تعثّر «أوراكل» يهزّ أسهم الذكاء الاصطناعي... والسوق ترفض الاستسلام

شعار شركة «أوراكل» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
شعار شركة «أوراكل» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

تعثّر «أوراكل» يهزّ أسهم الذكاء الاصطناعي... والسوق ترفض الاستسلام

شعار شركة «أوراكل» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
شعار شركة «أوراكل» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تلقّى الزخم القوي الذي يدعم أسهم الذكاء الاصطناعي ضربة مؤلمة، بعد تقرير مخيِّب من «أوراكل»، أعاد إلى الواجهة المخاوف من التقييمات المبالغ فيها واحتمال تشكّل فقاعة في القطاع.

ومع ذلك، يؤكد مستثمرون أن عوامل التفاؤل لا تزال قائمة، في حين يتجنَّب كثيرون الإعلان عن وصول السوق إلى ذروتها.

وقد تدفق المستثمرون على أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، خلال العام مع تسارع تبنّي التكنولوجيا، وما تحمله من وعود برفع كفاءة الشركات الأميركية. لكن بعضهم يرى أن تلك الأسهم باتت متضخمة القيمة. وعبّر مستثمرون بارزون، بينهم مايكل بَري، عن تشاؤمهم، مقارنين طفرة الذكاء الاصطناعي حالياً بطفرة الإنترنت في التسعينات.

ورغم ذلك، ظل نشاط البيع على المكشوف محدوداً ومتركزاً على الشركات الصغرى، مع عدم إقبال يُذكر على الرهانات السلبية بشأن كبار اللاعبين في القطاع.

وجاءت المخاوف الأخيرة بعد تحذير «أوراكل»؛ فقد تراجع سهم الشركة بنسبة وصلت إلى 16.5 في المائة يوم الخميس، بعد إعلانها - وهي التي تحمل ديوناً كبيرة لتمويل مشاريعها الطموحة في الذكاء الاصطناعي - أن إنفاقها الرأسمالي للسنة المالية 2026 سيزيد بـ15 مليار دولار مقارنة بتوقعات سبتمبر (أيلول) الماضي.

وزادت «برودكوم» الضغط، مساء اليوم ذاته، بعدما حذرت من انخفاض هوامش الربحية نتيجة ارتفاع مساهمة إيرادات الذكاء الاصطناعي، مما دفع سهمها للتراجع في تداولات ما بعد الإغلاق.

هذا الهبوط أثّر على أسهم التكنولوجيا الأخرى، مع تصاعد القلق من تضخم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وتأخر ظهور العوائد. ومع ذلك، بقيت السوق الأوسع متماسكة، ونجح مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» يوم الخميس في الارتفاع والإغلاق عند مستوى قياسي جديد.

وقال تشاك كارلسون، الرئيس التنفيذي لشركة «هورايزون سيرفيسيز إنفستمنت» في إنديانا: «أرى أن المسألة تخصّ (أوراكل) تحديداً، وليست مشكلة عامة في قطاع الذكاء الاصطناعي. (أوراكل) تحاول التحول إلى مزود ضخم للخدمات السحابية، لكنها لا تمتلك التدفقات النقدية أو القوة المالية التي تتمتع بها شركات مثل (ألفابت) و(مايكروسوفت) و(أمازون)... لا أعتقد أن هذا سيقوّض القطاع بأكمله».

تزايد التدقيق

وأشار محللون إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية في تقييم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ولم يعودوا يكافئون الإنفاق الكبير على هذا المجال بشكل تلقائي.

وقال مارك هاكيت، كبير استراتيجيي السوق في «نيشن وايد»: «شهدنا علاقة إيجابية لسنوات بين الإنفاق الرأسمالي المكثف وارتفاع أسعار الأسهم... لكن هذا تغيّر بشكل واضح خلال الأشهر القليلة الماضية».

وتعرض سهم «ميتا» في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) لهبوط بنسبة 11 في المائة بعد إعلانها أن نفقاتها الرأسمالية للعام المقبل ستشهد زيادة «ملحوظة» نتيجة استثمارات الذكاء الاصطناعي وتوسيع مراكز البيانات.

وكان الإنفاق الرأسمالي - وهو محرّك رئيسي لرهانات الذكاء الاصطناعي - قد عزّز أداء الأسهم منذ إطلاق «تشات جي بي تي» في نوفمبر 2022.

وقال روبرت غيل، مدير المحافظ في شركة «فيربانك» لإدارة الاستثمار: «كل هذا الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي يستغرق وقتاً أطول من المتوقَّع ليترجم إلى إيرادات سحابية».

البيع على المكشوف: حذر واضح

حتى المشككون في طفرة الذكاء الاصطناعي يترددون في الرهان ضدها. فقد قال بَري في منشور: «أعتقد أن سوق الأسهم تعيش مرحلة قد تتحول إلى قمة اندفاعية هائلة».

وقد زاد بَري مؤخراً انتقاداته لعمالقة التكنولوجيا مثل «إنفيديا» و«بالانتير»، مشيراً إلى تضخّم طفرة البنية التحتية السحابية. ويملك مركزاً للبيع على المكشوف في «بالانتير».

وقال مديرا صندوقين أميركيين كبيرين، طلبا عدم الكشف عن هويتهما، إن المخاوف من فقاعة في الذكاء الاصطناعي مبالغ فيها، مشيرين إلى أن شركات التكنولوجيا العملاقة تكافح لمجاراة الطلب المتزايد على مراكز البيانات.

وقال بيتر هيلربيرغ، الشريك المؤسس لشركة «أورتكس تكنولوجيز»: «من خلال تتبعنا لـ61 سهماً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي، لا نرى أي مؤشر على أن المستثمرين يشنون رهانات قوية على انفجار الفقاعة».

وتُظهر بيانات «أورتكس» ارتفاعاً في البيع على المكشوف لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة، في حين تبقى أكبر المستفيدين من الذكاء الاصطناعي خفيفة الانكشاف نسبياً لهذه الرهانات.

وأضاف «هيلربيرغ»: «شهدنا ارتفاعات محددة في مراكز البيع على المكشوف حول نتائج الأرباح والمخاطر الإخبارية، في بعض الأسماء المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل (أوراكل)، وقد بدت بعض هذه الرهانات أكثر وجاهة بعد الهبوط الحاد للأسهم. لكن الصورة العامة تُظهر شكوكاً انتقائية تجاه شركات بعينها، لا محاولة شاملة أو منسّقة للإعلان عن نهاية فقاعة الذكاء الاصطناعي».

تحوّل في قيادة السوق

الميزة البارزة للمستثمرين هي أن السوق الأكثر توسعاً لا تزال قوية رغم تعثر عدد من الأسماء الكبرى في الذكاء الاصطناعي. وبفضل سلسلة طويلة من الأداء المتفوق، بات قطاع التكنولوجيا يشكّل 35 في المائة من الوزن الإجمالي لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» حتى إغلاق الأربعاء.

ويخشى المستثمرون أن يؤدي تراجع الزخم في أسهم الذكاء الاصطناعي - التي ساعدت المؤشر على الارتفاع 17 في المائة منذ بداية العام - إلى الضغط على السوق الأكثر توسعاً. لكن يوم الخميس، صمد المؤشر أمام عمليات البيع في أسهم الذكاء الاصطناعي، ما بدّد بعض المخاوف.

وقال هاكيت: «السؤال الأساسي هو ما إذا كان بالإمكان رؤية انتقال في قيادة السوق دون اضطراب كبير في المؤشر العام. وحتى الآن، الأمور تسير على ما يرام».


مقالات ذات صلة

دعم «الخزانة» الأميركية للسندات ينعش الأسهم الآسيوية ويضعف الدولار

الاقتصاد شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)

دعم «الخزانة» الأميركية للسندات ينعش الأسهم الآسيوية ويضعف الدولار

انتعشت معظم الأسهم والعملات الآسيوية الخميس، مع تحسن شهية المخاطرة بعد تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية والدولار.

«الشرق الأوسط» (سيول)
شمال افريقيا محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)

الانقسام وفوضى الميليشيات يعمقان خسائر الدينار الليبي

يواصل الدينار الليبي نزيفاً بقيمته أمام الدولار بـ«السوق الموازية» في ظل تداخل الأزمات السياسية والأمنية وتداعيات الانقسام المؤسسي بما يزيد الضغوط على الاقتصاد 

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا المنفي ومبعوث ماكرون في لقاء بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي)

توحيد المؤسسة العسكرية يتصدر محادثات ليبية - فرنسية

تصدر ملف توحيد المؤسسة العسكرية محادثات رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، الأربعاء، مع المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إلى ليبيا بول سولير

خالد محمود (القاهرة )
الاقتصاد منصّة بحرية تابعة لـ«الحفر العربية» (الشركة)

«الحفر العربية» تتوسع خليجياً بعقد لحفر آبار بحرية في سلطنة عُمان

عززت شركة «الحفر» حضورها بسوق الحفر البحري الخليجية، بعد إبرامها عقداً مع شركتي «مصيرة للنفط المحدودة» و«نورثرن أوفشور» لتنفيذ أعمال حفر مؤكدة لبئرين في عُمان.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد امرأة وطفلاها على دراجة نارية في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

الصين تتمسك بتثبيت الفائدة رغم تصاعد ضغوط الاقتصاد

تتجه الصين إلى تثبيت أسعار الفائدة المرجعية على القروض للشهر الـ15 على التوالي، رغم تراكم إشارات الضعف في ثاني أكبر اقتصاد عالمي...

«الشرق الأوسط» (بكين)

دعم «الخزانة» الأميركية للسندات ينعش الأسهم الآسيوية ويضعف الدولار

شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)
شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)
TT

دعم «الخزانة» الأميركية للسندات ينعش الأسهم الآسيوية ويضعف الدولار

شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)
شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)

انتعشت معظم الأسهم والعملات الآسيوية الخميس، مع تحسن شهية المخاطرة بعد تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية والدولار، في أعقاب تدخل وزارة الخزانة لتهدئة الاضطرابات في سوق السندات، بعدما أثارت القفزة الأخيرة في العوائد مخاوف بشأن تكاليف التمويل العالمية.

وارتفع مؤشر «إم إس سي آي» للأسهم الآسيوية الناشئة 2.1 في المائة، متجهاً إلى تسجيل أفضل أداء له في جلسة واحدة منذ الخامس من أغسطس (آب)، بينما صعد مؤشر «إم إس سي آي» لعملات الأسواق الناشئة بما يصل إلى 0.4 في المائة، مسجلاً مستوى قياسياً قبل أن يقلص بعض مكاسبه.

وجاء تحسن المعنويات بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء، مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل، في خطوة ساعدت على تهدئة المستثمرين بعد ارتفاع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى له منذ عام 2007 في وقت سابق من الأسبوع.

وتدعم عوائد الخزانة المنخفضة عادة أصول الأسواق الناشئة، لأنها تخفف ضغوط التمويل وتقلل جاذبية الاستثمارات المقومة بالدولار، بينما يمنح تراجع العملة الأميركية دعماً إضافياً للعملات الآسيوية.

كوريا تقود الارتداد

وقادت الأسهم الكورية الجنوبية مكاسب المنطقة، إذ قفز مؤشر «كوسبي» نحو 6 في المائة، بدعم من صعود سهمي «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» بين 10 و14 في المائة.

وارتفع المؤشر الإندونيسي 1.2 في المائة، بينما صعدت أسهم تايلاند 0.7 في المائة والفلبين 0.6 في المائة وماليزيا 0.2 في المائة.

وفي المقابل، تراجع المؤشر التايواني 0.2 في المائة، بينما انخفضت الأسهم السنغافورية 0.4 في المائة تحت ضغط أسهم البنوك الكبرى، ومنها «أو سي بي سي» و«دي بي إس».

وعلى صعيد العملات، ارتفع الرينغيت الماليزي بما يصل إلى 0.4 في المائة إلى 4.038 مقابل الدولار، وهو أقوى مستوى له منذ منتصف يونيو (حزيران)، بينما صعدت الروبية الإندونيسية إلى أعلى مستوى لها في أكثر من أسبوع.

ارتداد مؤقت؟

ورغم قوة المكاسب، حذر وي لي، رئيس استثمارات الأصول المتعددة لدى «بي إن بي باريبا سيكيوريتيز» في الصين، من أن الارتداد قد يكون مجرد موجة صعود مدفوعة بالارتياح، وليس بداية لتعافٍ مستدام.

وقال إن إشارة «الخزانة» توفر أرضية مهمة لعوائد السندات، لكن الضغوط الهيكلية الأساسية لا تزال قائمة، بما في ذلك زيادة إصدارات الديون عالمياً، وارتفاع إصدارات الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وأسعار النفط المرتفعة التي تبقي مخاطر التضخم قائمة.

وأضاف أن عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب اجتماع جاكسون هول المرتقب الأسبوع المقبل، قد يعيدان تقلبات الأسواق؛ خصوصاً إذا لم تستمر عوائد الخزانة في الانخفاض أو يظل الدولار ضعيفاً.

وبذلك، تبدو مكاسب الأسواق الآسيوية مرتبطة في الوقت الراهن بهدوء سوق السندات الأميركية أكثر من كونها تحولاً مستقلاً في اتجاه الأصول الناشئة، ما يجعل استمرار الارتفاع مرهوناً بمسار العوائد والدولار وتوقعات «الفيدرالي» خلال الأيام المقبلة.


الدولار يترنح مع تدخل «الخزانة» الأميركية لاحتواء عوائد السندات

أوراق نقدية من فئة العشرين دولاراً (أ.ب)
أوراق نقدية من فئة العشرين دولاراً (أ.ب)
TT

الدولار يترنح مع تدخل «الخزانة» الأميركية لاحتواء عوائد السندات

أوراق نقدية من فئة العشرين دولاراً (أ.ب)
أوراق نقدية من فئة العشرين دولاراً (أ.ب)

تراجع الدولار إلى أدنى مستوياته في نحو 3 أشهر، الخميس، بعدما أسهم تحرك وزارة الخزانة الأميركية لتهدئة سوق السندات في خفض عوائد الآجال الطويلة، ما قلّص أحد أبرز مصادر الدعم للعملة الأميركية في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن الدين والتضخم.

وانخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من 6 عملات رئيسية، إلى 98.813 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ منتصف مايو (أيار)، بينما ارتفع اليورو إلى 1.1676 دولار، مسجلاً أعلى مستوياته منذ أواخر مايو.

وتأتي تحركات العملة بعد موجة بيع واسعة في أسواق السندات من الولايات المتحدة إلى أوروبا واليابان، دفعت تكاليف الاقتراض طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، وسط مخاوف من ارتفاع مستويات الدين الحكومي وتزايد الضغوط التضخمية بفعل ارتفاع أسعار النفط واستمرار الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وكان عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً قد ارتفع في وقت سابق من الأسبوع إلى 5.337 في المائة، وهو أعلى مستوى في 19 عاماً، قبل أن تعلن الخزانة مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل لدعم السيولة.

وتراجع العائد لاحقاً إلى نحو 5.184 في المائة، بعدما هبط 9 نقاط أساس عقب إعلان الخزانة، في خطوة من شأنها تخفيف الضغوط على الجزء الطويل من منحنى العائد من دون أن يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى توسيع ميزانيته العمومية.

الخزانة تضغط على العوائد... والدولار يدفع الثمن

ويرى محللون أن عمليات إعادة الشراء لا تمثل برنامجاً للتيسير الكمي، لكنها تحمل إشارة مهمة إلى استعداد الخزانة للتدخل إذا استمرت العوائد طويلة الأجل في الارتفاع.

وقال محللون إن هذا التحرك أضعف أحد آخر أعمدة الدعم الرئيسية للدولار، بعدما كانت العوائد المرتفعة على الأصول الأميركية تمنح العملة ميزة نسبية أمام العملات الأخرى.

وتزداد أهمية هذه المسألة إذا واصلت الخزانة توسيع عمليات إعادة الشراء مستقبلاً، إذ أعلنت أنها ستقدم في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) مزيداً من التفاصيل بشأن أحجام العمليات المقبلة.

ويأتي ذلك بعد بدء العمليات الجديدة في 9 سبتمبر (أيلول)، ما يترك الباب مفتوحاً أمام زيادة مشتريات السندات طويلة الأجل في المراحل المقبلة إذا ظلت العوائد تحت الضغط.

الين يلتقط أنفاسه

وأتاح ضعف الدولار بعض الراحة للين الياباني، الذي ابتعد عن مستوى 160 يناً للدولار، وهو مستوى شديد الحساسية بالنسبة للمستثمرين في ظل مخاوف من تدخل السلطات اليابانية لدعم العملة.

وسجل الدولار نحو 158.45 ين، بينما اقترب الجنيه الإسترليني من أعلى مستوى له في 3 أشهر عند 1.3604 دولار، في حين تراجع الدولار أمام الفرنك السويسري بعد بلوغ العملة السويسرية أعلى مستوى في شهرين خلال الجلسة السابقة.

«الفيدرالي» يزيد تعقيد المشهد

ويأتي ضعف الدولار أيضاً في الوقت الذي كشف فيه محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في يوليو (تموز) عن تصاعد القلق بشأن التضخم.

وأظهر المحضر أن عدة مسؤولين كانوا مستعدين لرفع الفائدة، بينما رأى كثيرون أن تشديد السياسة النقدية سيكون ضرورياً إذا لم يتراجع التضخم باتجاه هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وهنا تواجه الأسواق معادلة معقدة: الخزانة تحاول تهدئة العوائد طويلة الأجل، بينما يظل «الفيدرالي» مستعداً لتشديد السياسة النقدية إذا استمر التضخم مرتفعاً.

وقد يدفع هذا التباين المستثمرين إلى إعادة تقييم جاذبية الأصول الأميركية؛ خصوصاً إذا استمرت الخزانة في استخدام عمليات إعادة الشراء للحد من ارتفاع عوائد السندات.


ارتداد السندات الأميركية يهدئ الأسواق... لكن مفعول «الخزانة» قد يكون قصير الأجل

الناس يتحركون أمام مكتب فرعي لبنك الدولة الهندي في مومباي (رويترز)
الناس يتحركون أمام مكتب فرعي لبنك الدولة الهندي في مومباي (رويترز)
TT

ارتداد السندات الأميركية يهدئ الأسواق... لكن مفعول «الخزانة» قد يكون قصير الأجل

الناس يتحركون أمام مكتب فرعي لبنك الدولة الهندي في مومباي (رويترز)
الناس يتحركون أمام مكتب فرعي لبنك الدولة الهندي في مومباي (رويترز)

استعادت أسواق السندات بعض الهدوء، الخميس، بعدما أوقفت خطوة مفاجئة من وزارة الخزانة الأميركية موجة الارتفاع العالمي في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، لكن هذا الارتداد قد لا يستمر طويلاً في ظل استمرار المخاوف بشأن التضخم وارتفاع الديون الحكومية، التي دفعت العوائد إلى مستويات هي الأعلى منذ عقود.

وجاء التحسن بعد إعلان الخزانة الأميركية مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، من ملياري دولار، في خطوة تهدف إلى تعزيز السيولة في السوق.

ورغم أن حجم العمليات يبدو ضئيلاً مقارنة بسوق سندات الخزانة الأميركية البالغة قيمتها نحو 32.2 تريليون دولار، فإن توقيت الإعلان حمل أهمية أكبر من حجمه، إذ جاء بعد يوم واحد من ارتفاع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى له منذ عام 2007، في موجة بيع عالمية أثارت مخاوف بشأن تكلفة الاقتراض الحكومي والتمويل في الاقتصاد.

وتراجع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بنحو 9 نقاط أساس إلى 5.19 في المائة في التعاملات الليلية، قبل أن يستقر في طوكيو الخميس، بينما امتد الارتداد إلى أسواق السندات في اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية وأوروبا، وإن بدرجات متفاوتة.

وقال بيتر كارديلو، كبير اقتصاديي الأسواق لدى «سبارتان كابيتال سيكيوريتيز»، إن الإجراء يخفف الضغوط قصيرة الأجل في الجزء الطويل من منحنى العائد.

إشارة أكبر من حجم الشراء

لكن الأسواق لا تنظر إلى الخطوة باعتبارها مجرد عملية فنية لتحسين السيولة. فقد رأى محللو «جي بي مورغان» أن الإعلان يوفر راحة فورية لتكاليف الاقتراض، لكن تأثيره قد يكون محدوداً، لأن الإجراءات لا تعالج الاختلالات الهيكلية التي تدفع العوائد إلى الارتفاع.

وتتمثل هذه الاختلالات في اتساع العجز المالي، وارتفاع توقعات التضخم، وتزايد احتياجات الحكومات إلى الاقتراض لتمويل الإنفاق الاجتماعي والدفاعي.

وحذر المحللون من أن التدخلات المتكررة في السوق قد ترفع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون؛ خصوصاً إذا بدأ يُنظر إلى وزارة الخزانة باعتبارها تبتعد عن مبدأها التقليدي القائم على إصدار الدين وإدارة السوق وفق نهج «منتظم ومتوقع».

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأن عمليات إعادة الشراء الحالية تستهدف دعم السيولة، وليس تحديد مستوى معين لعوائد السندات. لكن استعداد الخزانة للتحرك عندما تتعرض الآجال الطويلة لضغوط قوية قد يدفع المستثمرين إلى التساؤل عن حدود تدخلها مستقبلاً.

موجة عالمية تكشف المشكلة

ولا تقتصر الضغوط على الولايات المتحدة. فقد ارتفعت تكاليف الاقتراض طويلة الأجل في الاقتصادات الكبرى إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، مع زيادة الحكومات للإنفاق على الدفاع والبرامج الاجتماعية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من قدرة المالية العامة على تحمل أعباء الدين.

وفي ألمانيا، ارتفعت عوائد السندات لأجل 10 و30 عاماً إلى أعلى مستوياتها في 15 عاماً قبل أن تتراجع بعد إعلان الخزانة الأميركية. كما قفزت العوائد اليابانية إلى مستويات لم تُسجل منذ ثلاثة عقود، ما يزيد تكلفة خدمة الدين ويضغط على خطط الحكومة لتمويل الإنفاق والاستثمار.

أمّا في الولايات المتحدة، فقد تجاوز الدين الحكومي 40 تريليون دولار، بعدما تضاعف تقريباً منذ عام 2017، ما يعزز المخاوف من أن ارتفاع تكاليف الاقتراض سيزيد أعباء خدمة الدين في السنوات المقبلة.

وقال إريك روبرتسن، رئيس الأبحاث والاستراتيجي العالمي لدى «ستاندرد تشارترد»، إن ما يثير القلق هو أن ارتفاع عوائد الخزانة لا يبدو ناتجاً عن ظروف سوقية غير عقلانية أو مشوهة، وإنما يعكس عوامل أساسية تتعلق بالعرض والطلب.

هل تتدخل الخزانة في السوق؟

وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية. فإذا كانت العوائد ترتفع نتيجة عوامل أساسية مثل زيادة المعروض من السندات وارتفاع توقعات التضخم والمخاوف المالية، فإن خفضها عبر تدخلات مؤقتة قد يوفر هدنة للسوق، لكنه لا يزيل أسباب الارتفاع.

وقد اعتبر روبرتسن أن ما يمكن استنتاجه من تحرك الخزانة هو أنها وصلت إلى مستوى من العوائد لا ترغب في استمراره، وهو ما قد يشير إلى استعداد أكبر لمحاولة التأثير في السوق ومقاومة قوى العرض والطلب الطبيعية.

وبالتالي، فإن السؤال الذي يواجه المستثمرين لا يتعلق فقط بما إذا كانت إعادة شراء السندات ستنجح في خفض العوائد خلال الأيام المقبلة، بل ما إذا كانت الخزانة ستكتفي بدور مزود السيولة، أم أن ارتفاع تكاليف الاقتراض سيدفعها إلى توسيع تدخلها في سوق السندات.

وفي الحالة الأولى، قد يكون أثر الخطوة مؤقتاً، بينما قد يؤدي الانتقال إلى تدخل أكثر نشاطاً إلى تغيير الطريقة التي يسعّر بها المستثمرون مخاطر الدين الأميركي على المدى الطويل.

وبذلك، فإن الهدوء الذي أعادته الخزانة إلى سوق السندات قد يكون مجرد استراحة في موجة بيع أوسع، ما لم تتراجع العوامل الأساسية التي دفعت العوائد إلى الارتفاع في المقام الأول.