ترمب ينقلب على معايير «الكفاءة الخضراء»

العودة لمحركات الوقود تربك صناعة السيارات... وتهدّد طموحات الصين في سوق المركبات الكهربائية

الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من كبار تنفيذيي صناعة السيارات الأميركية في المكتب البيضاوي يوم 3 ديسمبر الحالي (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من كبار تنفيذيي صناعة السيارات الأميركية في المكتب البيضاوي يوم 3 ديسمبر الحالي (أ.ف.ب)
TT

ترمب ينقلب على معايير «الكفاءة الخضراء»

الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من كبار تنفيذيي صناعة السيارات الأميركية في المكتب البيضاوي يوم 3 ديسمبر الحالي (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من كبار تنفيذيي صناعة السيارات الأميركية في المكتب البيضاوي يوم 3 ديسمبر الحالي (أ.ف.ب)

في خطوة تُعدّ انقلاباً مباشراً على إرث إدارة جو بايدن المناخي، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن خطة شاملة لخفض معايير الكفاءة في استهلاك الوقود للسيارات والشاحنات، في اتجاه يعيد الاعتبار، من وجهة نظره، إلى محركات الاحتراق التقليدية، ويضع مزيداً من العراقيل أمام مستقبل السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة والعالم.

جاء القرار خلال فعالية بالبيت الأبيض حضرها كبار التنفيذيين من كبرى شركات السيارات الأميركية، في مشهد حمل رسائل سياسية واقتصادية تتجاوز حدود الصناعة المحلية، لتلامس المنافسة العالمية الكبرى، خصوصاً مع الصين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي خلال الإعلان عن خفض معايير استهلاك السيارات للوقود (إ.ب.أ)

انقلاب على سياسات بايدن المناخية

المعايير التي وضعتها إدارة بايدن، والتي كانت تهدف إلى رفع متوسط كفاءة السيارات الجديدة إلى أكثر من 50 ميلاً للغالون بحلول 2031، تعرّضت لانتقادات حادة من ترمب الذي وصفها بأنها «احتيال أخضر». ووفق المقترح الجديد، ستتراجع المعايير إلى 34.5 ميل فقط للغالون، علماً بأنه في العام الماضي قطعت السيارات الجديدة نحو 28 ميلاً لكل غالون في المتوسط، وفقاً للتقديرات الفيدرالية؛ مما يجعل التزام المعيار الجديد ممكناً دون توسيع كبير في مبيعات السيارات الكهربائية.

القرار يسحب البساط من الركيزة الأساسية للسياسة المناخية للديمقراطيين: جعل التحول إلى المركبات الكهربائية خياراً اقتصادياً جذاباً، وليس مجرد توجه بيئي. وبإلغاء قواعد «وكالة حماية البيئة» الخاصة بانبعاثات العادم، يفتح ترمب الباب أمام شركات السيارات لإطالة عمر الطرازات العاملة بالبنزين دون ضغوط تنظيمية تُجبرها على التحول الكهربائي.

سيارات «سوزوكي» أمام مصنع الشركة بولاية هاريانا في الهند (رويترز)

صناعة السيارات بين مطرقة السياسة وسندان السوق

على الرغم من أن التنفيذيين الثلاثة؛ من «فورد» و«جنرال موتورز» و«ستيلانتس»، قدّموا كلمات تأييد للرئيس خلال الفعالية، فإن الصورة أعقد في الكواليس... فالشركات التي ضخت مليارات الدولارات في التحول الكهربائي خلال عهد بايدن تجد نفسها اليوم في مواجهة انعطافة تشريعية حادة تهدد التخطيط والاستثمار طويل الأجل.

ريتش غولد، رئيس «مجموعة السياسات العامة والتنظيمية» في مؤسسة «هولاند آند نايت»، عبّر عن المشكلة بدقة. وقال لـ«واشنطن بوست» إن «الصناعة تحتاج إلى رؤية واضحة لـ10 سنوات على الأقل... التغييرات المتقلبة بين كل إدارة وأخرى تجعل من التخطيط عملاً شبه مستحيل»... فالمصانع الجديدة للبطاريات، وسلاسل الإمداد الخاصة بالمحركات الكهربائية، وحتى خطوط الإنتاج، تعتمد على استثمارات تمتد لأجيال وليس لدورات انتخابية.

ومع إلغاء الغرامات التي تُفرض على الشركات التي تخفق في تحقيق معايير الكفاءة، وإلغاء الإعفاءات الضريبية للمركبات الكهربائية، باتت الطريق ممهدة أمام شركات السيارات للعودة إلى ما وصفه أحد التنفيذيين بـ«ما تطلبه السوق فعلاً»: مزيد من شاحنات «بيك أب» والسيارات «الرياضية متعددة الاستخدامات (إس يو في)» ذات الربحية الأعلى.

سيارات «هافال» من شركة «جي في إم» الصينية في أحد مصانعها بمقاطعة هيبي (رويترز)

انتصار للمنطق أم ضربة للمستهلك؟

أنصار القرار؛ من شركات النفط إلى بعض الحكومات المحلية، يرون فيه استجابة واقعية لخيارات المستهلك الأميركي الذي ما زال يُفضّل السيارات الكبيرة العاملة بالبنزين. لكن خبراء المناخ، ومعهم اقتصاديون، يقدّمون قراءة مغايرة. فخفض الكفاءة يعني استهلاكاً أكبر للوقود، وبالتالي تكاليف أعلى على المستهلكين على المدى الطويل، وهو ما يراه كثيرون مفارقة لتبرير ترمب المتعلق بخفض الأسعار.

وتذهب التحليلات المستقلة إلى أن الأرقام التي روّجت لها الإدارة بشأن توفير 109 مليارات دولار على مدى 5 سنوات، وألف دولار من متوسط تكلفة السيارة الجديدة، «لا تأخذ في الحسبان المنافع المتراكمة من كفاءة الوقود، ولا تكاليف التدهور البيئي»، وفق الخبير الاقتصادي أنطونيو بينتو. كما أن التراجع عن حساب الأضرار المحتملة من التغير المناخي، الذي كانت إدارات سابقة تعتمد عليه في تقييم السياسات، يعطي صورة مالية غير مكتملة.

ارتباك داخل الشركات

كبار التنفيذيين حاولوا إظهار التماسك. وقالت ماري بارا الرئيسة التنفيذية لـ«جنرال موتورز»، إنها ستواصل تحسين الكفاءة «بغض النظر عن القواعد الفيدرالية»، مؤكدة أن شراء المركبات الكهربائية يجب أن يكون وفق جاذبيتها وليس بفعل الحوافز. أما جيم فارلي، من «فورد»، فذكّر بأن شركته هي ثانية كبرى الشركات البائعة للمركبات الكهربائية، مضيفاً أنه يمكن «تحقيق تقدم حقيقي في تقليل الكربون مع الحفاظ على حرية الاختيار».

لكن على أرض الواقع، سيؤدي تخفيف القواعد إلى صعوبة مقاومة الإغراء التجاري لطرازات «إس يو في» و«بيك أب»، فيما مبيعات السيارات في السوق الأميركية جامدة وسط ضغوط التضخم وارتفاع أسعار السيارات، الذي تجاوز معدل 50 ألف دولار للسيارة الجديدة.

محرك احتراق داخلي في مصنع لشركة «جنرال موتورز» بولاية ميشيغان الأميركية

الصين في قلب العاصفة

الخطوة الأميركية لها ارتدادات دولية واضحة، لا سيما على الصين التي تُعدّ المنتج الأكبر عالمياً للمركبات الكهربائية. فبكين تواجه أصلاً تباطؤاً في مبيعات هذا القطاع وانخفاضاً في الأسعار نتيجة فائض المعروض، وكانت تعتمد على التوسع العالمي، خصوصاً في الأسواق الغربية، لتجاوز هذا الركود. ومن خلال إضعاف المعايير الأميركية، يرسل ترمب، دون قصد ربما، إشارة إلى الصناعة الصينية مفادها بأن سوق المركبات الكهربائية الأميركية لن تنمو وفق التوقعات السابقة؛ مما يعقّد أكثر وضع الشركات الصينية التي تتنافس على الأسواق العالمية. ووفق خبراء المناخ، فإن فتح الباب أمام السيارات العاملة بالبنزين في الولايات المتحدة يوجّه «إشارة سلبية» إلى بقية العالم، ويقوّض التزام الدول التحول نحو منتجات صديقة للبيئة.

المفارقة الكبرى أن الولايات المتحدة، بقرار ترمب الأخير، تبتعد عن الاتجاه العالمي الذي يتسارع نحو المركبات الكهربائية. ففي أوروبا والصين، تستمر الخطط الحكومية الطامحة إلى رفع حصص السيارات الكهربائية والهجين؛ مما يدفع بالشركات لتوحيد تصميماتها وتقنياتها عالمياً. لكن الانقسام الأميركي، وازدواجية المسار بين إدارتين متعاقبتين، يخلق تحديات حقيقية أمام القدرة التنافسية لصناعة السيارات الأميركية.

ستيوارت تايلور، المدير التنفيذي السابق في «فورد»، يختصر الأزمة بقوله: «الهجرة نحو السيارات الكهربائية أمر حتمي، لكننا الآن نعمل وفق جدولين زمنيين مختلفين». هذا الانقسام يجعل من الصعب على الشركات العالمية تصميم سيارات تُطرح بسهولة في كل الأسواق، ويعقّد حسابات التوسع الصناعي.

قرار ترمب ليس مجرد تعديل تقني في معايير الكفاءة، بل هو جزء من رؤية سياسية واقتصادية أعمق تسعى لإعادة تعريف دور الحكومة في توجيه الصناعات الكبرى. لكن الثمن، وفق كثير من الخبراء، قد يكون باهظاً من حيث التنافسية، والبيئة، واستقرار سوق السيارات. وما هو مؤكد أن القرار سيفتح فصولاً جديدة من الجدل، وسيكون له تأثير يتجاوز واشنطن ليصل إلى بكين وبروكسل وديترويت، وربما إلى مستقبل النقل ذاته.


مقالات ذات صلة

الذهب يرتد بأكثر من 1 % مع تراجع الدولار وترقب بيانات أميركية

الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يرتد بأكثر من 1 % مع تراجع الدولار وترقب بيانات أميركية

ارتفعت أسعار الذهب بأكثر من 1 في المائة، الخميس، متعافية من أدنى مستوياتها في أسبوع، مع تراجع الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد خلال الإعلان عن اكتتاب شركة «سبايس إكس» على واجهة مقر بنك «مورغان ستانلي» في ضاحية مانهاتن بولاية نيويورك (أرشيفية - أ.ف.ب)

«مورغان ستانلي» يتجاوز توقعات الأرباح بدعم من قفزة تداول الأسهم

تجاوز «مورغان ستانلي» توقعات الأرباح خلال الربع الثالث من العام، مدعوماً بقفزة بإيرادات تداول الأسهم، مع زيادة تقلبات الأسواق بفعل قرارات أسعار الفائدة والحرب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أشخاص يتسوقون لشراء البقالة بمتجر في لوس أنجليس (إ.ب.أ)

التضخم الأميركي يربك الأسواق ويعيد رفع الفائدة إلى حسابات «الفيدرالي»

أعاد تسارع التضخم في الولايات المتحدة خلال سبتمبر خلط أوراق الأسواق المالية بعدما جاء ارتفاع الأسعار أعلى من التوقعات

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار «بنك أوف أميركا» يزيِّن واجهة مكتبه في وسط مدينة تورونتو بكندا (رويترز)

واشنطن تُغرِّم «بنك أوف أميركا» 1.2 مليار دولار بسبب مخالفات مالية

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض غرامات بقيمة 1.2 مليار دولار على «بنك أوف أميركا»، على خلفية مخالفات مزعومة لقوانين مكافحة غسل الأموال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب ينظر إلى الحضور من على خشبة المسرح في مركز كورتيس دي مينارد التذكاري الرياضي في واسيلّا، ألاسكا (رويترز)

ترمب: تايوان ستشتري 30 % من الغاز المسال عبر مشروع ألاسكا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن تايوان وافقت على شراء 30 في المائة من الغاز الطبيعي المسال الذي سينتجه مشروع خط أنابيب ألاسكا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
TT

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)

تعهدت دول مجموعة السبع بتخصيص 2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر عرضة للمخاطر، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتداعياته على إمدادات الأسمدة وتكاليف الغذاء، وفق ما أعلنه وزير الاقتصاد الفرنسي، رولان ليسكور، الخميس.

وقال ليسكور، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، إن البنك الدولي حدد 44 دولة قد تواجه مشكلات في الأمن الغذائي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية.

وأوضح الوزير الفرنسي أن التعهد يستهدف مساعدة الدول الأكثر فقراً، مع تركيز خاص على الأسمدة، التي تُعد عنصراً أساسياً في الإنتاج الزراعي، في وقت تؤدي فيه اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط على أسعار الغذاء.

وفي سياق آخر، قال ليسكور إن دول المجموعة جمعت 260 مليون يورو (291 مليون دولار) للمساهمة في إصلاح القبة الواقية في موقع كارثة تشيرنوبل النووية، التي تضررت جراء هجمات روسية في فبراير (شباط) 2025.

وكانت فرنسا، التي تتولى الرئاسة الحالية لمجموعة السبع، قد قدرت في مارس (آذار) الماضي تكلفة الإصلاحات بنحو 500 مليون يورو، ودعت الدول الأعضاء إلى المساهمة في تمويلها. وأعلنت الولايات المتحدة في أبريل (نيسان) تقديم 100 مليون دولار لهذا الغرض.

وأضاف ليسكور أن هناك حاجة إلى تأمين بضعة ملايين إضافية من اليورو، مشيراً إلى تنظيم مؤتمر للتعهدات المالية في باريس خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لجمع مزيد من التمويل. كما أكد استمرار رغبة دول المجموعة في دعم أوكرانيا.


وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
TT

وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

أعلن مجلس إدارة وكالة الطاقة الدولية عزمه تسريع الإفراج عن الكميات المتبقية من الاحتياطيات النفطية، والبالغة نحو 100 مليون برميل، في إطار التحرك الجماعي الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي استجابةً لأزمة مضيق هرمز، وذلك في ظل استمرار شح أسواق النفط، خصوصاً الديزل.

وقال المجلس، في بيان صدر الخميس، إن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن نحو 330 مليون برميل، فيما اتفقت على اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال الكميات المتبقية في الوقت المناسب، مع مراعاة الظروف الوطنية لكل دولة.

وأوضح أن خططاً محددة وُضعت لتسريع الإفراج عن الكميات المتبقية، تشمل إتاحة أكثر من 20 مليون برميل من الديزل في أقرب وقت ممكن، في وقت تواصل فيه الوكالة مراقبة تطورات الأسواق وتقييم احتياجاتها.

وأشار المجلس إلى أن بعض الدول الأعضاء أفرجت عن كميات تفوق ما تعهّدت به في مارس، فيما تعتزم دول أخرى زيادة الكميات المطروحة، بما يرفع إجمالي الاحتياطيات المقرر الإفراج عنها إلى أكثر من 400 مليون برميل، وهو الحجم الأصلي للعمل الجماعي.

ودعا المجلس الدول الأعضاء التي تمتلك قدرات لإنتاج النفط وتكريره إلى زيادة إمدادات الخام والمنتجات المكررة، مع التركيز على الديزل، مؤكداً أهمية ضمان حرية تدفق تجارة الطاقة.

وجاء البيان عقب اجتماع مجلس الإدارة، الذي أكد التزام الوكالة بأمن الطاقة العالمي، مشيراً إلى أحدث تقييمات أمانتها العامة التي تظهر استمرار الضغوط على أسواق النفط، ولا سيما سوق الديزل.

وأضاف أن الوكالة ستواصل متابعة تنفيذ خطة مارس، بما يتماشى مع بيان قادة مجموعة السبع، وستطلع قادة المجموعة ومجلس إدارتها على التقدم المحرز، وأي إجراءات إضافية قد تستدعيها تطورات السوق، استناداً إلى تقييم محدث يُركز على سوق الديزل.


أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، في أعقاب تقلبات واسعة النطاق في الأسواق العالمية أثارت مخاوف بشأن استدامة «حمى» الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة، مُسجِّلاً تراجعاً للمرة السادسة خلال الأيام الـ7 التي أعقبت وصوله إلى مستوى قياسي. وأدى ضعف أسهم الذكاء الاصطناعي إلى هبوط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.2 في المائة، ليسجِّل أكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية، في حين أظهرت قطاعات أخرى من سوق الأسهم مزيداً من الصمود. وفي الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 251 نقطة، أو بنسبة 0.5 في المائة، كما سجَّلت غالبية الأسهم الأميركية مكاسب.

وتزامنت هذه التقلبات مع صدور تقرير أظهر تسارع التضخم في الولايات المتحدة بوتيرة تجاوزت توقعات الاقتصاديِّين. ويُعزى استمرار ارتفاع الأسعار جزئياً إلى مواصلة المستهلكين الإنفاق رغم زيادة التكاليف، إذ أظهر تقرير منفصل، صدر يوم الخميس، أن إيرادات تجار التجزئة الأميركيِّين خلال الشهر الماضي تجاوزت توقعات المحللين.

وبالنسبة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، بدأت موجة الهبوط الحادة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، قبل أن تمتد تداعياتها إلى الأسواق الآسيوية، حيث تراجع مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية بنسبة 7.6 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» في اليابان بنسبة 4.9 في المائة، لتعود هذه التقلبات وتلقي بظلالها على الأسواق الأميركية.

وتشكِّل هذه التطورات أحدث حلقة في سلسلة من التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، والتي قادت أداء الأسواق لسنوات. وتضخ الشركات استثمارات ضخمة في هذا المجال، أملاً في زيادة أرباحها وتعزيز الإنتاجية. غير أن إنشاء مراكز البيانات وتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي يتطلبان تكاليف باهظة، ما دفع كثيراً من الشركات إلى اللجوء إلى الاقتراض لتمويل هذه الاستثمارات.

ومع وصول عوائد السندات في الأسواق العالمية إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ سنوات، تزداد المخاوف بشأن قدرة الشركات على مواصلة هذا الإنفاق المتسارع. فقد راكمت شركات كثيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ديوناً كبيرة في إطار سعيها إلى تحقيق طموحاتها التوسعية، في حين تتعرَّض أسهمها لضغوط متزايدة بفعل أعباء التمويل.

وفي هذا السياق، تراجع سهم شركة «كور ويف» المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، بنسبة 7 في المائة، بعد هبوطه بنسبة 15.5 في المائة في الجلسة السابقة. وكانت الشركة قد أعلنت خلال الصيف أنها ستسدد ديوناً مستحقة بقيمة 4.41 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الحالي، إضافة إلى 6.18 مليار دولار في عام 2027. وحتى 30 يونيو (حزيران)، كانت الشركة تمتلك سيولةً نقديةً تزيد على 5.5 مليار دولار.

كما تجعل العوائد المرتفعة في سوق السندات المستثمرين أقل استعداداً، بوجه عام، لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم، لا سيما تلك التي تُتداول عند مستويات تقييم عالية.

وتراجع سهم «إنفيديا» الشركة المتخصصة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.1 في المائة، ليكون أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكانت الشركة قد استفادت من طفرة الذكاء الاصطناعي لتصبح الأعلى قيمة سوقية في «وول ستريت»، في حين حقَّق سهمها مكاسب بنحو 1415 في المائة منذ نهاية عام 2022 وحتى بداية تعاملات يوم الخميس.

وجاءت هذه الخسائر رغم إعلان إحدى الشركات الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تُعد نتائجها مؤشراً على أداء القطاع، أرباحاً قوية. فقد أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي) نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين، بينما قال المدير المالي للشركة، ويندل هوانغ، إن التوقعات تشير إلى استمرار قوة الطلب خلال الأشهر الـ3 الأخيرة من عام 2026.

ورغم هذه النتائج، فإن سهم الشركة المدرج في الولايات المتحدة انخفض بنسبة 4.4 في المائة.

وكانت شركة أخرى محورية في قطاع الذكاء الاصطناعي قد أعلنت، يوم الأربعاء، نتائج قوية للأرباح، لكنها لم تنجح بدورها في استعادة حماسة المستثمرين تجاه القطاع. وقال كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه إس إم إل» الهولندية، إن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي قوي للغاية، إلى درجة أن بعض العملاء يتحدثون عن تقديم طلبيات تمتد حتى عامي 2029 و2030.

في المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعاملات يوم الخميس، في إشارة إلى ارتفاع أسعار السندات مع إقبال المستثمرين على شرائها. وتُعدُّ سندات الخزانة من الأصول الاستثمارية الأكثر أماناً نسبياً، نظراً إلى انخفاض مخاطر تعثر الحكومة الأميركية عن السداد، وغالباً ما يزداد الإقبال عليها في أوقات القلق والاضطرابات في الأسواق.

وانخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5.05 في المائة، مقارنة بـ5.19 في المائة في وقت متأخر من يوم الأربعاء. وكانت العوائد قد تجاوزت 5.30 في المائة في وقت سابق من الشهر الحالي، مسجِّلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم، ومؤشرات على استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وجاء تراجع العوائد رغم صدور بيانات اقتصادية أميركية أقوى من المتوقع، وهي بيانات من شأنها عادةً أن تدفع العوائد إلى الارتفاع. فإلى جانب بيانات مبيعات التجزئة، أظهر تقرير آخر أن عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي جاء أقل من توقعات الاقتصاديين، ما قد يشير إلى تراجع وتيرة تسريح العمال في البلاد.

وفي الأسواق العالمية، تكبَّدت الأسهم الكورية الجنوبية أكبر الخسائر، إذ هبط مؤشر «كوسبي»، الذي تهيمن على أدائه شركتا الرقائق الإلكترونية «سامسونغ للإلكترونيات» و«إس كيه هاينكس» مُسجِّلاً أسوأ أداء يومي له منذ يوليو (تموز). وبذلك، يكون المؤشر قد تراجع بنسبة 39 في المائة مقارنة بمستواه القياسي المُسجَّل في يونيو الماضي.