اليورو يتحدى الدولار... هل تنجح أوروبا في استغلال فرصتها الذهبية؟

أوراق نقدية من اليورو والدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو والدولار الأميركي (رويترز)
TT

اليورو يتحدى الدولار... هل تنجح أوروبا في استغلال فرصتها الذهبية؟

أوراق نقدية من اليورو والدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو والدولار الأميركي (رويترز)

بينما كان القلق من سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية يدفع الدولار نحو أدنى مستوياته منذ سنوات، طالبت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، في أواخر مايو (أيار) قادة أوروبا بوضع أموالهم - أو بالأحرى عملتهم - حيث أقوالهم.

وأوضحت في خطاب ألقته في برلين أن القلق من الهجوم على الوضع الاقتصادي الراهن يُشكّل فرصة لأوروبا لتعزيز هدفها في زيادة نفوذ العملة الموحدة.

واستناداً إلى مقترحات العام الماضي التي قدّمها سلفها ماريو دراغي لإصلاح شامل للنظام المالي الأوروبي، ابتكرت لاغارد عبارة لتحديد هذه الفرصة: «اللحظة العالمية لليورو الأوروبي».

وأكد مصدر مطلع على أفكارها لـ«رويترز» أن منطقها كان واضحاً: فقد اقتنعت لاغارد - وزيرة مالية سابقة في فرنسا - بأن هذه قد تكون لحظة حاسمة لأوروبا، وشعرت بخيبة أمل من نقص القيادة السياسية، عادّةً أن صوتاً واحداً على الأقل يجب أن يملأ الفراغ.

وبعد مرور أربعة أشهر، وسنة منذ تقرير دراغي، تُغرق الانقسامات الوطنية والأولويات الأخرى مثل الحرب في أوكرانيا، التعامل مع ترمب، ومواجهة الاضطرابات السياسية الداخلية، دعوات لاغارد لتعزيز أسس العملة الموحدة.

وتشير مقابلات «رويترز» مع أكثر من عشرة مسؤولين في منطقة اليورو والبنوك المركزية، وكبار المصرفيين الخاصين، والمراقبين المخضرمين في بروكسل، إلى شعور بالجمود السياسي.

وذكرت المصادر أن الإجراءات التي كان من شأنها تعزيز جاذبية اليورو للمستثمرين قد أُهملت، بما في ذلك:

- مقترحات لإصدار دين مشترك باليورو لتمويل الدفاع الأوروبي، التي واجهت مقاومة من برلين وباريس.

- رفض دول أصغر ذات قطاعات مالية كبيرة المركزية الإشرافية في هيئات الاتحاد الأوروبي.

- تأخر خطط إنشاء نسخة رقمية من اليورو.

وقال إنريكو ليّتا، رئيس الوزراء الإيطالي السابق، الذي قدّم تقريره حول الإصلاحات اللازمة لسوق الاتحاد الأوروبي الموحدة العام الماضي: «أساساً، تكافح أوروبا للتركيز على كثير من الأزمات في وقت واحد. أرى أوروبا منقسمة».

الدولار هو الملك

اليورو، الذي يحمله 350 مليون أوروبي من دبلن إلى نيقوسيا، يُعد من أبرز إنجازات الاتحاد الأوروبي الملموسة. فقد كاد ينهار خلال أزمة الديون السيادية قبل 15 عاماً، وهو ثمرة عملية إصلاحات مصرفية ونقدية دامت ثلاثة عقود وما زالت مستمرة.

لكن الدولار لا يزال مسيطراً عالمياً، حيث يمثل ثلاثة أخماس احتياطيات البنوك المركزية، والعملات الرئيسية في المعاملات للسلع مثل النفط، ويمنح الحكومة الأميركية وصولاً سريعاً إلى قاعدة واسعة من المقرضين، ويتيح لها ممارسة نفوذ مالي واسع. وكما قال ترمب في يوليو (تموز): «الدولار هو الملك وسنظل نحافظ على ذلك».

ومع ذلك، يمكن لليورو أن يُصنَّف بوصفه ثاني أكثر العملات تفضيلاً عالمياً، إذ يمثل نحو 20 في المائة من احتياطيات البنوك المركزية العالمية، ونسبة مشابهة من فواتير التجارة العالمية. وبالإضافة إلى الدول العشرين في منطقة اليورو، هناك 60 دولة ربطت عملاتها مباشرة أو غير مباشرة باليورو.

وقد ارتفع اليورو بنحو 13 في المائة مقابل الدولار هذا العام، وصولاً إلى أعلى مستوى له منذ أربع سنوات، مع اتفاق المستثمرين على أن المكاسب المحتملة قد تستمر مع بدء الاحتياطي الفيدرالي الأميركي دورة خفض معدل الفائدة المرجعي.

وفي ظل تحول عصر التجارة الحرة إلى الحمائية وتصاعد التوترات الاقتصادية تحت حكم ترمب، يعترف القادة الأوروبيون بأن تعزيز مكانة اليورو العالمية سيحمي اقتصاداتهم المعتمدة على الصادرات.

والحجة تقول إن زيادة حضور اليورو في التجارة واحتياطيات العالم سيساعد على عزل المنطقة من تقلبات أسعار الصرف وتدفقات رأس المال، وحتى العقوبات الاقتصادية إذا تفاقمت التوترات.

المراحل الثلاث لتعزيز اليورو

لكن العواصم الأوروبية تتردد في تنفيذ ثلاث خطوات أساسية:

1. بناء مخزون كافٍ من الأصول الآمنة باليورو للمستثمرين.

2. إدخال تغييرات مؤسسية لاستكمال الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي.

3. الاستجابة للتحدي المتنامي للعملات الرقمية.

مزيد من الأصول الآمنة ضروري

الخطوة الأولى هي الأكثر جدلية، لا سيما بالنسبة لأكبر اقتصاد أوروبي، ألمانيا. إذ يبلغ حجم سندات حكومات منطقة اليورو نحو 13 تريليون دولار، مقارنة بـ30 تريليون دولار لسندات الخزانة الأميركية. وبينما يعد معظم المستثمرين 2.3 تريليون دولار من السندات الألمانية استثماراً آمناً، فإن الأمر يختلف بالنسبة للسندات الإيطالية أو الفرنسية التي تواجه اضطرابات سياسية.

وقال ألفريد كامر، رئيس قسم أوروبا في صندوق النقد الدولي: «لا تمتلك أوروبا سوق رأس مال عميقة بما فيه الكفاية، فهي مجزأة على أساس وطني وتفتقر إلى أصول آمنة كبيرة وسائلة حقاً».

وتُطرح هنا فكرة إصدار أنواع جديدة من الدين بضمان جماعي للدول العشرين في منطقة اليورو، حيث يمكن أن تجمع الدول حتى 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لديونها الوطنية في سندات «زرقاء» مشمولة بالمسؤولية المشتركة، فيما تبقى أي ديون وطنية إضافية على عاتق الدولة نفسها.

لكن هذه الأفكار تواجه العقبة نفسها: رفض الدول الشمالية مثل ألمانيا وهولندا مشاركة المسؤولية مع دول جنوب أوروبا التي تراها مسرفة.

وقد أدت جائحة «كوفيد - 19» في 2020 إلى موافقة العواصم لأول مرة على مشاركة الدين من خلال صندوق التعافي «جيل المستقبل» بقيمة 800 مليار يورو: حزمة تحفيز لمرة واحدة يأمل البعض أن تمثل سابقة.

ثم، بعد خمس سنوات، أثار تشكك ترمب في «الناتو» آمالاً بإجراءات إضافية، إذ يتطلب تعزيز القوة العسكرية الأوروبية تمويلاً هائلاً لسندات مشتركة باليورو.

وقال أولّي رين، رئيس البنك المركزي الفنلندي وعضو لجنة أسعار الفائدة بالبنك المركزي الأوروبي: «الدفاع يُشكّل فرصة لإنشاء أصول آمنة أخرى قد تعزز البنية المالية لأوروبا».

لكن وقت سندات الدفاع لم يحن بعد، ففي فبراير (شباط)، بعد تولي المستشار الألماني فريدريش ميرتس السلطة، اتخذ مساراً مختلفاً: تخفيف «فرملة الديون» الألمانية، ما يمكّن من إنفاق كبير على الدفاع والبنية التحتية، لكنه يظل تحت السيطرة الكاملة لبرلين.

وبالاجتماع الذي عقد في وارسو في أبريل (نيسان) لمناقشة الاقتراض المشترك لتمويل المعدات العسكرية، كان واضحاً أن ألمانيا وفرنسا غير مقتنعتين، بينما دعمت عدة دول أخرى الفكرة.

مخاوف الاتحاد الرأسمالي

العقبة الثانية هي تجزئة أسواق رأس المال والبنوك الأوروبية عبر أكثر من 20 ولاية قضائية وطنية، وهي مشكلة حاول رئيس المفوضية الأوروبية السابق، جان كلود يونكر، حلها منذ 2014.

وكانت الفكرة إنشاء اتحاد للأسواق الرأسمالية لتوحيد القواعد الوطنية حول الإفلاس، والاكتتابات العامة، والمعالجة الضريبية للأرباح الرأسمالية والدين والأسهم، لتسهيل استثمار الأموال في أصول المنطقة.

لكن سنوات من التقدم الجزئي في المشروع، الذي أعيدت تسميته مؤخراً «اتحاد الادخار والاستثمار»، أظهرت مدى تردد العواصم الأوروبية وكثير من المصرفيين في نقل القرار إلى هيئات الاتحاد الأوروبي.

واقترحت لاغارد إنشاء هيئة أوروبية شبيهة بهيئة الأوراق المالية والبورصة الأميركية لمراقبة المخاطر عبر الاتحاد، أو توسيع صلاحيات هيئة الأوراق والأسواق الأوروبية (ESMA)، لكن فرنسا وألمانيا دعمت الفكرة، في حين عرقلت دول أصغر مثل لوكسمبورغ ومالطا وآيرلندا المشروع.

وفي يونيو (حزيران)، وافق قادة الاتحاد الأوروبي على ضرورة «التقدم بشكل حاسم» لتعزيز مكانة اليورو بوصفه عملة احتياطية ومعاملاتية. وتشمل الخطوات المقررة حتى نهاية العام تعزيز الثقافة المالية بين الأوروبيين، وتسهيل الاستثمار في أسواق الأوراق المالية، لكن الهدف الأكبر المتمثل في مركزية الأسواق والإشراف على الأوراق المالية يواجه عقبات حتى الآن.

اليورو الرقمي: متى؟

يسعى اليورو إلى تعزيز تأثيره العالمي بوصفه عملة ورقية مدعومة بقدرة البنك المركزي الأوروبي، لكن ظهور العملات المشفرة ودخول الولايات المتحدة في العملات المستقرة (Stablecoins) يفتح جبهة جديدة.

إلا أن أوروبا تواجه تحديات أيضاً، جمود مشروع تشريع اليورو الرقمي منذ أكثر من عامين، رغم عقد البنك المركزي الأوروبي 14 جلسة استماع حول المشروع. ويخشى البنوك والمشرعون من أن يسحب هذا المشروع ودائع البنوك، ويستلزم تكاليف ضخمة دون هدف محدد، حيث يُصوّر أحياناً كأنه أداة دفاع ضد العملات المشفرة أو أداة مالية رقمية جديدة.


مقالات ذات صلة

الدولار قرب ذروة 3 أشهر مع تصاعد مخاوف الطاقة

الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار قرب ذروة 3 أشهر مع تصاعد مخاوف الطاقة

استقر الدولار الأميركي قرب أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر خلال تداولات آسيا يوم الأربعاء، في وقت واصل فيه المستثمرون تقليص مراكزهم في اليورو.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد رسم توضيحي لأوراق نقدية من الفرنك السويسري واليورو بمدينة زينيتسا وسط البوسنة (أرشيفية-رويترز)

تصعيد الشرق الأوسط يهز أسواق الصرف ويعيد تموضع العملات

ارتفع الفرنك السويسري، صباح الاثنين، إلى أعلى مستوى له مقابل اليورو، في أكثر من عشر سنوات، مدفوعاً بتدفق المستثمرين نحو الأصول الآمنة، في ظل تصاعد المخاوف.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد كريستين لاغارد خلال حديثها عقب اجتماع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت 5 فبراير الحالي (رويترز)

لاغارد: تضخم الغذاء سيستقر فوق 2 % قليلاً والذكاء الاصطناعي يعزز الإنتاجية

أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، أن البنك يتوقع أن يستقر تضخم أسعار الغذاء عند مستوى يفوق الهدف البالغ 2 في المائة بقليل بحلول أواخر العام.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد بييرو سيبولوني عضو مجلس الإدارة التنفيذي في البنك المركزي الأوروبي يتحدث إلى الصحافيين في روما (رويترز)

تمهيداً لإطلاقه في 2029... «المركزي الأوروبي» يقدّر تكلفة «اليورو الرقمي» بالمليارات

قال بييرو سيبولوني، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، يوم الخميس، إن إطلاق اليورو الرقمي قد يكلف بنوك الاتحاد الأوروبي ما بين 4 و6 مليارات يورو.

«الشرق الأوسط» (ميلانو )
الاقتصاد فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية ببروكسل.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.