المعادن الحرجة «عصب سيادي» جديد... والسعودية تقتحم «المربع الذهبي» عالمياً

«ماكنزي» لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تحوّلت إلى شريك استراتيجي في الصناعات المتقدمة

أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)
أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)
TT

المعادن الحرجة «عصب سيادي» جديد... والسعودية تقتحم «المربع الذهبي» عالمياً

أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)
أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)

لم تعد المعادن الحرجة مجرد مواد أولية تُباع وتُشترى في البورصات العالمية، بل تحولت في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة إلى «عصب سيادي» لا يقل أهمية عن مصادر الطاقة التقليدية. هذا المفهوم الجديد يعكس واقعاً لا يقبل القسمة على اثنين: فمن يمتلك مفاتيح هذه المعادن، يمتلك القدرة على تأمين مستقبله الصناعي والتقني.

وفي وقت يحتدم فيه السباق الدولي لتأمين سلاسل الإمداد، كشف تقرير «مؤشرات مستقبل المعادن» عن تحول جذري في فلسفة القطاع؛ حيث تلاشت النماذج المعولمة لصالح أطر إقليمية أكثر مرونة وأمناً.

وفي قلب هذا المشهد المتغير، تبرز السعودية كفاعل استراتيجي نجح في تحويل إمكاناته الجيولوجية إلى بيئة استثمارية صلبة، وهو ما وضعها ضمن الربع الأعلى عالمياً في جاذبية التعدين، لتمزج بذلك بين وفرة الموارد والإصلاحات التنظيمية الجريئة.

يشير التقرير الذي تم إطلاقه خلال «منتدى التعدين الدولي» في الرياض إلى أن الطلب على عدد من المعادن الحرجة بات ينمو بوتيرة أسرع من التوقعات، مدفوعاً بالتحول الطاقي والتوسع في التقنيات الرقمية والصناعات المرتبطة بها. كما يسلّط الضوء على تحول سلاسل الإمداد من نموذج شديد العولمة إلى نماذج أكثر إقليمية في ظل اعتبارات جيوسياسية ومخاوف تتعلق بأمن الإمدادات.

قفزة الذهب والتحول التنظيمي

في هذا السياق، يرى الشريك في شركة «ماكنزي» الاستشارية جيفري لورش أن النظرة المستقبلية لقطاع المعادن في السعودية إيجابية وبناءة، مشيراً إلى أن القطاع شهد خلال العقد الماضي تحولات كبيرة على مستوى الإنتاج والتنظيم.

وقال لورش، في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، إن المملكة سجلت زيادة بثلاثة أضعاف في إنتاج الذهب إلى جانب نمو في إنتاج الصلب والفوسفات، معتبراً أن هذه القفزة الإنتاجية ترافقت مع تحول تنظيمي كبير غيّر من صورة السوق السعودية لدى المستثمرين.

وهذه القفزة في الإنتاج لم تكن مجرد أرقام، بل كانت تعبيراً عن واقع جديد؛ إذ يوضح لورش أن السعودية انتقلت إلى موقع متقدم عالمياً، لتصبح من ضمن الربع الأعلى من حيث قابلية الاستثمار في قطاع التعدين، وهو ما يعكس أثر الإصلاحات التنظيمية وتحسين بيئة الأعمال.

ورأى لورش أن فرص النمو في السعودية تتركز في مجالات تمتلك فيها المملكة مزايا تنافسية واضحة، لافتاً إلى أن قطاع الفوسفات يمثل إحدى أبرز هذه الفرص، حيث تصنف السعودية ضمن الربع الأعلى عالمياً من حيث التنافسية والتكلفة مع إمكانات توسع إضافية.

أحد مواقع التعدين التابعة لشركة «معادن» في السعودية (الشركة)

آفاق التيتانيوم

كما أشار لورش إلى فرص محتملة لمضاعفة إنتاج الصلب خلال السنوات الـ10 إلى الـ15 المقبلة، إضافة إلى فرص واعدة في المعادن المتخصصة - مثل التيتانيوم - حيث أصبحت السعودية من أكبر مصدري إسفنج التيتانيوم في العالم إلى جانب الألمنيوم وعدد من السلع الأخرى.

ويعد التيتانيوم عنصراً محورياً في صناعات الطيران والتقنيات الطبية المتقدمة، بفضل جمعه الفريد بين الصلابة الفولاذية والخفة الفائقة.

وعلى المستوى العالمي، يكشف تقرير «مؤشرات مستقبل المعادن» عن تسارع لافت في الطلب على بعض المعادن المرتبطة بالتقنيات الحديثة. ويوضح لورش أن الطلب على معادن مثل الغاليوم والجرمانيوم المستخدمة في الصناعات الإلكترونية ينمو بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً، وهو ما يضغط على ميزان العرض والطلب.

في المقابل، أشار إلى أن بعض السلع مثل النيكل شهدت توسعاً سريعاً في الطاقة الإنتاجية خلال الفترة الأخيرة، بدعم من دخول إندونيسيا بقوة في هذا المجال من خلال شراكات دولية، ما أسهم في إضافة كميات كبيرة إلى السوق خلال فترة زمنية قصيرة.

عامل يأخذ عينات من منجم في البرازيل (رويترز)

المعوقات الهيكلية

ورغم آفاق النمو يسلط التقرير الضوء على معوقات هيكلية قد تحد من وتيرة التوسع في القطاع. ويصف لورش نقص الكفاءات البشرية بأنه أحد أكبر التحديات، مشيراً إلى صعوبة استقطاب العمالة المؤهلة للعمل في مواقع نائية أو في مناجم عميقة تحت الأرض.

كما يشير التقرير إلى فجوات كبيرة في البنية التحتية، لا سيما في مناطق مثل جنوب أفريقيا، حيث لا تزال شبكات النقل واللوجيستيات غير مهيأة للتعامل مع الأحجام الضخمة التي يتطلبها قطاع التعدين، وهو ما يشكل عائقاً أمام تحويل الموارد إلى إنتاج فعلي.

فجوة التمويل

ويتناول تقرير «مؤشرات مستقبل المعادن» الفجوة القائمة بين وفرة الموارد المعدنية عالمياً وتدفقات رأس المال اللازمة لتطويرها. ويرى لورش أن هذا الخلل يعود جزئياً إلى الطبيعة التاريخية لتمويل الاستكشاف الذي اعتمد تقليدياً على شركات صغيرة جمعت رؤوس أموالها من أسواق محددة مثل لندن وتورونتو وأستراليا.

ولفت إلى أن السنوات الأخيرة شهدت نمواً في شركات استكشاف تنتمي إلى دول الجنوب العالمي بعد أن عملت بعض هذه الدول على تعزيز قدراتها المحلية في هذا المجال غير أن العوامل التنظيمية والبنية التحتية لا تزال تلعب دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كانت الموارد ستتحول إلى مشاريع إنتاجية.

ويشير التقرير إلى أن التحولات الجارية في قطاع التعدين لا تقتصر على جانب الطلب، بل تمتد إلى بنية سلاسل الإمداد نفسها التي باتت أكثر عرضة للتقلبات الجيوسياسية ومخاطر التركز. وتتجه الحكومات إلى لعب دور أكثر فاعلية في هذا القطاع سواء من خلال السياسات الصناعية، أو دعم الاستثمارات أو إعادة توطين بعض مراحل الإنتاج والمعالجة، بهدف تعزيز أمن الإمدادات وتقليل الاعتماد على موردين أو مناطق بعينها. ويعكس هذا التوجه تحولاً في النظرة إلى المعادن من كونها سلعاً تجارية بحتة إلى أصول استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية وسيادية.

منجم «مهد الذهب» التابع لشركة «معادن» (واس)

تطوير سلسلة القيمة: الرؤية الفرنسية

من جهته، يقدم المفوض الحكومي المشترك للإمدادات الاستراتيجية في وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية بنجامين غاليزو قراءة حكومية للتحولات الجارية في قطاع المعادن، مؤكداً أن الفجوة بين الموارد والتصنيع تعكس اختلافاً في نظرة الدول والشركات إلى سلسلة القيمة.

وقال غاليزو لـ«الشرق الأوسط» إن معظم شركات التعدين تركز على المراحل الأولية مثل الاستكشاف والاستخراج، في حين تنظر الحكومات إلى القطاع من زاوية أشمل تسعى من خلالها إلى تطوير سلسلة القيمة كاملة من المورد الخام إلى مراحل التصنيع والمعالجة النهائية.

وأوضح أن أنشطة المعالجة والصهر تتطلب استثمارات رأسمالية أكبر وتختلف من حيث العوائد وملفات المخاطر مقارنة بالتعدين، وهو ما يجعل تطوير سلسلة متكاملة أكثر تعقيداً وغالباً ما يتم عبر شركات مختلفة بدلاً من كيان واحد يغطي جميع المراحل.

وأضاف أن العديد من الدول المصدرة للمعادن تعمل حالياً على تقليل اعتمادها على تصدير الخام فقط، متجهة نحو التكامل الأمامي وبناء قدرات صناعية محلية، رغم ما يرافق ذلك من تحديات تقنية واستثمارية في ظل بيئة عالمية تتسم بتزايد المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين في سلاسل الإمداد.

الذكاء الاصطناعي... محرك الطلب والعرض

وفيما يتعلق بالتحول الرقمي، يتقاطع ما ورد في التقرير مع آراء لورش، الذي يرى أن الذكاء الاصطناعي والرقمنة يؤثران في القطاع على مستويين متوازيين. فعلى جانب الطلب تسهم هذه التحولات في رفع الاستهلاك العالمي لمواد أساسية في مقدمتها النحاس الذي يستفيد من التوسع في الكهرباء والرقمنة.

أمّا على جانب العرض، فتستخدم الأدوات الرقمية لتحسين كفاءة العمليات ورفع معدلات الاستخلاص، خصوصا في مناجم الذهب والنحاس، بما يسمح بزيادة الإنتاج أو خفض الحاجة إلى استثمارات رأسمالية إضافية، فضلاً عن دورها في رفع القيمة المضافة للوظائف داخل القطاع.

ويخلص التقرير إلى أن قطاع التعدين يدخل مرحلة إعادة تشكل، تتسم بتسارع الطلب وتنامي الدور الحكومي والسعي لإعادة رسم سلاسل الإمداد. وبينما تظل تحديات التمويل والبنية التحتية والموارد البشرية قائمة تفتح التحولات الجارية الباب أمام فرص استراتيجية لدول نجحت في تحسين أطرها التنظيمية وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية في وقت تتبلور فيه معالم توازن جديد بين الأسواق والدول في قطاع يعد من ركائز الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.


مقالات ذات صلة

النحاس يتراجع بفعل قوة الدولار ومخاوف تباطؤ النمو العالمي

الاقتصاد قضبان نحاس على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

النحاس يتراجع بفعل قوة الدولار ومخاوف تباطؤ النمو العالمي

تراجعت أسعار النحاس والمعادن الصناعية الأخرى، الخميس، متأثرة بقوة الدولار ومخاوف بشأن النمو العالمي في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير البترول المصري خلال إعلانه المزايدة العالمية (وزارة البترول)

مصر تطرح مزايدة عالمية للتنقيب عن النفط والغاز في 14 منطقة

قال وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، الأربعاء، إن مصر تطرح مزايدة عالمية للتنقيب عن النفط والغاز في 14 منطقة جديدة أمام الشركات العالمية والمصرية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد علب ألمنيوم خلال عملية إنتاج في مصنع «بلاك بلايغ برويري» بمدينة أوشنسايد بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

الألمنيوم يسجل أعلى مستوى في 7 أسابيع مع تراجع المخزونات

ارتفعت أسعار الألمنيوم للجلسة السابعة على التوالي يوم الثلاثاء، لتسجل أعلى مستوى لها في 7 أسابيع، مدفوعة بمخاوف من شح المخزونات واستمرار نقص الإمدادات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)

سهم «معادن» يقفز 5 % ويدفع السوق السعودية للإغلاق في المنطقة الخضراء

ارتفعت السوق السعودية بدعم من أسهم المواد الأساسية، مع قفزة «معادن» 5 في المائة ومكاسب لعدد من الأسهم القيادية، رغم تراجع «الراجحي».

«الشرق الأوسط»
الاقتصاد شاحنة تحمل معادن نادرة متجهة إلى مصنع معالجة شمال شرقي بيرث غرب أستراليا (رويترز)

أستراليا تشدّد التدقيق على مستثمرين مرتبطين بالصين في قطاع المعادن النادرة

شدّد وزير الاقتصاد الأسترالي عمليات التدقيق على مستثمرين مرتبطين بالصين في مشروع للمعادن الحيوية، بعدما رفضوا الامتثال لأوامر تقضي ببيع حصصهم...

«الشرق الأوسط» (سيدني)

«جي إف إتش» يرفع أرباحه 13 % إلى 76 مليون دولار في النصف الأول

شعار بنك «جي إف إتش» (الشرق الأوسط)
شعار بنك «جي إف إتش» (الشرق الأوسط)
TT

«جي إف إتش» يرفع أرباحه 13 % إلى 76 مليون دولار في النصف الأول

شعار بنك «جي إف إتش» (الشرق الأوسط)
شعار بنك «جي إف إتش» (الشرق الأوسط)

سجَّل بنك «جي إف إتش» نمواً في أرباحه خلال النصف الأول من عام 2026، مدعوماً بارتفاع دخل إدارة الثروات والاستثمار والائتمان والتمويل، في وقت عزَّز فيه البنك حضوره الاستثماري في السعودية والإمارات، رغم حالة عدم اليقين التي فرضتها التطوُّرات الجيوسياسية الإقليمية على الأسواق.

وأعلن البنك، الخميس، ارتفاع صافي الربح العائد على المساهمين بنسبة 13.3 في المائة خلال النصف الأول، ليصل إلى 76.2 مليون دولار، مقارنة مع 67.24 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، بينما ارتفعت ربحية السهم إلى 2.21 سنت، من 1.93 سنت.

وزاد إجمالي الدخل بنسبة 4.4 في المائة إلى 309.81 مليون دولار، مقابل 296.75 مليون دولار على أساس سنوي، بينما ارتفع صافي الربح الموحد 9.8 في المائة إلى 76.57 مليون دولار. وبلغ إجمالي أصول البنك 12.44 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران)، بزيادة 1.97 في المائة مقارنة بنهاية 2025، في حين بلغت حقوق الملكية العائدة للمساهمين 1.01 مليار دولار.

وخلال الرُّبع الثاني، ارتفع صافي الربح العائد على المساهمين 10.8 في المائة إلى 41.09 مليون دولار، مدفوعاً بنمو دخل إدارة الثروات والاستثمار بنسبة 32.5 في المائة، ودخل الائتمان والتمويل بنسبة 23 في المائة. كما ارتفع إجمالي الدخل الفصلي 8.75 في المائة إلى 158.82 مليون دولار.

وقال رئيس مجلس إدارة «جي إف إتش»، عبد المحسن الراشد، إن النتائج تعكس «مرونة نموذج أعمال البنك المتنوع»، مشيراً إلى استمرار التركيز على النمو المستدام وتعزيز مصادر الدخل المتكرر، مع الانضباط في تخصيص رأس المال وإدارة المخاطر.

عبد المحسن الراشد رئيس مجلس إدارة «جي إف إتش».(الشرق الأوسط)

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي وعضو مجلس الإدارة، هشام الريس، إن الظروف الجيوسياسية الإقليمية وحالة عدم اليقين أثرتا على ثقة المستثمرين ونشاط الأسواق وتوقيت تنفيذ المعاملات، إلا أن تنوع مصادر دخل البنك وانتشاره الجغرافي أسهما في تعزيز مرونته.

وتصدر نشاط إدارة الثروات والاستثمار محركات النمو، محققاً دخلاً قدره 132.83 مليون دولار خلال النصف الأول، بينما بلغ دخل الائتمان والتمويل 69.91 مليون دولار، مع وصول صافي عقود التمويل إلى 2.64 مليار دولار. وحققت الخزانة والاستثمارات الخاصة دخلاً قدره 107.07 مليون دولار.

هشام الريس الرئيس التنفيذي وعضو مجلس الإدارة.(الشرق الأوسط)

وعلى صعيد التَّوسُّع الإقليمي، وقَّع البنك مذكرة تفاهم مع «أوكتو مانجمنت» لتطوير منصة عقارية لوجستية وصناعية بقيمة 300 مليون دولار في السعودية والإمارات، كما وسَّع منصته الصناعية واللوجستية في المملكة من خلال شراكة استراتيجية مع شركة «موطن العقارية».

وشملت تحركات البنك الاستثمارية المشاركة مستثمراً رئيسياً في طرح عام أولي مزدوج في بورصة نيويورك، إلى جانب تنفيذ استثمار استراتيجي طويل الأجل في شركة «سبايس إكس» من خلال صفقة مهيكلة.


«وول ستريت» تقترب من قمم قياسية جديدة مع انحسار التضخم وتراجع النفط

من داخل بورصة نيويورك (أ.ب)
من داخل بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» تقترب من قمم قياسية جديدة مع انحسار التضخم وتراجع النفط

من داخل بورصة نيويورك (أ.ب)
من داخل بورصة نيويورك (أ.ب)

اقتربت الأسهم الأميركية من تسجيل مستويات قياسية جديدة يوم الخميس، بعد صدور مؤشرات إضافية على تراجع حدة التضخم، فيما تلقت السوق دعماً من انخفاض أسعار النفط وسط تحركاتها المتقلبة في الآونة الأخيرة.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز500» بنسبة 0.4 في المائة، مقترباً من مستواه القياسي الذي سجله الأسبوع الماضي. كما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي 133 نقطة، أو 0.2 في المائة، بحلول الساعة الـ9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بينما ارتفع مؤشر «ناسداك» المركب 0.4 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وشهدت «وول ستريت» حالة من الارتياح بعدما أظهر تقرير أن أسعار الجملة في الولايات المتحدة ارتفعت 4.7 في المائة الشهر الماضي مقارنة بالعام السابق. ورغم استمرار معدل التضخم عند مستوى مرتفع، فإنه جاء أقل من معدل يونيو (حزيران) البالغ 5.5 في المائة، وأفضل قليلاً من توقعات الاقتصاديين.

وإذا واصل التضخم مساره الهابط، فقد يفضل «مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)» التريث في رفع أسعار الفائدة. ومن شأن رفع الفائدة أن يساعد في كبح التضخم، لكنه يحقق ذلك من خلال إبطاء الاقتصاد وزيادة تكاليف الاقتراض على المستهلكين والشركات.

ولا يزال مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» منقسمين بشأن الحاجة إلى بدء رفع أسعار الفائدة. غير أن تقريرَ الخميس، الذي جاء بعد بيانات مماثلة أظهرت تباطؤ التضخم الاستهلاكي في اليوم السابق، دفع بالمتداولين إلى خفض رهاناتهم على رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) المقبل. وتشير بيانات مجموعة «سي إم إي» إلى احتمال يبلغ 32 في المائة لرفع الفائدة في الاجتماع المقبل، مقابل نحو 50 في المائة قبل يومين.

وأسهم ذلك في انخفاض عوائد سندات الخزانة؛ مما خفف الضغوط على الأسهم وغيرها من الاستثمارات.

وتراجع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 4.64 من 4.68 في المائة في ختام تعاملات الأربعاء و4.72 في المائة يوم الاثنين، لكنه لا يزال أعلى بكثير من مستواه البالغ 3.97 في المائة قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع أسعار النفط والبنزين.

وتراجعت أسعار النفط يوم الخميس؛ مما ساعد على تهدئة المخاوف بشأن التضخم. وانخفض سعر «خام برنت» 2.5 في المائة إلى 86.75 دولار للبرميل.

وشهدت أسعار النفط تقلبات حادة في الآونة الأخيرة؛ إذ تراوحت بين 72 دولاراً و102 دولار للبرميل الشهر الماضي، مع ازدياد وتراجع الآمال في التوصل إلى اتفاق بشأن الحرب يسمح لناقلات النفط باستئناف حركة الملاحة بحرية في المنطقة وإيصال الخام إلى الأسواق العالمية.

وفي «وول ستريت»، ارتفعت أسهم الشركات ذات تكاليف الوقود المرتفعة، مدفوعة بآمال تراجع الضغوط على تكاليفها. وصعد سهم «يونايتد إيرلاينز» 1.4 في المائة، بينما ارتفع سهم «كارنيفال» للرحلات البحرية اثنين في المائة.

وساعدت هذه المكاسب في الحد من تأثير تراجع سهم «سيسكو سيستمز» بنسبة 9.4 في المائة، رغم إعلان شركة التكنولوجيا العملاقة تحقيق أرباح وإيرادات فاقت توقعات «وول ستريت» في الربع الأخير. وأشار محللون إلى مخاوف المستثمرين بشأن هوامش أرباح الشركة مستقبلاً، فيما شهد سهمها تقلبات خلال الصيف وسط مخاوف أوسع بشأن ارتفاع تقييمات أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وفي الأسواق العالمية، تباين أداء المؤشرات في أوروبا وآسيا. وكان مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي من بين أكبر التحركات؛ إذ قفز بنسبة 3.6 في المائة. وتشهد سيول بعضاً من أسرع التقلبات في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي عالمياً، في ظل هيمنة عملاقي التكنولوجيا «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» على السوق.


رئيسة «فيدرالي كليفلاند» تجدد المطالبة برفع الفائدة لمواجهة التضخم

رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك خلال مقابلة مع «رويترز» بنيويورك 24 أبريل 2025 (رويترز)
رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك خلال مقابلة مع «رويترز» بنيويورك 24 أبريل 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي كليفلاند» تجدد المطالبة برفع الفائدة لمواجهة التضخم

رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك خلال مقابلة مع «رويترز» بنيويورك 24 أبريل 2025 (رويترز)
رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك خلال مقابلة مع «رويترز» بنيويورك 24 أبريل 2025 (رويترز)

جددت بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، يوم الخميس، تأكيدها على ضرورة رفع البنك المركزي الأميركي أسعار الفائدة في الوقت الراهن، بهدف خفض التضخم المرتفع وكبح وتيرة نمو الأعمال والاستثمار.

وقالت هاماك خلال فعالية لغرفة تجارة دايتون في ولاية أوهايو: «عندما أتحدث مع الشركات، أسمع أنها متحمسة لجمع التمويل والاقتراض لمواصلة الاستثمار. فهي ترى فرصاً للنمو، وهذا أمر جيد، وأريدها أن تواصل رؤية هذه الفرص. لكن إذا كان هذا النمو مفرطاً، فقد يؤدي إلى زيادة الضغوط على الأسعار، ومن ثم تصاعد الضغوط التضخمية».

وأضافت: «علينا أن نضمن وجود قدر من التقييد في السياسة النقدية حتى نتمكن من خفض التضخم من مستواه الذي يتجاوز 3 في المائة إلى هدفنا البالغ 2 في المائة»، وفق «رويترز».

من جانبه، قال توم باركين، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، يوم الخميس، إنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان يتعين على البنك المركزي الأميركي رفع أسعار الفائدة لإعادة التضخم إلى هدفه البالغ 2 في المائة، مشيراً إلى عدة عوامل تدعم احتمال تراجع ضغوط الأسعار من تلقاء نفسها.

وأضاف باركين في تصريحات أعدها لإلقائها أمام غرفة تجارة غرينفيل: «لا يكمن لغز التضخم فيما إذا كان سيعود إلى هدفنا البالغ 2 في المائة أم لا. فقد أوضحت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية التزامنا بتحقيق ذلك. السؤال المطروح هو كيف سيصل التضخم إلى هذا الهدف. هل سيحتاج الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة، أم أن التضخم يسير بالفعل في مسار هبوطي نحو الهدف؟»، وفق «رويترز».

وأشار باركين إلى اعتقاده بأن «جزءاً كبيراً من مستوى التضخم المرتفع حالياً ناتج عن صدمات ستتلاشى بمرور الوقت»، بما في ذلك ارتفاع الرسوم الجمركية وأسعار النفط، إلى جانب الطلب المتنامي وارتفاع أسعار المدخلات والعمالة اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، وهي طفرة «من المتوقع أن تهدأ في مرحلة ما».

ومع انحسار هذه الضغوط، قال باركين: «يرى كثيرون أن المستوى الحالي لأسعار الفائدة لا يزال كافياً لكبح التضخم».

ورغم أن باركين لم يعلق على احتمال رفع أسعار الفائدة، فإنه أشار أيضاً إلى مخاطر أن يكون التضخم الحالي، الذي يتجاوز الهدف، «أكثر رسوخاً»، في ظل احتمال استمرار اضطرابات سلاسل التوريد واستمرار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لفترة تكفي لمواصلة دفع الأسعار إلى الارتفاع.

وأضاف أن استمرار التضخم فوق الهدف منذ عام 2021 يثير أيضاً مخاوف بشأن «ارتفاع توقعات الأسعار لدى الشركات والمستهلكين»، وهو تطور قد يدفع التضخم إلى مستويات أعلى، وربما يستدعي رفع أسعار الفائدة.

وبعد صدور تقرير ضعيف عن الوظائف مؤخراً، وبيانات تضخم جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التوقعات، يتوقع المستثمرون أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل في سبتمبر (أيلول)، مع ترجيح رفعها في أكتوبر (تشرين الأول) أو ديسمبر (كانون الأول).