شبح «السيطرة المالية» يعود... هل يضحي «الفيدرالي» باستقلاليته لتمويل ديون أميركا؟

ارتفاع عوائد السندات الطويلة الأجل يثير مخاوف المستثمرين بشأن التضخم

ترمب وباول خلال جولة داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن يوم 24 يوليو 2025 (رويترز)
ترمب وباول خلال جولة داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن يوم 24 يوليو 2025 (رويترز)
TT

شبح «السيطرة المالية» يعود... هل يضحي «الفيدرالي» باستقلاليته لتمويل ديون أميركا؟

ترمب وباول خلال جولة داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن يوم 24 يوليو 2025 (رويترز)
ترمب وباول خلال جولة داخل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن يوم 24 يوليو 2025 (رويترز)

مع ازدياد الدين الأميركي وضغط البيت الأبيض على «بنك الاحتياطي الفيدرالي» لخفض أسعار الفائدة، يقيّم المستثمرون خطر «السيطرة المالية»، وهو سيناريو تصبح فيه ضرورة تمويل الحكومة بأسعار منخفضة أكبر أهمية من مكافحة التضخم. ومن المتوقع أن يزيد مشروع قانون الموازنة الذي أقره الكونغرس، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، الشهر الماضي الالتزامات على الدين الأميركي بمليارات الدولارات؛ مما يرفع تكلفة خدمة هذا الدين.

وفي الوقت نفسه، دعا الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، صراحةً «الاحتياطي الفيدرالي» إلى خفض أسعار الفائدة جزئياً لتخفيف تكاليف الفائدة على الحكومة الأميركية. وقد أثارت حملة الضغط هذه مخاوف من أن الإدارة تسعى لإعادة «الاحتياطي الفيدرالي» إلى فترة سابقة، حين أبقى أسعار الفائدة منخفضة لتسهيل الاقتراض بتكلفة منخفضة، وفق «رويترز».

سيارة تمر بجانب لوحة تعرض الدين الأميركي بعد وصوله إلى 31.4 تريليون دولار (رويترز)

وقال نيت ثوف، الرئيس التنفيذي للاستثمارات في إدارة حلول الأسهم والأصول المتعددة لدى «مانولايف»: «السيطرة المالية مصدر قلق... هناك مخاطر في الأفق، سواء من زيادة مستويات الدين، ومن احتمال ارتفاع التضخم الهيكلي، أو على الأقل، زيادة تقلبات الأسعار». وأضاف: «السبب الذي يجعل إدارة ترمب والسياسيين عموماً يرغبون في رؤية أسعار فائدة منخفضة هو أنها ضرورية لتحمل مستويات الدين الحالية».

«السيطرة المالية» في التجربة الأميركية

وشهدت الولايات المتحدة «السيطرة المالية» خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، عندما كان على «الاحتياطي الفيدرالي» إبقاء أسعار الفائدة منخفضة لتمويل جهود الحرب؛ مما أدى لاحقاً إلى ارتفاع التضخم الذي تسبّب في اتفاقية وزارة الخزانة و«الاحتياطي الفيدرالي» عام 1951 لإعادة استقلال «البنك المركزي».

ويشير بعض المحللين إلى أن ارتفاع العوائد على سندات الخزانة طويلة الأجل، وضعف الدولار، يعكسان بالفعل هذا الوضع الاقتصادي، حيث يطالب المستثمرون بتعويض أعلى للاحتفاظ بالأصول الأميركية التي قد تفقد قيمتها إذا ارتفع التضخم. وقالت كيلي كوالسكي، رئيسة استراتيجيات الاستثمار في «ماسميتشوال»: «الإدارة تريد التغلب على الدين... والطريقة الأخرى للتعامل معه هي التضخم».

شخص يتسوق في مانهاتن بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

ويعني ارتفاع التضخم انخفاض القيمة الحقيقية للدين الحكومي. وقال ترمب الشهر الماضي إن معدل الفائدة القياسي لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يجب أن يكون أقل بـ3 نقاط مئوية من النطاق الحالي البالغ ما بين 4.25 و4.50 في المائة، مؤكداً أن هذا التخفيض سيوفر تريليون دولار سنوياً. وأضاف أن «البنك المركزي» قد يرفع الفائدة مرة أخرى إذا ارتفع التضخم. وخلال الأشهر الـ12 المنتهية في يونيو (حزيران)، سجل التضخم، وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، 2.6 في المائة، وهو لا يزال أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ اثنين في المائة.

ومع ذلك، أكد رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، أن «البنك المركزي الأميركي» لا يأخذ إدارة الدين الحكومي في الحسبان عند وضع السياسة النقدية.

ويشير بعض المستثمرين إلى أن «السيطرة المالية» لا تزال على أفق غير مؤكد؛ إذ لم تؤدِ زيادة الدين بعد إلى ارتفاع أسعار الفائدة بشكل غير مستدام، في حين يرى آخرون أنها بدأت تؤثر على الأسواق بالفعل؛ إذ تظل العوائد طويلة الأجل مرتفعة حتى مع توقعات خفض الفائدة من «الاحتياطي الفيدرالي». وقال كوش ديزاي، المتحدث باسم البيت الأبيض، إن إدارة ترمب تحترم استقلالية «الفيدرالي»، لكن مع انخفاض التضخم بشكل كبير مقارنة بالسنوات السابقة، يعتقد ترمب أن الوقت مناسب لتخفيض الفائدة.

وحتى الآن، قاوم «البنك المركزي» هذه المطالب، لكن من المتوقع أن يخفض تكاليف الاقتراض في اجتماعه المقرر يومي 16 و17 سبتمبر (أيلول) المقبل.

تفويض «الاحتياطي الفيدرالي»

انخفض الدولار هذا العام بنحو 10 في المائة مقابل سلة من العملات الرئيسية، بينما تظل العلاوات على السندات طويلة الأجل مرتفعة، حتى مع تراجع العوائد مؤخراً بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي. وقال أوليفر شيل، مختص الاستثمار في «روفّر»: «من الصعب التفاؤل بالسندات طويلة الأجل في هذا المناخ»، مشيراً إلى الإنفاق الحكومي الذي قد يبقي التضخم مرتفعاً ويقلل من قيمة السندات. وأضاف: «إذا كان الاقتصاد يعمل فوق طاقته الطبيعية، فهذا سيؤدي إلى التضخم أو له آثار مهمة على أسعار الفائدة والعملات».

ورأى ثوف أنه متشائم بشأن سندات الخزانة طويلة الأجل؛ لأن ارتفاع التضخم سيستدعي علاوات أكبر على المدى الطويل. وعلى الرغم من سنوات النمو الاقتصادي، فإن العجز الأميركي استمر في التوسع، ليصبح الدين أكثر من 120 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بأعلى من مستواه بعد الحرب العالمية الثانية.

وعادةً ما يدير «الاحتياطي الفيدرالي» التضخم بينما يلتزم الكونغرس بالانضباط المالي، لكن هذا التوازن ينقلب في سيناريو «السيطرة المالية»؛ إذ يصبح التضخم مدفوعاً بالسياسات المالية ويحاول «الاحتياطي الفيدرالي» إدارة عبء الدين، كما قال إريك ليبر، أستاذ الاقتصاد في جامعة فرجينيا: «لا يمكن لـ(الاحتياطي الفيدرالي) التحكم في التضخم والحفاظ على دفعات الفائدة منخفضة في الوقت نفسه. هذان الأمران متعارضان».

أحد المؤشرات السلبية للمستثمرين هو تقلص الفجوة بين أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي. فقد تراوحت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات حول 4.3 في المائة خلال الأسابيع الأخيرة، بينما نما الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بمعدل سنوي بلغ 5.02 في المائة خلال الربع الثاني. وعندما تتجاوز أسعار الفائدة معدل النمو، يرتفع الدين بوصفه نسبةً من الناتج المحلي الإجمالي حتى دون اقتراض جديد؛ مما يجعل الدين أكبر صعوبة في التحمل.

وقالت تحليلات «بنك دويتشه»: «المخاطر على استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي)، الناجمة عن السيطرة المالية، مرتفعة»، مشيرة إلى العجز المرتفع والعوائد طويلة الأجل القريبة من نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

تحذيرات تاريخية

التاريخ يقدم دروساً تحذيرية؛ فقد أدت السيطرة المالية القصوى إلى التضخم المفرط في ألمانيا في عشرينات القرن الماضي، وفي الأرجنتين في أواخر الثمانينات وأوائل الألفية. ومؤخراً في تركيا، أدى الضغط على «البنك المركزي»؛ للحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة، إلى تقويض مصداقية السياسة النقدية، وأثار أزمة عملة.

وأعرب غالبية الاقتصاديين الذين شملهم استطلاع «رويترز» الشهر الماضي عن قلقهم بشأن استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي».

وعلى الرغم من انتقادات ترمب ومسؤوليه، فإن باول أكد عزمه على البقاء رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي» حتى انتهاء ولايته في مايو (أيار) 2026. وقال أمار ريغانتي، استراتيجي الدخل الثابت في «هارتفورد فاندز» والمسؤول السابق في وزارة الخزانة: «يبدو واضحاً أن أي مرشح للمقعد، بغض النظر عن آرائه السابقة، من المحتمل أن يتبنى توجهاً متساهلاً ليجري ترشيحه».

لكن أسعار الفائدة المنخفضة قد تكون حلاً مؤقتاً فقط. فالإدارة قد تأمل «زيادة النمو الاسمي» رغم خطر ارتفاع التضخم، للوصول إلى مستوى يجعل النمو الحقيقي دافعاً لجعل مسار الدين مستداماً، كما قال بريج خورانا، مدير محفظة الدخل الثابت في «ويلينغتون»... «المشكلة هي... أن البنك المركزي يقول: (لا أريد أن أخوض هذه المخاطرة معكم)».


مقالات ذات صلة

شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

الاقتصاد جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

تدخل أميركا اللاتينية مرحلة توصف بأنها «لحظة استثمارية حاسمة»، وسط تصاعد الاهتمام العالمي وتزايد الفرص.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد بيسنت يدلي بتصريح صحافي عقب اجتماعات مع وفد صيني (أ.ف.ب)

ثورة بيسنت النقدية... الاستعانة بنموذج بنك إنجلترا لإخضاع «الفيدرالي»

يدرس وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، مقترحات لإعادة هيكلة جذرية للعلاقة التاريخية التي تربط وزارة الخزانة بالاحتياطي الفيدرالي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مصور تلفزيوني يصوّر لوحات مؤشرات تُظهر عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات في طوكيو (إ.ب.أ)

إذا أردتَ معرفة نبض الاقتصاد العالمي... فراقِب عوائد السندات

بينما تنشغل العواصم الكبرى بقرارات الحرب والسلم في الشرق الأوسط، تُطلق سوق السندات العالمية «صافرات إنذار» مدوية تتجاوز شاشات التداول لتضرب صلب الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميران يغادر اجتماع اللجنة الفيردالية للسوق المفتوحة الاسبوع الماضي (أ.ف.ب)

ميران المقرب من ترمب يتمسك بخفض الفائدة الأميركية رغم صدمة أسعار النفط

قال محافظ الاحتياطي الفيدرالي، ستيفن ميران، إنه من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات حول كيفية تأثير ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

كيف نجت الأسهم الأميركية من صدمة النفط التي ضربت أوروبا واليابان؟

في أعقاب تداعيات الحرب الإيرانية، واصلت الأسهم الأميركية الحفاظ على أدائها بشكل أفضل مقارنة بنظيراتها في الأسواق العالمية الأخرى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الصادرات غير النفطية السعودية تقفز 22 % في يناير

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)
ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)
TT

الصادرات غير النفطية السعودية تقفز 22 % في يناير

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)
ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)

أظهرت بيانات التجارة الدولية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء لشهر يناير (كانون الثاني) 2026 تحقيق السعودية نمواً لافتاً في قطاع الصادرات غير النفطية؛ حيث ارتفعت قيمتها شاملة إعادة التصدير بنسبة 22.1 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، لتستقر عند 32.6 مليار ريال (نحو 8.69 مليار دولار).

ويعكس هذا الأداء المرن نجاح الجهود المبذولة لتنويع القاعدة الاقتصادية؛ حيث ارتفعت نسبة الصادرات غير النفطية إلى الواردات لتصل إلى 40.0 في المائة، مقارنة بنحو 34.9 في المائة في يناير 2025.

وتعود هذه الطفرة في الأداء غير النفطي بشكل أساسي إلى القفزة الكبيرة في نشاط «إعادة التصدير»، الذي سجل نمواً قياسياً بنسبة 95.5 في المائة ليبلغ 15.8 مليار ريال (نحو 4.21 مليار دولار)، وهو ما يمثل أعلى مستوى شهري لهذا النشاط منذ بداية عام 2017، وقد تركز هذا النمو في قطاع الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية وأجزائها، الذي نما بنسبة 78.2 في المائة ليستحوذ وحده على 46.1 في المائة من إجمالي السلع المعاد تصديرها.

وفي المقابل، سجلت الصادرات الوطنية غير النفطية (باستثناء إعادة التصدير) انخفاضاً بنسبة 9.9 في المائة لتصل إلى 16.7 مليار ريال (نحو 4.45 مليار دولار).

وعلى صعيد المؤشرات الكلية، بلغ إجمالي الصادرات السلعية للمملكة في يناير نحو 98.7 مليار ريال (نحو 26.32 مليار دولار) بنمو محدود قدره 1.4 في المائة. وجاء هذا النمو المحدود متأثراً بتراجع الصادرات النفطية بنسبة 6.4 في المائة لتنخفض قيمتها إلى 66.1 مليار ريال (نحو 17.62 مليار دولار)، مما أدى لتقلص حصة النفط من إجمالي الصادرات إلى 67.0 في المائة مقابل 72.6 في المائة في العام السابق.

وأدى هذا التباين في أداء القطاعات، مع ارتفاع الواردات بنسبة 6.5 في المائة لتصل إلى 81.4 مليار ريال (نحو 21.70 مليار دولار)، إلى انخفاض فائض الميزان التجاري السلعي بنسبة 17.5 في المائة ليبلغ 17.3 مليار ريال (نحو 4.61 مليار دولار).

وفيما يخص الشركاء التجاريين، واصلت الصين تصدر القائمة كوجهة رئيسية لصادرات المملكة بنسبة 15.1 في المائة، تلتها الإمارات بنسبة 12.9 في المائة، ثم الهند بنسبة 9.8 في المائة. كما احتلت الصين المرتبة الأولى في قائمة الواردات بنسبة 31 في المائة.

أما على مستوى المنافذ الجمركية، فقد برز مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة كأهم منفذ للصادرات غير النفطية بحصة بلغت 19.3 في المائة، بينما تصدر ميناء الملك عبد العزيز بالدمام منافذ الاستيراد بنسبة 27.7 في المائة من إجمالي الواردات السلعية للمملكة.


شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
TT

شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

تدخل أميركا اللاتينية مرحلة توصف بأنها «لحظة استثمارية حاسمة»، وسط تصاعد الاهتمام العالمي وتزايد الفرص، في وقت يؤكد فيه قادة ومسؤولون أن تحويل هذا الزخم إلى نمو طويل الأمد يتطلب بيئة تنظيمية واضحة، وشراكات استراتيجية، ورؤية تتجاوز المدى القصير.

وخلال اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي «FII PRIORITY Miami» الذي عُقد تحت عنوان «النظام الجديد لأميركا اللاتينية»، شدد رئيس اللجنة التنفيذية والرئيس التنفيذي بالإنابة لمعهد مبادرة مستقبل الاستثمار ريتشارد أتياس على أن المرحلة المقبلة «لن تُحدَّد بالكلمات، بل بالقرارات والشراكات والاستثمار والشجاعة»، في إشارة إلى التحولات العميقة التي يشهدها الإقليم.

وأكدت جلسات القمة أن شهية الاستثمار في أميركا اللاتينية باتت «حقيقية ومتنامية»؛ حيث أشار إيلان غولدفاين، رئيس بنك التنمية للبلدان الأميركية، إلى تشكّل ممر استثماري عابر للقارات، مدفوعاً بارتفاع الطلب واستعداد عدد من الدول لتبني أطر استثمارية متوافقة مع المعايير العالمية.

ولفت إلى أن القمة تمثل منصة لربط المستثمرين بالفرص، معتبراً أن «نمو الإنتاجية» سيكون العامل الحاسم في تحقيق قفزات اقتصادية، مع إمكانية وصول بعض الدول إلى معدلات نمو تتراوح بين 5 و6 في المائة.

إصلاحات تشريعية

وفي قطاع الطاقة، برزت أهمية البيئة التشريعية كعامل رئيسي لجذب الاستثمارات؛ حيث أكدت نائبة رئيس فنزويلا ديلسي رودريغيز أن «اليقين القانوني» يمثل حجر الأساس لاستقطاب رؤوس الأموال، مشيرة إلى إصلاحات قانونية شملت قطاع الهيدروكربونات. وكشفت أن بلادها استقطبت أخيراً أكثر من 120 شركة طاقة، معظمها من الولايات المتحدة، إلى جانب شركات من الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأوروبا.

اتفاقيات التجارة وتشكيل الأسواق

وتُسهم الاتفاقيات التجارية في تسريع زخم الاستثمار، إذ أشار نوربيرتو جيانغراندي، رئيس مجلس إدارة «مينيرفا فودز»، إلى قرب دخول اتفاقية الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور» حيز التنفيذ، ما سيؤدي إلى إنشاء واحدة من كبرى مناطق التجارة الحرة في العالم، تضم أكثر من 700 مليون مستهلك.

ووصف جيانغراندي البرازيل بأنها «ملاذ آمن» في ظل التقلبات العالمية، لافتاً إلى النمو الكبير في صادرات اللحوم، التي ارتفعت من 50 ألف طن مطلع الألفية إلى نحو 5 ملايين طن متوقعة هذا العام. وأكد أن هذا التوسع يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا، إلى جانب الكفاءات البشرية، مع تعزيز الإنتاج دون الإضرار بالموارد الطبيعية.

رأس المال البشري أساس النمو

في المقابل، يتزايد التركيز على الاستثمار الاجتماعي باعتباره محركاً أساسياً للنمو؛ حيث أكدت ماريا خوسيه بينتو، نائبة رئيس الإكوادور، أن بلادها انتقلت من اعتبار الإنفاق الاجتماعي «تكلفة» إلى اعتباره «استثماراً في النمو الاقتصادي». وأوضحت أن الأولويات تشمل مكافحة سوء التغذية المزمن، وتعزيز التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية للمياه والصرف الصحي.

وأشارت إلى أن كل دولار يُستثمر في معالجة سوء التغذية يمكن أن يحقق عائداً يصل إلى 23 دولاراً مستقبلاً، داعية المستثمرين إلى تبني منظور طويل الأمد يركز على تنمية رأس المال البشري.

شراكات طويلة

من جانبه، شدد المدير العام للأميركتين في وزارة الاستثمار السعودية عبد الرحمن بكر على أن التحدي لا يكمن في قرار الاستثمار بحد ذاته، بل في «كيفية الاستثمار»، مشيراً إلى أن تنوع الأسواق داخل أميركا اللاتينية يتطلب فهماً عميقاً لكل مدينة ودولة على حدة.

وقال إن بناء شراكات طويلة الأمد، وتعزيز الحضور المحلي، وفهم الخصوصيات الاقتصادية لكل سوق، تمثل عناصر أساسية للنجاح، مؤكداً أن الهدف لا يقتصر على تمويل المشاريع، بل يمتد إلى دعم الاقتصادات في مسار نموها.

رؤية مشتركة

وخرجت القمة إلى أن تحقيق الإمكانات الكاملة لأميركا اللاتينية يتطلب مواءمة بين رأس المال والسياسات والموارد البشرية ضمن رؤية مشتركة طويلة الأمد. ومع توافر الشراكات الاستراتيجية، والأطر التنظيمية الواضحة، والتركيز المتزايد على رأس المال البشري، تبدو المنطقة في موقع مؤهل لتحويل الفرص الناشئة إلى نمو مستدام وقابل للتوسع.


رئيس «مبادرة مستقبل الاستثمار»: قمة ميامي منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي

أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)
أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «مبادرة مستقبل الاستثمار»: قمة ميامي منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي

أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)
أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)

مع استعدادها للانطلاق الرسمي، اليوم (الخميس)، أكد الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» ريتشارد أتياس أن قمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي «FII PRIORITY Miami» تمثل منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي، في ظل تسارع حركة رأس المال والتكنولوجيا عبر الحدود، مشدداً على أن دور المؤسسة يتجاوز النقاش إلى التأثير العملي في مسارات الاستثمار.

وقال أتياس، في لقاء إعلامي على هامش القمة المنعقدة في ميامي الأميركية، إن القمة استهلت أعمالها بجلسة خاصة حول «النظام الجديد لأميركا اللاتينية»، استجابة لاهتمام متزايد بدور المنطقة، لافتاً إلى أن ميامي باتت «نقطة التقاء استراتيجية بين شمال وجنوب القارة الأميركية»، ومركزاً لإعادة توجيه الاستثمارات. وأضاف أن الجلسات شهدت مشاركة قادة أعمال ومسؤولين سياسيين، إلى جانب اجتماعات مغلقة بين المستثمرين.

رقم قياسي

وأشار أتياس إلى تسجيل رقم قياسي في عدد المشاركين، يقترب من 1900 مشارك، بينهم نحو 40 في المائة من خارج الولايات المتحدة، رغم التحديات المرتبطة بالسفر، خصوصاً من الشرق الأوسط، مؤكداً أن «الإقبال يعكس تعطشاً عالمياً لفهم اتجاهات رأس المال والفرص الجديدة».

وفيما يتعلق بأبرز توجهات القمة، قال إن النقاشات هذا العام أصبحت «أكثر نضجاً وواقعية»، خاصة في ملف الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن الحديث لم يعد نظرياً كما في السابق، بل بات يركز على التطبيقات العملية، مثل مراكز البيانات واستخدامات الذكاء الاصطناعي في القطاعات المختلفة، حيث «يمكن تتبع أين تتجه الاستثمارات فعلياً».

وأضاف أن العملات الرقمية لا تزال حاضرة بقوة، إلى جانب تنامي الاهتمام بقطاع السياحة، الذي وصفه بأنه «يشهد نمواً رغم التحديات العالمية».

تنطلق الخميس فعاليات اليوم الأول من قمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

وانطلقت القمة التي تعقد تحت شعار «رأس المال المتحرك»، بجلسات تحضيرية متخصصة حول أسواق أميركا اللاتينية، في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية عالمياً، وتزداد فيه وتيرة انتقال الاستثمارات والأفكار عبر الحدود والقطاعات.

وتتناول القمة في جلساتها محاور رئيسية تشمل «حواراً افتتاحياً» مع ياسر الرميان محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وجلسة «الجغرافيا الجديدة للاستثمار»، إلى جانب بحث العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والخليج.

كما تركز على التحولات التكنولوجية والمالية، من الذكاء الاصطناعي إلى العملات المستقرة، مروراً بدور رأس المال الخاص، وفرص الأسواق السعودية، إضافة إلى استكشاف آفاق أفريقيا وبروز فئات أصول جديدة مدفوعة بالتقنيات المتقدمة.

جيل جديد

وبالعودة إلى الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، الذي أكد بروز جيل جديد من رواد الأعمال الشباب، الذين باتوا يقودون شركات تدير مليارات الدولارات، قال: «ميامي أصبحت منصة لاكتشاف القادة الجدد للاقتصاد العالمي»، مضيفاً أن بعض هؤلاء بدأوا مشاريعهم العام الماضي وأصبحوا اليوم لاعبين رئيسيين في السوق.

إطلاق مؤشر لرأس المال المتحرك

وفي سياق تعزيز دورها كمحرك للتحولات الاستثمارية، أعلنت مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، وهي مؤسسة عالمية غير ربحية بذراع استثمارية ترتكز على «إحداث أثر في الإنسانية»، إطلاق «مؤشر رأس المال المتحرك» (CMI) خلال قمة ميامي، بوصفه أداة عالمية مبتكرة لرصد وتحليل تدفقات رأس المال عبر الحدود والقطاعات والتقنيات.

ويهدف المؤشر إلى تقديم رؤية غير مسبوقة لصنّاع القرار حول كيفية توظيف رؤوس الأموال طويلة الأجل، من خلال متابعة الاستثمارات المعلنة والمُلتزم بها في مجالات حيوية تشمل الذكاء الاصطناعي والطاقة والابتكار الحضري والغذاء وتقنيات إطالة العمر.

ويرتكز المؤشر على 6 محاور رئيسية، منها كفاءة حركة رأس المال وجودته وشموليته واستعداده للمستقبل، بما يتيح تقييماً أعمق لا يقتصر على حجم التدفقات، بل يمتد إلى أثرها في خلق قيمة مستدامة.

وقال أتياس إن المؤسسة أسهمت في تحفيز صفقات تتجاوز قيمتها 170 مليار دولار، ما يمنحها فهماً دقيقاً لمسارات رأس المال عالمياً، مضيفاً أن المؤشر الجديد «سيحوّل هذه المعرفة إلى أداة استراتيجية توفر وضوحاً واتجاهاً واستشرافاً في بيئة اقتصادية معقدة».

ومن المقرر استكمال تطوير المؤشر بالتعاون مع شركاء دوليين، على أن يُطلق بشكل كامل خلال النسخة العاشرة من مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في خطوة تعكس توجه المؤسسة نحو تقديم أدوات عملية تُسهم في توسيع الوصول إلى المعرفة الاستثمارية وتعزيز الشفافية والشمولية في فهم حركة الأموال عالمياً.

عقد الصفقات

كما شدد على أن القمة تتيح بيئة للتعاون والتعلم، حيث يجتمع المنافسون لتبادل الرؤى والخبرات، موضحاً أن «المنصة لم تعد فقط للحوار، بل أيضاً لعقد الصفقات»، مع توقع الإعلان عن استثمارات بمليارات الدولارات خلال أيام القمة في قطاعات متعددة، منها الذكاء الاصطناعي والسياحة.

وحول اختيار ميامي، قال أتياس إن المدينة أصبحت مركزاً عالمياً يربط بين الأسواق، مشيراً إلى أن استراتيجية المؤسسة تقوم على تنظيم فعاليات في مراكز اقتصادية مختلفة، مع بقاء الرياض الحدث الرئيسي السنوي.

وشدد الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» على أن العالم، رغم التحديات، «يظل قادراً على التكيف»، وأن القمة تسعى إلى تزويد قادة الأعمال بما يشبه «بوصلة جديدة» لفهم اتجاهات الأسواق خلال الأشهر المقبلة، مضيفاً أن «الحوار والتواصل في أوقات عدم اليقين أصبحا أكثر أهمية من أي وقت مضى».