اليورو يتحدى الدولار... هل تنجح أوروبا في استغلال فرصتها الذهبية؟

أوراق نقدية من اليورو والدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو والدولار الأميركي (رويترز)
TT

اليورو يتحدى الدولار... هل تنجح أوروبا في استغلال فرصتها الذهبية؟

أوراق نقدية من اليورو والدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو والدولار الأميركي (رويترز)

بينما كان القلق من سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية يدفع الدولار نحو أدنى مستوياته منذ سنوات، طالبت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، في أواخر مايو (أيار) قادة أوروبا بوضع أموالهم - أو بالأحرى عملتهم - حيث أقوالهم.

وأوضحت في خطاب ألقته في برلين أن القلق من الهجوم على الوضع الاقتصادي الراهن يُشكّل فرصة لأوروبا لتعزيز هدفها في زيادة نفوذ العملة الموحدة.

واستناداً إلى مقترحات العام الماضي التي قدّمها سلفها ماريو دراغي لإصلاح شامل للنظام المالي الأوروبي، ابتكرت لاغارد عبارة لتحديد هذه الفرصة: «اللحظة العالمية لليورو الأوروبي».

وأكد مصدر مطلع على أفكارها لـ«رويترز» أن منطقها كان واضحاً: فقد اقتنعت لاغارد - وزيرة مالية سابقة في فرنسا - بأن هذه قد تكون لحظة حاسمة لأوروبا، وشعرت بخيبة أمل من نقص القيادة السياسية، عادّةً أن صوتاً واحداً على الأقل يجب أن يملأ الفراغ.

وبعد مرور أربعة أشهر، وسنة منذ تقرير دراغي، تُغرق الانقسامات الوطنية والأولويات الأخرى مثل الحرب في أوكرانيا، التعامل مع ترمب، ومواجهة الاضطرابات السياسية الداخلية، دعوات لاغارد لتعزيز أسس العملة الموحدة.

وتشير مقابلات «رويترز» مع أكثر من عشرة مسؤولين في منطقة اليورو والبنوك المركزية، وكبار المصرفيين الخاصين، والمراقبين المخضرمين في بروكسل، إلى شعور بالجمود السياسي.

وذكرت المصادر أن الإجراءات التي كان من شأنها تعزيز جاذبية اليورو للمستثمرين قد أُهملت، بما في ذلك:

- مقترحات لإصدار دين مشترك باليورو لتمويل الدفاع الأوروبي، التي واجهت مقاومة من برلين وباريس.

- رفض دول أصغر ذات قطاعات مالية كبيرة المركزية الإشرافية في هيئات الاتحاد الأوروبي.

- تأخر خطط إنشاء نسخة رقمية من اليورو.

وقال إنريكو ليّتا، رئيس الوزراء الإيطالي السابق، الذي قدّم تقريره حول الإصلاحات اللازمة لسوق الاتحاد الأوروبي الموحدة العام الماضي: «أساساً، تكافح أوروبا للتركيز على كثير من الأزمات في وقت واحد. أرى أوروبا منقسمة».

الدولار هو الملك

اليورو، الذي يحمله 350 مليون أوروبي من دبلن إلى نيقوسيا، يُعد من أبرز إنجازات الاتحاد الأوروبي الملموسة. فقد كاد ينهار خلال أزمة الديون السيادية قبل 15 عاماً، وهو ثمرة عملية إصلاحات مصرفية ونقدية دامت ثلاثة عقود وما زالت مستمرة.

لكن الدولار لا يزال مسيطراً عالمياً، حيث يمثل ثلاثة أخماس احتياطيات البنوك المركزية، والعملات الرئيسية في المعاملات للسلع مثل النفط، ويمنح الحكومة الأميركية وصولاً سريعاً إلى قاعدة واسعة من المقرضين، ويتيح لها ممارسة نفوذ مالي واسع. وكما قال ترمب في يوليو (تموز): «الدولار هو الملك وسنظل نحافظ على ذلك».

ومع ذلك، يمكن لليورو أن يُصنَّف بوصفه ثاني أكثر العملات تفضيلاً عالمياً، إذ يمثل نحو 20 في المائة من احتياطيات البنوك المركزية العالمية، ونسبة مشابهة من فواتير التجارة العالمية. وبالإضافة إلى الدول العشرين في منطقة اليورو، هناك 60 دولة ربطت عملاتها مباشرة أو غير مباشرة باليورو.

وقد ارتفع اليورو بنحو 13 في المائة مقابل الدولار هذا العام، وصولاً إلى أعلى مستوى له منذ أربع سنوات، مع اتفاق المستثمرين على أن المكاسب المحتملة قد تستمر مع بدء الاحتياطي الفيدرالي الأميركي دورة خفض معدل الفائدة المرجعي.

وفي ظل تحول عصر التجارة الحرة إلى الحمائية وتصاعد التوترات الاقتصادية تحت حكم ترمب، يعترف القادة الأوروبيون بأن تعزيز مكانة اليورو العالمية سيحمي اقتصاداتهم المعتمدة على الصادرات.

والحجة تقول إن زيادة حضور اليورو في التجارة واحتياطيات العالم سيساعد على عزل المنطقة من تقلبات أسعار الصرف وتدفقات رأس المال، وحتى العقوبات الاقتصادية إذا تفاقمت التوترات.

المراحل الثلاث لتعزيز اليورو

لكن العواصم الأوروبية تتردد في تنفيذ ثلاث خطوات أساسية:

1. بناء مخزون كافٍ من الأصول الآمنة باليورو للمستثمرين.

2. إدخال تغييرات مؤسسية لاستكمال الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي.

3. الاستجابة للتحدي المتنامي للعملات الرقمية.

مزيد من الأصول الآمنة ضروري

الخطوة الأولى هي الأكثر جدلية، لا سيما بالنسبة لأكبر اقتصاد أوروبي، ألمانيا. إذ يبلغ حجم سندات حكومات منطقة اليورو نحو 13 تريليون دولار، مقارنة بـ30 تريليون دولار لسندات الخزانة الأميركية. وبينما يعد معظم المستثمرين 2.3 تريليون دولار من السندات الألمانية استثماراً آمناً، فإن الأمر يختلف بالنسبة للسندات الإيطالية أو الفرنسية التي تواجه اضطرابات سياسية.

وقال ألفريد كامر، رئيس قسم أوروبا في صندوق النقد الدولي: «لا تمتلك أوروبا سوق رأس مال عميقة بما فيه الكفاية، فهي مجزأة على أساس وطني وتفتقر إلى أصول آمنة كبيرة وسائلة حقاً».

وتُطرح هنا فكرة إصدار أنواع جديدة من الدين بضمان جماعي للدول العشرين في منطقة اليورو، حيث يمكن أن تجمع الدول حتى 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لديونها الوطنية في سندات «زرقاء» مشمولة بالمسؤولية المشتركة، فيما تبقى أي ديون وطنية إضافية على عاتق الدولة نفسها.

لكن هذه الأفكار تواجه العقبة نفسها: رفض الدول الشمالية مثل ألمانيا وهولندا مشاركة المسؤولية مع دول جنوب أوروبا التي تراها مسرفة.

وقد أدت جائحة «كوفيد - 19» في 2020 إلى موافقة العواصم لأول مرة على مشاركة الدين من خلال صندوق التعافي «جيل المستقبل» بقيمة 800 مليار يورو: حزمة تحفيز لمرة واحدة يأمل البعض أن تمثل سابقة.

ثم، بعد خمس سنوات، أثار تشكك ترمب في «الناتو» آمالاً بإجراءات إضافية، إذ يتطلب تعزيز القوة العسكرية الأوروبية تمويلاً هائلاً لسندات مشتركة باليورو.

وقال أولّي رين، رئيس البنك المركزي الفنلندي وعضو لجنة أسعار الفائدة بالبنك المركزي الأوروبي: «الدفاع يُشكّل فرصة لإنشاء أصول آمنة أخرى قد تعزز البنية المالية لأوروبا».

لكن وقت سندات الدفاع لم يحن بعد، ففي فبراير (شباط)، بعد تولي المستشار الألماني فريدريش ميرتس السلطة، اتخذ مساراً مختلفاً: تخفيف «فرملة الديون» الألمانية، ما يمكّن من إنفاق كبير على الدفاع والبنية التحتية، لكنه يظل تحت السيطرة الكاملة لبرلين.

وبالاجتماع الذي عقد في وارسو في أبريل (نيسان) لمناقشة الاقتراض المشترك لتمويل المعدات العسكرية، كان واضحاً أن ألمانيا وفرنسا غير مقتنعتين، بينما دعمت عدة دول أخرى الفكرة.

مخاوف الاتحاد الرأسمالي

العقبة الثانية هي تجزئة أسواق رأس المال والبنوك الأوروبية عبر أكثر من 20 ولاية قضائية وطنية، وهي مشكلة حاول رئيس المفوضية الأوروبية السابق، جان كلود يونكر، حلها منذ 2014.

وكانت الفكرة إنشاء اتحاد للأسواق الرأسمالية لتوحيد القواعد الوطنية حول الإفلاس، والاكتتابات العامة، والمعالجة الضريبية للأرباح الرأسمالية والدين والأسهم، لتسهيل استثمار الأموال في أصول المنطقة.

لكن سنوات من التقدم الجزئي في المشروع، الذي أعيدت تسميته مؤخراً «اتحاد الادخار والاستثمار»، أظهرت مدى تردد العواصم الأوروبية وكثير من المصرفيين في نقل القرار إلى هيئات الاتحاد الأوروبي.

واقترحت لاغارد إنشاء هيئة أوروبية شبيهة بهيئة الأوراق المالية والبورصة الأميركية لمراقبة المخاطر عبر الاتحاد، أو توسيع صلاحيات هيئة الأوراق والأسواق الأوروبية (ESMA)، لكن فرنسا وألمانيا دعمت الفكرة، في حين عرقلت دول أصغر مثل لوكسمبورغ ومالطا وآيرلندا المشروع.

وفي يونيو (حزيران)، وافق قادة الاتحاد الأوروبي على ضرورة «التقدم بشكل حاسم» لتعزيز مكانة اليورو بوصفه عملة احتياطية ومعاملاتية. وتشمل الخطوات المقررة حتى نهاية العام تعزيز الثقافة المالية بين الأوروبيين، وتسهيل الاستثمار في أسواق الأوراق المالية، لكن الهدف الأكبر المتمثل في مركزية الأسواق والإشراف على الأوراق المالية يواجه عقبات حتى الآن.

اليورو الرقمي: متى؟

يسعى اليورو إلى تعزيز تأثيره العالمي بوصفه عملة ورقية مدعومة بقدرة البنك المركزي الأوروبي، لكن ظهور العملات المشفرة ودخول الولايات المتحدة في العملات المستقرة (Stablecoins) يفتح جبهة جديدة.

إلا أن أوروبا تواجه تحديات أيضاً، جمود مشروع تشريع اليورو الرقمي منذ أكثر من عامين، رغم عقد البنك المركزي الأوروبي 14 جلسة استماع حول المشروع. ويخشى البنوك والمشرعون من أن يسحب هذا المشروع ودائع البنوك، ويستلزم تكاليف ضخمة دون هدف محدد، حيث يُصوّر أحياناً كأنه أداة دفاع ضد العملات المشفرة أو أداة مالية رقمية جديدة.


مقالات ذات صلة

الدولار قرب ذروة 3 أشهر مع تصاعد مخاوف الطاقة

الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار قرب ذروة 3 أشهر مع تصاعد مخاوف الطاقة

استقر الدولار الأميركي قرب أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر خلال تداولات آسيا يوم الأربعاء، في وقت واصل فيه المستثمرون تقليص مراكزهم في اليورو.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد رسم توضيحي لأوراق نقدية من الفرنك السويسري واليورو بمدينة زينيتسا وسط البوسنة (أرشيفية-رويترز)

تصعيد الشرق الأوسط يهز أسواق الصرف ويعيد تموضع العملات

ارتفع الفرنك السويسري، صباح الاثنين، إلى أعلى مستوى له مقابل اليورو، في أكثر من عشر سنوات، مدفوعاً بتدفق المستثمرين نحو الأصول الآمنة، في ظل تصاعد المخاوف.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد كريستين لاغارد خلال حديثها عقب اجتماع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت 5 فبراير الحالي (رويترز)

لاغارد: تضخم الغذاء سيستقر فوق 2 % قليلاً والذكاء الاصطناعي يعزز الإنتاجية

أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، أن البنك يتوقع أن يستقر تضخم أسعار الغذاء عند مستوى يفوق الهدف البالغ 2 في المائة بقليل بحلول أواخر العام.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد بييرو سيبولوني عضو مجلس الإدارة التنفيذي في البنك المركزي الأوروبي يتحدث إلى الصحافيين في روما (رويترز)

تمهيداً لإطلاقه في 2029... «المركزي الأوروبي» يقدّر تكلفة «اليورو الرقمي» بالمليارات

قال بييرو سيبولوني، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، يوم الخميس، إن إطلاق اليورو الرقمي قد يكلف بنوك الاتحاد الأوروبي ما بين 4 و6 مليارات يورو.

«الشرق الأوسط» (ميلانو )
الاقتصاد فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية ببروكسل.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

قفزة جديدة سجّلها سعر صرف الدولار في مصر، حيث تخطى حاجز 53 جنيهاً تزامناً مع «إجراءات تقشفية» تتخذها الحكومة، خصوصاً على مستوى الطاقة لتجاوز تداعيات حرب إيران.

ذلك الارتفاع غير المسبوق في قيمة الدولار أمام الجنيه، يراه خبير اقتصادي مصري تحدث لـ«الشرق الأوسط»، نتيجة للضغوط الكثيرة على الاقتصاد، في ظل تراجع للإيرادات الدولارية، ولا سيما قناة السويس، كما أن «ارتفاع الدولار يزيد المخاوف من تفاقم الغلاء في البلاد».

وشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية تعاملات الأحد، متجاوزاً حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى في عدد من البنوك.

وحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، سجّل سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتى ظهر الأحد 53.53 جنيه للشراء و53.63 جنيه للبيع.

الخبير الاقتصادي، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، علي الإدريسي، يرى أن «الارتفاع الحالي كان متوقعاً في ظل الضغوط على الاقتصاد»، موضحاً أن «سعر الصرف يتحدد بناء على قوى العرض والطلب، بينما يواجه الاقتصاد تحديات في تدفقات النقد الأجنبي المتمثلة في السياحة، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب تداعيات حرب إيران».

في المقابل، تلتزم الدولة بسداد التزامات وديون مستحقة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الاستيراد، ولا سيما قطاع الطاقة، حيث ارتفع برميل البترول من 77 دولاراً إلى مستويات تتراوح بين 100 و105 دولارات مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً، بحسب تقرير «وكالة فيتش» منذ أيام، وهذا يخلق مشكلتين تتمثلان في زيادة سعر المنتج عالمياً وتراجع قيمة العملة محلياً، بحسب الإدريسي.

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن «قطاع الصناعة يتصدر قائمة القطاعات الأكثر تضرراً جراء التقلبات الراهنة في أسعار الصرف، لأن معظم مدخلات الإنتاج مستوردة من الخارج». وأشار إلى أن «المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لهذه الضغوط، مروراً بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، وما تلاها من ارتفاع في تذاكر مترو أنفاق القاهرة والقطارات، فضلاً عن الزيادات المتوقعة في أسعار الكهرباء».

يأتي ذلك وسط تحركات حكومية للتخفيف من تداعيات الحرب الإيرانية. وأكّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الخميس، مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر»، لافتاً إلى تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد المصري مع «تأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».

وقبل نحو أسبوعين، اتخذت الحكومة المصرية قرارات «استثنائية» تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وسط إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، مع استعداد رسمي لتقديم حزمة حماية تشمل دعم الأجور والمعاشات والسلع.

وطالب علي الإدريسي الحكومة بـ«وضع ضوابط لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة»، لافتاً إلى «أهمية انتقال التعامل الحكومي الحالي الناعم إلى ما أهو أشد، بما يتناسب مع حجم الضغوط التي يواجهها المواطن، وذلك بإحكام القبضة على الأسواق وتفعيل إجراءات صارمة ضد المتلاعبين لمواجهة الغلاء المتصاعد».


«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
TT

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

وأثرت الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي وعلى مصر تحديداً، وسط تعطل مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إجمالي النفط والغاز عالمياً.

وترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة «إتش سي»، أن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، وارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، فضلاً عن اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 16 في المائة على أساس شهري، و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني)؛ قد حصّن الاقتصاد المصري من تداعيات سلبية قوية.

وأشارت منير إلى أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ الأول من مارس (آذار) الحالي حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو 9 في المائة منذ 28 فبراير ليصل إلى 52.6 جنيه، وهو الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.

وتوقعت هبة منير زيادة معدل التضخم لشهر مارس إلى 14.3 في المائة على أساس سنوي، و2.4 في المائة على أساس شهري، وهو ما قد يرفع التضخم المتوقع للعام الحالي بأكمله إلى 13-14 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة قبل اندلاع الحرب، ما بين 10-11 في المائة، و«هو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي».

وأرجعت ذلك إلى «ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المائة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المائة في المتوسط في 10 مارس، والتي سيكون لها تأثير على معدلات التضخم».

وفيما يتعلق بأسعار العائد على أذون الخزانة، قام البنك المركزي المصري برفع العائد للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أذون الخزانة على المدى القصير؛ إذ بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهراً 23.4 في المائة، بما يعكس سعر فائدة حقيقياً إيجابياً قدره 6.94 في المائة.

و«بناءً على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على موارد مصر من النقد الأجنبي، والتوقعات المُحدَثة للتضخم، ورغبة الحكومة من واقع رؤيتنا في الإبقاء على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين، والمحافظة على مستهدفات نسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي؛ نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده يوم الخميس المقبل 2 أبريل (نيسان)».


القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
TT

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

في ظل التحول المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في السعودية، برزت استثمارات القطاع الخاص بوصفها من أبرز محركات النمو، مع تنامي دوره شريكاً رئيسياً في تطوير الوجهات السياحية وتعزيز جاذبية السوق، مدعوماً بحوافز حكومية ومنظومة استثمارية متكاملة.

وقد تجلى هذا الدور الريادي في قلب الجلسات النقاشية للنسخة الرابعة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقدة في ميامي؛ حيث اجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال. وأكد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، أن المملكة تقدم نموذجاً لسوق جاهزة تماماً لاستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن «دور القطاع الخاص، ومشاركته الفاعلة، هما الركيزة الأساسية لهذا النجاح، حيث يُسهم بنحو 48 في المائة من إجمالي الاستثمارات السياحية».

وقال إن المملكة، في إطار «رؤية 2030»، نجحت في بناء منظومة استثمارية متكاملة لا تقوم على مشروعات ووجهات متفرقة، بل على تكامل السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكين الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، بما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.

دور القطاع الخاص

من جهته، أكد وكيل وزارة السياحة لتمكين الوجهات السياحية، محمود عبد الهادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القطاع الخاص أصبح لاعباً رئيسياً في دفع عجلة السياحة، مسهماً بنحو 219 مليار ريال (58.4 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع، البالغة 452 مليار ريال، مقابل 233 مليار ريال (62.1 مليار دولار) يسهم بها (صندوق الاستثمارات العامة)، في نموذج يعكس شراكة استراتيجية لتعزيز النمو المستدام».

وفي سياق تعزيز الجاذبية الاستثمارية، كشف عن أن المملكة حلّت في «المركز الـ5» ضمن اقتصادات «مجموعة العشرين» لعام 2024 من حيث الكثافة الاستثمارية، مع حصة استثمارية بلغت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد المعدلات الأعلى عالمياً.

كما نجحت في جذب 56 مشروعاً سياحياً نوعياً بين عامي 2019 و2024 بقيمة استثمارية بلغت 1.9 مليار دولار.

جبال «فيفا» في جازان (وزارة السياحة)

حوافز استثمارية شاملة

وأوضح عبد الهادي أن المستثمرين في القطاع السياحي يستفيدون من حوافز متنوعة؛ تشمل «إعفاءات ضريبية طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسية، ودعم الأجور في المهن الخاضعة للتوطين، إلى جانب تخفيضات وإعفاءات من رسوم التراخيص البلدية، وتمويل المشروعات بمختلف أحجامها عبر (صندوق التنمية السياحي)؛ مما يسهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة وتخفيف المخاطر».

القطاع الخاص يقود البنية الفندقية

وأضاف أن القطاع الخاص يمثل نحو 60 في المائة من الغرف الفندقية الجديدة، وأنه يقود المشروعات الاستثمارية في 10 مناطق سعودية، «مع التركيز على الوجهات الكبرى والناشئة، في وقت نجحت فيه المملكة في جذب أكثر من 50 علامة فندقية عالمية، واستقطاب أكثر من 40 مستثمراً جديداً منذ عام 2020».

أرقام قياسية لعام 2025

سجل القطاع السياحي السعودي في 2025 نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، بزيادة 5 في المائة على العام السابق، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 301 مليار ريال (نحو 80.3 مليار دولار)، بنمو 6 في المائة مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح المحليين 92.9 مليون سائح مع إنفاق قدره 128.2 مليار ريال (نحو 34.2 مليار دولار)، فيما وصل عدد السياح الوافدين إلى 29.3 مليون سائح مع إنفاق 172.6 مليار ريال (نحو 46 مليار دولار). وتهدف المملكة إلى استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

سياح يشاهدون الغروب بالقرب من «صخرة الفيل» في العلا (وزارة السياحة)

أولويات الاستثمار المستقبلية

وأشار إلى أن المملكة وضعت أولويات للسنوات الخمس المقبلة؛ تشمل تطوير مرافق الضيافة، وتعزيز منصات الحجز والترويج السياحي، وإطلاق تجارب سياحية متنوعة تشمل الشواطئ والمدن والتراث والمغامرات، إلى جانب الاستثمار في السياحة الزراعية وسلسلة الإمداد السياحي والخدمات اللوجيستية، «بما يوفر فرصاً واسعة للقطاع الخاص ويعزز استدامة النمو».

منتجع فاخر في البحر الأحمر (وزارة السياحة)

حوافز السياحة

وأكد أن المملكة اعتمدت آليات لضمان النمو المستدام للمشروعات السياحية، تشمل «دعم استثمارات القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من النفقات الرأسمالية، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم البلدية لمدة تصل إلى 7 سنوات، وإعفاءات من ضريبة دخل الشركات للاستثمارات الأجنبية للفترة ذاتها، وتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الغرف الفندقية بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إلى جانب دعم استئجار الأراضي بنسبة 100 في المائة لمدة تصل إلى 20 عاماً».

منطقة البلد في جدة (وزارة السياحة)

دعم النمو المستدام

وأوضح أن اعتماد «نظام الاستثمار السعودي لعام 2025» مكّن المستثمرين الأجانب من التملك الكامل وحمايتهم، إلى جانب تسهيل حركة الأموال؛ «مما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق، بالتوازي مع تطوير الكوادر البشرية من خلال برامج تدريبية مختصة بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية».

وأكد أن هذه المنظومة المتكاملة، إلى جانب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «تمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات (رؤية 2030)، بما في ذلك رفع إسهام السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وخلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة»، مشدداً على أن «القطاع الخاص لم يعد مجرد مستثمر، بل هو شريك استراتيجي يقود نمو السياحة السعودية على المدى الطويل».