالمياً في مؤشر جاذبية الاستثمار التعديني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد عامل يمر بجوار مخزن سبائك الألمنيوم (رويترز)

البحرين تبدأ خفض الإنتاج في أكبر مصهر للألمنيوم في العالم

قالت شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) الأحد، إنها بدأت إغلاق 3 خطوط لصهر الألمنيوم تُمثِّل 19 في المائة من طاقتها الإنتاجية مع تعطل مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
الاقتصاد يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز، في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد 4 سفن محملة بخام الحديد غيّرت مسارها من الشرق الأوسط حتى الآن (رويترز)

سفن محملة بخام الحديد متجهة للشرق الأوسط تغير مسارها مع تعطل مضيق هرمز

كشفت بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن ومجموعة «بورصات لندن» أن سفناً محملة بشحنات من الحديد كانت متجهة إلى الشرق الأوسط غيّرت مسارها إلى وجهات جديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بين «ثبات الفائدة» وضبابية الحرب... كيف استقبلت الأسواق قرار «الفيدرالي»؟

متداولون يراقبون شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يراقبون شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

بين «ثبات الفائدة» وضبابية الحرب... كيف استقبلت الأسواق قرار «الفيدرالي»؟

متداولون يراقبون شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يراقبون شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تأرجحت الأسواق العالمية عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة ضمن نطاق (3.50 في المائة - 3.75 في المائة)، في خطوة جاءت شبه إجماعية لتعكس حجم التحديات التي يفرضها تصاعد التوتر في الشرق الأوسط على الاقتصاد الأميركي. وبينما قلّصت الأسهم والدولار مكاسبهما وتراجعت أسعار الطاقة، بعث صُنّاع السياسة برسالة واضحة مفادها بأن «اليقين» لا يزال غائباً، مع الإبقاء على الباب موارباً أمام خفض محتمل للفائدة في وقت لاحق من العام الجاري.

ولم يشهد سعر الذهب الفوري تغيراً يُذكر عقب القرار، إذ تراجع بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 4896.94 دولار للأونصة.

وفي أسواق الأسهم، قلّصت المؤشرات الأميركية خسائرها بشكل طفيف، حيث انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنحو 0.6 في المائة، فيما تراجع مؤشر «ناسداك المركب» بنسبة 0.5 في المائة، وسط تقييم المستثمرين لمسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

أما في سوق السندات، فقد ارتفعت عوائد الخزانة الأميركية، إذ صعد العائد على السندات لأجل عامين بمقدار 2.4 نقطة أساس ليصل إلى 3.695 في المائة، فيما اتسع الفارق بين عوائد السندات لأجل عامين وعشرة أعوام إلى 51.3 نقطة أساس، مقارنة بـ50.8 نقطة أساس قبل القرار، في إشارة إلى إعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة.

وفي سوق العملات، قلّص مؤشر الدولار الأميركي مكاسبه لفترة وجيزة عقب القرار، لكنه ظل مرتفعاً بنسبة 0.21 في المائة عند 99.76 نقطة. كما ارتفع الدولار مقابل الين الياباني بنحو 0.2 في المائة إلى 159.31 ين، قبل أن يتراجع جزئياً.

في المقابل، قلّص اليورو خسائره أمام الدولار لفترة وجيزة عقب القرار، ليسجل انخفاضاً بنسبة 0.16 في المائة عند 1.152425 دولار. كما تراجعت أسعار النفط الخام الأميركي وعقود البنزين الآجلة لتدخل المنطقة السلبية.

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير يوم الأربعاء، كما كان متوقعاً، متجاهلاً ضغوط الرئيس دونالد ترمب، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي مزيجاً من التضخم المستمر، وضعف الطلب على العمالة، إلى جانب حالة من عدم اليقين المرتبطة بالحرب في إيران.

وجاء القرار بتصويت 11 عضواً مقابل صوت واحد، في حين أشار صُنّاع السياسة إلى احتمال تنفيذ خفض واحد للفائدة قبل نهاية العام.

وأكد الاحتياطي الفيدرالي في بيانه أن «تداعيات التطورات في الشرق الأوسط على الاقتصاد الأميركي لا تزال غير مؤكدة»، في انعكاس واضح لاستمرار الضبابية التي تكتنف مسار النمو والتضخم خلال المرحلة المقبلة.


بين يناير ومارس... ماذا تغيّر في بيان «الفيدرالي»؟

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
TT

بين يناير ومارس... ماذا تغيّر في بيان «الفيدرالي»؟

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

كشفت مقارنة بيان مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الصادر يوم الأربعاء مع بيان يناير (كانون الثاني) السابق، عن تحول في نبرة البنك المركزي تجاه المخاطر المحيطة بالاقتصاد الأميركي، حيث تخلت اللجنة عن تفاؤلها النسبي باستقرار سوق العمل لصالح لغة أكثر حذراً وقلقاً من التداعيات الدولية.

1. الموقف من الشرق الأوسط (الإضافة الأبرز):

أظهرت المقارنة إضافة جملة حاسمة في البيان الجديد لم تكن موجودة في يناير: «تداعيات التطورات في الشرق الأوسط على الاقتصاد الأميركي غير مؤكدة». تعكس هذه الإضافة المباشرة كيف أصبح الصراع الإقليمي محركاً أساسياً للسياسة النقدية، مما رفع مستوى «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية إلى درجات قصوى.

2. سوق العمل... من «الاستقرار» إلى «الجمود»:

قام «الاحتياطي الفيدرالي» بتعديل وصفه لسوق العمل بشكل لافت؛ فبينما كان بيان يناير يشير إلى أن معدل البطالة «أظهر بعض علامات الاستقرار» (التي حُذفت في البيان الجديد)، استبدل بها عبارة أكثر دقة وحذراً، وهي أن معدلات البطالة «لم تتغير كثيراً في الأشهر الأخيرة». هذا التعديل يعكس قلق البنك من فقدان الزخم في خلق الوظائف، وهو ما برز في معارضة أحد الأعضاء للقرار.

3. الانقسام الداخلي وتبدل الولاءات:

كشفت مقارنة التصويت عن تغير في موازين القوى داخل اللجنة؛ فبينما شهد اجتماع يناير معارضة ثنائية من ستيفن ميران وكريستوفر والر للمطالبة بخفض الفائدة، أظهر بيان مارس (آذار) انفراد ستيفن ميران بالمعارضة وحيداً. المثير للاهتمام هو عودة كريستوفر والر للتصويت مع الأغلبية لصالح «التثبيت»، مما يشير إلى اقتناع «صقور» البنك بضرورة التريث أمام صدمة الطاقة الحالية.

4. الثبات في مواجهة التضخم:

رغم التغييرات الجيوسياسية، أبقى البنك على الفقرات المتعلقة بالتضخم كما هي، مؤكداً أنه «لا يزال مرتفعاً نوعاً ما»، ومشدداً على التزامه القوي بالعودة لمستهدف 2 في المائة، مما يوحي بأن «الحرب» لم تغير الهدف النهائي، بل عقدت المسار الموصل إليه.


مصارف مركزية خليجية تُثبّت الفائدة تماشياً مع «الفيدرالي»

مصرف الإمارات المركزي (وام)
مصرف الإمارات المركزي (وام)
TT

مصارف مركزية خليجية تُثبّت الفائدة تماشياً مع «الفيدرالي»

مصرف الإمارات المركزي (وام)
مصرف الإمارات المركزي (وام)

تماشياً مع قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه الذي عُقد يوم الأربعاء، قرّر مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي تثبيت «سعر الفائدة الأساسي» عند مستوى 3.65 في المائة.

وفي السياق ذاته، أبقى مصرف قطر المركزي أسعار الفائدة دون تغيير، حيث استقر سعر فائدة الإيداع عند 3.85 في المائة، وسعر الإقراض عند 4.35 في المائة، فيما ظل سعر إعادة الشراء عند 4.10 في المائة.

وأبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير مع ترجيح ارتفاع معدلات التضخم واستقرار مستويات البطالة، إلى جانب الاكتفاء بخفض طفيف واحد فقط في تكاليف الاقتراض خلال العام الجاري، في ظل تقييم المسؤولين للمخاطر الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران.

وأظهرت التوقعات الجديدة لصُنّاع السياسة النقدية في البنك المركزي الأميركي أن سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة قد ينخفض بمقدار ربع نقطة مئوية فقط بحلول نهاية العام، من دون تحديد توقيت واضح لهذا الخفض. ولم تشهد هذه التوقعات أي تعديل يُذكر مقارنة بالتقديرات السابقة، كما أنها لا تزال تتعارض مع دعوات الرئيس دونالد ترمب إلى إجراء خفض حاد في تكاليف الاقتراض.