ترمب ينقلب على معايير «الكفاءة الخضراء»

العودة لمحركات الوقود تربك صناعة السيارات... وتهدّد طموحات الصين في سوق المركبات الكهربائية

الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من كبار تنفيذيي صناعة السيارات الأميركية في المكتب البيضاوي يوم 3 ديسمبر الحالي (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من كبار تنفيذيي صناعة السيارات الأميركية في المكتب البيضاوي يوم 3 ديسمبر الحالي (أ.ف.ب)
TT

ترمب ينقلب على معايير «الكفاءة الخضراء»

الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من كبار تنفيذيي صناعة السيارات الأميركية في المكتب البيضاوي يوم 3 ديسمبر الحالي (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من كبار تنفيذيي صناعة السيارات الأميركية في المكتب البيضاوي يوم 3 ديسمبر الحالي (أ.ف.ب)

في خطوة تُعدّ انقلاباً مباشراً على إرث إدارة جو بايدن المناخي، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن خطة شاملة لخفض معايير الكفاءة في استهلاك الوقود للسيارات والشاحنات، في اتجاه يعيد الاعتبار، من وجهة نظره، إلى محركات الاحتراق التقليدية، ويضع مزيداً من العراقيل أمام مستقبل السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة والعالم.

جاء القرار خلال فعالية بالبيت الأبيض حضرها كبار التنفيذيين من كبرى شركات السيارات الأميركية، في مشهد حمل رسائل سياسية واقتصادية تتجاوز حدود الصناعة المحلية، لتلامس المنافسة العالمية الكبرى، خصوصاً مع الصين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي خلال الإعلان عن خفض معايير استهلاك السيارات للوقود (إ.ب.أ)

انقلاب على سياسات بايدن المناخية

المعايير التي وضعتها إدارة بايدن، والتي كانت تهدف إلى رفع متوسط كفاءة السيارات الجديدة إلى أكثر من 50 ميلاً للغالون بحلول 2031، تعرّضت لانتقادات حادة من ترمب الذي وصفها بأنها «احتيال أخضر». ووفق المقترح الجديد، ستتراجع المعايير إلى 34.5 ميل فقط للغالون، علماً بأنه في العام الماضي قطعت السيارات الجديدة نحو 28 ميلاً لكل غالون في المتوسط، وفقاً للتقديرات الفيدرالية؛ مما يجعل التزام المعيار الجديد ممكناً دون توسيع كبير في مبيعات السيارات الكهربائية.

القرار يسحب البساط من الركيزة الأساسية للسياسة المناخية للديمقراطيين: جعل التحول إلى المركبات الكهربائية خياراً اقتصادياً جذاباً، وليس مجرد توجه بيئي. وبإلغاء قواعد «وكالة حماية البيئة» الخاصة بانبعاثات العادم، يفتح ترمب الباب أمام شركات السيارات لإطالة عمر الطرازات العاملة بالبنزين دون ضغوط تنظيمية تُجبرها على التحول الكهربائي.

سيارات «سوزوكي» أمام مصنع الشركة بولاية هاريانا في الهند (رويترز)

صناعة السيارات بين مطرقة السياسة وسندان السوق

على الرغم من أن التنفيذيين الثلاثة؛ من «فورد» و«جنرال موتورز» و«ستيلانتس»، قدّموا كلمات تأييد للرئيس خلال الفعالية، فإن الصورة أعقد في الكواليس... فالشركات التي ضخت مليارات الدولارات في التحول الكهربائي خلال عهد بايدن تجد نفسها اليوم في مواجهة انعطافة تشريعية حادة تهدد التخطيط والاستثمار طويل الأجل.

ريتش غولد، رئيس «مجموعة السياسات العامة والتنظيمية» في مؤسسة «هولاند آند نايت»، عبّر عن المشكلة بدقة. وقال لـ«واشنطن بوست» إن «الصناعة تحتاج إلى رؤية واضحة لـ10 سنوات على الأقل... التغييرات المتقلبة بين كل إدارة وأخرى تجعل من التخطيط عملاً شبه مستحيل»... فالمصانع الجديدة للبطاريات، وسلاسل الإمداد الخاصة بالمحركات الكهربائية، وحتى خطوط الإنتاج، تعتمد على استثمارات تمتد لأجيال وليس لدورات انتخابية.

ومع إلغاء الغرامات التي تُفرض على الشركات التي تخفق في تحقيق معايير الكفاءة، وإلغاء الإعفاءات الضريبية للمركبات الكهربائية، باتت الطريق ممهدة أمام شركات السيارات للعودة إلى ما وصفه أحد التنفيذيين بـ«ما تطلبه السوق فعلاً»: مزيد من شاحنات «بيك أب» والسيارات «الرياضية متعددة الاستخدامات (إس يو في)» ذات الربحية الأعلى.

سيارات «هافال» من شركة «جي في إم» الصينية في أحد مصانعها بمقاطعة هيبي (رويترز)

انتصار للمنطق أم ضربة للمستهلك؟

أنصار القرار؛ من شركات النفط إلى بعض الحكومات المحلية، يرون فيه استجابة واقعية لخيارات المستهلك الأميركي الذي ما زال يُفضّل السيارات الكبيرة العاملة بالبنزين. لكن خبراء المناخ، ومعهم اقتصاديون، يقدّمون قراءة مغايرة. فخفض الكفاءة يعني استهلاكاً أكبر للوقود، وبالتالي تكاليف أعلى على المستهلكين على المدى الطويل، وهو ما يراه كثيرون مفارقة لتبرير ترمب المتعلق بخفض الأسعار.

وتذهب التحليلات المستقلة إلى أن الأرقام التي روّجت لها الإدارة بشأن توفير 109 مليارات دولار على مدى 5 سنوات، وألف دولار من متوسط تكلفة السيارة الجديدة، «لا تأخذ في الحسبان المنافع المتراكمة من كفاءة الوقود، ولا تكاليف التدهور البيئي»، وفق الخبير الاقتصادي أنطونيو بينتو. كما أن التراجع عن حساب الأضرار المحتملة من التغير المناخي، الذي كانت إدارات سابقة تعتمد عليه في تقييم السياسات، يعطي صورة مالية غير مكتملة.

ارتباك داخل الشركات

كبار التنفيذيين حاولوا إظهار التماسك. وقالت ماري بارا الرئيسة التنفيذية لـ«جنرال موتورز»، إنها ستواصل تحسين الكفاءة «بغض النظر عن القواعد الفيدرالية»، مؤكدة أن شراء المركبات الكهربائية يجب أن يكون وفق جاذبيتها وليس بفعل الحوافز. أما جيم فارلي، من «فورد»، فذكّر بأن شركته هي ثانية كبرى الشركات البائعة للمركبات الكهربائية، مضيفاً أنه يمكن «تحقيق تقدم حقيقي في تقليل الكربون مع الحفاظ على حرية الاختيار».

لكن على أرض الواقع، سيؤدي تخفيف القواعد إلى صعوبة مقاومة الإغراء التجاري لطرازات «إس يو في» و«بيك أب»، فيما مبيعات السيارات في السوق الأميركية جامدة وسط ضغوط التضخم وارتفاع أسعار السيارات، الذي تجاوز معدل 50 ألف دولار للسيارة الجديدة.

محرك احتراق داخلي في مصنع لشركة «جنرال موتورز» بولاية ميشيغان الأميركية

الصين في قلب العاصفة

الخطوة الأميركية لها ارتدادات دولية واضحة، لا سيما على الصين التي تُعدّ المنتج الأكبر عالمياً للمركبات الكهربائية. فبكين تواجه أصلاً تباطؤاً في مبيعات هذا القطاع وانخفاضاً في الأسعار نتيجة فائض المعروض، وكانت تعتمد على التوسع العالمي، خصوصاً في الأسواق الغربية، لتجاوز هذا الركود. ومن خلال إضعاف المعايير الأميركية، يرسل ترمب، دون قصد ربما، إشارة إلى الصناعة الصينية مفادها بأن سوق المركبات الكهربائية الأميركية لن تنمو وفق التوقعات السابقة؛ مما يعقّد أكثر وضع الشركات الصينية التي تتنافس على الأسواق العالمية. ووفق خبراء المناخ، فإن فتح الباب أمام السيارات العاملة بالبنزين في الولايات المتحدة يوجّه «إشارة سلبية» إلى بقية العالم، ويقوّض التزام الدول التحول نحو منتجات صديقة للبيئة.

المفارقة الكبرى أن الولايات المتحدة، بقرار ترمب الأخير، تبتعد عن الاتجاه العالمي الذي يتسارع نحو المركبات الكهربائية. ففي أوروبا والصين، تستمر الخطط الحكومية الطامحة إلى رفع حصص السيارات الكهربائية والهجين؛ مما يدفع بالشركات لتوحيد تصميماتها وتقنياتها عالمياً. لكن الانقسام الأميركي، وازدواجية المسار بين إدارتين متعاقبتين، يخلق تحديات حقيقية أمام القدرة التنافسية لصناعة السيارات الأميركية.

ستيوارت تايلور، المدير التنفيذي السابق في «فورد»، يختصر الأزمة بقوله: «الهجرة نحو السيارات الكهربائية أمر حتمي، لكننا الآن نعمل وفق جدولين زمنيين مختلفين». هذا الانقسام يجعل من الصعب على الشركات العالمية تصميم سيارات تُطرح بسهولة في كل الأسواق، ويعقّد حسابات التوسع الصناعي.

قرار ترمب ليس مجرد تعديل تقني في معايير الكفاءة، بل هو جزء من رؤية سياسية واقتصادية أعمق تسعى لإعادة تعريف دور الحكومة في توجيه الصناعات الكبرى. لكن الثمن، وفق كثير من الخبراء، قد يكون باهظاً من حيث التنافسية، والبيئة، واستقرار سوق السيارات. وما هو مؤكد أن القرار سيفتح فصولاً جديدة من الجدل، وسيكون له تأثير يتجاوز واشنطن ليصل إلى بكين وبروكسل وديترويت، وربما إلى مستقبل النقل ذاته.


مقالات ذات صلة

أسواق السندات تُنذر «الفيدرالي»: الفائدة الحالية ليست مرتفعة بما يكفي

الاقتصاد متداولو العقود الآجلة والخيارات في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)

أسواق السندات تُنذر «الفيدرالي»: الفائدة الحالية ليست مرتفعة بما يكفي

بدأت أسواق السندات الأميركية إرسال إشارات إنذار قوية ومتجددة إلى الاحتياطي الفيدرالي تؤكد من خلالها أن مستويات الفائدة الحالية لم تعد مرتفعة بما يكفي.

الاقتصاد بُني بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك بحي مانهاتن عام 2017 (رويترز)

محضر «الفيدرالي» يكشف عن تأييد لرفع أسعار الفائدة إذا استمر التضخم

طوى مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» نهائياً صفحة السؤال الذي هيمن على نقاشاتهم طوال عامين بشأن توقيت «خفض» الفائدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شاشات تعرض شعار «إنفيديا» في تولوز جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

«إنفيديا» تتوقع إيرادات بـ91 مليار دولار للربع الثاني... هل يستمر زخم الذكاء الاصطناعي؟

كشفت «إنفيديا» عن توقعات إيرادات للربع الثاني تجاوزت تقديرات «وول ستريت»، مدفوعة بطلب متنامٍ من قاعدة عملاء عريضة.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
الاقتصاد مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

محضر «الفيدرالي» يكشف عن أعمق انقسام منذ جيل حول الفائدة ومخاطر حرب إيران

تترقب الأوساط المالية والاستثمارية العالمية بكثافة إعلان مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، عن محضر اجتماعه الأخير المنعقد في أواخر أبريل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ ف ب)

«وول ستريت» تسجِّل تراجعاً طفيفاً عن مستوياتها التاريخية

تراجعت الأسهم الأميركية بشكل طفيف يوم الثلاثاء، مبتعدة عن مستوياتها القياسية الأخيرة التي سجَّلتها في الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

انكماش اقتصاد اليورو بأسرع وتيرة منذ عامين ونصف العام بفعل الحرب والتضخم

الحيّ المالي في فرانكفورت (رويترز)
الحيّ المالي في فرانكفورت (رويترز)
TT

انكماش اقتصاد اليورو بأسرع وتيرة منذ عامين ونصف العام بفعل الحرب والتضخم

الحيّ المالي في فرانكفورت (رويترز)
الحيّ المالي في فرانكفورت (رويترز)

أظهر مسح نُشر الخميس أن النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو انكمش بأسرع وتيرة له منذ أكثر من عامين ونصف العام في مايو (أيار)، حيث أدى الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة، الناجم عن الحرب، إلى تراجع الطلب على الخدمات، ودفع التضخم الإجمالي لأسعار المدخلات إلى أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات ونصف السنة.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو الصادر عن «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى 47.5 نقطة في مايو من 48.8 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وأقل من توقعات استطلاع «رويترز» التي توقعت عدم حدوث تغيير مقارنة بشهر أبريل (نيسان). ويمثل هذا الرقم الشهر الثاني على التوالي من الانكماش في القطاع الخاص بالمنطقة.

ويشير مؤشر مديري المشتريات الذي يقل عن 50 نقطة إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي.

وقال كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في مؤسسة «إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس»: «تُظهر بيانات مؤشر مديري المشتريات الأولية لشهر مايو أن اقتصاد منطقة اليورو يتكبد خسائر متزايدة جراء الحرب في الشرق الأوسط. وتشير بيانات المسح إلى أن اقتصاد منطقة اليورو مُرشح للانكماش بنسبة 0.2 في المائة في الربع الثاني».

وتراجع الطلب الإجمالي بشكل حاد. وانخفضت الطلبات الجديدة في القطاع الخاص بأسرع وتيرة لها منذ 18 شهراً، مع انخفاض طلبات التصدير الجديدة - بما في ذلك التجارة البينية في منطقة اليورو - بأسرع معدل منذ يناير (كانون الثاني) 2025. كما انخفضت الأعمال الجديدة في قطاع الخدمات بشكل حاد، في حين عاد الطلب في المصانع، الذي شهد ارتفاعاً في أبريل، إلى التراجع.

وأضاف ويليامسون: «يتأثر قطاع الخدمات بشدة بارتفاع تكلفة المعيشة الناجم عن الحرب، لا سيما من خلال تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على الطلب».

وانكمش النشاط الخدماتي، المحرك الرئيسي لاقتصاد منطقة اليورو ومؤشر أساسي لطلب المستهلكين، بأسرع وتيرة له منذ فبراير (شباط) 2021، حيث انخفض مؤشر مديري المشتريات الأولي للخدمات إلى 46.4 نقطة من 47.6 نقطة في أبريل، في حين توقعت استطلاعات الرأي ارتفاعاً طفيفاً إلى 47.7 نقطة.

وازدادت ضغوط التكاليف حدةً. فقد تسارع تضخم أسعار المدخلات إلى أعلى مستوى له في ثلاث سنوات ونصف السنة، وفقاً لمؤشر مديري المشتريات المركب. كما ارتفعت الأسعار المفروضة على المستهلكين بأسرع وتيرة لها في 38 شهراً، وإن كانت أسرع بشكل طفيف فقط من أبريل. وحذّرت «ستاندرد آند بورز غلوبال» من أن مؤشرات الأسعار تشير إلى أن التضخم سيقترب من 4 في المائة في الأشهر المقبلة. وأبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير في أواخر الشهر الماضي، لكنه ناقش مطولاً رفعها لمكافحة التضخم المتصاعد، وألمح، بشكل رسمي وغير رسمي، إلى أنه قد يُقدم على هذه الخطوة في يونيو (حزيران).

وأظهرت بيانات رسمية صدرت الأربعاء أن التضخم في منطقة العملة الموحدة استقر عند 3 في المائة في أبريل، متجاوزاً هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة.

وتدهورت سوق العمل بشكل أكبر. فقد خفضت شركات منطقة اليورو عدد موظفيها للشهر الخامس على التوالي، مسجلةً أعلى وتيرة لفقدان الوظائف منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، وباستثناء فترة الجائحة، الأكبر منذ أغسطس (آب) 2013. كما خفضت شركات الخدمات عدد موظفيها للمرة الأولى منذ أوائل عام 2021، في حين انخفضت رواتب قطاع التصنيع مجدداً. وتراجعت ثقة قطاع الأعمال إلى أدنى مستوى لها في 32 شهراً، حيث كانت شركات الخدمات الأكثر تشاؤماً منذ سبتمبر (أيلول) 2022.

انكماش القطاع الخاص الألماني

انكمش نشاط القطاع الخاص الألماني للشهر الثاني على التوالي في مايو، حيث أدت الحرب مع إيران إلى إبطاء الانتعاش الاقتصادي للبلاد؛ ما أثر سلباً على الطلب ورفع الأسعار.

وارتفع مؤشر مديري المشتريات الأولي المركب لألمانيا، الذي تُعدّه مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، ارتفاعاً طفيفاً إلى 48.6 نقطة في مايو، مقارنةً بـ48.4 نقطة في أبريل، متجاوزاً توقعات المحللين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، والذين توقعوا أن يكون عند 48.4 نقطة.

مع ذلك، ظل المؤشر المركب دون مستوى 50 نقطة؛ ما يشير إلى انكماش.

يتتبع المؤشر المركب قطاعي الخدمات والتصنيع اللذين يمثلان معاً أكثر من ثلثي أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.

وقال فيل سميث، المدير المساعد للشؤون الاقتصادية في مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «مع إشارة بيانات مؤشر مديري المشتريات الأولية لشهر مايو إلى انخفاض النشاط التجاري للشهر الثاني على التوالي، فإن الاقتصاد الألماني يتجه نحو الانكماش في الربع الثاني من العام».

وقد تصدر قطاع الخدمات هذا التراجع، حيث انخفض النشاط التجاري للشهر الثاني على التوالي، وإن كان بوتيرة أبطأ من تلك المسجلة في أبريل. وارتفع مؤشر مديري المشتريات الأولي لهذا القطاع إلى 47.8 في مايو من 46.9، ولكنه ظل دون مستوى 50.

وشهد قطاع التصنيع ركوداً، حيث بلغ المؤشر المقابل 49.9، منخفضاً من 51.4 في أبريل.

وأضاف سميث: «في قطاع التصنيع، يبدو أن الزخم الذي شهدناه من الجهود المبذولة لبناء المخزونات واستباق ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات قد بدأ بالتلاشي».

أفادت الشركات بتفاقم ضغوط التكاليف في منتصف الربع الثاني، حيث يواجه كل من المصنّعين وشركات الخدمات معدلات متسارعة لتضخم أسعار المدخلات.

وقال سميث: «لا يزال تأثير إغلاق مضيق هرمز الفعلي يمتد إلى الأسعار، حيث يشهد تضخم تكاليف المدخلات تسارعاً إضافياً نتيجة لتداعيات ارتفاع أسعار الطاقة ونقص الإمدادات». وأفادت الشركات بانخفاض الطلب على السلع والخدمات في مايو، مشيرةً إلى تردد المستهلكين بسبب تزايد مستويات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، فضلاً عن انخفاض القدرة الشرائية نتيجة ارتفاع الأسعار.

وأظهر مؤشر مديري المشتريات انكماش النشاط الاقتصادي الفرنسي بأسرع وتيرة له منذ خمس سنوات ونصف السنة في مايو.

صورة جوية تُظهر برج إيفل ونهر السين وأفق مدينة باريس (رويترز)

صدمة أسعار النفط تضرب فرنسا

أظهر مسح أولي أجرته مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال» أن اقتصاد القطاع الخاص الفرنسي انكمش في مايو بأسرع وتيرة له منذ خمس سنوات ونصف السنة؛ ما يعكس تراجعاً متسارعاً في نشاط الخدمات وانخفاضاً جديداً في الإنتاج الصناعي.

ووفقاً للشركات، كان هذا الانكماش الأشد منذ أواخر عام 2020 نتيجة للحرب في الشرق الأوسط، حيث أشارت مراراً إلى ضغوط تكاليف الوقود والطاقة، فضلاً عن القلق الاقتصادي العام، كأسباب لانخفاض الإنتاج. وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز غلوبال» الأولي لمديري المشتريات للخدمات في فرنسا إلى 42.9 نقطة في مايو من 46.5 نقطة في أبريل، وهو أدنى مستوى له في 66 شهراً. وكان هذا أقل من استطلاع أجرته «رويترز» وبلغ 46.6 نقطة.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات التصنيعي الأولي لشهر مايو إلى 48.9 نقطة من 52.8 نقطة في أبريل، وهو أقل من توقعات «رويترز» البالغة 52.2 نقطة. وتراجع مؤشر مديري المشتريات المركب، الذي يشمل قطاعي الخدمات والتصنيع، إلى 43.5 نقطة في مايو من 47.6 نقطة في أبريل، مسجلاً أدنى مستوى له في 66 شهراً.

وقال جو هايز، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «يقدم مسح مؤشر مديري المشتريات الأولي لشهر مايو في فرنسا بيانات مقلقة. ولا يزال التأثير التضخمي لصدمة أسعار النفط يتفاقم، مع ارتفاع مؤشرات الأسعار في كل من قطاعي التصنيع والخدمات مرة أخرى».

وأضاف: «بشكل مثير للقلق، شهدنا انخفاضاً حاداً في الطلبات الجديدة للقطاع الخاص في شهر مايو؛ ما أعطانا مؤشراً واضحاً على أن هذه الصدمة قد رفعت بشكل كبير مخاطر الركود بالنسبة لثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو».


الصين ترفع أسعار المحروقات المحلية بدءاً من الجمعة

حاويات وقود في طريقها للتحميل على سفينة بميناء يانتاي شرق اليابان (أ.ف.ب)
حاويات وقود في طريقها للتحميل على سفينة بميناء يانتاي شرق اليابان (أ.ف.ب)
TT

الصين ترفع أسعار المحروقات المحلية بدءاً من الجمعة

حاويات وقود في طريقها للتحميل على سفينة بميناء يانتاي شرق اليابان (أ.ف.ب)
حاويات وقود في طريقها للتحميل على سفينة بميناء يانتاي شرق اليابان (أ.ف.ب)

أعلنت هيئة التخطيط الحكومية الصينية، في بيان لها، أنها سترفع الحد الأقصى لأسعار البنزين والديزل المبيعة محلياً بمقدار 75 يواناً (11.02 دولار أميركي) للطن المتري، و70 يواناً للطن على التوالي، بدءاً من يوم الجمعة.

ويأتي ذلك بينما صدّرت الصين كميات صغيرة من البنزين والديزل ووقود الطائرات إلى جنوب شرق آسيا ومناطق أخرى في أبريل (نيسان)؛ حيث انخفضت صادرات الوقود إلى أدنى مستوى لها في عقد من الزمان، وذلك نتيجة القيود التي فرضتها بكين لحماية أسواق الطاقة من الاضطرابات الناجمة عن الحرب الإيرانية.

وتُعدّ الصين رابع أكبر مُصدّر للوقود في آسيا، وقد أدّت قيودها إلى زيادة شحّ الإمدادات؛ حيث خفّضت مصافي التكرير الإقليمية إنتاجها بسبب ارتفاع الأسعار ونقص النفط الخام من الشرق الأوسط.

وفي ظلّ طلبات الوقود من شركاء تجاريين، مثل بنغلاديش، أفادت «رويترز» أواخر مارس (آذار) بأن بكين أصدرت استثناءات محدودة لهذه الدولة الواقعة في جنوب آسيا، إلى جانب عدد من الدول الأخرى، مثل ميانمار وفيتنام وسريلانكا.

وأظهرت بيانات الجمارك الصادرة، الأربعاء، تسجيل شحنات صغيرة إلى عدد من هذه الدول خلال أبريل، رغم تراجع إجمالي صادرات الوقود المكرر. ولا تشمل قيود التصدير هونغ كونغ وماكاو، إذ استقرت مستويات التصدير إليهما، كما لا تشمل تزويد السفن والطائرات الدولية بالوقود.

وانخفضت صادرات الصين من البنزين إلى أدنى مستوى تاريخي لها في أبريل؛ فبلغت 23409 أطنان مترية، وكانت ميانمار الدولة الوحيدة خارج هونغ كونغ وماكاو التي استوردت 3000 طن متري فقط (25350 برميلاً)، بانخفاض 65 في المائة عن مارس.

كما انخفضت صادرات الديزل بنسبة 69 في المائة في أبريل، مقارنةً بمارس، لتصل إلى 231 ألفاً و542 طناً (1.725 مليون برميل). ومن بين الدول الرئيسية المستوردة للديزل الفلبين، بـ39 ألفاً و468 طناً، على الرغم من انخفاض الكمية بنسبة 82 في المائة عن مارس، وبنغلاديش بـ10 آلاف طن، بانخفاض قدره 75 في المائة. ولم تُسجّل أي صادرات إلى سنغافورة، في حين أظهرت بيانات الجمارك أن ميانمار استوردت 5900 طن في أبريل، بانخفاض 73 في المائة عن مارس.

وخالفت صادرات الديزل الحيوي الاتجاه العام، إذ شكّلت 34 في المائة من صادرات الديزل الصينية في أبريل، وظلت الصادرات إلى هولندا وبلجيكا، أكبر المستوردين، ثابتة.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت قيود بكين على الصادرات تشمل الديزل الحيوي، المصنوع أساساً من زيت الطهي المستعمل.

وباستثناء هونغ كونغ، انخفضت صادرات وقود الطائرات بنسبة 54 في المائة، لتصل إلى 489 ألف طن. وتشمل صادرات وقود الطائرات الصينية كلاً من تزويد الطائرات بالوقود وصادرات الشحن. وحصلت فيتنام على الحصة الأكبر، بأكثر من 68 ألف طن.

وبلغت الصادرات إلى أستراليا، أكبر مستورد لوقود الطائرات الصيني العام الماضي، نحو 962 طناً فقط في أبريل، لكنها تتوقع وصول أكثر من 100 مليون لتر، أو 80 ألف طن، من وقود الطائرات بدءاً من يونيو (حزيران)، بعد جهود حثيثة من كانبرا.


أسواق السندات تُنذر «الفيدرالي»: الفائدة الحالية ليست مرتفعة بما يكفي

متداولو العقود الآجلة والخيارات في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
متداولو العقود الآجلة والخيارات في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
TT

أسواق السندات تُنذر «الفيدرالي»: الفائدة الحالية ليست مرتفعة بما يكفي

متداولو العقود الآجلة والخيارات في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
متداولو العقود الآجلة والخيارات في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)

بدأت أسواق السندات الأميركية إرسال إشارات إنذار قوية ومتجددة إلى الاحتياطي الفيدرالي، تؤكد من خلالها أن مستويات الفائدة الحالية لم تعد مرتفعة بما يكفي لكبح جماح الاقتصاد الحامي والسيطرة على التضخم المتصاعد.

جاء التحرك العنيف في عوائد الخزانة ليعكس قلق المستثمرين؛ إذ قفز العائد على السندات لأجل عامين - الذي يُعد مؤشراً قيادياً لسياسات الفيدرالي قصيرة الأجل - ليصل إلى 4.1 في المائة، وهو مستوى يتجاوز بوضوح الحد الأعلى للنطاق المستهدف الحالي لـ«الفيدرالي» البالغ 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة.

وفي الوقت نفسه، اقترب العائد على السندات لأجل 10 سنوات - وهو مقياس رئيسي لتوقعات التضخم بعيد المدى - من حاجز 4.7 في المائة قبل أن يتراجع طفيفاً، فيما وصفه المحللون بـ«تهديد حراس السندات» بفرض تشديد نقدي ذاتي، في حال لم يتحرك البنك المركزي لفرض النظام في بيئة الاقتصاد الكلي، وفق موقع «ياهو فاينانس».

مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

اشتعال التضخم بفعل الحرب

تأتي هذه الضغوط البيعية في سوق السندات مدفوعة ببيانات اقتصادية حديثة تظهر عودة التضخم للاشتعال والاتساع في الولايات المتحدة، متأثراً بتداعيات الحرب المستعرة في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز. وعلى جبهة الأسعار، قفزت أسعار الجملة (أسعار المنتجين) بنسبة 6 في المائة خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي مدفوعة بارتفاع تكلفة الطاقة، بالتزامن مع إظهار تقارير أسعار المستهلكين اتساع رقعة التضخم بعدما بدأت الشركات في تمرير تكلفة مدخلات النفط المرتفعة إلى جيوب المستهلكين.

ورغم الضغوط الجيوسياسية وارتفاع أسعار الوقود، أظهر الاقتصاد الأميركي مرونة لافتة؛ إذ نمت الوظائف غير الزراعية بمقدار 115 ألف وظيفة في أبريل (نيسان)، مع تعديل بيانات شهر مارس (آذار)، صعوداً إلى 185 ألف وظيفة، ممهداً الطريق لتعافي قطاع التوظيف بعد بداية متعثرة، مطلع العام.

وعلى صعيد الاستهلاك، قفز مؤشر «ريدبوك» لمبيعات التجزئة بنسبة 8.9 في المائة للأسبوع المنتهي في 16 مايو (أيار)، مواصلاً زخم الأسبوع الذي سبقه البالغ 9.6 في المائة، وهو ما يتجاوز بكثير متوسط عام 2025 البالغ 5.8 في المائة. وأكدت إدارات شركات عملاقة، مثل «هوم ديبو» و«تارغت»، في تقارير أرباحها الفصلية أن المستهلك الأميركي لا يزال في وضع مالي جيد ومستمر في الإنفاق، وإن كان يبدي بعض الحذر تجاه المشاريع الضخمة، بسبب حالة عدم اليقين العام.

تبخر الرهان على خفض الفائدة

أدَّت هذه الديناميكيات المختلطة إلى تحول سريع ومفاجئ في توقعات أسواق المال؛ حيث تبخرت تماماً رهانات خفض أسعار الفائدة هذا العام، وحلَّت مكانها توقعات بالإبقاء على تكلفة الإقراض مرتفعة، أو حتى الذهاب نحو جولة تشديد نقدي جديدة.

ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، تسعر الأسواق حالياً احتمالية تبلغ 41 في المائة لقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة، في اجتماع شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل، مقارنة بـ30 في المائة فقط قبل أسبوع، في حين ارتفعت احتمالات الرفع في اجتماع أكتوبر (تشرين الأول) إلى 35 في المائة.

وفي هذا السياق، أكدت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، آنا باولسون، أن تحركات الأسواق تتماشى تماماً مع رؤيتها الشخصية، قائلة: «التضخم مرتفع للغاية، وحتى قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط والقفزة الأخيرة لأسعار النفط والغاز، كانت الأسعار مرتفعة».

وترى باولسون (التي تمتلك حق التصويت في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة هذا العام)، أن الإبقاء على الفائدة دون تغيير لفترة ممتدة، أو رفعها إذا دعت الحاجة، الخيار الأمثل حالياً، مشددة على أن المسار الوحيد للخفض رؤية تراجع حقيقي ومستدام للتضخم.

الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش (أ.ف.ب)

من «الخفض» إلى «الحياد«

وتعكس تصريحات باولسون تحولاً هيكلياً أوسع داخل البنك المركزي الأميركي؛ إذ تخلت اللجنة عن انحيازها السابق لخفض الفائدة لصالح ما وصفه رئيس الفيدرالي بالإنابة، جيروم باول، في مؤتمره الصحافي الأخير بنهاية أبريل (نيسان) بـ«المكان الأكثر حياداً»، وهو ما يعني تثبيت أسعار الفائدة لفترة أطول.

وأكد محضر اجتماع السياسة النقدية للفيدرالي لشهر أبريل هذا التوجُّه؛ فرغم أن قلة من الأعضاء يعتقدون بإمكانية خفض الفائدة بمجرد ظهور مؤشرات واضحة على عودة التضخم نحو مستهدفه البالغ 2 في المائة أو حدوث ضعف حاد في سوق العمل، فإن الأغلبية العظمى من أعضاء اللجنة شددوا على أن زيادة أسعار الفائدة ستكون الخطوة المناسبة والضرورية إذا استمر التضخم في البقاء عنيداً وفوق المستهدفات.

ملف تضخم معقد ينتظر وارش

تضع هذه المعطيات المعقدة رئيس الفيدرالي، كيفين وارش، تحت مقصلة ضغوط أسواق السندات ومشهد تضخمي غاية في التعقيد، خاصة أن وارش كان قد جادل، في العام الماضي، لصالح خفض الفائدة، مراهناً على تراجع الأسعار مدفوعاً بطفرة الإنتاجية الناتجة عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

إلا أن الرئيس دونالد ترمب، الذي طالما انتقد السياسات المتشددة وطالب بخفض الفائدة، قدم «غطاءً سياسياً» غير متوقَّع لوارش؛ إذ صرح لصحيفة «واشنطن إكزامينر» قائلاً: «سأتركه يفعل ما يريد القيام به... إنه رجل موهوب للغاية وسيبلي بلاءً حسناً».