«الفيدرالي» يُخفّض الفائدة ولا يُطمئن الأسواق وسط رسائل متضاربة من باول

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول يتحدث إلى الصحافيين بعد قرار خفض الفائدة (إ.ب.أ)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول يتحدث إلى الصحافيين بعد قرار خفض الفائدة (إ.ب.أ)
TT

«الفيدرالي» يُخفّض الفائدة ولا يُطمئن الأسواق وسط رسائل متضاربة من باول

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول يتحدث إلى الصحافيين بعد قرار خفض الفائدة (إ.ب.أ)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول يتحدث إلى الصحافيين بعد قرار خفض الفائدة (إ.ب.أ)

يبدو أن المستثمرين سيواجهون بضعة أشهر متقلبة بعد أن استأنف مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» خفض أسعار الفائدة وفتح الباب لمزيد من التيسير، لكنه في الوقت نفسه أرفق رسالته بتحذيرات من تضخم عنيد، مما أثار الشكوك حول وتيرة التعديلات المستقبلية في السياسة النقدية.

وبات بعض المستثمرين أقل يقيناً الآن من أن تحولاً سريعاً نحو تكاليف اقتراض أقل سيتحقق، مما قد يُضعف التفاؤل بأن الأسهم والسندات ستحصل على دفعة قوية من السياسة النقدية الميسرة. وما زاد من حالة عدم اليقين هو التباين الواسع في وجهات النظر داخل «الفيدرالي» بشأن المسار المستقبلي لأسعار الفائدة.

وقال لاري هاثواي، خبير استراتيجيات الاستثمار العالمي في معهد «فرانكلين تمبلتون»، إن رسالة الفيدرالي «عززت» وجهة نظرهم «الحذرة» تجاه السوق. وأضاف هاثواي أن الكثيرين في السوق سيصابون بخيبة أمل طفيفة بسبب الافتقار إلى الوضوح والتوجيه من «الفيدرالي»، الذي أحجم عن تأييد توقعات السوق بسلسلة واضحة من التخفيضات، مؤكداً على نهج يعتمد على البيانات ويتم دراسته في كل اجتماع على حدة.

متداول يراقب تطور أسعار الأسهم فيما يتحدث رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول بعد قرار خفض الفائدة (رويترز)

«الفيدرالي» يواجه وضعاً «صعباً»

في اجتماع يوم الأربعاء، خفض «الفيدرالي» سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى نطاق 4 في المائة - 4.25 في المائة، في أول خفض منذ ديسمبر (كانون الأول)، وأشار إلى دورة تيسير تدريجية استجابةً للمخاوف المتزايدة بشأن سوق العمل. وفي الوقت نفسه، سلط رئيس «الفيدرالي» جيروم باول الضوء على «وضع صعب» لصانعي السياسات، مشيراً إلى أن مخاطر التضخم تميل إلى الارتفاع بينما تميل مخاطر التوظيف إلى الانخفاض.

أدت هذه التعليقات إلى إضعاف تفاؤل السوق على الرغم من التحول «الحمائمي» الذي كان يأمله الكثيرون بعد البيانات الأخيرة التي أظهرت ارتفاع البطالة إلى 4.3 في المائة في أغسطس (آب) ونمو الوظائف بأقل بكثير من المتوقع. كما أضافت المراجعة الكبيرة بالخفض لأرقام الوظائف حتى مارس (آذار) الماضي وزناً لوجهة النظر القائلة بأن سوق العمل يفقد قوته، مما يعزز مبررات إجراء تخفيضات متعددة في أسعار الفائدة.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول يخرج من القاعة بعد مؤتمره الصحافي عقب قرار خفض الفائدة (أ.ف.ب)

انقسام في التوقعات ومخاوف «الركود التضخمي»

عكست التوقعات الاقتصادية الفصلية المحدثة للبنك المركزي، والتي تضمنت توقعات أسعار الفائدة فيما يُعرف باسم «مخطط النقاط»، توقعات بمزيد من التيسير هذا العام، مقارنةً باجتماع يونيو (حزيران)، مع توقعات بـ50 نقطة أساس من التخفيضات قبل نهاية العام. في الوقت نفسه، لا تزال توقعات «الفيدرالي» للتضخم تشير إلى نهاية العام عند 3 في المائة، وهو أعلى بكثير من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة، بينما كانت توقعاته للنمو الاقتصادي أعلى قليلاً عند 1.6 في المائة مقابل 1.4 في المائة.

وقال دان سيلوك، مدير في «جانوس هندرسون إنفستورز»: «قد ترحب الأسواق بالتحيز نحو التيسير، لكن الرسالة تظل دقيقة وبعيدة عن التحول الكامل».

وتراجعت مؤشرات «ناسداك» و«إس آند بي 500»، التي كانت قريبة من مستويات قياسية قبل الاجتماع، لتغلق على انخفاض في تعاملات متقلبة يوم الأربعاء.

وارتفعت عوائد سندات الخزانة، حيث ارتفع عائد السنتين بأربع نقاط أساس إلى 3.55 في المائة، وعائد العشر سنوات بنحو سبع نقاط أساس إلى 4.09 في المائة.

وقال جاك ماكنتاير، مدير محفظة في «برانديواين غلوبال إنفستمنت مانجمنت»: «الفيدرالي في وضع صعب. فهم يتوقعون ركوداً تضخمياً، أو تضخماً أعلى وسوق عمل أضعف. وهذا ليس ببيئة جيدة للأصول المالية».

أثارت هذه المخاوف من «الركود التضخمي» - وهو مزيج مقلق من النمو البطيء والتضخم المرتفع الذي ابتليت به الولايات المتحدة في السبعينيات - تساؤلات حول قدرة «الفيدرالي» على دعم سوق العمل بتخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة.

انقسام واسع داخل الفيدرالي

واضطرت الأسواق أيضاً إلى التعامل مع «مخطط النقاط» الخاص بـ«الفيدرالي» الذي أظهر مجموعة واسعة من التوقعات، حيث توقع أحد الأعضاء سعر فائدة في نهاية العام عند 4.4 في المائة، وهو أعلى من النطاق الجديد 4 في المائة - 4.25 في المائة. في المقابل، توقع عضو آخر سعراً في نهاية العام عند 2.9 في المائة.

وقال جوش هيرت، كبير الاقتصاديين الأميركيين في «فانغارد»: «أعتقد أن السوق واجهت صعوبة في استيعاب كل المعلومات التي حصلت عليها. بالتأكيد، لم يمنح أي شخص رؤية واضحة» لكيفية اتخاذ صناع السياسة في «الفيدرالي» للقرارات.

وأضاف هيرت: «هناك مثل هذا الخلاف بين أعضاء اللجنة لدرجة أن هناك بعض عدم اليقين المتزايد»، ونتيجة لذلك، فإن «التقلبات الأكبر هي نتيجة محتملة لهذا العدد المتزايد من التيارات المختلفة».


مقالات ذات صلة

«وول ستريت»: أرباح الشركات الأميركية في اختبار «صدمة النفط»

الاقتصاد امرأة تسير تحت المطر في شارع «وول ستريت» بنيويورك (رويترز)

«وول ستريت»: أرباح الشركات الأميركية في اختبار «صدمة النفط»

تتأهب أسواق الأسهم الأميركية خلال الأسبوع الجاري لاختبار حقيقي مع انطلاق موسم أرباح الربع الأول.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد شعار «أنثروبيك» (رويترز)

«ميثوس»... «ثقب أسود» يهدد بنوك العالم

خلف الأبواب المغلقة في واشنطن، لم يكن التضخم هو ما استدعى الاجتماع الطارئ بين وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» ورؤساء «وول ستريت»، في نهاية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار «أنثروبيك» (رويترز)

«كلود ميثوس»... سلاح رقمي فتاك قد يُطفئ أنوار البنوك العالمية في ساعات

أثار نموذج ذكاء اصطناعي جديد وقوي من شركة «أنثروبيك» اجتماعات طارئة بين كبار المنظمين الماليين ولا سيما في أميركا لمناقشة مخاوف الأمن السيبراني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يترجل من طائرة الرئاسة في مطار شارلوتسفيل-ألبيمارل، بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

ترمب يروج لـ«طفرة» الطاقة: نحن بانتظار العالم في موانئنا

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن موجة جديدة من الزخم في صادرات الطاقة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كيفين وورش مشاركاً في أحد المؤتمرات (أرشيفية - رويترز)

خطر التأجيل يلاحق تعيين كيفن وورش رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»

يواجه تعيين كيفن وورش رئيساً لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» خطر التأجيل إلى ما بعد انتهاء ولاية جيروم باول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الأمم المتحدة»: الحرب الإيرانية قد تدفع 32 مليون شخص إلى الفقر

مواطنون في إحدى الأسواق بطهران (أ.ف.ب)
مواطنون في إحدى الأسواق بطهران (أ.ف.ب)
TT

«الأمم المتحدة»: الحرب الإيرانية قد تدفع 32 مليون شخص إلى الفقر

مواطنون في إحدى الأسواق بطهران (أ.ف.ب)
مواطنون في إحدى الأسواق بطهران (أ.ف.ب)

حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من انزلاق أكثر من 32 مليون شخص حول العالم إلى براثن الفقر، جراء التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية، ومن المتوقع أن تكون الدول النامية الأكثر تضرراً.

وفي تقرير صدر وسط شكوك حول هشاشة وقف إطلاق النار، ذكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن العالم يواجه «صدمة ثلاثية» تشمل الطاقة والغذاء وضعف النمو الاقتصادي.

وأوضحت الوكالة المعنية بمكافحة الفقر أن الصراع يُقوّض المكاسب التي تحققت في التنمية الدولية، ومن المتوقع أن يكون تأثيره متفاوتاً بين المناطق.

وقال ألكسندر دي كرو، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ورئيس وزراء بلجيكا السابق، إن «صراعاً كهذا يُعدّ تراجعاً للتنمية. حتى لو توقفت الحرب، ووقف إطلاق النار موضع ترحيب كبير، فإن آثار الصراع باقية بالفعل».

وتابع: «سنشهد أثراً طويل الأمد، لا سيما في الدول الأفقر، حيث يُدفع الناس إلى براثن الفقر مجدداً. هذا هو الجانب الأكثر إيلاماً. فالذين يُدفعون إلى الفقر غالباً ما يكونون هم أنفسهم الذين كانوا يعيشون في فقر، ثم خرجوا منه، والآن يُدفعون إليه من جديد»، حسبما أفادت صحيفة «الغارديان».

وارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد خلال الأسابيع الستة للحرب الإيرانية، حيث أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى انقطاع إمدادات النفط والغاز عن الاقتصاد العالمي. ومع ما ترتب على ذلك من آثار سلبية على إمدادات الأسمدة والشحن العالمي، يحذر الخبراء من أن «قنبلة موقوتة» تهدد الأمن الغذائي في العالم النامي.

وصرح رئيس صندوق النقد الدولي بأن «الآثار المدمرة» للحرب قد ألحقت ضرراً دائماً بالاقتصاد العالمي، حتى إن توقفت الحرب.

وفي تقريرها الذي نشرته بالتزامن مع اجتماع قادة العالم في واشنطن لحضور اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي، أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ضرورة وجود استجابة عالمية لدعم الدول الأكثر تضرراً من التداعيات الاقتصادية.

وأشار البرنامج إلى الحاجة إلى تحويلات نقدية موجهة ومؤقتة لحماية الأسر الأكثر ضعفاً في الدول النامية، بتكلفة تبلغ نحو 6 مليارات دولار للتخفيف من آثار الصدمات على من يعيشون تحت خط الفقر.

وقال دي كرو إن الوكالات الدولية وبنوك التنمية يمكنها تقديم الدعم المالي. وقال: «هناك عائد اقتصادي إيجابي من تقديم تحويلات نقدية قصيرة الأجل لتجنب عودة الناس إلى الفقر». ويمكن أن تشمل التدخلات البديلة إعانات مؤقتة أو قسائم للكهرباء أو غاز الطهي.

وبعد عرض 3 سيناريوهات للحرب، وجد البرنامج أنه في أسوأ الحالات - التي تتضمن 6 أسابيع من التعطيل الكبير لإنتاج النفط والغاز و8 أشهر من ارتفاع التكاليف المستمر - سيقع ما يصل إلى 32.5 مليون شخص حول العالم في براثن الفقر.

واستخدم التقرير خط الفقر لذوي الدخل المتوسط ​​الأعلى، وهو معيار دولي يحسبه البنك الدولي، ويُعرَّف بأنه دخل يقل عن 8.30 دولار للفرد يومياً.

وأشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أنه في حين أن الدول الغنية في وضع أقوى للتخفيف من التداعيات الاقتصادية للحرب، فإن دول الجنوب العالمي تعاني من وضع أضعف، وتواجه بالفعل قيوداً مالية شديدة.

يأتي هذا في وقتٍ تُخفِّض فيه الحكومات الغربية، بما فيها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، إنفاقها على المساعدات وسط ارتفاع مستويات الاقتراض والديون في الاقتصادات المتقدمة، ومطالبات بزيادة الإنفاق الدفاعي.

جدير بالذكر أن بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي نُشرت الأسبوع الماضي، أظهرت أن الدول الأعضاء في لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لها، خفضت إنفاقها على المساعدات بمقدار 174.3 مليار دولار في عام 2025، أي أقل بنحو الربع من رقم عام 2024.


ألمانيا تقر حزمة بـ1.9 مليار دولار لتخفيف أسعار الوقود وإنهاء الخلاف الائتلافي

رئيس حكومة ولاية بافاريا ماركوس زودر والمستشار فريدريش ميرتس ووزيرة العمل بربل باس ووزير المالية لارس كلينغبايل خلال مؤتمر صحافي في برلين (إ.ب.أ)
رئيس حكومة ولاية بافاريا ماركوس زودر والمستشار فريدريش ميرتس ووزيرة العمل بربل باس ووزير المالية لارس كلينغبايل خلال مؤتمر صحافي في برلين (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا تقر حزمة بـ1.9 مليار دولار لتخفيف أسعار الوقود وإنهاء الخلاف الائتلافي

رئيس حكومة ولاية بافاريا ماركوس زودر والمستشار فريدريش ميرتس ووزيرة العمل بربل باس ووزير المالية لارس كلينغبايل خلال مؤتمر صحافي في برلين (إ.ب.أ)
رئيس حكومة ولاية بافاريا ماركوس زودر والمستشار فريدريش ميرتس ووزيرة العمل بربل باس ووزير المالية لارس كلينغبايل خلال مؤتمر صحافي في برلين (إ.ب.أ)

وافقت الحكومة الائتلافية في ألمانيا على حزمة تخفيف لأسعار الوقود بقيمة 1.6 مليار يورو (1.9 مليار دولار)، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغوط على المستهلكين والشركات، وإنهاء خلاف سياسي حول كيفية التعامل مع تداعيات ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الحرب في إيران.

وقال حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» المحافظ، وشريكه في الائتلاف، الحزب «الاشتراكي الديمقراطي»، يوم الاثنين، إن الاتفاق يتضمن خفض ضريبة الطاقة على الديزل والبنزين بنحو 0.17 يورو للتر لمدة شهرين.

وتأتي هذه الخطوة في ظل اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، بعد أن أدت الحرب في إيران إلى أحد أكبر اختلالات الإمدادات في التاريخ الحديث، إلى جانب مخاوف إضافية من تداعيات الحصار الأميركي المزمع على الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، ما ساهم في استمرار ارتفاع أسعار النفط الخام، وفق «رويترز».

وقال المستشار فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي: «هذه الحرب هي السبب الحقيقي للمشكلات التي نواجهها في بلادنا أيضاً»، مضيفاً أن الحكومة تبذل أقصى جهدها لمعالجة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الصراع، في ظل هدنة هشة لا تزال قائمة.

كما اتفق الائتلاف على تقديم دعم مباشر للموظفين عبر مكافأة تصل إلى ألف يورو لكل عامل، تُمنح معفاة من ضرائب الرواتب والاشتراكات الاجتماعية، في محاولة لتخفيف أثر ارتفاع تكاليف المعيشة.

وجاء الاتفاق بعد أسبوع من التوتر داخل الائتلاف، على خلفية خلافات بشأن مقترح لفرض ضريبة على الأرباح الاستثنائية لشركات النفط، والذي طرحه وزير المالية لارس كلينغبايل من الحزب «الاشتراكي الديمقراطي»، وقوبل بانتقادات من وزيرة الاقتصاد كاترينا رايشه، المقربة من ميرتس، ما أدى إلى تعثر المفاوضات مؤقتاً.

وحسب مصدر مطلع، فقد اعتبر فريق ميرتس أن تلك التصريحات عرقلت جهوده لاحتواء الخلاف داخل الائتلاف وإدارته بهدوء.

وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه أكبر اقتصاد في أوروبا ضغوطاً متزايدة بسبب تباطؤ النمو وتداعيات الاضطرابات التجارية العالمية، ما زاد من الحاجة إلى تدخلات مالية عاجلة.

وفي سياق موازٍ، أعلن ميرتس معارضة بلاده تشديد قواعد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الخاصة بالاتحاد الأوروبي على السيارات الهجينة بدءاً من عام 2027، مؤكداً أن ألمانيا ستدفع باتجاه نهج أكثر مرونة وانفتاحاً على التكنولوجيا، بما يشمل الاعتراف بالوقود المتجدد.

كما تخطط الحكومة لإصلاح أوسع في ضريبة الدخل يستهدف أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط، على أن يبدأ تطبيقه بدءاً من يناير (كانون الثاني) 2027.


كيف يمكن تطبيق «حصار هرمز» تقنياً؟

سفينة شحن قبالة مدينة الفجيرة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفينة شحن قبالة مدينة الفجيرة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

كيف يمكن تطبيق «حصار هرمز» تقنياً؟

سفينة شحن قبالة مدينة الفجيرة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفينة شحن قبالة مدينة الفجيرة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن بدء عملية «خنق» الموانئ الإيرانية، تبرز تساؤلات حيوية حول الكيفية التي يمكن بها للبحرية الأميركية تنفيذ حصار عسكري في واحد من أضيق وأكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم. فالحصار ليس مجرد وقوف للسفن الحربية، بل هو عملية تقنية وقانونية وعسكرية معقدة تتجاوز في أبعادها مجرد الوجود الميداني، لتتحوَّل إلى استراتيجية «خنق» محكمة تهدف إلى تغيير قواعد اللعبة في أكثر الممرات المائية حساسية على كوكب الأرض.

شرعية «الزيارة والتفتيش»

تستند الولايات المتحدة في تنفيذ هذا الحصار إلى قواعد قانونية دولية صارمة، حيث تمنح القوى البحرية في حالات النزاع حق «الزيارة والتفتيش »، وفق صحيفة «نيويورك تايمز». وبموجب هذا التفويض، لا تكتفي المدمرات الأميركية بالمراقبة عن بُعد، بل يمتلك القادة الميدانيون سلطة اعتراض أي سفينة تجارية، بغض النظر عن جنسيتها، وإلزام ربانها بإيقاف المحركات للسماح لفرق تفتيش عسكرية بالصعود على متنها. هذه الآلية تمنح واشنطن اليد العليا في تقرير مصير الشحنات؛ فإما السماح بالعبور أو الحجز والتحويل إلى موانئ محايدة إذا ثبت وجود أي ارتباطات تجارية بالموانئ الإيرانية المحظورة، مما يضع السيادة البحرية لكل الدول تحت مجهر الرقابة الأميركية.

وفي هذا السياق، يرى جيمس كراسكا، أستاذ القانون البحري الدولي في كلية الحرب البحرية الأميركية، أن هذا الحصار قد يلحق ضرراً اقتصادياً فادحاً بإيران، مما يضعف قدرتها على تمويل عملياتها العسكرية بحرمانها من عصب حياتها وهو تصدير النفط. لكن كراسكا حذَّر في الوقت ذاته من «مأزق» قد يواجه الدول التي تعتمد على النفط الإيراني، كالصين، مشيراً إلى مخاطر ميدانية لا تزال قائمة، مثل الألغام البحرية وقدرة طهران على الرد عبر الصواريخ والطائرات المسيَّرة.

فرز الملاحة في ممر ضيق

على الصعيد العملي، تسعى القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) لتطبيق حصار «انتقائي» يفرز حركة الملاحة التي تتجاوز 150 سفينة يومياً في الحالات الطبيعية. وتتضمن الخطة العسكرية السماح للسفن المتوجهة من وإلى موانئ غير إيرانية بالمرور بحرية، شرط خضوعها لإجراءات التحقق.

ومع ذلك، فإن الطبيعة الجغرافية للمضيق تجعل من هذا الفصل مهمة شبه مستحيلة، وفق الصحيفة الأميركية؛ إذ تضطر الناقلات الضخمة للمرور في ممرات ملاحية ضيقة للغاية لا يتجاوز عرضها 3 كيلومترات، مما يضع القطع البحرية الأميركية في تماس مباشر وقريب جداً من بطاريات الصواريخ والزوارق السريعة الإيرانية، ويزيد من احتمالات الاحتكاك العسكري غير المقصود.

من «التسهيل» إلى «الإغلاق»

يمثل هذا الحصار تحولاً دراماتيكياً في السياسة الأميركية؛ فبينما كانت واشنطن تشن هجمات على أهداف إيرانية، حرص المسؤولون سابقاً على ضمان تدفق النفط لتجنب اشتعال أسعار الطاقة العالمية. وكان وزير الخزانة، سكوت بيسنت، قد أكَّد في وقت سابق أن واشنطن سمحت لبعض الناقلات بالعبور للحفاظ على استقرار الإمدادات، بل ورفعت العقوبات مؤقتاً للسماح ببيع النفط الإيراني العالق في البحر. لكن الحصار الحالي يغلق هذا «المتنفس» تماماً، ويهدف بشكل مباشر إلى شل حركة السفن الإيرانية ومنعها من استغلال المضيق الذي كانت تعبره بحرية رغم ظروف الحرب.

معركة «الخداع الرقمي»

أحد أعقد التحديات التي تواجه الحصار هو ما يُعرف بـ«تزييف الهوية الرقمية». وتؤكِّد شركات تتبع السفن مثل «تانكر تراكرز» أن الناقلات المرتبطة بطهران تتبع تكتيكات متطورة لإرسال إشارات كاذبة تظهرها وكأنها راسية في موانئ دول مجاورة، بينما هي في الواقع تقوم بتحميل الخام من المحطات الإيرانية.

ولمواجهة هذا التسلل الرقمي، تعتمد واشنطن على «التحقق المزدوج» عبر مطابقة صور الأقمار الاصطناعية اللحظية مع البيانات الصادرة عن السفن، مما يحوَّل المضيق إلى ساحة حرب استخباراتية ومعلوماتية مفتوحة، حيث يصبح الرصد البصري والمادي هو الفيصل الوحيد للتأكد من هوية السفن ووجهاتها الحقيقية.

وقد رحَّب الأدميرال المتقاعد في البحرية الأميركية، جيمس ستافريديس، بإعلان الحصار في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأحد. وكتب: «في الأيام الأخيرة، كان الإيرانيون هم المستفيدون الوحيدون من عبور الخليج». وأضاف أن الولايات المتحدة وحلفاءها «ليسوا أسوأ حالاً مما كانوا عليه بعد أن بدأ الإيرانيون باحتجاز المضيق رهينة».