«الفيدرالي» يمنح ترمب نصراً طال انتظاره بخفض الفائدة 25 نقطة أساس

صانعو السياسات النقدية استجابوا للمخاوف بشأن ضعف سوق العمل

اجتماع سابق للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (الاحتياطي الفيدرالي)
اجتماع سابق للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (الاحتياطي الفيدرالي)
TT

«الفيدرالي» يمنح ترمب نصراً طال انتظاره بخفض الفائدة 25 نقطة أساس

اجتماع سابق للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (الاحتياطي الفيدرالي)
اجتماع سابق للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (الاحتياطي الفيدرالي)

بعد ضغوط سياسية مكثفة وبيانات اقتصادية متضاربة، حصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أخيراً، على ما أراده من «الاحتياطي الفيدرالي»، وهو خفض سعر الفائدة الرئيسي بواقع 25 نقطة أساس. هذا القرار هو الأول من نوعه هذا العام، ويضع سعر الفائدة عند نطاق 4 إلى 4.25 في المائة.

يمثل هذا الخفض تحولاً كبيراً في سياسة البنك المركزي، الذي قاوم طوال العام خفض الفائدة بسبب مخاوف من أن يؤدي التضخم الناجم عن التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب إلى ارتفاع الأسعار.

ورغم أن «الاحتياطي الفيدرالي» كان قد خفّض تكاليف الاقتراض ثلاث مرات العام الماضي، فإنه أوقف أي تخفيضات إضافية لتقييم تأثير تلك التعريفات على الاقتصاد.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول في مؤتمر صحافي سابق (أ.ف.ب)

وأشار «الاحتياطي الفيدرالي» في بيان إلى أنه سيخفض تكاليف الاقتراض بشكل مطرد لبقية هذا العام، حيث استجاب صانعو السياسات للمخاوف بشأن ضعف سوق العمل.

فقط المحافظ الجديد ستيفن ميران، الذي انضم إلى الاحتياطي الفيدرالي يوم الثلاثاء وهو في إجازة كرئيس لمجلس المستشارين الاقتصاديين للبيت الأبيض، دعم خفض الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس.

يشير خفض سعر الفائدة، إلى جانب التوقعات التي تشير إلى خفضين آخرين بمقدار 25 نقطة أساس، في اجتماعي السياسة المتبقيين هذا العام، إلى أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بدأوا في التقليل من شأن خطر أن تؤدي سياسات الإدارة التجارية المتقلبة إلى تأجيج التضخم المستمر، وأنهم الآن أكثر قلقاً بشأن ضعف النمو واحتمال ارتفاع البطالة.

وقال «الاحتياطي الفيدرالي» في بيان سياسته: «إن اللجنة منتبهة للمخاطر التي تواجه كلا الجانبين في إطار ولايتها المزدوجة، وترى أن المخاطر السلبية على التوظيف قد ارتفعت». وأضاف: «لقد تباطأت وتيرة نمو الوظائف، وارتفع معدل البطالة قليلاً».

وأظهرت التوقعات الاقتصادية الجديدة أن صانعي السياسات، في المتوسط، ما زالوا يتوقعون أن ينتهي التضخم هذا العام عند 3 في المائة، وهو أعلى بكثير من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة، وهو توقع لم يتغير عن آخر توقعات الاحتياطي الفيدرالي التي نُشرت في يونيو (حزيران).

كما ظل توقع البطالة ثابتاً عند 4.5 في المائة، وزاد النمو الاقتصادي قليلاً عند 1.6 في المائة مقابل 1.4 في المائة.

تخفيف مخاطر الركود التضخمي

مقارنةً بمخاطر الركود التضخمي الواردة في المجموعة السابقة من التوقعات، ومع تباطؤ الاحتياطي الفيدرالي في تخفيضات أسعار الفائدة لدرء التضخم، تُظهر التوقعات الجديدة شعوراً ناشئاً لدى المسؤولين بإمكانية تجنّب أي ارتفاع في البطالة بوتيرة أسرع في تخفيضات أسعار الفائدة، بينما سينخفض ​​التضخم ببطء في العام المقبل.

تضارب البيانات يفتح الباب أمام التغيير

يأتي قرار الخفض في وقت أظهرت فيه البيانات الاقتصادية صورة غير واضحة. ففي يوليو (تموز)، وصف رئيس «الفيدرالي» جيروم باول، سوق العمل بأنها «متينة»، لكن منذ ذلك الحين، شهدت بيانات التوظيف تراجعاً حاداً.

فقد خسر أصحاب العمل 13 ألف وظيفة في يونيو (حزيران)، وأضافوا 22 ألفاً فقط في أغسطس (آب)، مما أثار القلق بشأن قوة الاقتصاد الأميركي.

هذه الأرقام المتراجعة وفَّرت مسوغاً لمسؤولي «الفيدرالي» لدعم سوق العمل المتعثرة من خلال خفض الفائدة.

كما أثارت الدراما السياسية حالة من الترقب حول مَن سيحضر اجتماع السياسة هذا الأسبوع، على الرغم من أن تشكيلة الحضور قد تم تحديدها مساء الاثنين، عندما أكد مجلس الشيوخ تعيين محافظ جديد لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، وبعدما سمح حكم قضائي متأخر ببقاء مسؤول في «الاحتياطي الفيدرالي» في منصبه في الوقت الحالي.

ففي حين كان قرار البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة محور الاهتمام الرئيسي لعديد من مراقبي «الاحتياطي الفيدرالي» في الأيام الأخيرة، إلا أن الظروف الاستثنائية المحيطة بتشكيل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة الفيدرالية المكونة من 12 عضواً والمكلفة بتحديد أسعار الفائدة قد هيمنت على الأخبار قبل الاجتماع.

وأدى ستيفن ميران، حليف ترمب، والذي رشحه الرئيس لشغل منصب شاغر في البنك المركزي، اليمين الدستورية صباح الثلاثاء، في الوقت المناسب تماماً للاجتماع.

وقد تعرض ميران لانتقادات لرفضه الاستقالة من منصبه رئيساً لمجلس المستشارين الاقتصاديين للبيت الأبيض.

وبدلاً من ذلك، أخذ إجازة من دون أجر، مما أثار تساؤلات حول التزامه بالعمل باستقلالية في أثناء وجوده في «الاحتياطي الفيدرالي».

وفي غضون ذلك، قضت محكمة استئناف منقسمة في وقت متأخر من يوم الاثنين، بإمكانية استمرار ليزا كوك، محافظة «الاحتياطي الفيدرالي»، في العمل بالبنك المركزي في أثناء نظر دعواها القضائية التي تطعن في قرار ترمب سحب عائداتها.

وتعتزم إدارة ترمب طلب السماح للرئيس بعزلها على خلفية مزاعم احتيال في الرهن العقاري، وهو ما نفته كوك.

وقالت كاثي بوستجانشيك، كبيرة الاقتصاديين في شركة «نيشن وايد»، لـ«بلومبرغ» إن التركيبة الدقيقة للناخبين، وما إذا كان سيُسمح لكوك في النهاية بالبقاء في بنك الاحتياطي الفيدرالي، من غير المرجح أن تُغير بشكل ملموس مسار أسعار الفائدة في الأشهر القليلة المقبلة.

ولكن إذا نجح ترمب في استبدال كوك، التي من المقرر ألا تنتهي ولايتها في مجلس إدارة بنك الاحتياطي الفيدرالي إلا عام 2038، فقد يؤثر ذلك على المسار طويل الأجل لأسعار الفائدة.

متداولون في بورصة نيويورك يستمعون إلى مؤتمر باول الصحافي يوليو الماضي (رويترز)

وسيتمكن ترمب أيضاً من تسمية رئيس جديد لبنك الاحتياطي الفيدرالي بعد انتهاء ولاية باول في مايو (أيار). ينتهي مقعد ميران في نهاية يناير (كانون الثاني)، ولكن يمكن ترشيحه لمنصب أطول أمداً أو البقاء في بنك الاحتياطي الفيدرالي حتى يُعين ترمب شخصاً آخر لهذا المنصب.

وكان اثنان من محافظي «الاحتياطي الفيدرالي»، هما كريستوفر والر وميشيل بومان، قد صوّتا ضد قرار يوليو؛ إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، مشيرين إلى مخاوف بشأن سوق العمل. وكان ترمب قد عيّنهما خلال ولايته الأولى.


مقالات ذات صلة

هل تزاحم «الخزانة» الأميركية «الفيدرالي» على النفوذ في سوق السندات؟

تحليل إخباري مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

هل تزاحم «الخزانة» الأميركية «الفيدرالي» على النفوذ في سوق السندات؟

يثير قرار وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل تساؤلات جديدة حول حدود تدخلها في الأسواق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الناس يتحركون أمام مكتب فرعي لبنك الدولة الهندي في مومباي (رويترز)

ارتداد السندات الأميركية يهدئ الأسواق... لكن مفعول «الخزانة» قد يكون قصير الأجل

استعادت أسواق السندات بعض الهدوء، الخميس، بعدما أوقفت خطوة مفاجئة من وزارة الخزانة الأميركية موجة الارتفاع العالمي في تكاليف الاقتراض.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر ذهب بالسوق الكبيرة في إسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع لجني الأرباح بعد قفزة بأكثر من 4 %

تراجعت أسعار الذهب في التعاملات الآسيوية المبكرة الخميس، مع اتجاه المستثمرين إلى جني الأرباح بعد قفزة تجاوزت 4 في المائة في الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شاشة تعرض إجمالي الدين الوطني الأميركي الذي تجاوز 40 تريليون دولار لأول مرة (رويترز)

الدين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار للمرة الأولى

تجاوز الدين الوطني الأميركي 40 تريليون دولار للمرة الأولى، في محطة قياسية جديدة تعكس تسارع تراكم الاقتراض الحكومي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)

محضر «الفيدرالي» يظهر انقسام المسؤولين بشأن زيادة الفائدة واستمرار الغموض

أظهر محضر أحدث اجتماعات «الاحتياطي الفيدرالي» أن النقاش داخل البنك المركزي الأميركي أصبح أكثر ميلاً إلى التشديد النقدي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رئيس البرازيل يدعو ترمب لاستئناف المحادثات بشأن الرسوم الجمركية

العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
TT

رئيس البرازيل يدعو ترمب لاستئناف المحادثات بشأن الرسوم الجمركية

العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)

أجرى الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا اتصالاً هاتفياً بنظيره الأميركي دونالد ترمب، مساء الجمعة، دعاه خلاله إلى استئناف المفاوضات بشأن الرسوم الجمركية التي تفرضها واشنطن على السلع البرازيلية، في محاولة لتهدئة العلاقات مع الولايات المتحدة قبل الانتخابات المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

ووفقاً لبيان صادر عن الحكومة البرازيلية، أوردته وكالة «بلومبرغ» السبت، دافع لولا، الرئيس ذو التوجه اليساري، عن موقف بلاده في مكالمة استمرت أكثر من ساعة، رافضاً الادعاءات الأميركية بشأن ارتكابها ممارسات تجارية غير عادلة، والتي كانت سبباً في فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على العديد من المنتجات البرازيلية، واصفاً إياها بأنها «لا أساس لها من الصحة».

وقالت البرازيل إن ترمب اقترح عقد اجتماع بين مسؤولي البلدين في أقرب وقت ممكن، وإنه أبلغ لولا بأن كبار مستشاريه سيعودون إلى طاولة المفاوضات، وطلب منه التواصل معه مباشرة حال ظهور أي عوائق، حسبما أفاد مصدر اطلع على فحوى المكالمة.

وفي وقت لاحق من يوم الجمعة تواصل الممثل التجاري الأميركي، جيمسون جرير، مع وزارة التجارة البرازيلية لترتيب اجتماع يستهدف استئناف المحادثات، بحسب ما أوردته الوزارة في بيان لها.

وأكد مسؤول في البيت الأبيض إجراء المكالمة الهاتفية بين لولا وترمب، دون الإفصاح عن أي تفاصيل إضافية.


460 مليار دولار في يد كندا... ورقة ضغط هادئة في مواجهة ترمب

شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)
شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)
TT

460 مليار دولار في يد كندا... ورقة ضغط هادئة في مواجهة ترمب

شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)
شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تدخل فيه الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة أكثر تصعيداً مع فرض واشنطن رسوماً بنسبة 50 في المائة على واردات كندية بقيمة نحو 20 مليار دولار، تبرز ورقة مالية أقل وضوحاً في المواجهة بين البلدين: حيازات كندا الكبيرة من سندات الخزانة الأميركية.

وتظهر أحدث بيانات وزارة الخزانة الأميركية أن كندا كانت في يونيو (حزيران) الماضي خامس أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية، بإجمالي بلغ نحو 459.6 مليار دولار، ارتفاعاً من 435.8 مليار دولار في مايو (أيار).

وتأتي كندا في المرتبة الخامسة بعد اليابان بنحو 1.117 تريليون دولار، وبريطانيا 939.9 مليار دولار، والصين 633.4 مليار دولار، وبلجيكا 482.5 مليار دولار. وبلغ إجمالي حيازات الأجانب من سندات الخزانة الأميركية نحو 9.299 تريليون دولار في يونيو.

مركبات متوقفة خارج مصنع تجميع «جنرال موتورز» (رويترز)

ورقة ضغط أم مجرد حيازة مالية؟

تثير هذه الأرقام تساؤلات حول مدى قدرة كندا على استخدام حيازاتها من الدَيْن الأميركي كورقة ضغط في مواجهة واشنطن، خصوصاً مع وصول العلاقات التجارية بين البلدين إلى واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ عقود.

ويرى بعض المحللين أن امتلاك دولة أجنبية حجماً كبيراً من سندات الخزانة يمكن أن يمنحها هامشاً من النفوذ في الأسواق المالية، لأن عمليات البيع الكبيرة قد تضغط على أسعار السندات، وترفع عوائدها، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة.

لكن تحويل هذه الحيازات إلى «سلاح» مباشر ليس أمراً بسيطاً. فبيع كميات كبيرة من السندات الأميركية قد يخفض قيمتها، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تراجع قيمة الأصول التي تمتلكها كندا نفسها، كما أن السوق الأميركية عميقة بما يكفي لاستيعاب تدفقات ضخمة مقارنة بحجم الحيازة الكندية.

ولهذا، فإن أهمية الرقم البالغ نحو 460 مليار دولار تكمن بصورة أكبر في أنه يوضح مدى تشابك المصالح المالية بين البلدين، وليس بالضرورة أن كندا تستطيع بسهولة استخدامه لفرض تنازلات على واشنطن.

شاحنة تعبر جسر السلام بين كندا والولايات المتحدة في فورت إيري أونتاريو (أ.ف.ب)

الدَيْن الأميركي يقترب من 40 تريليون دولار

تأتي هذه المعادلة في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن حجم الدين الأميركي الذي تجاوز 40 تريليون دولار، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، وطول آجال استحقاق جزء كبير من الدين.

وقد أصبحت سوق سندات الخزانة الأميركية تحت المجهر بصورة أكبر خلال الأيام الأخيرة، بعدما قفز عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى مستويات لم تشهدها السوق منذ سنوات، ما سلط الضوء على حساسية المالية الأميركية تجاه ارتفاع العوائد.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد لجأت إلى برنامج لإعادة شراء سندات طويلة الأجل بهدف دعم السيولة، وتحسين أداء السوق، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إدارة احتياجاتها التمويلية في بيئة تتسم بارتفاع تكاليف الاقتراض.

وفي يونيو، تراجعت الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة الأميركية إلى 9.299 تريليون دولار من 9.371 تريليون دولار في مايو، بقيادة انخفاض حيازات اليابان، وبريطانيا، والصين. ومع ذلك، ظلت الحيازات الأجنبية أعلى بنسبة 2.3 في المائة مقارنة بالعام السابق.

كندا تزيد حيازتها رغم الخلاف

المفارقة اللافتة أن حيازات كندا من سندات الخزانة الأميركية ارتفعت في يونيو بنحو 23.8 مليار دولار على أساس شهري، لتصل إلى 459.6 مليار دولار، بعد أن بلغت 435.8 مليار دولار في مايو، وفق بيانات الاحتياطي الفيدرالي.

وتشير البيانات إلى أن الحيازة الكندية تتسم بتقلبات ملحوظة؛ فقد بلغت نحو 397.1 مليار دولار في أبريل (نيسان)، قبل أن ترتفع إلى 435.8 مليار دولار في مايو ثم 459.6 مليار دولار في يونيو.

ولا تعني هذه التحركات بالضرورة وجود علاقة مباشرة بينها وبين الخلاف التجاري، لكنها تؤكد أن كندا لاعب مهم في سوق الدين الأميركية، وأن العلاقات المالية بين البلدين أعمق بكثير من حجم الرسوم الجمركية الحالية.

مصنع «أرسيلورميتال دوفاسكو» للصلب في هاميلتون أونتاريو كندا (رويترز)

هل يستطيع مارك كارني استخدام هذه الورقة؟

يأتي ذلك فيما أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تعليق المفاوضات التجارية مع واشنطن، بعدما فشلت المحادثات في اللحظة الأخيرة في التوصل إلى اتفاق يمنع دخول الرسوم الأميركية الجديدة حيز التنفيذ.

وقال كارني إن كندا سترد على الرسوم الأميركية «دولاراً مقابل دولار»، في إشارة إلى استعداد أوتاوا لتصعيد المواجهة التجارية.

لكن استخدام حيازات سندات الخزانة الأميركية كأداة انتقامية سيظل خياراً شديد الحساسية، لأن كندا ستواجه هي الأخرى تداعيات أي اضطراب كبير في السوق الأميركية.

كما أن طبيعة سوق الخزانة الأميركية تجعل من الصعب الجزم بأن بيع كندي واسع النطاق سيؤدي وحده إلى أزمة في السوق، خصوصاً أن اليابان وبريطانيا والصين وغيرها من المستثمرين الأجانب يمتلكون حصصاً أكبر بكثير.

من التجارة إلى الأسواق المالية

لذلك فإن أهمية الحيازات الكندية لا تكمن بالضرورة في إمكانية «بيعها» رداً على الرسوم، وإنما في أنها تكشف جانباً آخر من العلاقة المتشابكة بين البلدين.

فكندا تعتمد بصورة كبيرة على السوق الأميركية لتصريف صادراتها، بينما تمثل الولايات المتحدة بالنسبة إلى كندا شريكاً تجارياً ومالياً لا يمكن فصله بسهولة عن الاقتصاد الكندي.

وفي المقابل تحتفظ المؤسسات والمستثمرون الكنديون بمئات المليارات من الدولارات في أصول الخزانة الأميركية، ما يجعل أي تصعيد طويل الأمد ذا آثار متبادلة.

وبينما يضغط دونالد ترمب بالرسوم الجمركية لإجبار كندا على تقديم تنازلات تجارية، يملك كارني أدوات أخرى يمكن أن تمنح أوتاوا مساحة للمناورة، من تنويع التجارة، والاستثمار، إلى استخدام وزنها في الأسواق المالية.

لكن تحويل هذه الأدوات إلى سلاح مباشر قد يكون مكلفاً للطرفين، ما يجعل 460 مليار دولار من الدين الأميركي ورقة نفوذ محتملة أكثر منها سلاحاً سهلاً للاستخدام.


من الصفقة إلى التصعيد... واشنطن وأوتاوا تفشلان في احتواء الحرب التجارية

لفائف فولاذية مدرفلة موضوعة في ساحة مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ب)
لفائف فولاذية مدرفلة موضوعة في ساحة مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ب)
TT

من الصفقة إلى التصعيد... واشنطن وأوتاوا تفشلان في احتواء الحرب التجارية

لفائف فولاذية مدرفلة موضوعة في ساحة مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ب)
لفائف فولاذية مدرفلة موضوعة في ساحة مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ب)

دخلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة جديدة من التوتر، بعدما فشلت مفاوضات اللحظة الأخيرة بين البلدين في التوصل إلى اتفاق يجنب كندا رسوماً أميركية جديدة، لتدخل رسوم بنسبة 50 في المائة حيز التنفيذ بدءاً من اليوم (السبت)، على واردات كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار.

وردّت كندا سريعاً بإعلان استعدادها لمطابقة الرسوم الأميركية «دولاراً مقابل دولار»، في خطوة تنذر بتصعيد جديد بين حليفين تاريخيين يرتبط اقتصادهما بشبكة تجارية ضخمة، وتزيد الضغوط على اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية، المعروف باسم «يو إس إم سي إيه» (USMCA).

مفاوضات حتى اللحظة الأخيرة

جاء فرض الرسوم بعد 3 أيام من المفاوضات المكثفة في واشنطن بين وزير التجارة الكندي مع الولايات المتحدة دومينيك لوبلان، والممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، في محاولة لتضييق الخلافات والتوصل إلى صيغة مقبولة للطرفين.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرجأ موعد دخول الرسوم حيز التنفيذ 3 أيام، بعدما أشار إلى إحراز تقدم كبير في المحادثات، ما عزز الآمال في إمكانية التوصل إلى اتفاق قبل انقضاء المهلة.

لكن تلك الآمال تبددت مساء الجمعة.

وقال غرير إن كندا «رفضت إتمام الاتفاق» وفق الشروط التي جرى التوصل إليها في وقت سابق من الأسبوع، مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية عرضت على أوتاوا تخفيضات كبيرة في الرسوم المفروضة على قطاعات رئيسية، بينها الصلب والألمنيوم والسيارات والأخشاب.

وفي المقابل، حمّل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، واشنطن، مسؤولية انهيار المفاوضات، مؤكداً أن «التغييرات التي أُدخلت في اللحظة الأخيرة» على الشروط الأميركية كانت «غير عادلة وغير اقتصادية»، وأثارت تساؤلات حول مدى موثوقية أي اتفاق يتم التوصل إليه.

وأعلن كارني تعليق المفاوضات، وتوجيه فريق بلاده التفاوضي بالعودة إلى أوتاوا.

وزير التجارة الكندي المسؤول عن التجارة بين الولايات المتحدة وكندا دومينيك لوبلان يغادر مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة في واشنطن (أ.ف.ب)

20 مليار دولار تحت مقصلة الرسوم

تطال الرسوم الأميركية الجديدة نحو 20 مليار دولار من السلع الكندية؛ أي ما يقارب 5 في المائة أو 5.5 في المائة من صادرات كندا إلى الولايات المتحدة، وتشمل مجموعة واسعة من المنتجات؛ من عصي الهوكي إلى الإسمنت وبعض المنتجات الاستهلاكية والطبية.

ورغم أن هذه النسبة تبدو محدودة مقارنة بإجمالي التجارة بين البلدين، فإن تأثيرها قد يتجاوز قيمتها المباشرة، خصوصاً أنها تأتي فوق رسوم قائمة بالفعل على قطاعات كندية رئيسية؛ بينها السيارات والصلب والألمنيوم والأخشاب.

كما أن الإجراءات الجديدة تطبق حتى على السلع الكندية المؤهلة للاستفادة من المعاملة التفضيلية بموجب اتفاق «يو إس إم سي إيه»، ما يزيد من حالة عدم اليقين التي تواجه الشركات والمستثمرين على جانبي الحدود.

كندا تتعهد بالرد

لم تنتظر أوتاوا طويلاً للرد على الخطوة الأميركية. وقال كارني إن كندا ستطابق الرسوم الأميركية «دولاراً مقابل دولار» لحماية العمال والشركات الكندية، ما يفتح الباب أمام جولة جديدة من الإجراءات الانتقامية التي قد توسع نطاق النزاع.

وكانت كندا قد أبقت بالفعل على مجموعة من الإجراءات الانتقامية ضد السلع والخدمات الأميركية، وهو ما تعدّه واشنطن أحد أبرز أسباب استمرار الخلاف.

وتقول الإدارة الأميركية إن كندا تفرض معاملة تمييزية على بعض المنتجات الأميركية، بما في ذلك الكحول والسيارات ومنتجات الألبان. وكانت الولايات الكندية قد أزالت في وقت سابق، بعض المشروبات الكحولية والنبيذ الأميركي من متاجر بيع الخمور، في خطوة أثارت غضب واشنطن.

ويرى محللون أن دخول الرد الكندي حيز التنفيذ، سيجعل التراجع عن التصعيد أكثر صعوبة، بعدما أصبح الطرفان ملتزمين علناً بمواقف متشددة.

ترمب يريد إعادة رسم العلاقة مع كندا

يمثل التصعيد الحالي تحولاً لافتاً في العلاقة بين الولايات المتحدة وكندا، اللتين حافظتا لعقود على واحدة من أكثر العلاقات التجارية والسياسية استقراراً في العالم؛ فقد بلغ حجم التجارة بين البلدين في السلع والخدمات نحو 880 مليار دولار العام الماضي، فيما يذهب نحو 70 في المائة من صادرات كندا إلى السوق الأميركية.

لكن سياسة ترمب تجاه كندا غيّرت طبيعة العلاقة بصورة جوهرية، بعدما استخدم الرسوم الجمركية أداة للضغط على أوتاوا، بالتزامن مع تصريحاته المتكررة بشأن إمكانية انضمام كندا إلى الولايات المتحدة باعتبارها «الولاية الحادية والخمسين».

وقال كارني إن كندا أدركت أن «أميركا تغيرت»، وإن العلاقات بين البلدين لن تعود إلى ما كانت عليه سابقاً، بغض النظر عن نتيجة أي اتفاق تجاري منفرد.

ولهذا السبب، بدأت الحكومة الكندية الدفع باتجاه تنويع تجارتها وتقليص اعتمادها على السوق الأميركية، في وقت تعتمد فيه كندا بصورة كبيرة على الولايات المتحدة باعتبارها وجهتها الرئيسية للصادرات.

مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ف.ب)

لماذا انهارت الصفقة؟

بحسب الرواية الأميركية، قدمت واشنطن عرضاً يتضمن تخفيضات كبيرة للرسوم على قطاعات الصلب والألمنيوم والسيارات والأخشاب، مقابل تنازلات كندية في ملفات أخرى.

لكنّ مسؤولاً أميركياً رفيعاً قال إن كندا طلبت تنازلات إضافية لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لتقديمها، فيما اتهم غرير أوتاوا بالتراجع عن بعض الالتزامات التي سبق الاتفاق عليها.

أما الجانب الكندي فيرى أن المشكلة كانت في التغييرات الأميركية الأخيرة على شروط الاتفاق، والتي عدّها كارني غير عادلة وتضعف الثقة في أي اتفاق مستقبلي.

وبين الروايتين، انتهت المفاوضات من دون اتفاق، ولم تُحدد حتى الآن جولة جديدة من المحادثات.

ويرى ريان ماجوروس، المسؤول السابق في وزارة التجارة الأميركية، أن الطرفين سيواجهان ضغوطاً كبيرة خلال الأيام المقبلة للعثور على مخرج من التصعيد، لكنه حذر من أن الرد الكندي على الرسوم الأميركية سيجعل عملية خفض التصعيد أكثر صعوبة.

«ضربة قوية» للتنافسية في أميركا الشمالية

تحذر الشركات من أن استمرار الرسوم لن يقتصر تأثيره على كندا، بل قد ينعكس أيضاً على الاقتصاد الأميركي، نظراً إلى التشابك العميق بين سلاسل الإمداد في البلدين.

وقالت كانديس لاينغ، رئيسة غرفة التجارة الكندية، إن الرسوم تمثل «ضربة قوية للتنافسية في أميركا الشمالية»، محذرة من أنها سترفع التكاليف على المستهلكين الأميركيين، في حين تضغط على الشركات والمستثمرين والعمال الكنديين.

وتتحمل الشركات الأميركية المستوردة الرسوم في البداية، قبل أن تسعى غالباً إلى تمرير جزء من تكلفتها إلى المستهلكين عبر رفع الأسعار، ما يضيف ضغوطاً جديدة على التضخم وتكلفة المعيشة في الولايات المتحدة.

وتزداد حساسية هذه المسألة في وقت يواجه فيه الأميركيون بالفعل ارتفاعاً في تكاليف المعيشة، بينما تستعد الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني).

ترمب يعود إلى قانون من حقبة الكساد

لا تقتصر أهمية الرسوم الجديدة على قيمتها، بل تمتد إلى الأساس القانوني الذي استندت إليه الإدارة الأميركية؛ فبعد أن أبطلت المحكمة العليا الأميركية في فبراير (شباط) الماضي، الرسوم الواسعة التي فرضها ترمب بموجب صلاحيات طوارئ، بدأت الإدارة البحث عن أدوات قانونية بديلة.

وفي حالة كندا، لجأ ترمب إلى المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية لعام 1930، وهي مادة تعود إلى الحقبة التي شهدت الكساد الكبير.

وتمنح المادة الرئيس الأميركي صلاحية فرض رسوم تصل إلى 50 في المائة على واردات من دول تعتبر الولايات المتحدة أنها تميز ضد الشركات الأميركية، من دون اشتراط إجراء تحقيق مسبق، كما لا تحدد سقفاً زمنياً واضحاً لاستمرار الرسوم.

ويعيد استخدام هذه المادة إلى الواجهة إرث الرسوم التي ارتبطت بقانون «سموت-هاولي» في ثلاثينات القرن الماضي، والذي يرى اقتصاديون ومؤرخون أنه أسهم في الحد من التجارة العالمية وتفاقم تداعيات الكساد الكبير.

المعركة الكبرى: مستقبل «يو إس إم سي إيه»

وراء الرسوم الحالية معركة تجارية أوسع تتمثل في مستقبل اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا «يو إس إم سي إيه»؛ فالولايات المتحدة وكندا والمكسيك تستعد لمراجعة الاتفاق الذي تفاوض عليه ترمب خلال ولايته الأولى، لكن المحادثات بين واشنطن وأوتاوا لم تبدأ بعد، في حين شرعت الولايات المتحدة بالفعل في مفاوضات رسمية مع المكسيك بشأن تحديث الاتفاق.

ويثير التصعيد الحالي تساؤلات حول إمكانية التوصل إلى تفاهم ثلاثي يحافظ على التدفقات التجارية بين أكبر اقتصادات أميركا الشمالية.

وتكمن أهمية الاتفاق في أن الصناعات في الدول الثلاث تعتمد على سلاسل إمداد مشتركة، لا سيما في السيارات والطاقة والتصنيع والمواد الخام، ما يجعل أي حواجز تجارية واسعة النطاق ذات تكلفة تتجاوز حدود البلد الذي تستهدفه الرسوم.

علاقة تجارية أمام مفترق طرق

تأتي المواجهة الحالية بعد عقود من التعاون الاقتصادي والأمني الوثيق بين واشنطن وأوتاوا؛ فالحدود بين البلدين، التي تمتد لنحو 5,525 ميلاً، تعدّ واحدة من أكثر الحدود نشاطاً في العالم، ويعبرها يومياً مئات الآلاف من الأشخاص وكميات ضخمة من السلع.

لكن الرسوم الجديدة تشير إلى أن الخلاف لم يعد مجرد نزاع محدود حول الصلب أو الأخشاب أو الألبان، بل أصبح جزءاً من إعادة صياغة أوسع للعلاقة الاقتصادية بين البلدين.

وبينما تسعى واشنطن إلى استخدام الرسوم للضغط من أجل الحصول على تنازلات تجارية وصناعية، تحاول أوتاوا تقليل اعتمادها على السوق الأميركية وبناء بدائل تجارية جديدة.

وهكذا، تحولت مفاوضات كانت تهدف إلى تفادي الرسوم إلى مواجهة جديدة قد تمتد آثارها إلى التضخم وسلاسل الإمداد والاستثمار ومستقبل اتفاق التجارة في أميركا الشمالية.

وفي ظل غياب موعد جديد للمفاوضات، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كانت واشنطن وأوتاوا ستتوصّلان إلى صفقة؛ بل متى سيتمكن الطرفان من العثور على مخرج يمنع الرسوم الانتقامية من التحول إلى حرب تجارية أوسع.