«بي إم دبليو»: السعودية بوابةٌ للشراكات واستثمارات المستقبل

رئيسها التنفيذي لـ«الشرق الأوسط»: أهمية المنطقة تزداد أكثر في ظل انفتاحها التقني

أوليفر تسيبسه الرئيس التنفيذي لمجموعة «بي إم دبليو» (BMW)
أوليفر تسيبسه الرئيس التنفيذي لمجموعة «بي إم دبليو» (BMW)
TT

«بي إم دبليو»: السعودية بوابةٌ للشراكات واستثمارات المستقبل

أوليفر تسيبسه الرئيس التنفيذي لمجموعة «بي إم دبليو» (BMW)
أوليفر تسيبسه الرئيس التنفيذي لمجموعة «بي إم دبليو» (BMW)

عندما كشفت «بي إم دبليو»، هذا الأسبوع، في ميونيخ، عن طرازها المنتظر «iX3 نويه كلاسه»، لم يكن الحدث مجرّد إطلاق عالمي لسيارة جديدة، بل محطة تكشف عن بُعدين متكاملين؛ الأول اعتراف بدور السعودية المتنامي بصفتها مركزاً محورياً للسيارات الفاخرة والكهربائية، والثاني تأكيد مكانة المملكة لاعباً رئيسياً في صياغة مستقبل النقل المستدام. فبالنسبة لـ«بي إم دبليو»، لم تعد المملكة مجرّد سوق واعدة في الشرق الأوسط، بل أصبحت ركيزة أساسية ضمن استراتيجيتها الإقليمية، ومركزاً محورياً في خططها المستقبلية بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية 2030» القائمة على الابتكار الرقمي والاستدامة وتنويع الاقتصاد.

في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول أوليفر تسيبسه، الرئيس التنفيذي لمجموعة «بي إم دبليو»، إن أرقام مبيعات الشركة بالشرق الأوسط تؤكد أنها تحقق نمواً مزدوج الرقم. ويضيف أن «أهمية المنطقة تزداد أكثر فأكثر، خصوصاً مع الانفتاح التقني في مجالات السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن والهيدروجينية، إلى جانب محركات الاحتراق».

وتسيبسه «من أشد المعجبين بالمنطقة، وخلال زيارتي الأخيرة اطلعتُ على ما تتمتع به من قوة ابتكارية وتوجّه مستقبلي واضح وتركيز على الاستثمارات».

تعتزم «بي إم دبليو» طرح نحو 40 طرازاً جديداً أو محدَّثاً ضمن «نويه كلاسه» بحلول 2027 (BMW)

السعودية منصة إطلاق استراتيجية

تجسّدَ التزام «بي إم دبليو» بالسعودية في قرارٍ لافت يقضي بجعل المملكة من أوائل الأسواق العالمية التي ستستقبل سيارة «iX3 نويه كلاسه» في الربع الثاني من 2026. ويؤكد كريم-كريستيان حريريان، المدير الإداري لمجموعة «بي إم دبليو الشرق الأوسط»، لـ«الشرق الأوسط»، أن السعودية واحدة من أكبر أسواق شركته وأكثرها نمواً في المنطقة.

وذكر أن طراز «نويه كلاسه» يمثل بداية حقبة جديدة لـ«بي إم دبليو»، ومع «iX3 » بصفتها أول نموذج من هذا الجيل المبتكر، فإن إطلاقه في المملكة يعكس أهميتها لنجاح شركتنا والتزامها بصياغة مستقبل خالٍ من الانبعاثات. ويضيف حريريان أن «السعودية حجر الزاوية في استراتيجية (بي إم دبليو الشرق الأوسط)»، لافتاً إلى العمل على بناء منظومة متكاملة؛ من شراكات الشحن إلى تجربة العملاء «لنبقى في موقع الريادة مع تسارع السوق».

ويتابع: «لقد كانت (بي إم دبليو) من أبرز اللاعبين في سوق السيارات الكهربائية الفاخرة في السعودية خلال 2023. والآن مع (نويه كلاسه) و(iX3) نحدد معايير جديدة في التصميم والاستدامة والتجربة الرقمية، تماماً كما يتوقع عملاؤنا هناك».

كريم-كريستيان حريريان المدير الإداري لمجموعة «بي إم دبليو الشرق الأوسط» (BMW)

مواجهة المنافسة الصينية

مع دخول علامات صينية متزايدة السوق السعودية، يوضح الرئيس التنفيذي لـ«بي إم دبليو» أن «صناعة السيارات ليست مجرد تجميع مزايا؛ القيمة تكمن في تكاملها ضمن منظومة متماسكة». ويصف تجربة الاستخدام، التي تُقدمها شركته بأنها «ليست قائمة خصائص، بل هي تصميم متكامل يصعب على الشركات الناشئة مُجاراته». ويضيف: «هذه الكفاءة ليست سهلة المنال، وخصوصاً على الشركات الناشئة، وهي ميزة تفوُّقنا». ورغم عدم إعلانه خططاً للإنتاج في المملكة، لم يغلق الباب أمام هذه الإمكانية، مؤكداً، لـ«الشرق الأوسط»، انفتاح «بي إم دبليو» على الشراكات والاستثمار طويل المدى، «حيث تتوافر البنية والطلب».

«iX3» إعادة تعريف الـ«SUV» الكهربائية

حفلُ الكشف في ميونيخ عن سيارة «iX3 نويه كلاسه»، الذي حضرته «الشرق الأوسط»، كان رسالة واضحة بأن التحول في «بي إم دبليو» جذري لا تدريجي. ويقول يوخن غوللر، عضو مجلس الإدارة والمسؤول عن العملاء والعلامة التجارية والمبيعات، إن «(نويه كلاسه) ليست مجرد طراز جديد، بل تجربة متكاملة لعملائنا. متعة القيادة تبقى جوهر (بي إم دبليو)، لكننا ندمجها، الآن، مع التكنولوجيا الرقمية والاستدامة والتخصيص».

وبحلول 2027، تعتزم الشركة طرح نحو 40 طرازاً جديداً أو محدَّثاً ضمن «نويه كلاسه»، على أن تكون «iX3» البداية. ويصل مدى السيارة إلى 805 كيلومترات في الشحنة الواحدة بفضل بطارية جهد 800 فولت من الجيل الجديد توفر كثافة طاقة أعلى بنسبة 20 في المائة، مع شحن فائق بقدرة 400 كيلوواط يضيف 370 كيلومتراً في عشر دقائق فقط. وتتوافر بخيارَي الدفع الخلفي أو الكلي ثنائي المحرك؛ لتحقيق توازن بين الكفاءة والأداء، مع تسارع أسرع من طرازات «X3» السابقة واستهلاك طاقة أقل.

تعتمد السيارة معمارية رقمية جديدة أطلقت عليها «بي إم دبليو» اسم «قلب الفرح»، تدير أربعةُ حواسيب مركزية ديناميكياتِ القيادة والترفيه والسلامة، مدعومة بنسخة مطوّرة من نظام «آي درايف» (iDrive) مع مساعدين ذكيين وأوامر صوتية طبيعية وتكامل سلس مع الهواتف الذكية. كما يراعي التصميم مبادئ الاقتصاد الدائري، بخفض الانبعاثات عبر سلسلة الإمداد بنسبة تصل إلى 35 في المائة، واستخدام مواد خفيفة ومُعاد تدويرها دون المساس بفخامة العلامة.

يوخن غوللر عضو مجلس الإدارة والمسؤول عن العملاء والعلامة التجارية والمبيعات (BMW)

ربط الماضي بالمستقبل

وراء المظهر الجريء لـ«iX3» تقف فلسفة تصميمية متجذرة في إرث «بي إم دبليو»، لكنها منفتحة على المستقبل.

يوضح أوليفر هايلمر، رئيس تصميم سيارات «بي إم دبليو» المدمجة و«نويه كلاسه»، خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، أن «الانطباع الأول يوحي بالبساطة والحداثة، لكن التحدي هو الجمع بين هذين العالمين والحفاظ على وضوح اللغة التصميمية، مع تقديم شيء جديد كلياً».

ويضيف: «لم نستعِن بمرجع واحد من الماضي، بل استلهمنا من أجيال متعددة من الفئة الثالثة ومن طرازات (X) وصُغنا منها روحاً جديدة. ومن أبرز ابتكارات المقصورة شاشة (الرؤية البانورامية) التي تعرض المعلومات على كامل عرض الزجاج الأمامي، ما يمزج بسلاسة بين القيادة والتجربة الرقمية». ويشدد هايلمر على أن «الفكرة ليست إغراق السائق بالتقنية، بل توفير بيئة بديهية وبسيطة. القليل هو الأكثر. العرض موجَّه نحو السائق، والمواد والخامات تعطي شعوراً بالراحة المنزلية لكن بدقة (بي إم دبليو)».

أوليفر هايلمر رئيس تصميم سيارات «بي إم دبليو» المدمجة و«نويه كلاسه» (BMW)

استدامة في الجوهر

يوضح هايلمر أن الاستدامة لا تعني بالضرورة إبراز المواد المُعاد تدويرها للعين المجردة. ويقول إنه «عندما قدّمنا طراز (i3)، عام 2013، عرضنا مواد مُعاداً تدويرها في الأبواب والمقاعد، لكن العملاء فضّلوا قبل كل شيء الجودة. ما يريده الزبون هو الإحساس بالراحة والأصالة، ثم يُسَرُّ لاحقاً عندما يكتشف أن تلك المواد مستدامة».

ويبيّن أن تطوير «نويه كلاسه» جرى بطريقة مختلفة تماماً، حيث «كان التصميم في السابق يمر بتسلسل واضح، بدءاً من الرسم ثم النموذج ثم اختيار المواد. أما الآن فكل العناصر تجتمع على الطاولة منذ البداية. هذا يتطلب ثقافة جديدة من التعاون والانفتاح والشفافية، وهو الطريق الوحيد للمستقبل».

كما يؤكد أهمية التخصيص وفق المُناخات المحلية، موضحاً أنه «في الأجواء الحارة تكون الألوان الفاتحة أكثر عملية. في السعودية مثلاً تنتشر السيارات البيضاء بسبب الحرارة، لذلك نُولي عناية خاصة بخيارات الألوان الفردية». ويلفت إلى أهمية تطور الابتكار تدريجياً كي لا يُربك العملاء الحاليين، وأن على السيارة البقاء مألوفة وسهلة الاستخدام، مع الاستمرار في التطور دون انقطاع عن جذور الماضي.

آفاق الهيدروجين

رغم تصدُّر السيارات الكهربائية المشهد، تُواصل «بي إم دبليو» الاستثمار في الهيدروجين بصفته خياراً مكمّلاً، وهو ما ينسجم مع طموح السعودية لأن تكون أكبر مصدّر للهيدروجين عالمياً. ويقول حريريان: «الهيدروجين ركيزة أساسية في استراتيجيتنا طويلة الأمد، خصوصاً للمسافات الطويلة، ونرى إمكانات قوية له في المملكة». ويُعد عرض النموذج الأولي من سيارة «iX5 Hydrogen» في الرياض إشارة إلى أن التعاون بين «بي إم دبليو» والمملكة يتجاوز السيارات الكهربائية إلى آفاقٍ أوسع.

يعكس نهج «بي إم دبليو» في السعودية كيفية إعادة شركات السيارات العالمية التفكير في دورها بالأسواق الناشئة. تؤكد الشركة أن المملكة بالنسبة لها ليست مجرد سوق مبيعات، بل حقل تجارب للتقنيات الجديدة وتجارب العملاء، وحتى النماذج التجارية. ويبدو أن سيارة «iX3 نويه كلاسه» ليست مجرد سيارة للمستقبل، بل نافذة على مستقبل مشترك يتحرك بثبات.


مقالات ذات صلة

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: المستهلكون والمستوردون الأميركيون الأكبر تضرراً من «الرسوم»

يتحمل المستهلكون والمستوردون الأميركيون الجزء الأكبر من الخسائر المالية الناتجة عن الرسوم الجمركية، فيما يتأثر حجم التجارة سلباً أيضاً.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت (ألمانيا) )
تكنولوجيا قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

تكشف دراسة أن السيارات ذاتية القيادة قد تسهّل التنقل الفردي وتقلل الحاجة للمواقف، لكنها قد تزيد الازدحام وتغيّر سلوك التنقل وتخطيط المدن مستقبلاً.

نسيم رمضان (لندن)
عالم الاعمال مبيعات «فورد» ترتفع 10 % في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2025

مبيعات «فورد» ترتفع 10 % في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2025

سجّلت شركة «فورد» الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أعلى أداء لمبيعاتها خلال عقد من الزمن، بعدما حققت نمواً سنوياً بنسبة 10 % في عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق التكنولوجيا تتقدّم لكنَّ انتباه الإنسان ليس آلة (رويترز)

تحذير: القيادة الذاتية تتجاوز قدرة البشر

السيارات ذاتية القيادة «تفرض متطلّبات نفسية غير مسبوقة على السائقين، وهي متطلّبات لسنا مستعدّين لها حالياً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (لندن)

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
TT

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير، خلال اتصال هاتفي، الخميس، مع وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، سبل تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في قطاع الطاقة.

وذكرت «وكالة الأنباء السورية» (سانا) أنه جرى خلال الاتصال الإشادة بالجهود المشتركة والمتضافرة لبدء تصدير النفط العراقي من خلال الأراضي السورية، إضافة إلى مناقشة إمكانية توريد الغاز المنزلي إلى سوريا، في إطار تعزيز أمن الطاقة، وتلبية الاحتياجات المحلية.

وتناول الاتصال بحث تأهيل أنابيب نقل النفط، ولا سيما خط كركوك - بانياس، بما يُسهم في تطوير وتعزيز عملية تصدير النفط.

وأكد وزير النفط العراقي أن هذا التعاون سيستمر بشكل مستدام، ولن يكون مرتبطاً بالظروف الراهنة أو بالحرب القائمة، مشدداً على حرص بلاده على تطوير العلاقات الثنائية في هذا المجال الحيوي.

وكانت أولى دفعات الفيول العراقي وصلت إلى خزانات مصفاة بانياس عبر منفذ التنف الحدودي، تمهيداً لتصديرها إلى الأسواق العالمية، حيث باشرت فرق «الشركة السورية للبترول» عمليات التفريغ، تمهيداً لتجهيز الشحنات وإعادة تحميلها على نواقل بحرية مخصصة لنقلها إلى وجهتها التصديرية النهائية.


صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)

رسم صندوق النقد الدولي صورة مختلطة لمستقبل الاقتصاد الأكبر في العالم، فبينما أشاد بمرونة الأداء الأميركي وقوة الإنتاجية خلال عام 2025، أطلق جملة من التحذيرات الصارمة بشأن استدامة المسار المالي الحالي.

وفي ختام مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، شدد الصندوق على أن التحولات الكبرى في السياسات التجارية والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط باتت تفرض ضغوطاً تضخمية جديدة، مما يضيق الخناق على قدرة الاحتياطي الفيدرالي في مواصلة دورة خفض الفائدة.

أداء صامد أمام التحديات

سجل الاقتصاد الأميركي نمواً بنسبة 2 في المائة في عام 2025، وهو أداء وصفه الصندوق بـ«الجيد» بالنظر إلى التقلبات السياسية الكبيرة والإغلاق الحكومي الذي شهده الربع الرابع من العام الماضي. ورغم تباطؤ نمو التوظيف نتيجة تراجع تدفقات الهجرة، فإن الإنتاجية القوية حافظت على زخم النشاط الاقتصادي.

وتوقع الصندوق أن يتسارع النمو بشكل طفيف ليصل إلى 2.4 في المائة في عام 2026، مدعوماً بزيادة الإنفاق والتحولات الضريبية التي أُقرت مؤخراً.

فخ التضخم و«مساحة المناورة» الضيقة

وفي ملف السياسة النقدية، حذر خبراء الصندوق من أن مسار التضخم لا يزال محفوفاً بالمخاطر؛ حيث أدت التعريفات الجمركية المرتفعة إلى زيادة أسعار السلع، مما بدد أثر تراجع تضخم الخدمات. ومع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية نتيجة الحرب، أكد الصندوق أن «المساحة المتاحة لخفض أسعار الفائدة في عام 2026 تبدو ضئيلة للغاية»، محذراً من أن أي تيسير نقدي سابق لأوانه قد يعطل عودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة والمؤمل تحقيقه في النصف الأول من 2027.

الرئيس الأميركي يحمل أمراً تنفيذياً حول الرسوم الجمركية المتبادلة في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

أزمة الديون والعجز الاستراتيجي

أعرب أعضاء المجلس التنفيذي للصندوق عن قلقهم البالغ إزاء العجز المالي المستمر، الذي بلغ 5.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع الدين العام ليتجاوز 140 في المائة بحلول عام 2031. ونبّه البيان إلى أن اعتماد الحكومة على الديون قصيرة الأجل يخلق مخاطر على الاستقرار المالي العالمي، نظراً للدور المحوري لسوق سندات الخزانة الأميركية في النظام المالي الدولي. وطالب الصندوق بضرورة إجراء «تعديل مالي جبهوي» يشمل زيادة الإيرادات الفيدرالية وإعادة توازن برامج الاستحقاقات.

متداولون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

التجارة والتعريفات الجمركية

انتقد الصندوق التحول في السياسة التجارية الأميركية، مشيراً إلى أن متوسط التعريفات الفعالة سيستقر عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 7 في المائة و8.5 في المائة. وأكد البيان أن هذه السياسات، إلى جانب عدم اليقين التجاري، ستؤدي إلى تقليص النشاط الاقتصادي المحلي، وخلق آثار سلبية كبيرة على الشركاء التجاريين، داعياً واشنطن للعمل بشكل بناء مع شركائها الدوليين للحد من القيود التجارية والتشوهات في السياسات الصناعية.

الرقابة المالية والأصول الرقمية

وفيما يتعلق بالقطاع المالي، دعا الصندوق السلطات الأميركية إلى تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية ومواجهة مخاطر التقييمات المرتفعة للأصول. ورحب بالتشريعات الجديدة لتنظيم «العملات المستقرة» والأصول المشفرة، لكنه شدد على ضرورة التطبيق الكامل لاتفاقية «بازل 3» وتعزيز الإشراف على البنوك متوسطة الحجم لضمان سلامة النظام المالي في مواجهة أي هزات محتملة.


طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
TT

طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)

انخفضت الطلبات الأسبوعية الجديدة للحصول على إعانات البطالة في الولايات المتحدة، في إشارة إلى استمرار تراجع معدلات التسريح واستقرار نسبي في سوق العمل خلال شهر مارس (آذار)، رغم تحذيرات من مخاطر سلبية ناجمة عن استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة العمل الأميركية، الخميس، تراجع الطلبات الأولية بمقدار 9 آلاف طلب، لتسجل 202 ألف طلب بعد التعديل الموسمي للأسبوع المنتهي في 28 مارس، مقارنةً بتوقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 212 ألف طلب.

وتراوحت الطلبات منذ بداية العام بين 201 ألف و230 ألف طلب، وهو نطاق يعكس، وفق توصيف اقتصاديين، سوق عمل تتسم بانخفاض كلٍّ من معدلات التوظيف والتسريح. ويُعزى هذا الجمود جزئياً إلى حالة عدم اليقين المستمرة المرتبطة بالرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الواردات.

في السياق ذاته، بلغ متوسط نمو الوظائف في القطاع الخاص غير الزراعي نحو 18 ألف وظيفة شهرياً خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في فبراير (شباط)، وهو معدل ضعيف نسبياً. ويرى اقتصاديون أن تقلص المعروض من العمالة، نتيجة تشدد سياسات الهجرة في عهد ترمب، يشكل عاملاً كابحاً لنمو التوظيف.

كما أضافت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، والتي دخلت شهرها الأول، مزيداً من الضبابية أمام الشركات. وكان ترمب قد تعهد، الأربعاء، بتكثيف الضربات على إيران، مما عزز المخاوف بشأن تداعيات الصراع.

ورغم توقع انتعاش نمو الوظائف بنحو 60 ألف وظيفة في مارس، وفقاً لاستطلاع «رويترز»، حذّر بعض الاقتصاديين من أن هذا التحسن قد يكون مؤقتاً، في ظل تداعيات الحرب التي دفعت أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع بأكثر من 50 في المائة. كما تجاوز متوسط سعر البنزين بالتجزئة في الولايات المتحدة 4 دولارات للغالون هذا الأسبوع، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات.

كانت الوظائف غير الزراعية قد انخفضت بمقدار 92 ألف وظيفة في فبراير، متأثرةً جزئياً بإضرابات في قطاع الرعاية الصحية وسوء الأحوال الجوية. ومن المتوقع أن يستقر معدل البطالة عند 4.4 في المائة.

ومن المنتظر أن يُصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير التوظيف لشهر مارس، يوم الجمعة، علماً بأن «الجمعة العظيمة» لا تُعد عطلة رسمية في الولايات المتحدة.

وقالت نانسي فاندن هوتن، كبيرة الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»: «نتوقع أن تؤدي الحرب إلى تأخير التحسن الطفيف الذي كنا نترقبه في سوق العمل هذا العام، إذ إن حالة عدم اليقين، وتباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، وارتفاع التكاليف، كلها عوامل تدفع الشركات إلى تأجيل قرارات التوظيف».

وأظهر التقرير أيضاً ارتفاع عدد المستفيدين من إعانات البطالة المستمرة بمقدار 25 ألف شخص ليصل إلى 1.841 مليون شخص خلال الأسبوع المنتهي في 21 مارس، وهو مؤشر يُستخدم لقياس وتيرة التوظيف. ورغم تراجع هذه المطالبات مقارنةً بمستويات العام الماضي المرتفعة، فإن انتهاء أهلية بعض المستفيدين -المحددة عادةً بـ26 أسبوعاً في معظم الولايات- قد يكون عاملاً وراء هذا الانخفاض.

في سياق متصل، أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل هذا الأسبوع، تراجعاً أكبر من المتوقع في عدد الوظائف الشاغرة خلال فبراير، إلى جانب انخفاض وتيرة التوظيف إلى أدنى مستوياتها في نحو ست سنوات.