ترمب يوقع أمراً بشأن «تيك توك» ويقدر قيمته بنحو 14 مليار دولار

فانس يشير إلى «مقاومة صينية»... والغموض يحاصر التفاصيل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض مساء الخميس عقب توقع أمرا تنفيذيا بشأن "تيك توك" (أ ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض مساء الخميس عقب توقع أمرا تنفيذيا بشأن "تيك توك" (أ ب)
TT

ترمب يوقع أمراً بشأن «تيك توك» ويقدر قيمته بنحو 14 مليار دولار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض مساء الخميس عقب توقع أمرا تنفيذيا بشأن "تيك توك" (أ ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض مساء الخميس عقب توقع أمرا تنفيذيا بشأن "تيك توك" (أ ب)

وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً، مساء الخميس، أعلن فيه أن خطته لبيع عمليات «تيك توك» في الولايات المتحدة لمستثمرين أميركيين وعالميين ستعالج متطلبات الأمن القومي في قانون يعود لعام 2024. وأوضح أن «الصفقة تُقدّر بـ14 مليار دولار». وأرجأ ترمب تنفيذ القانون الذي يحظر التطبيق ما لم يقم الملاك الصينيون ببيعه حتى 16 ديسمبر (كانون الأول) لاستكمال بعض الإجراءات.

ويُظهر نشر الأمر التنفيذي أن ترمب أحرز تقدماً في بيع أصول «تيك توك» الأميركية، ولكن هناك العديد من التفاصيل التي تحتاج إلى توضيح، بما في ذلك كيفية استخدام الكيان الأميركي لأهم أصول «تيك توك»، وهي خوارزمية التوصية الخاصة به. وينص أمر ترمب على إعادة تدريب الخوارزمية ومراقبتها من قبل شركاء الأمن للشركة الأميركية، وسيكون تشغيل الخوارزمية تحت سيطرة المشروع المشترك الجديد.

ومن جانبه، قال نائب الرئيس جيه دي فانس للصحافيين في إحاطة بالمكتب البيضاوي: «كانت هناك بعض المقاومة من الجانب الصيني، ولكن الشيء الأساسي الذي أردنا تحقيقه هو أننا أردنا إبقاء (تيك توك) يعمل، وأردنا أيضاً التأكد من أننا نحمي خصوصية بيانات الأميركيين كما يقتضي القانون».

وصرح ترمب بأن الرئيس الصيني شي جينبينغ قد أشار إلى موافقته على الخطط. وقال: «لقد تحدثت مع الرئيس شي. أجرينا محادثة جيدة، وأخبرته بما كنا نفعله وقال لي المضي قدماً». ولم ترد السفارة الصينية في واشنطن على الفور على طلب «رويترز» للتعليق.

ولم تعلق إدارة «تيك توك» على الفور على ما قام به ترمب. وأرجع ترمب الفضل إلى تطبيق «تيك توك»، الذي يضم 170 مليون مستخدم في الولايات المتحدة، في مساعدته على الفوز بالانتخابات، العام الماضي. ولدى ترمب 15 مليون متابع لحسابه الشخصي. كما أطلق البيت الأبيض حساباً رسمياً على «تيك توك»، الشهر الماضي. وقال ترمب: «سيصبح (التطبيق) أميركي الإدارة بالكامل». وأضاف أن مايكل ديل وروبرت مردوخ و«ربما 4 أو 5 مستثمرين من الطراز العالمي تماماً» سيكونون جزءاً من الصفقة. ولم يوضح البيت الأبيض كيف توصل إلى تقييم 14 مليار دولار. وتقدر «بايت دانس» الشركة الصينية الأم لـ«تيك توك» قيمتها بنحو 330 مليار دولار. ووفقاً لمحلل «ويدبوش» للأوراق المالية، دان آيفز، قُدِرت قيمة «تيك توك» ما بين 30 و40 مليار دولار من دون الخوارزمية، اعتباراً من أبريل (نيسان) 2025.

وقال آلان روزنشتاين، الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة مينيسوتا، إن الأمر التنفيذي ترك أسئلة دون إجابة، بما في ذلك ما إذا كانت «بايت دانس» ستظل تسيطر على الخوارزمية. وأضاف: «المشكلة أن الرئيس ترمب صادَقَ على الصفقة، لكنه لم يقدم الكثير من المعلومات حول الخوارزمية». كما رسمت وسائل الإعلام الصينية يوم الجمعة صورة مختلفة لاتفاقية «تيك توك»، مشيرة إلى أن «بايت دانس» ستواصل لعب دور رئيسي أو تشغيلي.

وأفادت صحيفة «ليت بوست» الصينية، نقلاً عن مصادر، بأن «بايت دانس» ستنشئ شركة أميركية جديدة كجزء من إعادة هيكلة عمليات «تيك توك» في الولايات المتحدة. وأفاد التقرير بأن الشركة الجديدة التي ستنشئها «بايت دانس» ستكون مسؤولة عن التجارة الإلكترونية وعمليات العلامات التجارية والترابط مع العمليات الدولية.

وأضاف التقرير أيضاً أن المشروع المشترك، كما وصفه البيت الأبيض، وقيمته 14 مليار دولار، سيكون مسؤولاً عن الأمن الرقمي الأميركي وحماية المحتوى والبرامج، بالإضافة إلى الشركات المحلية ذات الصلة. وأفادت مجلة مالية صينية أخرى، وهي «كايكسين»، نقلاً عن أشخاص مقربين من الصفقة، بأن «بايت دانس» تخطط لإنشاء كيان أميركي تابع لـ«تيك توك» سيحصل على بعض الإيرادات من مشروع «تيك توك» المشترك الجديد.

وصرح مصدران مطلعان على الصفقة لـ«رويترز»، يوم الخميس، أن مجموعة من 3 مستثمرين، من بينهم «أوراكل» وشركة الاستثمار المباشر «سيلفر ليك»، ستستحوذ على حصة تقارب 50 في المائة من «تيك توك» الولايات المتحدة.

وأضاف أحد المصدرين أن مجموعة من المساهمين الحاليين في «بايت دانس» ستمتلك حصة تقارب 30 في المائة. ومن بين مستثمري «بايت دانس» الحاليين مجموعة «سسكويهانا الدولية» و«جنرال أتلانتيك» و«كيه كيه آر». وذكرت قناة «سي إن بي سي» في وقت سابق، نقلاً عن مصادر، أن «إم جي إكس»، ومقرها أبوظبي، و«أوراكل» و«سيلفر ليك»، على وشك أن تصبح المستثمرين الرئيسيين في «تيك توك» الولايات المتحدة، بحصة إجمالية تبلغ 45 في المائة. وصرح نواب جمهوريون في مجلس النواب الأميركي بأنهم يريدون الاطلاع على مزيد من تفاصيل الصفقة، لضمان أنها تمثل قطيعة كاملة مع الصين.

وقال النواب الأميركيون بريت غوثري وغوس بيليراكيس وريتشارد هدسون: «مع الانتهاء من التفاصيل، يجب أن نضمن أن هذه الصفقة تحمي المستخدمين الأميركيين من تأثير ومراقبة الجماعات الموالية للحزب الشيوعي الصيني». وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض يوم السبت إن الاتفاق بشأن عمليات «تيك توك» في الولايات المتحدة يشمل تعيين «بايت دانس» لأحد أعضاء مجلس الإدارة السبعة للكيان الجديد، مع شغل الأميركيين للمقاعد الستة الأخرى.

وستمتلك «بايت دانس» أقل من 20 في المائة من أسهم «تيك توك» في الولايات المتحدة، امتثالاً لمتطلبات قانون عام 2024 الذي أمر بإغلاقها بحلول يناير (كانون الثاني) 2025، إذا لم تبع أصولها في الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

في أول إطلالة على 2026... «أوبك» تتوقع استمرار نمو الطلب على النفط

الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

في أول إطلالة على 2026... «أوبك» تتوقع استمرار نمو الطلب على النفط

توقعت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، في أول تقرير لها في العام الجاري، الأربعاء، أن يرتفع الطلب العالمي على النفط في عام 2027 بمعدل مماثل لهذا العام.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الاقتصاد إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)

سقوط «آينده»... كيف فجَّرت إمبراطورية الظل المالية بركان الغضب في إيران؟

لم تكن الشرارة التي أشعلت فتيل الاضطرابات الأخيرة في إيران ناتجة من مطالب سياسية تقليدية أو صدام آيديولوجي فحسب، بل بدأت من داخل النظام المصرفي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد وزير المالية الكوري الجنوبي كو يون تشول يناقش استراتيجيات النمو الاقتصادي مع مسؤولين حكوميين في سيول يوم 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وزير المالية الكوري يتعهد باستجابة سريعة لتقلبات سوق الصرف الأجنبي

قال وزير المالية الكوري الجنوبي، الأربعاء، إن بلاده ستتخذ خطوات عاجلة لكبح التقلبات المتصاعدة في سوق الصرف الأجنبي.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد لوحة أم في أحد أجهزة الكومبيوتر (رويترز)

الصين تطلب من شركاتها عدم استخدام برامج الأمن السيبراني الأميركية والإسرائيلية

طلبت السلطات الصينية من الشركات المحلية التوقف عن استخدام برامج الأمن السيبراني التي طورتها نحو 12 شركة أميركية وإسرائيلية

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رجل أمن يمر حول السور الخارجي لمقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

«بنك اليابان» يضع مصالحه فوق التضامن مع جيروم باول

يعكس غياب بنك اليابان عن قائمة البنوك المركزية الداعمة لجيروم باول نفوره من السياسة، وتردد الحكومة في تجاوز الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

في أول إطلالة على 2026... «أوبك» تتوقع استمرار نمو الطلب على النفط

شعار «أوبك» (رويترز)
شعار «أوبك» (رويترز)
TT

في أول إطلالة على 2026... «أوبك» تتوقع استمرار نمو الطلب على النفط

شعار «أوبك» (رويترز)
شعار «أوبك» (رويترز)

توقعت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، في أول تقرير لها في العام الجاري، الأربعاء، أن يرتفع الطلب العالمي على النفط في عام 2027 بمعدل مماثل لهذا العام، مشيرة إلى توازن دقيق بين العرض والطلب في عام 2026.وقالت «أوبك» في التقرير، إن الطلب سيرتفع بمقدار 1.34 مليون برميل يومياً في عام 2027، وهو معدل مماثل للنمو المتوقع هذا العام والبالغ 1.38 مليون برميل يوميا.

وأوضحت أن متوسط إنتاج «أوبك بلس» بلغ 42.83 مليون برميل يوميا في ديسمبر (كانون الأول)، بانخفاض 238 ألف برميل يوميا عن نوفمبر (تشرين الثاني).

وتوقعت أن يبلغ متوسط الطلب العالمي على خام «أوبك بلس»، 43 مليون برميل يومياً في 2026 (دون تغيير عن التوقعات السابقة)، ونحو 43.6 مليون برميل يوميا في 2027.وأضافت أن البرازيل وكندا وأميركا والأرجنتين تقود نمو المعروض النفطي في 2026


سقوط «آينده»... كيف فجَّرت إمبراطورية الظل المالية بركان الغضب في إيران؟

إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

سقوط «آينده»... كيف فجَّرت إمبراطورية الظل المالية بركان الغضب في إيران؟

إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)

لم تكن الشرارة التي أشعلت فتيل الاضطرابات الأخيرة في إيران ناتجة من مطالب سياسية تقليدية أو صدام آيديولوجي فحسب، بل بدأت من داخل النظام المصرفي الذي ظل لسنوات يمثل «الصندوق الأسود» لتمويل النخبة الحاكمة، وفق تقرير موسع لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية.

حين أعلن عن انهيار بنك «آينده» (Ayandeh Bank) أواخر العام الماضي، لم يكن الأمر مجرد إفلاس لمؤسسة مالية، بل كان إيذاناً بنهاية حقبة «اقتصاد الظل» الذي اعتمده النظام للالتفاف على الضغوط الدولية. هذا البنك، الذي أداره مقربون من دوائر القرار، غرق في ديون تجاوزت 5 مليارات دولار نتيجة قروض فاسدة واستثمارات وهمية؛ ما أجبر الحكومة على طباعة كميات هائلة من السيولة لتغطية الفجوة، وهو الإجراء الذي أدى بدوره إلى انفجار تضخمي لم يعد المواطن العادي قادراً على تحمله.

علي أنصاري... مهندس الظل

في قلب هذه العاصفة المالية، يبرز اسم علي أنصاري بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد الاقتصادي الإيراني. أنصاري، الذي ينحدر من واحدة من أثرى عائلات البلاد، لم يكن مجرد رجل أعمال تقليدي، بل كان مهندساً لشبكة مالية معقدة بدأت خيوطها في عام 2013 عندما أسس بنك «آينده» عبر دمج مصرفين حكوميين مع مؤسسة مالية كان يملكها سابقاً. هذا الصعود السريع لم يكن وليد الصدفة، بل استند إلى علاقات سياسية وثيقة مع التيار المحافظ، وتحديداً مع الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد؛ ما سمح له ببناء إمبراطورية عابرة للحدود، تجلت مظاهر ثرائها في امتلاكه قصراً تقدر قيمته بملايين الدولارات في شمال لندن، بعيداً عن أعين الملايين من الإيرانيين الذين يكافحون تحت وطأة الفقر.

متظاهرة في سيدني تحمل علماً تاريخياً لإيران خلال مسيرة تضامنية مع الاحتجاجات التي تجتاح إيران حالياً (إ.ب.أ)

تمويل «الحرس الثوري» والعقوبات

لم تكن أنشطة أنصاري بعيدة عن أعين الرقابة الدولية؛ فبعد أيام قليلة من الانهيار المدوي لبنك «آينده»، سارعت المملكة المتحدة إلى فرض عقوبات مشددة عليه، واصفةً إياه بـ«المصرفي الفاسد» الذي لعب دوراً محورياً في تمويل الذراع الاقتصادية والعسكرية الأقوى في البلاد، «الحرس الثوري» الإيراني.

وعلى الرغم من هذه الاتهامات، حاول أنصاري التنصل من المسؤولية في بيان أصدره في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عازياً فشل البنك إلى «قرارات وسياسات خارجة عن سيطرته»، في محاولة لإلقاء اللوم على الظروف الاقتصادية الكلية، متجاهلاً حقيقة أن مصرفه اعتمد لسنوات على جذب المودعين عبر تقديم أعلى أسعار فائدة في تاريخ البلاد، وهي السياسة التي وصفتها الدوائر الاقتصادية بأنها «عملية هروب إلى الأمام» أدت في النهاية إلى تراكم قروض غير منتظمة وجبال من الديون التي استنزفت البنك المركزي.

«إيران مول»... نصب تذكاري للفساد

يتجلى عمق المأساة في قصة «إيران مول»، المشروع العملاق الذي موّله بنك «آينده» والذي صُمم ليكون أكبر مركز تجاري في المنطقة بمساحة تفوق حجم «البنتاغون»، وفق «وول ستريت جورنال». في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد الإيراني يترنح تحت وطأة العقوبات، كانت أموال المودعين تُضخ لبناء قاعات مرايا ملكية ودور سينما فاخرة، فيما وصفه الخبراء بأنه «مخطط بونزي» (Ponzi Scheme) تحت رعاية رسمية. لقد كان هذا المشروع تجسيداً صارخاً لسياسة «الإقراض الذاتي»، حيث منح البنك قروضاً هائلة لشركات يملكها مؤسسه علي أنصاري؛ ما جعل 90 في المائة من موارد البنك محبوسة في مشاريع عقارية غير سائلة، بينما يعجز المواطنون عن سحب مدخراتهم البسيطة لتأمين لقمة العيش.

المصرف المركزي وطباعة الديون

لقد كشف انهيار بنك «آينده» عن الوجه القبيح للعلاقة بين النخبة المالية والسياسة النقدية في طهران؛ حيث استمر البنك المركزي الإيراني لسنوات في طباعة كميات مهولة من الريالات لضخ السيولة في عروق بنك أنصاري المتصلب، محاولاً إبقاءه على قيد الحياة بأي ثمن. هذا الدعم الحكومي لم يكن لإنقاذ المودعين بقدر ما كان لحماية المصالح المتشابكة للنخبة المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وفق «وول ستريت جورنال».

فرع لبنك «ملي» الذي استحوذ على مصرف «آينده» (أ.ف.ب)

العاصفة الكاملة وتآكل الهيبة

جاء هذا الانهيار المالي في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، حيث تزامنت الأزمة الاقتصادية مع تراجع حاد في قدرة النظام على الردع العسكري عقب المواجهة المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو (حزيران) الماضي. هذا الفشل المزدوج، المالي والعسكري، أدى إلى تآكل «شرعية الإنجاز» التي كان النظام يستند إليها. ومع تشديد الرقابة الأميركية على تدفقات الدولار من العراق، والتي كانت تمثل «الرئة المنسية» للاقتصاد الإيراني، وجد البنك المركزي نفسه مجرداً من أدوات التدخل لحماية الريال، الذي هوى في عام 2025 ليفقد 84 في المائة من قيمته، محولاً حياة الطبقة المتوسطة إلى كابوس يومي من الغلاء الفاحش.

الموازنة «الانتحارية» والطريق المسدود

بدلاً من أن تعمل الحكومة على امتصاص غضب الشارع، جاءت موازنة ديسمبر (كانون الأول) لتعمق الجراح عبر إجراءات تقشفية قاسية وصفها محللون بأنها «رصاصة الرحمة» على العقد الاجتماعي الهش. شملت الموازنة رفع الدعم عن الخبز والوقود وإلغاء أسعار الصرف التفضيلية، وهي خطوات كانت تهدف لتوفير 10 مليارات دولار لتغطية عجز الدولة المنهارة.

لكن هذه الأرقام تحولت على أرض الواقع صدمة معيشية دفعت حتى «البازار» التقليدي — وهو العمود الفقري للاستقرار التاريخي في طهران — للنزول إلى الشارع، بعد أن وجد التجار أنفسهم عاجزين عن تسعير بضائعهم في ظل عملة تنهار قيمتها بالدقيقة والساعة.

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» من ثاني أيام احتجاجات البازار (أ.ب)

احتضار النظام المالي

إن ما يحدث اليوم في المدن الإيرانية ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو تعبير عن وصول «دولة الاستثناء» إلى طريق مسدود. فبعد عقود من هندسة الالتفاف على العقوبات واستخدام البنوك قنواتٍ لإثراء النخبة المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، جفت المنابع تماماً.

وبات انهيار بنك «آينده» يمثل نموذجاً لـ5 بنوك كبرى أخرى تواجه المصير ذاته؛ ما يضع النظام أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في طباعة الأموال والمخاطرة بانهيار اجتماعي شامل، أو القبول بإصلاحات جذرية قد تقتلع جذور النخبة المالية الحاكمة. وفي ظل أزمات موازية في المياه والكهرباء، يبدو أن الدولة لم تعد تملك سوى «القبضة الأمنية» لمواجهة شعب لم يعد لديه ما يخسره.


المنتدى الاقتصادي العالمي يدق ناقوس الخطر بقرب «المواجهة الاقتصادية»

ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)
ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)
TT

المنتدى الاقتصادي العالمي يدق ناقوس الخطر بقرب «المواجهة الاقتصادية»

ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)
ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)

تصدرت المواجهة الاقتصادية بين الدول وتداعياتها استطلاع «المنتدى الاقتصادي العالمي» السنوي لتصورات المخاطر، والذي نُشر الأربعاء، لتحل محل النزاع المسلح كأكبر مصدر قلق لدى أكثر من 1300 خبير شملهم الاستطلاع حول العالم.

وأظهر الاستطلاع تراجعاً في تصنيف المخاطر البيئية، بينما برزت مخاوف أخرى، ولا سيما المخاوف بشأن العواقب طويلة الأجل لضعف حوكمة الذكاء الاصطناعي.

وأشارت سعدية زاهدي، المديرة العامة للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، المقرر انطلاقه الأسبوع المقبل، إلى ارتفاع الرسوم الجمركية، والرقابة على الاستثمار الأجنبي، وتشديد القيود على إمدادات الموارد، مثل المعادن الحيوية، كأمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» التي احتلت المرتبة الأولى من حيث المخاطر.

وقالت في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت: «نرى ذلك عندما تتحول أدوات السياسة الاقتصادية إلى أسلحة في جوهرها، بدلاً من أن تكون أساساً للتعاون»، مشيرة إلى سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «أميركا أولاً» التي أدت إلى ارتفاع حاد في الرسوم الجمركية على مستوى العالم، وزادت من حدة التوترات بين الولايات المتحدة والصين، المهيمنة على المعادن الحيوية وثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وتراجعت المخاطر المتوقعة المتعلقة بالظواهر الجوية المتطرفة خلال العامين المقبلين من المركز الثاني إلى الرابع، والتلوث من السادس إلى التاسع. كما انخفض القلق بشأن التغيرات الخطيرة في النظم البيئية وفقدان التنوع البيولوجي سبعة وخمسة مراكز على التوالي.

ومع ذلك، عندما سُئل المشاركون أنفسهم عن أبرز مخاوفهم على مدى 10 سنوات، وضعوا هذه المخاوف البيئية ضمن المراكز الثلاثة الأولى. أما القلق بشأن «الآثار السلبية لتقنيات الذكاء الاصطناعي» فقد احتل المركز الثلاثين على مدى عامين، ولكنه تراجع إلى المركز الخامس على مدى 10 سنوات.

وقالت سعدية زاهدي إن الاستطلاع كشف أن معظم المخاوف تركزت على كيفية تأثير قصور الحوكمة حول الذكاء الاصطناعي سلباً على الوظائف والمجتمع والصحة النفسية، في ظل ازدياد استخدامه سلاحاً في الحروب.

وأوضح المنتدى الاقتصادي العالمي أن استطلاعه السنوي يستند إلى ردود أكثر من 1300 من القادة والخبراء العالميين، من الأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال والحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني.

وتم إصدار النتائج قبل أيام من الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، المقرر انعقاده في الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، والذي من المتوقع أن يحضره الرئيس الأميركي دونالد ترمب.