لبنان يضع «الإطار العام» لإطلاق التواصل مع الاستثمارات الدولية

مشاركة اقتصادية سعودية ومصرفية أميركية في مؤتمر بيروت

رئيس الجمهورية اللبناني يتحدث في افتتاح مؤتمر بيروت (واحد) (إكس)
رئيس الجمهورية اللبناني يتحدث في افتتاح مؤتمر بيروت (واحد) (إكس)
TT

لبنان يضع «الإطار العام» لإطلاق التواصل مع الاستثمارات الدولية

رئيس الجمهورية اللبناني يتحدث في افتتاح مؤتمر بيروت (واحد) (إكس)
رئيس الجمهورية اللبناني يتحدث في افتتاح مؤتمر بيروت (واحد) (إكس)

شكّل الحشد الاستثماري الخارجي المشارك في مؤتمر بيروت (واحد)، الذي افتتحه رئيس الجمهورية جوزيف عون، علامة فارقة تدعم جهود القطاعين الحكومي والخاص في إعادة لبنان إلى شبكة التواصل الاقتصادي مع محيطيه العربي والدولي، ريثما تنضج الظروف الملائمة لتحويل الاهتمام المحقّق إلى فرص حقيقية لجذب التمويل والرساميل.

ونوّه وزير الاقتصاد عامر البساط، بأن المؤتمر هو بمنزلة «انطلاقة جديدة ومسار جديد لاستعادة الثقة. مع إدراك أن طريق التعافي ستكون صعبة وطويلة، إلاّ أنّ لبنان يمتلك القدرات، ونحن ملتزمون بإعادة بناء الدولة ونريدها أن تكون ذات سيادة وتحمي الضعفاء».

وحفل المشهد العام للمؤتمر، بإشارات لافتة، لجهة مشاركة وفد اقتصادي سعودي، خصّه رئيس الجمهورية بترحيب خاص «بالأشقاء السعوديين، المشاركين للمرة الأولى في مناسبة لبنانية على هذا المستوى، منذ مدة كانت كافية لتشتاق بيروت إليهم، ويشتاقوا إليها». وبالمثل، حضر كبار المسؤولين في بنوك وشركات مالية أميركية كبيرة تحوز علاقات تاريخية ممتدة مع القطاع المالي المحلي، ما أضفى قيمة مضافة على الشعار الرئيسي للمؤتمر واستهدافه إعادة بناء «الثقة» بوصفها المرتكز الحيوي لخروج لبنان من أزماته السيادية والاقتصادية.

ووفق وصف الرئيس عون في كلمة الافتتاح، فإن الحدث يتعدّى تعريف المؤتمر الاقتصادي، ليتحوّل إلى «بداية فصل جديد من نهضة لبنان، عنوانه الثقة والشراكة والفرص». فيما ركز مصدر وزاري في اتصال مع «الشرق الأوسط»، على أهمية المبادرة الحكومية التي يتولاها وزير الاقتصاد عامر البساط، بالتعاون مع القطاع الخاص، للخروج من أسلوب طلب المساعدة الخارجية، واستبدال الشراكة الاستثمارية بها، عبر تسليط الضوء على الفرص المتاحة في قطاعات محلية، عامة وخاصة، تزخر بعوائد مجزية واعدة للطرفين.

ورداً على تساؤل ضمني «مشروع» بكيفية عقد مؤتمر للاستثمار وسط تحديات أمنية واقتصادية وسياسية، ردّ رئيس الجمهورية بإشهار معادلة: «لا نبني المستقبل عندما تهدأ العواصف، بل نصنع الهدوء عبر البناء. ونحن لا نُجمل الواقع ولا ننكر الأوجاع، لكنّ اليأس لا يرمّم دماراً، والصمت لا يصنع ثقة. الأفعال وحدها هي التي تغيّر المسار».

وأردف الرئيس عون: «لقد بدأنا بالفعل مسار إصلاحات حقيقية. وأود أن أكون واضحاً وصريحاً، الإصلاحات التي نقوم بها ليست سهلة، وتواجه مقاومة داخل النظام نفسه، لأن التغيير الحقيقي يَمسّ مصالح مترسخة. لكنّنا مستمرون».

وفي الوقائع، أورد رئيس الجمهورية: «أقررنا قوانين أساسية تعزّز الشفافية والمساءلة، وأطلقنا خطوات جدّية لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس صلبة، تتقدم فيها الكفاءة على المحسوبيات، ويعلو فيها القانون على الاستنساب. نعمل على تفعيل هيئات الرقابة والمحاسبة لأن الدولة التي تُحاسب مسؤوليها وتحمي مواردها هي الدولة القادرة على حماية المستثمر والمواطن معاً».

وأضاف: «من هذا المنطلق، نُعيد تأكيد انفتاح لبنان على محيطيه العربي والدولي. لبنان يجب أن يستعيد دوره الطبيعي لاعباً اقتصادياً وثقافياً في المنطقة، وجسراً بين الشرق والغرب، ومنصةً للتعامل والتعاون بين الشركات والمستثمرين والمؤسسات الإنمائية. انفتاحنا ليس شعاراً، هو توجه فعلي نحو شراكات جديدة، نحو الأسواق المحيطة، ونحو تعزيز مكانة لبنان في خريطة الأعمال الإقليمية والدولية».

ولم يفت عون التنويه بأنه في موازاة ذلك «يستمر عملنا على تثبيت الأمن الداخلي. فالمستثمر الذي يأتي إلى لبنان يجب أن يكون مطمئناً أن حمايته ليست خاضعة لمزاج السياسة، بل راسخة بثبات القانون. الأمن الذي نريده ليس أمن تهدئة مؤقتة، بل أمن استقرار مستدام».

ووفق الرؤية التي نحملها، أوضح رئيس الجمهورية، أن النمو الحقيقي لا يصنعه القطاع العام وحده، ولا القطاع الخاص وحده، بل الشراكة بينهما. أما دور الدولة فهو التمكين، وأن تضع الإطار، وتضمن النزاهة والمنافسة، وتفسح المجال للقطاع الخاص كي يقود التنفيذ، وكي يعيد خلق فرص العمل، ويدفع بالابتكار، ويعيد الحركية للاقتصاد.

وقال عون: «إن لبنان الذي نطمح إليه، ونعمل لأجله، هو منصة استثمارية منفتحة وطموح، تجمع بين موقع جغرافي استراتيجي، وطاقات بشرية مميزة، وفرص واسعة في قطاعات متعددة. ومن هنا، أوجه نداءً إلى كل صديق للبنان، إلى كل مستثمر، إلى كل شريك محتمل، بأن لبنان لا يطلب تعاطفاً، بل ثقة. ولا ينتظر صدقة، بل يقدّم فرصة. ووجودكم هنا اليوم هو استثمار في الاستقرار، في الطاقات الشابة، في مستقبلٍ سيكون أفضل إذا سرنا فيه معاً».

كما رحب عون مرة جديدة، بالوافد الدبلوماسي الجديد، السفير الأميركي الجديد في بيروت، ميشال عيسى. مؤكداً أن اختياره في هذا المركز، «هو لفتة معبّرة جداً من الرئيس دونالد ترمب حيال لبنان. ونحن نقدّرُ ذلك ونثمّنه. ونجدد شكرنا لإدارته على كل الدعم. ونتطلع إلى مزيد من التعاون على المستويات كافة».

وزير المالية ياسين جابر يتحدث في إحدى جلسات مؤتمر بيروت (إكس)

التأكيد على الاستقرار الأمني

كما لوحظ حرص وزير المالية ياسين جابر على إبلاغ الوفدين المشاركين من المؤسستين الدوليتين، «غولدمان ساكس» و«مورغان ستانلي»، التنويه بحيثيات الوضعين السياسي والأمني، خصوصاً العامل الأمني الذي لا يزال غير مستقر، ما يفرض عدم القدرة على الخروج بأي توقعات دقيقة للأوضاع المالية ومسارها. لكنه شدّد بالمقابل، على أن لبنان مصمم على أن يستعيد دوره على الصعيدين الإقليمي والدولي، وهو يبذل جهوداً حثيثة وينفذ سياسات واقعية تشجع على ذلك. في حين اتخذت وزارة المالية خطوات أساسية في إعادة ترتيب وضعها المالي من خلال إعادة التوازن للموازنة والابتعاد عن الاستدانة التي كانت سائدة.

حاكم مصرف لبنان كريم سعيد متحدثاً في المؤتمر (إكس)

البنك الدولي: لن نترك لبنان وحيداً

بدوره، أكد نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، أن البنك «لن يترك لبنان يمشي وحيداً»، والشراكة معه قديمة ومستمرة وفعّالة. ويواصل التزامه بدعمه في مسار التعافي والإصلاح، مشدداً على أن لبنان يواجه تحديات اقتصادية كلية عميقة تتطلّب إصلاحات هيكلية متواصلة، إلا أنّ الإجراءات التي اتخذتها السلطات خلال الفترة الماضية تُعدّ خطوات مشجّعة للغاية على طريق الاستقرار واستعادة النمو.

وأكد أن البنك الدولي مستعد لمواصلة العمل مع الحكومة اللبنانية ودعم جهودها في تعزيز الشفافية، وتحسين الخدمات، وتفعيل الإصلاحات المالية والمؤسساتية. وأشار إلى أن البنك الدولي يدير حالياً 15 مشروعاً بقيمة إجمالية تبلغ 1.8 مليار دولار في لبنان، تشمل برامج اجتماعية وتنموية وقطاعية واسعة. لافتاً إلى وجود 3 مشاريع معلّقة تحتاج إلى موافقة مجلس النواب اللبناني للمضي قدماً، ومؤكّداً أن إنجاز هذه الخطوة سيشكل رسالة ثقة مهمة للمجتمع الدولي وللمستثمرين.

وسلط الضوء، بعد اجتماع مع وزير المالية، على مشاريع تُدار بكفاءة عالية، وهي مشروع التحول الرقمي بقيمة 150 مليون دولار، ومشروع دعم الأسر الأكثر فقراً بقيمة تقارب 200 مليون دولار، إضافة إلى مشاريع استراتيجية بانتظار الإقرار.

وتطرّق إلى مشاريع حيوية جاهزة للانطلاق فور صدور الموافقة البرلمانية، أبرزها مشروع إعادة إعمار مرفأ بيروت المدعوم بقرض قدره 250 مليون دولار وصندوق لإعادة الإعمار بقيمة مليار دولار، ومشروع المياه الهادف إلى تأمين مياه لبيروت الكبرى على مدار الساعة، ومشروع التحول الرقمي في وزارة المالية المخصص لإعادة هيكلة القطاع المالي وتعزيز الحوكمة.


مقالات ذات صلة

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال قداس في بلدة إيليج بشمال لبنان (البطريركية المارونية)

البطريرك الماروني: جنوب لبنان ليس ورقة تفاوض

أكد البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، مشدداً على أن حماية لبنان «تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزيف عون يلتقطون صورة قبل اجتماع «مسار العقبة» لدعم القوات المسلحة اللبنانية بمجمع «ليزانفاليد» في باريس (أ.ف.ب)

لبنان يطلب التمديد لـ«يونيفيل» بتعذر التوافق على البديل الأممي

يعلق لبنان أهمية قصوى على الاتصالات الدولية والعربية لمنع حصول فراغ أمني في الجنوب بانتهاء المهمة التي أوكلها مجلس الأمن الدولي لقوات «يونيفيل» لتطبيق «1701».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب انسحابها من لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)

أسهم التكنولوجيا الآسيوية تصعد بدعم من تفاؤل الذكاء الاصطناعي

متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)
متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)
TT

أسهم التكنولوجيا الآسيوية تصعد بدعم من تفاؤل الذكاء الاصطناعي

متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)
متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)

ارتفعت أسهم الأسواق الناشئة الآسيوية في بداية تعاملات الأسبوع، مدفوعة بمكاسب أسهم التكنولوجيا والرقائق، في وقت يترقب فيه المستثمرون اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في واشنطن هذا الأسبوع، بحثاً عن مؤشرات بشأن مستقبل العلاقات التجارية وآفاق الاقتصاد العالمي.

وقادت أسهم شركات الرقائق المكاسب في كوريا الجنوبية وتايوان، مع تحسن شهية المستثمرين تجاه أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، بعد مكاسب نظيراتها الأميركية ومؤشرات على استمرار قوة الطلب على التكنولوجيا.

وصعد مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بما يصل إلى 1.7 في المائة، مسجلاً أعلى مستوياته منذ 10 سبتمبر (أيلول)، بينما ارتفعت الأسهم التايوانية 1 في المائة إلى أعلى مستوى لها في نحو ثلاثة أشهر. كما زادت الأسهم في سنغافورة 0.3 في المائة، والفلبين 0.2 في المائة.

وتأتي مكاسب أسهم التكنولوجيا الآسيوية في أعقاب موجة صعود لأسهم الرقائق الأميركية، ما عزز رهانات المستثمرين على استمرار الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

قمة ترمب وشي في الواجهة

تتجه أنظار الأسواق إلى اجتماع ترمب وشي في واشنطن في 24 سبتمبر، وسط آمال بالحفاظ على الهدنة التجارية القائمة بين أكبر اقتصادين في العالم بعد أشهر من التوترات التجارية والجيوسياسية.

ويراقب المستثمرون الاجتماع بحثاً عن إشارات إلى إمكانية تحسن العلاقات بين واشنطن وبكين، بعدما أدت المواجهة التجارية خلال الأشهر الماضية إلى زيادة حالة عدم اليقين بشأن التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

وقال محللون إن نتيجة بناءة للاجتماع قد تدعم معنويات المستثمرين في الأسواق الآسيوية، في حين أن تجدد التوترات التجارية قد يضغط على شهية المخاطرة.

ويأتي ذلك بعد أسبوع شهد ارتفاع مؤشر الدولار بأكثر من 1 في المائة، عقب رفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة، مع إشارته إلى إمكانية إجراء زيادات أخرى، ما أبقى أوضاع التمويل العالمية تحت المراقبة.

قرار إندونيسيا

وفي أسواق العملات، تراجع الروبية الإندونيسية 0.4 في المائة إلى أدنى مستوى لها في شهر، لتبقى من بين أضعف عملات المنطقة أداءً منذ بداية العام.

ويراقب المستثمرون اجتماع بنك إندونيسيا هذا الأسبوع للحصول على مؤشرات بشأن مسار أسعار الفائدة، في ظل موازنة البنك بين دعم النمو والحفاظ على استقرار العملة.

وقال اقتصاديون إن التضخم لا يزال ضمن النطاق المستهدف للبنك المركزي، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية بصورة عاجلة، رغم ارتفاع تكاليف التمويل العالمية بعد رفع «الفيدرالي» الأميركي للفائدة.

وكانت استقالة محافظ بنك إندونيسيا بيري وارجييو المفاجئة في يوليو (تموز) قد أثارت قلق المستثمرين، قبل أن يساعد تعيين نائبة المحافظ الأولى دِستري دامايانتي، كأول امرأة تتولى قيادة البنك المركزي، على تهدئة المخاوف ودعم تعافي الروبية جزئياً.

وكانت العملة الإندونيسية قد ارتفعت بأكثر من 2 في المائة منذ تسجيلها مستوى قياسياً منخفضاً في 8 يونيو (حزيران)، لكنها لا تزال منخفضة بنحو 6.4 في المائة منذ بداية العام.

وفي بقية أسواق العملات الآسيوية، ارتفع الوون الكوري 0.4 في المائة والدولار التايواني 0.2 في المائة.

وفي فيتنام، ارتفع مؤشر الأسهم بما يصل إلى 0.8 في المائة، بالتزامن مع إدراج الأسهم الفيتنامية في مؤشرات الأسواق الناشئة التابعة لـ«فوتسي راسل»، في خطوة تعكس سنوات من الإصلاحات الرامية إلى جذب الاستثمارات الأجنبية.


لماذا تتزايد مخاطر الدين الفرنسي؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله إلى قصر الإليزيه الرئاسي في باريس لإلقاء كلمة أمام الحضور (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله إلى قصر الإليزيه الرئاسي في باريس لإلقاء كلمة أمام الحضور (رويترز)
TT

لماذا تتزايد مخاطر الدين الفرنسي؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله إلى قصر الإليزيه الرئاسي في باريس لإلقاء كلمة أمام الحضور (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله إلى قصر الإليزيه الرئاسي في باريس لإلقاء كلمة أمام الحضور (رويترز)

دخلت السندات الفرنسية منطقة من المخاطر لم تشهدها منذ أزمة ديون منطقة اليورو، بعدما تجاوز الفارق بين عوائدها وعوائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات حاجز 100 نقطة أساس، في انعكاس لتزايد قلق المستثمرين بشأن عجز الموازنة المرتفع، وتكاليف خدمة الدين، وصعوبة تمرير إجراءات خفض الإنفاق في ظل انقسام سياسي متزايد.

فلماذا ارتفعت علاوة المخاطر الفرنسية إلى هذا المستوى؟ وما الذي يعنيه ذلك للمالية العامة والأسواق؟ وهل يمكن أن يتسع الفارق أكثر؟

1 - لماذا ارتفعت علاوة المخاطر؟

بلغ الفارق بين عائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات 104 نقاط أساس، وهو أعلى مستوى منذ 2012، بعدما تضاعف تقريباً منذ الانتخابات التشريعية المبكرة في 2024 التي أفرزت برلماناً منقسماً وجعلت تمرير إجراءات خفض العجز أكثر صعوبة.

وتحاول الحكومة خفض عجز الموازنة من 5.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام إلى 5 في المائة في العام المقبل، عبر إجراءات لخفض الإنفاق بقيمة 54 مليار يورو.

لكن تحقيق هذا الهدف يواجه عقبات سياسية، إذ تعارض أحزاب المعارضة أجزاء من خطة التقشف، فيما قد يؤدي فشل الحكومة في تمرير الموازنة إلى أزمة سياسية جديدة.

وزادت الضغوط مع ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، الأمر الذي قد يضعف النمو ويزيد التضخم، بينما تدفع الأسواق نحو توقعات برفع أسعار الفائدة الأوروبية مجدداً.

مبنى وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية المعروف أيضاً باسم بيرسي في باريس (رويترز)

2 - ماذا يعني ذلك للمالية العامة؟

ارتفاع علاوة المخاطر يعني أن الحكومة الفرنسية ستدفع تكلفة أكبر عند إصدار ديون جديدة وإعادة تمويل الديون القائمة.

وتأتي المشكلة في وقت أصبحت فيه خدمة الدين أكبر بند في الموازنة، بعدما بدأت فرنسا إعادة تمويل مئات المليارات من الديون التي أصدرتها خلال جائحة «كوفيد-19» عندما كانت أسعار الفائدة منخفضة للغاية.

وتتوقع الحكومة أن تزيد تكلفة خدمة الدين بنحو 4.5 مليار يورو عن التقديرات السابقة هذا العام، وأن ترتفع بنحو 10 مليارات يورو إضافية العام المقبل.

ويحذر اقتصاديون من خطر الدخول في حلقة متصاعدة: نمو ضعيف، وفائدة مرتفعة، وتكاليف خدمة دين أكبر، ثم حاجة إلى مزيد من الاقتراض، ما لم تتمكن الحكومة من تحقيق فائض أولي.

3 - لماذا يراقب المستثمرون الأمر من كثب؟

تكمن أهمية التطور في حجم سوق الدين الفرنسي ومكانته في منطقة اليورو. فالسندات الفرنسية كانت تُعد تقليدياً من الأصول الآمنة نسبياً، ولذلك فإن دفع باريس علاوة تتجاوز نقطة مئوية كاملة فوق ألمانيا يمثل تحولاً لافتاً.

وكانت آخر مرة تجاوز فيها الفارق حاجز 100 نقطة أساس في ذروة أزمة ديون منطقة اليورو عام 2012، عندما كانت المخاوف تتعلق بمستقبل العملة الأوروبية نفسها.

كما أصبحت فرنسا تدفع علاوة أعلى من إيطاليا، رغم ارتفاع الدين الإيطالي وانخفاض تصنيفها الائتماني، في مؤشر على أن الأسواق باتت تولي أهمية متزايدة للمخاطر السياسية والمالية الفرنسية.

4 - هل يمكن أن يتسع الفارق أكثر؟

يرى بعض المحللين أن الارتفاع الكبير الذي شهده الفارق بالفعل قد يحد من احتمالات اتساعه كثيراً على المدى القصير، إذ أصبحت العوائد الفرنسية توفر للمستثمرين تعويضاً أكبر عن المخاطر.

لكن حالة عدم اليقين السياسي لا تزال تشكل مصدراً رئيسياً للضغط. فقد يؤدي سقوط الحكومة أو عدم إقرار الموازنة إلى زيادة علاوة المخاطر، كما قد ترفع الانتخابات الرئاسية المقبلة درجة القلق بشأن مسار المالية العامة.

ولم يستبعد بنك «سوسيتيه جنرال» اتساع الفارق إلى 120 نقطة أساس، في حال تصاعدت الضغوط السياسية والمالية.


قبل قمة ترمب وشي... واشنطن تقترح آلية لمخاطر الذكاء الاصطناعي

بيسنت يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ (رويترز)
بيسنت يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ (رويترز)
TT

قبل قمة ترمب وشي... واشنطن تقترح آلية لمخاطر الذكاء الاصطناعي

بيسنت يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ (رويترز)
بيسنت يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ (رويترز)

اقترحت الولايات المتحدة إنشاء آلية أميركية–صينية للإخطار بالحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي قد ترقى إلى مستوى تهديد للأمن القومي، في خطوة تستهدف تعزيز الحوار بين أكبر قوتين في هذا المجال، قبل القمة المرتقبة بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جينبينغ في واشنطن هذا الأسبوع.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، عقب محادثات مع نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ في نيويورك، إن الجانبين ناقشا إنشاء حوار جديد حول الذكاء الاصطناعي، يركز بصورة خاصة على قضايا الأمن القومي، بما في ذلك نظام للإخطار بالحوادث التي تمثل تهديدات مشتركة أو تتصل بأهداف مشتركة.

وقال بيسنت إن زيادة الشفافية بين الولايات المتحدة والصين، باعتبارهما القوتين الأولى والثانية عالمياً في الذكاء الاصطناعي، مهمة في ظل الطابع العابر للحدود لهذا النشاط.

وكان ترمب وشي قد ناقشا في مايو (أيار) الماضي إمكانية إجراء مشاورات حول تطوير الذكاء الاصطناعي خلال قمتهما في بكين، لكن ذلك الحوار لم يتحول إلى إطار رسمي.

ولم يتضح موقف بكين من المقترح الأميركي، إذ اكتفى بيان لوكالة «شينخوا» بالإشارة بصورة مقتضبة إلى أن الجانبين بحثا الذكاء الاصطناعي، فيما وصف المحادثات الاقتصادية والتجارية بأنها «صريحة ومعمقة وبناءة».

الرسوم والسلع غير الاستراتيجية

وتناولت المحادثات أيضاً تنفيذ تفاهمات سابقة بشأن التجارة والاستثمار، في إطار التحضير لقمة ترمب وشي المقررة الخميس والجمعة المقبلين.

وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير إن واشنطن وبكين تعملان على تفعيل آلية متفق عليها في مايو لتحديد سلع غير استراتيجية يمكن أن تشملها تخفيضات جمركية، ضمن ما يسمى «مجلس التجارة».

وأوضح غرير أن القائمة المحتملة قد تشمل بعض السلع الاستهلاكية والمنتجات الصينية منخفضة التقنية، في مقابل الطاقة والمنتجات الزراعية والأجهزة الطبية الأميركية.

وأكد أن ضوابط التصدير الأميركية على رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات لم تكن مطروحة ضمن محادثات آلية الذكاء الاصطناعي.

وقال جورج تشن، الشريك ورئيس ممارسة الاقتصاد الرقمي في شركة «ذا آسيا غروب» الاستشارية، إن استمرار الحوار يمثل تطوراً مهماً، لكنه أشار إلى أن التعاون في الذكاء الاصطناعي يظل محدوداً بسبب انخفاض مستوى الثقة بين البلدين، وبسبب اعتقاد بكين بأن واشنطن تسعى إلى احتواء تطور قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني.

وقد تتناول الجولات المقبلة موضوعات أكثر حساسية، بينها استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسلحة، ومبادئ السلامة، وحماية البنية التحتية الحيوية، ومنع الهجمات السيبرانية.

وتأتي هذه المحادثات فيما تستعد الولايات المتحدة والصين لقمة جديدة، بينما تقترب الهدنة التجارية الحالية من موعد انتهائها في 10 نوفمبر (تشرين الثاني)، ولا تزال ملفات أخرى عالقة، بينها تعهدات صينية بزيادة مشتريات المنتجات الزراعية الأميركية بنحو 17 مليار دولار سنوياً وشراء أكثر من 200 طائرة من «بوينغ».