لبنان يضع «الإطار العام» لإطلاق التواصل مع الاستثمارات الدولية

مشاركة اقتصادية سعودية ومصرفية أميركية في مؤتمر بيروت

رئيس الجمهورية اللبناني يتحدث في افتتاح مؤتمر بيروت (واحد) (إكس)
رئيس الجمهورية اللبناني يتحدث في افتتاح مؤتمر بيروت (واحد) (إكس)
TT

لبنان يضع «الإطار العام» لإطلاق التواصل مع الاستثمارات الدولية

رئيس الجمهورية اللبناني يتحدث في افتتاح مؤتمر بيروت (واحد) (إكس)
رئيس الجمهورية اللبناني يتحدث في افتتاح مؤتمر بيروت (واحد) (إكس)

شكّل الحشد الاستثماري الخارجي المشارك في مؤتمر بيروت (واحد)، الذي افتتحه رئيس الجمهورية جوزيف عون، علامة فارقة تدعم جهود القطاعين الحكومي والخاص في إعادة لبنان إلى شبكة التواصل الاقتصادي مع محيطيه العربي والدولي، ريثما تنضج الظروف الملائمة لتحويل الاهتمام المحقّق إلى فرص حقيقية لجذب التمويل والرساميل.

ونوّه وزير الاقتصاد عامر البساط، بأن المؤتمر هو بمنزلة «انطلاقة جديدة ومسار جديد لاستعادة الثقة. مع إدراك أن طريق التعافي ستكون صعبة وطويلة، إلاّ أنّ لبنان يمتلك القدرات، ونحن ملتزمون بإعادة بناء الدولة ونريدها أن تكون ذات سيادة وتحمي الضعفاء».

وحفل المشهد العام للمؤتمر، بإشارات لافتة، لجهة مشاركة وفد اقتصادي سعودي، خصّه رئيس الجمهورية بترحيب خاص «بالأشقاء السعوديين، المشاركين للمرة الأولى في مناسبة لبنانية على هذا المستوى، منذ مدة كانت كافية لتشتاق بيروت إليهم، ويشتاقوا إليها». وبالمثل، حضر كبار المسؤولين في بنوك وشركات مالية أميركية كبيرة تحوز علاقات تاريخية ممتدة مع القطاع المالي المحلي، ما أضفى قيمة مضافة على الشعار الرئيسي للمؤتمر واستهدافه إعادة بناء «الثقة» بوصفها المرتكز الحيوي لخروج لبنان من أزماته السيادية والاقتصادية.

ووفق وصف الرئيس عون في كلمة الافتتاح، فإن الحدث يتعدّى تعريف المؤتمر الاقتصادي، ليتحوّل إلى «بداية فصل جديد من نهضة لبنان، عنوانه الثقة والشراكة والفرص». فيما ركز مصدر وزاري في اتصال مع «الشرق الأوسط»، على أهمية المبادرة الحكومية التي يتولاها وزير الاقتصاد عامر البساط، بالتعاون مع القطاع الخاص، للخروج من أسلوب طلب المساعدة الخارجية، واستبدال الشراكة الاستثمارية بها، عبر تسليط الضوء على الفرص المتاحة في قطاعات محلية، عامة وخاصة، تزخر بعوائد مجزية واعدة للطرفين.

ورداً على تساؤل ضمني «مشروع» بكيفية عقد مؤتمر للاستثمار وسط تحديات أمنية واقتصادية وسياسية، ردّ رئيس الجمهورية بإشهار معادلة: «لا نبني المستقبل عندما تهدأ العواصف، بل نصنع الهدوء عبر البناء. ونحن لا نُجمل الواقع ولا ننكر الأوجاع، لكنّ اليأس لا يرمّم دماراً، والصمت لا يصنع ثقة. الأفعال وحدها هي التي تغيّر المسار».

وأردف الرئيس عون: «لقد بدأنا بالفعل مسار إصلاحات حقيقية. وأود أن أكون واضحاً وصريحاً، الإصلاحات التي نقوم بها ليست سهلة، وتواجه مقاومة داخل النظام نفسه، لأن التغيير الحقيقي يَمسّ مصالح مترسخة. لكنّنا مستمرون».

وفي الوقائع، أورد رئيس الجمهورية: «أقررنا قوانين أساسية تعزّز الشفافية والمساءلة، وأطلقنا خطوات جدّية لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس صلبة، تتقدم فيها الكفاءة على المحسوبيات، ويعلو فيها القانون على الاستنساب. نعمل على تفعيل هيئات الرقابة والمحاسبة لأن الدولة التي تُحاسب مسؤوليها وتحمي مواردها هي الدولة القادرة على حماية المستثمر والمواطن معاً».

وأضاف: «من هذا المنطلق، نُعيد تأكيد انفتاح لبنان على محيطيه العربي والدولي. لبنان يجب أن يستعيد دوره الطبيعي لاعباً اقتصادياً وثقافياً في المنطقة، وجسراً بين الشرق والغرب، ومنصةً للتعامل والتعاون بين الشركات والمستثمرين والمؤسسات الإنمائية. انفتاحنا ليس شعاراً، هو توجه فعلي نحو شراكات جديدة، نحو الأسواق المحيطة، ونحو تعزيز مكانة لبنان في خريطة الأعمال الإقليمية والدولية».

ولم يفت عون التنويه بأنه في موازاة ذلك «يستمر عملنا على تثبيت الأمن الداخلي. فالمستثمر الذي يأتي إلى لبنان يجب أن يكون مطمئناً أن حمايته ليست خاضعة لمزاج السياسة، بل راسخة بثبات القانون. الأمن الذي نريده ليس أمن تهدئة مؤقتة، بل أمن استقرار مستدام».

ووفق الرؤية التي نحملها، أوضح رئيس الجمهورية، أن النمو الحقيقي لا يصنعه القطاع العام وحده، ولا القطاع الخاص وحده، بل الشراكة بينهما. أما دور الدولة فهو التمكين، وأن تضع الإطار، وتضمن النزاهة والمنافسة، وتفسح المجال للقطاع الخاص كي يقود التنفيذ، وكي يعيد خلق فرص العمل، ويدفع بالابتكار، ويعيد الحركية للاقتصاد.

وقال عون: «إن لبنان الذي نطمح إليه، ونعمل لأجله، هو منصة استثمارية منفتحة وطموح، تجمع بين موقع جغرافي استراتيجي، وطاقات بشرية مميزة، وفرص واسعة في قطاعات متعددة. ومن هنا، أوجه نداءً إلى كل صديق للبنان، إلى كل مستثمر، إلى كل شريك محتمل، بأن لبنان لا يطلب تعاطفاً، بل ثقة. ولا ينتظر صدقة، بل يقدّم فرصة. ووجودكم هنا اليوم هو استثمار في الاستقرار، في الطاقات الشابة، في مستقبلٍ سيكون أفضل إذا سرنا فيه معاً».

كما رحب عون مرة جديدة، بالوافد الدبلوماسي الجديد، السفير الأميركي الجديد في بيروت، ميشال عيسى. مؤكداً أن اختياره في هذا المركز، «هو لفتة معبّرة جداً من الرئيس دونالد ترمب حيال لبنان. ونحن نقدّرُ ذلك ونثمّنه. ونجدد شكرنا لإدارته على كل الدعم. ونتطلع إلى مزيد من التعاون على المستويات كافة».

وزير المالية ياسين جابر يتحدث في إحدى جلسات مؤتمر بيروت (إكس)

التأكيد على الاستقرار الأمني

كما لوحظ حرص وزير المالية ياسين جابر على إبلاغ الوفدين المشاركين من المؤسستين الدوليتين، «غولدمان ساكس» و«مورغان ستانلي»، التنويه بحيثيات الوضعين السياسي والأمني، خصوصاً العامل الأمني الذي لا يزال غير مستقر، ما يفرض عدم القدرة على الخروج بأي توقعات دقيقة للأوضاع المالية ومسارها. لكنه شدّد بالمقابل، على أن لبنان مصمم على أن يستعيد دوره على الصعيدين الإقليمي والدولي، وهو يبذل جهوداً حثيثة وينفذ سياسات واقعية تشجع على ذلك. في حين اتخذت وزارة المالية خطوات أساسية في إعادة ترتيب وضعها المالي من خلال إعادة التوازن للموازنة والابتعاد عن الاستدانة التي كانت سائدة.

حاكم مصرف لبنان كريم سعيد متحدثاً في المؤتمر (إكس)

البنك الدولي: لن نترك لبنان وحيداً

بدوره، أكد نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، أن البنك «لن يترك لبنان يمشي وحيداً»، والشراكة معه قديمة ومستمرة وفعّالة. ويواصل التزامه بدعمه في مسار التعافي والإصلاح، مشدداً على أن لبنان يواجه تحديات اقتصادية كلية عميقة تتطلّب إصلاحات هيكلية متواصلة، إلا أنّ الإجراءات التي اتخذتها السلطات خلال الفترة الماضية تُعدّ خطوات مشجّعة للغاية على طريق الاستقرار واستعادة النمو.

وأكد أن البنك الدولي مستعد لمواصلة العمل مع الحكومة اللبنانية ودعم جهودها في تعزيز الشفافية، وتحسين الخدمات، وتفعيل الإصلاحات المالية والمؤسساتية. وأشار إلى أن البنك الدولي يدير حالياً 15 مشروعاً بقيمة إجمالية تبلغ 1.8 مليار دولار في لبنان، تشمل برامج اجتماعية وتنموية وقطاعية واسعة. لافتاً إلى وجود 3 مشاريع معلّقة تحتاج إلى موافقة مجلس النواب اللبناني للمضي قدماً، ومؤكّداً أن إنجاز هذه الخطوة سيشكل رسالة ثقة مهمة للمجتمع الدولي وللمستثمرين.

وسلط الضوء، بعد اجتماع مع وزير المالية، على مشاريع تُدار بكفاءة عالية، وهي مشروع التحول الرقمي بقيمة 150 مليون دولار، ومشروع دعم الأسر الأكثر فقراً بقيمة تقارب 200 مليون دولار، إضافة إلى مشاريع استراتيجية بانتظار الإقرار.

وتطرّق إلى مشاريع حيوية جاهزة للانطلاق فور صدور الموافقة البرلمانية، أبرزها مشروع إعادة إعمار مرفأ بيروت المدعوم بقرض قدره 250 مليون دولار وصندوق لإعادة الإعمار بقيمة مليار دولار، ومشروع المياه الهادف إلى تأمين مياه لبيروت الكبرى على مدار الساعة، ومشروع التحول الرقمي في وزارة المالية المخصص لإعادة هيكلة القطاع المالي وتعزيز الحوكمة.


مقالات ذات صلة

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد وقف النار مع إسرائيل، أكد فيها أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية».

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار... ومقترح فرنسي لتجاوز عقدة الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح «حزب الله».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره ستبقى على الزناد، بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أي ربط بين وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل وإعلان إيران في شأن إعادة فتح مضيق هرمز، خلافاً لما أعلنه وزير الخارجية.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)

حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

من السابق لأوانه تلخيص الحرب على إيران وغيرها من الجبهات، لكن الإسرائيليين بدأوا في التلخيص.

نظير مجلي (تل أبيب)

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي إلى تبدد سريع للمخاوف الجيوسياسية؛ ما دفع أسعار النفط للتراجع بنسبة تجاوزت 10 في المائة، حيث استقر «برنت» عند 88.27 دولار؛ ما خفف الضغوط التضخمية عالمياً.

وانعكس هذا الاستقرار فوراً على أسواق الأسهم التي انتعشت لتسجل مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

وفي سوق العملات، تراجع الدولار ليتيح المجال لصعود اليورو والين، بينما واصلت المعادن النفيسة مكاسبها النوعية.

أما أسواق السندات فقد شهدت هدوءاً مع تقليص الرهانات على رفع الفائدة؛ ما يعكس تفاؤلاً كبيراً بعودة استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة العالمية بسلاسة.


الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.