بعد تحذير بايرو... هل وضع ديون فرنسا مقلقٌ إلى هذه الدرجة؟

رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يتحدث مع الصحافيين خلال مقابلة تلفزيونية (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يتحدث مع الصحافيين خلال مقابلة تلفزيونية (أ.ف.ب)
TT

بعد تحذير بايرو... هل وضع ديون فرنسا مقلقٌ إلى هذه الدرجة؟

رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يتحدث مع الصحافيين خلال مقابلة تلفزيونية (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يتحدث مع الصحافيين خلال مقابلة تلفزيونية (أ.ف.ب)

بكلمات حادة، وصف رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو، وضع بلاده خلال مؤتمره الصحافي الذي عُقد في 25 أغسطس (آب)، قائلاً: «بلدنا في خطر؛ لأننا على وشك أن نصبح مثقلين بالديون». وأضاف: «خطر فوري يحدق بنا. يجب أن نواجهه اليوم، دون تأخير، وإلا فإن المستقبل سيُغلق في وجهنا، وسيزداد وضعنا الحالي سوءاً».

وأعلن بايرو عن سعيه للحصول على تصويت بالثقة من أعضاء البرلمان في 8 سبتمبر (أيلول)، قبل انطلاق «ماراثون» موازنة عام 2026.

وتراجعت أسواق الأسهم والسندات الفرنسية بشكل حاد بعد إعلان بايرو، لكنها استعادت عافيتها بحلول يوم الاثنين. وصرحت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، بأن فرنسا قوية، لكن أي خطر بسقوط حكومة في منطقة اليورو يُثير القلق. وتمتلك فرنسا ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو. لكن السؤال يطرح نفسه: كيف وصلت فرنسا إلى هذا الوضع؟ وهل هو مدعاة للقلق حقاً؟

الوضع الحالي للديون

وفقاً للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية، بلغ الدين العام الفرنسي 3.345 تريليون يورو في نهاية الربع الأول من عام 2025. وقد ارتفع هذا الرقم بشكل كبير على مدار العقدين الماضيين. فبعد أن كان يمثل 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في بداية الألفية، تجاوز حاجز 100 في المائة في عام 2020 بسبب جائحة «كورونا»، وواصل ارتفاعه ليصل إلى 113.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وفق تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية.

كيف تراكمت هذه الديون؟

عندما تتجاوز نفقات الدولة إيراداتها في عام معين، يتعين عليها الاقتراض لتمويل العجز. وهذا هو الحال في فرنسا كل عام منذ عام 1974. فالدولة تقترض الأموال، وتدفع فوائد، وتسدد القرض عند استحقاقه، ثم تأخذ قروضاً جديدة.

تاريخياً، استخدمت فرنسا طرقاً مختلفة للاقتراض، مثل اللجوء إلى مدخرات المواطنين عبر القروض الاختيارية أو الإجبارية، أو إلزام البنوك بشراء الديون الحكومية. لكن اليوم، تعتمد فرنسا بشكل أساسي على الاقتراض من الأسواق المالية.

وتتولى وكالة الخزانة الفرنسية، التابعة لوزارة المالية، إدارة هذه العمليات. وتقوم الوكالة بإخطار المستثمرين باحتياجاتها التمويلية، ثم تخصص السندات للحكومة بأفضل الأسعار المتاحة.

شاشة رقمية في مبنى بورصة يورونيكست غرب باريس (أ.ف.ب)

لماذا تتزايد تكلفة الديون؟

أكد بايرو خلال مؤتمره الصحافي خطورة الارتفاع في تكلفة خدمة الدين؛ أي الفوائد التي يجب على فرنسا دفعها للدائنين كل عام. وتعتبر هذه النفقات، المعروفة باسم «تكلفة الدين» أو «خدمة الدين»، من أهم بنود موازنة الدولة.

بحسب التوقعات الحكومية، من المتوقع أن تكون خدمة الدين ثاني أكبر بند في الإنفاق العام لعام 2026، بتكلفة تقديرية تبلغ 75 مليار يورو. وهذا يضعها في مرتبة متقدمة على الإنفاق المخصص للتعليم الوطني والدفاع، وتأتي خلف بند «سداد الضرائب» للشركات والأفراد.

وارتفع نصيب خدمة الدين في الموازنة بشكل حاد في السنوات الأخيرة. فبعد أن كان 26 مليار يورو في عام 2020، وصل إلى 66 مليار يورو هذا العام، وقد يتجاوز 100 مليار يورو في عام 2029، ليصبح أكبر بند في موازنة الدولة.

ويُعزى هذا الارتفاع إلى سببين رئيسيين:

  • زيادة الاقتراض: تضطر الدولة إلى زيادة اقتراضها لتغطية العجز المستمر عاماً بعد عام.
  • ارتفاع أسعار الفائدة: أدت سياسات البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة لكبح التضخم إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي. فأسعار الفائدة على السندات الحكومية لأجل 10 سنوات، والتي كانت قريبة من صفر في المائة في عام 2021، ارتفعت لتصل إلى 3.47 في المائة في 25 أغسطس 2025.

هل يوجد حد أقصى للديون؟

تتضارب الآراء حول مدى خطورة الوضع المالي العام. وفي تقريرها الأخير، أكدت محكمة المراجعة الفرنسية، وهي أعلى هيئة للرقابة المالية، أن «خفض ديوننا هو التزام عاجل»، مشيرة إلى أن استعادة السيطرة على المالية العامة بحلول عام 2026 أمر حتمي لضمان استدامة الدين.

ومع ذلك، لا يوجد إجماع على الحد الأقصى لمستوى الدين الذي يمكن أن تفقد عنده فرنسا القدرة على الحصول على التمويل. فقدرة الدولة على الاقتراض تعتمد بشكل رئيسي على ثقة السوق في قدرتها على السداد، وهي الثقة التي تتأثر بتقييمات وكالات التصنيف الائتماني.

وفي 28 فبراير (شباط) 2025، حذرت وكالة «ستاندرد آند بورز» فرنسا، مهددة بخفض تصنيفها الائتماني إذا فشلت الحكومة في خفض العجز الكبير في موازنتها خلال عامين.

هل هناك مخاطر مالية؟

على الرغم من هذه «الإشارات»، لا تواجه فرنسا خطراً فورياً، وفق الصحيفة الفرنسية التي ترى أن إمكانية تدخل صندوق النقد الدولي، التي اقترحها بعض السياسيين، غير مرجحة للغاية. ففرنسا لا تزال قادرة على الحصول على قروض بأسعار مواتية؛ لأن الإقراض لها يعتبر استثماراً آمناً. ويحد اليورو كعملة موحدة من هجمات المضاربة، ويتيح لفرنسا الاستفادة من دعم البنك المركزي الأوروبي في حالة ضغوط السوق.

بالإضافة إلى ذلك، فإن وضع فرنسا ليس فريداً من نوعه. ففي جميع أنحاء الدول الغربية، زادت الديون العامة بسبب تباطؤ النمو وتحرير الأسواق المالية. وحالياً، تحتل فرنسا المرتبة الثالثة أوروبياً في مستوى الديون، خلف إيطاليا (138 في المائة) واليونان (153 في المائة). كما أنها متخلفة عن الولايات المتحدة (122 في المائة) واليابان (235 في المائة).

وعلى الرغم من وجود تباعد طفيف مؤخراً، تظل أسعار الفائدة على القروض الفرنسية ضمن المتوسط الأوروبي في الوقت الحالي. كما أن مستوى الدين الحالي لا يزال بعيداً عن ذروته التاريخية التي تجاوزت 300 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الحربين العالميتين.


مقالات ذات صلة

فرنسا: المجلس الدستوري يلغي حظر وسائل التواصل لمن هم دون الـ15

أوروبا شعارات منصات تواصل اجتماعي (أ.ف.ب) p-circle

فرنسا: المجلس الدستوري يلغي حظر وسائل التواصل لمن هم دون الـ15

أصدر المجلس الدستوري في فرنسا، الجمعة، قراراً بمنع مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عاماً، قائلاً إنه ينتهك حرية التعبير.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أعضاء البرلمان الفرنسي يشاركون بجلسة التصويت على مشروع قانون الموت الرحيم في الجمعية الوطنية وهي المجلس الأدنى للبرلمان الفرنسي... باريس 15 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

«الجمعية الوطنية» الفرنسية توافق على مشروع قانون الموت الرحيم

أعطت «الجمعية الوطنية» الفرنسية موافقتها النهائية، الأربعاء، على مشروع قانون يسمح للبالغين المصابين بأمراض مستعصية بتلقي أدوية مميتة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)

بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

صادق البرلمان الفرنسي على تعيين إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا، رغم الجدل الذي أثاره قربه من الرئيس إيمانويل ماكرون.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري، اليوم (الاثنين)، أنه سيقدّم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة سيباستيان لوكورنو.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أوضح وزير الداخلية الفرنسي أن الخرق الأمني جرى بسبب ضعف إجراءات «السلامة الرقمية» (رويترز)

سرقة ملفات «حساسة» في هجوم سيبراني على الداخلية الفرنسية

أعلنت الحكومة الفرنسية، الأربعاء، أنه تم «استخراج... بضع عشرات» من السجلات السرية خلال هجوم سيبراني على وزارة الداخلية الفرنسية استمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (باريس)

كوريا الجنوبية تقيل كبير المفاوضين التجاريين وسط تصاعد التوترات مع أميركا

شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
TT

كوريا الجنوبية تقيل كبير المفاوضين التجاريين وسط تصاعد التوترات مع أميركا

شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)

أقالت الحكومة الكورية الجنوبية، السبت، كبير مفاوضيها التجاريين، وذلك في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية بين سيول وواشنطن تزايداً في حدة التوتر، على خلفية ملفات عالقة وضغوط أميركية متزايدة بشأن الرسوم الجمركية.

وأفاد مسؤول في وزارة التجارة والصناعة والطاقة، يوم الجمعة، بأن يو هان - كو تلقى إخطاراً بإقالته من وزارة إدارة الموارد البشرية، دون الكشف عن أي تفاصيل إضافية حول أسباب القرار.

وأكد مسؤول حكومي، في تصريح لـ«وكالة يونهاب الكورية الجنوبية للأنباء»، أن إقالة يو «ليست لها أي صلة بمفاوضات الرسوم الجمركية الجارية بين سيول وواشنطن».

غير أن أنباء تداولتها وسائل الإعلام ربطت الإقالة بسلوك شخصي غير لائق، وهو ما نفاه يو، في بيان له، واصفاً تلك المزاعم بأنها «لا أساس لها من الصحة»، ومشيراً إلى إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد ما وصفها بـ«التقارير المضللة».

تأتي هذه الإقالة في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تواجه سيول ضغوطاً أميركية متصاعدة للإسراع في تنفيذ التزاماتها الاستثمارية، بموجب اتفاقية الرسوم الجمركية الثنائية، إلى جانب نزاع قائم حول الغرامات المفروضة على شركة «كوبانغ» العملاقة للتجارة الإلكترونية المدرجة في بورصة نيويورك، بسبب اختراق بيانات شخصية.


السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
TT

السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)

في وقت تزداد فيه حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد العالمي، على وقع تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز، والمخاطر التي تواجه الملاحة في عدد من الممرات البحرية الحيوية، تكثّف السعودية مبادراتها الإقليمية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، انطلاقاً من رؤية تربط بين خفض المخاطر الجيوسياسية وتهيئة البيئة اللازمة للنمو والتنمية وجذب الاستثمارات.

ويبرز في هذا السياق «اتفاق مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان، بوصفه إحدى المبادرات التي يعوّل عليها مختصون في تعزيز الاستقرار الإقليمي، ورفع مستوى الثقة بالبيئة الاقتصادية والاستثمارية، في منطقة تحتل موقعاً محورياً في أسواق الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

ويرى مختصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن التحركات السعودية لا تنفصل عن استراتيجية أوسع تستهدف بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الصدمات، مؤكدين أن تعزيز الأمن ينعكس بصورة مباشرة على استدامة إمدادات الطاقة وسلامة طرق الملاحة وحركة التجارة والاستثمار، ويمهد في الوقت نفسه لتوسيع نطاق التكامل الاقتصادي والمشروعات المشتركة بين دول المنطقة.

كما أشاروا إلى أن أهمية المبادرات السعودية تتجاوز الأبعاد الأمنية المباشرة إلى دعم مسار التنمية، من خلال خفض مستويات المخاطر، وتعزيز اليقين لدى المستثمرين، وتهيئة المجال أمام شراكات جديدة في قطاعات الطاقة والصناعة والتقنية والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية.

استقرار إمدادات الطاقة والملاحة

وقال عضو مجلس الشورى، فضل بن سعد البوعينين، لـ«الشرق الأوسط»، إن المبادرات التي تتبناها السعودية، وفي مقدمتها «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وباكستان وتركيا، يمكن أن تنعكس آثارها على الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي والتجارة الدولية، بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والاستراتيجي للمنطقة.

وأضاف أن المنطقة تصدّر ما يقارب خُمس احتياجات العالم من النفط، إلى جانب الغاز والمغذيات الزراعية، ما يجعل استقرارها وأمنها عاملَين أساسيين في ضمان استمرارية إمدادات الطاقة وسلامة خطوط الملاحة البحرية.

وأوضح البوعينين أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يولي التنمية الاقتصادية أهمية كبيرة بوصفها قاعدة لازدهار الشعوب والدول، مع التركيز على تدفق الاستثمارات بوصفه أحد محركات التنمية، بالتوازي مع تعزيز قدرات المملكة في قطاع الطاقة والمحافظة على مكانتها المؤثرة في منظومة الإمدادات العالمية.

ويرى أن المساعي السعودية تستهدف تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة بما ينعكس إيجاباً على اقتصاد المملكة واقتصادات دولها، مشيراً إلى أن التنمية تحتاج إلى قاعدة مستقرة يمكن البناء عليها، وأن الاتفاق الدفاعي يُسهم في تعزيز الردع وخفض المخاطر التي يمكن أن تؤثر في النشاط الاقتصادي.

ولفت إلى أن المستثمرين يضعون استقرار البيئة الاستثمارية ضمن أولوياتهم عند اتخاذ القرارات، وبالتالي فإن تعزيز الأمن الإقليمي ووضوح الرؤية الاقتصادية يمثّلان عاملين داعمين لجاذبية السوق السعودية، في ظل ما توفره من فرص استثمارية متنوعة.

وحسب البوعينين، فإن «اتفاق مكة» يبعث برسائل طمأنة إلى المستثمرين المحليين والأجانب، كما يعزز الثقة باستدامة إمدادات الطاقة وحماية المنشآت الحيوية، وهو ما يمكن أن ينعكس على وتيرة المشروعات وتدفقات الاستثمار والتبادل التجاري.

وأكد أن السعودية تراهن على «رؤية 2030» وبرامجها التنموية التي تتطلّب استثمارات كبيرة، ما يجعل رفع مستوى اليقين الاقتصادي وخفض الضبابية الجيوسياسية عنصراً مهماً لدعم تدفقات رؤوس الأموال وتنفيذ المشروعات.

وأضاف أن تعزيز منظومة الأمن الإقليمي من شأنه تشجيع المستثمرين على اقتناص الفرص والمشاركة في المشروعات التنموية، مع امتداد الآثار الإيجابية إلى اقتصادات المنطقة عموماً، وليس الاقتصاد السعودي فحسب.

وأشار البوعينين إلى أن توقيع الاتفاق بعد سنوات من المباحثات يعكس عمق العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان، ويفتح المجال أمام مرحلة أوسع من التعاون، بما يدعم جهود إرساء الأمن والاستقرار والازدهار.

ويرى أن التحركات التي يقودها ولي العهد السعودي أسهمت في تعزيز دور الدبلوماسية والحوار السياسي في التعامل مع أزمات المنطقة، إلى جانب توحيد الجهود في مواجهة التحديات، بما يدعم الأمن والاستقرار ويوفر أرضية أكثر صلابة للبرامج الاقتصادية والتنموية.

تكامل اقتصادي يتشكل

من جهته، قال رجل الأعمال السعودي عبد الله بن زيد المليحي، الرئيس التنفيذي لشركة «التميز» السعودية القابضة للتقنية، إن السعودية تواصل العمل على تعزيز الثقة بالاقتصادَيْن المحلي والإقليمي، مشيراً إلى أن «اتفاق مكة» يأتي ضمن المبادرات التي يمكن أن تعزّز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً، وتفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون والتكامل الاقتصادي.

وأوضح المليحي لـ«الشرق الأوسط» أن الخطوات السعودية لتعزيز الأمن والاستقرار تنعكس على البيئة الاقتصادية والاستثمارية، لافتاً إلى أن التقارب السعودي-التركي-الباكستاني يوفّر أرضية لتطوير العمل المشترك سياسياً واقتصادياً ودفاعياً وبشرياً.

وأضاف أن المملكة رسخت دورها بوصفها قوة سياسية واقتصادية مؤثرة، من خلال بناء شراكات استراتيجية تستهدف تحقيق المصالح المشتركة ودعم أمن المنطقة واستقرارها.

ويرى المليحي أن استراتيجية السعودية القائمة على تعزيز الاستقرار وبناء شراكات طويلة الأجل تساعد في توفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات، وتفتح فرصاً أمام القطاع الخاص في الصناعة والتقنية والطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية والتجارة.

وأشار إلى أن السعودية تمتلك اقتصاداً كبيراً وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وبرامج تحول طموحة ضمن «رؤية 2030».

وقال إن التقارب السياسي والأمني يمكن أن يتطور إلى شراكات اقتصادية أوسع يستفيد منها المستثمرون ورجال الأعمال، ولا سيما عبر المشروعات المشتركة ونقل المعرفة والتقنية وتوطين الصناعات وزيادة حجم التبادل التجاري.

وأكد المليحي أن الاقتصاد والتنمية والمواطن هم المستفيدون بصورة مباشرة من استقرار المنطقة، مشيراً إلى أن قوة المملكة السياسية وشراكاتها المتوازنة تمنح القطاع الخاص مزيداً من الثقة، وتعزز قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال والتقنيات والشراكات الدولية.

وخلص إلى أن السعودية تتحرك وفق رؤية تجمع بين حماية مصالحها وتعزيز أمنها وبناء اقتصاد المستقبل، معتبراً أن «اتفاق مكة» يعزّز موقع المملكة في صياغة معادلات الأمن والتنمية والتعاون الإقليمي.

الطريق إلى التنمية المستدامة

بدوره، قال رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية في جازان، الدكتور عبد الرحمن باعشن، لـ«الشرق الأوسط»، إن السعودية تعزّز موثوقيتها الدولية من خلال تبني مبادرات تستهدف خفض المخاطر ودعم الاستقرار، ومن بينها «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي يرى أنه يمكن أن يُسهم في رفع مستوى اليقين الاقتصادي في المنطقة، بعد التداعيات التي خلفتها الحرب الأميركية-الإيرانية والتوترات في مضيق هرمز.

وأضاف باعشن أن النهج السعودي القائم على الجمع بين التحرك السياسي والأمني والاقتصادي يدعم حالة التوازن الإقليمي، ويعزّز الثقة بالاقتصاد السعودي وبيئة الأعمال في المنطقة، وهو ما يمكن أن ينعكس على مستويات التجارة والاستثمار والشراكات الدولية، خصوصاً مع الدور المحوري للمملكة في أسواق الطاقة العالمية.

وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة نشاطاً أكبر في الحركة التجارية والاستثمارية، ولا سيما في الصناعات التقنية المرتبطة بالدفاع، بالتوازي مع توسع الشراكات الاستراتيجية مع الدول التي تمتلك خبرات وقدرات متقدمة في هذه المجالات.

ويرى باعشن أن الاتفاق يمكن أن يوفّر مظلة داعمة لإطلاق مشروعات ومبادرات اقتصادية نوعية بين السعودية وتركيا وباكستان، وأن يمتد أثرها إلى شركائها الدوليين، بما يضع أسساً أوسع للتكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.

وأشار إلى أن تطوير الشراكات في مجالات الصناعة والتقنية والطاقة وسلاسل الإمداد والبنية التحتية والنقل يمكن أن يحول التقارب الاستراتيجي بين الدول الثلاث إلى فرص اقتصادية ملموسة، ويزيد قدرة المنطقة على مواجهة الاضطرابات الخارجية.

وأكد أن جوهر المبادرات السعودية يتمثل في الربط بين الأمن والتنمية؛ إذ إن خفض التوترات وتعزيز استقرار المنطقة لا يقتصر أثرهما على الجانب السياسي، وإنما يمتد إلى حماية حركة التجارة وإمدادات الطاقة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوفير قاعدة أكثر استدامة للنمو الاقتصادي الإقليمي.


العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
TT

العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)

أكد وزير النفط، باسم محمد خضير، السبت، أن الوزارة لديها خطط جديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي.

وقال وزير النفط في مؤتمر صحافي، وفقاً لـ«وكالة الأنباء العراقية»، إن «هدف الوزارة هو تطوير قطاع التصفية (المصافي) وتصدير المنتجات»، مشيراً إلى أنه «سيتم إغلاق ملف حرق الغاز نهاية 2029».

وأكمل: «لدينا خطط عديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي... سيكون هناك افتتاح لعدة مشروعات خلال الأيام المقبلة، وبدعم حكومي».

وأوضح أن «الاستثمار في العراق من قِبَل الشركات الأجنبية سيوفر عائدات مالية كبيرة ويقلل البطالة».