الروبية الهندية تهبط لأدنى مستوى في تاريخها والحكومة تطمئن الأسواق

ضغوط تجارية وخروج استثمارات أجنبية تدفع العملة لأسوأ أداء آسيوي في 2025

زينات في أحد المتاجر بسوق شعبية في سرينغار بالهند (أ.ف.ب)
زينات في أحد المتاجر بسوق شعبية في سرينغار بالهند (أ.ف.ب)
TT

الروبية الهندية تهبط لأدنى مستوى في تاريخها والحكومة تطمئن الأسواق

زينات في أحد المتاجر بسوق شعبية في سرينغار بالهند (أ.ف.ب)
زينات في أحد المتاجر بسوق شعبية في سرينغار بالهند (أ.ف.ب)

تواصل الروبية الهندية تراجعها الحاد أمام الدولار، لتسجل مستوى قياسياً جديداً في سوق الصرف، وسط ضغوط متزايدة من اتساع العجز التجاري وضعف التدفقات الرأسمالية، رغم الأداء القوي لثالث أكبر اقتصاد في آسيا.

ففي تعاملات الأربعاء، هبطت الروبية إلى 90.14 روبية للدولار الواحد، متجاوزة القاع القياسي الذي لامسته في جلسة الثلاثاء عند 89.9475، قبل أن تستقر حول 90.07 روبية، منخفضة بنحو 0.22 في المائة خلال التعاملات، ومتجهة إلى سادس جلسة خسائر متتالية.

وبذلك تكون العملة الهندية قد فقدت نحو 5 في المائة من قيمتها منذ بداية العام، ما يضعها على مسار تسجيل أكبر تراجع سنوي منذ 2022، ويجعلها أسوأ العملات أداءً في آسيا خلال 2025، على الرغم من نمو اقتصادي فاق التوقعات.

اقتصاد ينمو بقوة وعملة تحت الضغط

وترى أوساط اقتصادية أن ما يحدث يعكس تبايناً واضحاً بين قوة المؤشرات المحلية وتدهور العوامل الخارجية. فالهند سجلت نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8.2 في المائة في الربع من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول)، في أداء يفوق توقعات السوق، بينما تشير أحدث البيانات إلى تضخم ضعيف للغاية عند 0.25 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول).

لكن في المقابل، العجز التجاري قفز إلى مستوى قياسي يتجاوز 40 مليار دولار في أكتوبر، ما زاد من الطلب على الدولار، فيما تعاني البلاد من موجة خروج واسعة لرؤوس الأموال الأجنبية.

وقال ديراغ نيم، الخبير الاقتصادي واستراتيجي العملات في بنك «إيه إن زد»، إن ضعف الروبية يمثل نوعاً من «التكيّف الاقتصادي الضروري في ظل غياب اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة»، مضيفاً أن البنك يتوقع استمرار التراجع إلى نحو 91.30 روبية للدولار بنهاية العام المقبل، مع احتمال الوصول إلى هذا المستوى في وقت أقرب إذا لم تتغير الظروف.

ووفقاً للبيانات المتاحة، سحب المستثمرون الأجانب نحو 17 مليار دولار من سوق الأسهم الهندية خلال العام الحالي، في حين ظلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة عند مستويات ضعيفة، وتراجعت القروض التجارية الخارجية للشركات.

هذا الضغط المتعدد المسارات على الحساب الرأسمالي يأتي في وقت تتسع فيه الفجوة على جانب الحساب الجاري بفعل اتساع العجز التجاري، ما يعني أن الطلب على الدولار يتزايد من جهتي التجارة والمال معاً، وهو ما يثقل كاهل الروبية.

وقال سات دوهرا، مدير محافظ في «جانوس هندرسون إنفستورز» من سنغافورة، إن «الصورة الكلية في الهند تجعل من ضعف العملة نتيجة شبه حتمية، فهناك انزلاق في العديد من المؤشرات: عجز تجاري متزايد، ضعف في النمو الاسمي، تراجع في الاستثمار الأجنبي المباشر، وموجات بيع من الأجانب في سوق الأسهم».

تدخّل محدود من البنك المركزي

وعلى الرغم من امتلاك بنك الاحتياطي الهندي (المركزي) لاحتياطيات نقد أجنبي كبيرة تخوله التدخل بقوة، فإن متعاملين في السوق أكدوا أن تدخلاته في الأيام الأخيرة اتسمت بـالقِصَر والتقطّع، ولم ترقَ إلى «دفاع صلب» عند حاجز 90 روبية.

وتشير مصادر مصرفية إلى أن البنك المركزي يفضّل حالياً كبح المضاربة ومنع تشكّل توقعات بوجود «سعر دفاعي مقدس»، أكثر من سعيه لتثبيت مستوى معين لسعر الصرف، في إطار مقاربة أكثر مرونة لسعر العملة.

وقال أنينديا بانيرجي، رئيس قسم السلع والعملات في «كوتاك سيكيوريتيز»: «من المهم في هذه المرحلة ألا يشعر المضاربون براحة في رهان أحادي الاتجاه على صعود الدولار، لأن ذلك يمكن أن يؤدي إلى قفزات حادة في تقلبات سعر الصرف».

في المقابل، حاولت الحكومة تهدئة المخاوف من خلال تصريحات لافتة لكبير المستشارين الاقتصاديين، الذي قال إنه «لا يفقد النوم بسبب ضعف الروبية»، مؤكداً أن تراجع العملة لا ينعكس سلباً على التضخم أو على أداء الصادرات في الوقت الراهن.

وأشار المسؤول إلى أن الهند قد تتجاوز 100 مليار دولار في إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة هذا العام، رغم ضعف التدفقات الصافية، ما يعكس استمرار ثقة المستثمرين في الأساسيات الاقتصادية للاقتصاد الهندي على المدى المتوسط والطويل.

وفي الوقت نفسه، أقرّ بوجود تحديات هيكلية لا بد من معالجتها، قائلاً إن البلاد تحتاج إلى إصلاحات أعمق في مجالي الضرائب والبنية التحتية من أجل جذب المزيد من الاستثمارات وتعزيز التمويل الخارجي المستدام.

وبين قوة نمو داخلي لافت وضعف في المؤشرات الخارجية وضغوط على العملة، تبدو الهند مقبلة على مرحلة حساسة سيكون على صانعي السياسات خلالها إيجاد توازن بين الحفاظ على جاذبية الاقتصاد من جهة، ومنع فقدان الثقة في الروبية من جهة أخرى.

وإذا استمرت موجة خروج الاستثمارات واتساع العجز التجاري، فقد يجد البنك المركزي نفسه مضطراً إلى تكثيف تدخله في سوق الصرف، أو إعادة تقييم مسار السياسة النقدية، في وقت يحاول فيه المسؤولون التأكيد أن هبوط العملة لا يزال «تحت السيطرة».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد ركاب ينشغلون بهواتفهم الذكية في حافلة عامة في جاكرتا (أ.ف.ب)

الروبية الإندونيسية تهوي لمستوى قياسي وسط اضطرابات الشرق الأوسط

هبطت الروبية الإندونيسية بشكل حاد يوم الخميس لتسجل أدنى مستوى لها على الإطلاق.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد لافتة في المقر الرئيسي لبنك «جي بي مورغان» في مانهاتن (رويترز)

«جي بي مورغان» يضم السعودية والفلبين لمؤشره للأسواق الناشئة

أعلن بنك «جي بي مورغان» عن قرار ضم السعودية والفلبين إلى مؤشره لسندات الأسواق الناشئة بالعملة المحلية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يقف أمام لوحة مؤشرات سوق الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)

تراجع الأسهم الآسيوية عن مستوياتها القياسية وسط مخاوف ارتفاع النفط

شهدت الأسهم الآسيوية تراجعاً ملحوظاً عن مستوياتها القياسية يوم الخميس، حيث اتجه المستثمرون لجني الأرباح.

«الشرق الأوسط» (سيول)
كتب التطور الإعصاري للرأسمالية... العصر الحديث بين فكّي شموليتين

التطور الإعصاري للرأسمالية... العصر الحديث بين فكّي شموليتين

يطرح الكتاب تصوراً للرأسمالية بوصفها قوة تتجاوز بُعدها الاقتصادي، لتغدو نظاماً شمولياً عابراً للقارات...

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الصادرات السعودية غير النفطية تحلق بـ15.1 % في فبراير

ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)
TT

الصادرات السعودية غير النفطية تحلق بـ15.1 % في فبراير

ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)

كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء في السعودية عن أداء لافت للتجارة الخارجية خلال شهر فبراير (شباط) 2026، حيث سجلت الصادرات غير النفطية (التي تشمل السلع الوطنية وإعادة التصدير) نمواً قوياً بنسبة 15.1 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. ويعكس هذا الارتفاع الإجمالي حالة الحراك التجاري المتزايد في المملكة.

وفي تفاصيل الأرقام، أظهرت الصادرات الوطنية غير النفطية (باستثناء إعادة التصدير) نمواً مطرداً بنسبة 6.3 في المائة، وهو ما يشير إلى استمرار توسع القاعدة الإنتاجية للصناعة السعودية وقدرتها على النفاذ للأسواق العالمية. إلا أن المحرك الأكبر للنمو الإجمالي في القطاع غير النفطي كان نشاط إعادة التصدير، الذي حقق قفزة استثنائية بلغت 28.5 في المائة خلال الفترة نفسها. وقد تركز هذا النشاط بشكل كثيف في قطاع «الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية»، الذي سجل نمواً منفرداً في هذا البند بنسبة 59.9 في المائة، مما جعل المملكة مركزاً لوجستياً نشطاً لتداول هذه المعدات في المنطقة.

الصادرات الكلية

وعلى صعيد الصادرات الكلية، بلغت القيمة الإجمالية للصادرات السلعية (النفطية وغير النفطية) نحو 99 مليار ريال (حوالي 26.4 مليار دولار)، بزيادة سنوية قدرها 4.7 في المائة.

وفي حين سجلت الصادرات النفطية نمواً طفيفاً بنسبة 0.6 في المائة، فإن حصتها من إجمالي الصادرات تراجعت لتستقر عند 68.7 في المائة، مما يفسح المجال أمام القطاعات غير النفطية لتلعب دوراً أكبر في الميزان التجاري.

الواردات

وفي جانب الواردات، سجلت المملكة ارتفاعاً بنسبة 6.6 في المائة لتصل قيمتها إلى 76 مليار ريال (حوالي 20.27 مليار دولار)، وهو ما أدى بدوره إلى انخفاض طفيف بنسبة 1 في المائة في فائض الميزان التجاري ليبلغ 23 مليار ريال (حوالي 6.13 مليار دولار).

وعند تحليل السلع القائدة، برزت الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية كأهم السلع التصديرية غير النفطية مستحوذة على 25.5 في المائة من الإجمالي، تليها منتجات الصناعات الكيميائية التي واصلت أداءها القوي بنمو قدره 17.6 في المائة.

أما من حيث الشراكات الدولية، فقد حافظت الصين على موقعها كشريك تجاري أول للمملكة، مستحوذة على 13.7 في المائة من إجمالي الصادرات و29.8 في المائة من إجمالي الواردات، تلتها دولة الإمارات واليابان.

المنافذ الحيوية

لوجستياً، لعبت المنافذ الحيوية للمملكة دوراً محورياً في تسهيل هذه التدفقات، حيث تصدر ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام منافذ دخول الواردات بحصة قاربت الربع، بينما برز مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة كأبرز نافذة للتصدير غير النفطي بحصة 18.9 في المائة.


بعد توقف لأشهر... باكستان تلجأ إلى السوق الفورية لتعويض غاز قطر

صورة لأفق مدينة كراتشي المضاء قبيل يوم الأرض في كراتشي (إ.ب.أ)
صورة لأفق مدينة كراتشي المضاء قبيل يوم الأرض في كراتشي (إ.ب.أ)
TT

بعد توقف لأشهر... باكستان تلجأ إلى السوق الفورية لتعويض غاز قطر

صورة لأفق مدينة كراتشي المضاء قبيل يوم الأرض في كراتشي (إ.ب.أ)
صورة لأفق مدينة كراتشي المضاء قبيل يوم الأرض في كراتشي (إ.ب.أ)

أصدرت شركة «باكستان للغاز المسال المحدودة» (PLL) أول مناقصة فورية لها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2023، وذلك في محاولة لتغطية النقص الحاد في الإمدادات الناجم عن التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.

وتسعى الشركة للحصول على عروض من موردين دوليين لتوريد ثلاث شحنات من الغاز الطبيعي المسال، سعة كل منها نحو 140 ألف متر مكعب، ليتم تسليمها في ميناء قاسم بكراتشي خلال الفترة من 27 أبريل (نيسان) الجاري وحتى 14 مايو (أيار) المقبل.

توقف الشحنات القطرية

أوضح وزير الطاقة الاتحادي، أويس لغاري، أن هذه المناقصة تهدف لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة وتقليل الاعتماد على الديزل وزيت الوقود الأكثر تكلفة.

وأشار لغاري إلى حالة من عدم اليقين بشأن موعد استئناف وصول الشحنات من قطر، حيث لم تتسلم باكستان أي شحنة غاز مسال تم تحميلها بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، نتيجة إغلاق إيران لشريان الملاحة في مضيق هرمز.

وتعتمد قطر بشكل كلي على المرور عبر المضيق لنقل إنتاجها الطاقي، علماً بأنها المورد الرئيسي لباكستان، حيث أمنت معظم واردات البلاد البالغة 6.64 مليون طن متري من الغاز المسال العام الماضي.

أذربيجان في الصورة

في ظل هذا المأزق، أعلنت شركة الطاقة الحكومية الأذربيجانية «سوكار» استعدادها لتزويد باكستان بالغاز المسال فور تلقي طلب رسمي. ويسمح اتفاق إطاري وُقع في عام 2025 بين «سوكار» وباكستان بإجراء عمليات شراء عبر إجراءات معجلة، مما قد يوفر مخرجاً سريعاً للأزمة الحالية.

تحديات الصيف

تأتي هذه الأزمة في وقت حساس؛ حيث تسبب نقص الطاقة في انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي الأسبوع الماضي. ورغم محاولات باكستان السابقة لتقليل الاعتماد على الغاز المسال عبر التوسع في الطاقة الشمسية والمحلية، إلا أن تعطل الإمدادات كشف عن ثغرات كبيرة في أمن الطاقة خاصة مع اقتراب ذروة الطلب الصيفي.

وعلى الصعيد العالمي، أدى حصار مضيق هرمز إلى دفع الأسعار الفورية للغاز في آسيا إلى أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات، حيث بلغت 16.05 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بزيادة قدرها 54 في المائة منذ أواخر فبراير، مما يهدد بتراجع الطلب في مختلف أنحاء القارة الآسيوية.


«المركزي الهندي» يتدخل لبيع الدولار مع هبوط الروبية لأدنى مستوى في 3 أسابيع

رجل يمر أمام شعار بنك الاحتياطي الهندي خارج مقره الرئيسي في مومباي (رويترز)
رجل يمر أمام شعار بنك الاحتياطي الهندي خارج مقره الرئيسي في مومباي (رويترز)
TT

«المركزي الهندي» يتدخل لبيع الدولار مع هبوط الروبية لأدنى مستوى في 3 أسابيع

رجل يمر أمام شعار بنك الاحتياطي الهندي خارج مقره الرئيسي في مومباي (رويترز)
رجل يمر أمام شعار بنك الاحتياطي الهندي خارج مقره الرئيسي في مومباي (رويترز)

أفاد متعاملون في السوق المالية يوم الخميس بأن بنك الاحتياطي الهندي قد تدخل على الأرجح للحد من وتيرة هبوط الروبية. وجاء هذا التحرك في ظل ضغوط مزدوجة تعرضت لها العملة الهندية نتيجة الارتفاع المستمر في أسعار النفط العالمية وضعف الأصول المحلية.

وذكر أحد المتعاملين في بنك يتخذ من مومباي مقراً له، أن البنوك الحكومية بدأت بتقديم عروض لبيع الدولار عندما اقتربت الروبية من أدنى مستوياتها خلال الجلسة، مما ساعد في تهدئة زخم الهبوط وتنشيط عمليات بيع الدولار في السوق.

أداء الروبية والسياق الإقليمي

تراجعت الروبية الهندية بنسبة 0.3 في المائة لتصل إلى 94.1525 مقابل الدولار، وهو أدنى مستوى لها منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، قبل أن تتعافى طفيفاً لتستقر عند 94.07.

ويأتي هذا التراجع بالتزامن مع موجة هبوط جماعي للعملات الآسيوية بنسب تراوحت بين 0.1 في المائة و0.8 في المائة، مدفوعة بارتفاع العقود الآجلة لخام برنت التي تجاوزت 103 دولارات للبرميل، مما يزيد من تكاليف استيراد الطاقة ويضغط على الموازين التجارية لدول المنطقة.