«خريطة طريق» بين الرياض ونيودلهي لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري

السفير الهندي لـ«الشرق الأوسط»: الربط الكهربائي ركيزة أساسية للتوافق الاستراتيجي بين البلدين

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله في جدة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أبريل الماضي (واس)
ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله في جدة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أبريل الماضي (واس)
TT

«خريطة طريق» بين الرياض ونيودلهي لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله في جدة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أبريل الماضي (واس)
ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله في جدة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أبريل الماضي (واس)

تعمل كل من الهند والسعودية بشكل حثيث على وضع خريطة طريق مشتركة لترسيخ شراكة ديناميكية تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي، والاستثماري، والتجاري بين البلدين. وفي خطوة لتعميق هذه الشراكة، تم الإعلان عن إنشاء لجنتين وزاريتين جديدتين ضمن إطار مجلس الشراكة الاستراتيجية، إحداهما تُعنى بالتعاون الدفاعي والأخرى بالسياحة والثقافة.

هذا ما كشف عنه السفير الهندي لدى السعودية، الدكتور سهيل إعجاز خان، لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أن الجانبين «عملا بشكل وثيق لتنفيذ أجندة مشتركة مكثفة منذ انعقاد قمة القادة في جدة في أبريل (نيسان) 2025».

كان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على رأس وفد كبير، ناقش خلالها مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، العلاقات التجارية والاستثمارية وقطاع الطاقة.

جلسة المباحثات الثنائية السعودية - الهندية (واس)

ولفت خان إلى أن وزير الكيميائيات والأسمدة الهندي، جي بي نادا، أقر خلال زيارته الأخيرة للمملكة في يوليو (تموز) 2025 التزامات بتوريد الأسمدة من السعودية إلى الهند على المدى الطويل. كما استعرض وزير التجارة والصناعة الهندي بيوش غويال، الشهر الماضي، سبل التعاون الاقتصادي والاستثماري الثنائي في اجتماعات منفصلة عبر الإنترنت مع نظيره السعودي وزير الاقتصاد فيصل الإبراهيم، ووزير الاستثمار خالد الفالح.

وذكر السفير خان أن البلدين «يخططان لعقد عديد من الاجتماعات واللقاءات الثنائية رفيعة المستوى في المستقبل، ضمن إطار اللجان الوزارية الأربع لمجلس الشراكة الاستراتيجية، مع توقع مشاركة وزارية قوية في قمة مبادرة مستقبل الاستثمار لعام 2025»، التي تنعقد في نسختها التاسعة في الرياض في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل تحت عنوان «مفتاح الرخاء: فتح آفاق جديدة للنمو».

وأضاف خان: «في الفعاليات متعددة الأطراف التي تستضيفها المملكة هذا العام، سنشارك رسمياً بشكل رفيع المستوى في الدورة 26 للجمعية العامة لمنظمة السياحة العالمية، والمؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو)، وكلاهما في نوفمبر (تشرين الثاني). وفي معرض المجوهرات الهندي - السعودي العالمي (ساجكس 2025)، خططنا لمشاركة شاملة من قطاع الأعمال الهندي».

السفير الهندي لدى السعودية د. سهيل إعجاز خان (الشرق الأوسط)

تطور التعاون الاقتصادي

قال خان إن التجارة بين البلدين شهدت نمواً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. ففي السنة المالية 2024-2025، بلغ حجمها نحو 42 مليار دولار. وتُعدّ الهند الآن ثاني أكبر شريك تجاري للمملكة، بينما تحتل المملكة المرتبة الخامسة بالنسبة إلى الهند، فيما تنوعت التجارة بشكل كبير.

تقوم الهند بتصدير سلع هندسية، وأرز، ومواد كيميائية، ومركبات، ومنسوجات، ومنتجات غذائية، وأحجار كريمة، ومجوهرات للمملكة. وفي المقابل، تستورد الهند النفط الخام، وغاز البترول المسال، والأسمدة، والبلاستيك، والمواد الكيميائية من المملكة.

وأشار خان إلى وجود زخم قوي لتوسيع التجارة، خصوصاً في القطاعات الواعدة مثل الأدوية، والأغذية المصنعة، والتصنيع المتقدم، والأحجار الكريمة والمجوهرات، والسلع الهندسية ذات القيمة العالية. وتوقع أن تكون اتفاقية التجارة الحرة المرتقبة بين الهند ومجلس التعاون الخليجي نقطة تحول كبيرة من شأنها أن تطلق العنان لإمكانات أكبر في التجارة والاستثمار.

نمو الشراكات والشركات

ووفق خان، فإن القطاع الخاص الهندي ينظر إلى السعودية على أنها مركز للفرص، حيث تستكشف الشركات الهندية السوق السعودية بنشاط، لا سيما في ضوء الفرص التحويلية المتاحة في إطار «رؤية المملكة 2030».

وارتفع عدد الشركات الهندية المرخص لها في المملكة بشكل كبير من 400 شركة في 2019 إلى أكثر من 2900 شركة بحلول عام 2023، مع استثمارات ضخمة. ونقل كثير من الشركات الهندية مقراتها الإقليمية إلى السعودية، ويشارك عدد منها في برنامج «اكتفاء» التابع لشركة «أرامكو السعودية».

ولفت خان إلى أن الشركات الهندية تسهم بشكل كبير في المشاريع الضخمة ضمن «رؤية 2030»، التي تمتد لتشمل البنية التحتية المدنية، والطاقة، ونقل الكهرباء، والنفط والغاز، والطاقة المتجددة.

وقال: «تلعب شركاتنا التكنولوجية دوراً محورياً في التحوّل الرقمي في السعودية. هناك اهتمام متزايد من الشركات الهندية بقطاعات الرعاية الصحية، والأدوية، والضيافة، والخدمات اللوجيستية، والتعدين، والمعادن، والمشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، والشركات الناشئة، وهي قطاعات حيوية لمستقبل كلا الاقتصادين».

وأكد خان أن الفرص ليست من جانب واحد، فالشركات السعودية لديها أيضاً فرص هائلة للاستثمار في تحول الهند إلى اقتصاد متطور، خصوصاً في قطاعات البنية التحتية، والخدمات اللوجيستية، والطاقة المتجددة، والصحة، والمرافق. ولفت إلى أن السعودية تعهدت باستثمار 100 مليار دولار في الهند، مشيراً إلى أن التعاون التجاري المتنامي بين البلدين سيكون حجر الزاوية في الشراكة الثنائية المستقبلية.

مشروع الربط الكهربائي

تظل الطاقة ركيزة أساسية في العلاقات الهندية - السعودية، فمع سعي الهند للتحول إلى اقتصاد متطور بحلول عام 2047، ستزداد احتياجاتها من الطاقة، وستظل المملكة شريكاً موثوقاً واستراتيجياً في تلبية هذه الاحتياجات. وأوضح خان أن «المستقبل أخضر»، وأن الهند لديها هدف طموح لإنتاج 500 غيغاوات من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، وتتعاون بنشاط مع المملكة في مجال الطاقة النظيفة والمستدامة، بما في ذلك الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والهيدروجين.

ويُعد مشروع ربط الشبكات الكهربائية أحد مجالات التعاون المهمة، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم في عام 2023 حول الربط الكهربائي، والهيدروجين الأخضر، وسلاسل التوريد. وسيتم استكشاف الجدوى الفنية والتجارية لربط الشبكات الكهربائية بين البلدين، وهي مبادرة تُكمل أيضاً الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEEC) الذي يهدف إلى بناء شبكة طاقة إقليمية أكثر تكاملاً واستدامةً وأماناً.

العلاقات السعودية - الهندية

أكد السفير الهندي أن المملكة تُعد من أكثر الشركاء الاستراتيجيين ثقةً للهند، وأن العلاقات بينهما تستند إلى نسيج غني من الروابط الحضارية، والثقافية، والتجارية التي تعود إلى قرون. وقد تطورت هذه العلاقة إلى شراكة استراتيجية شاملة تشمل مجالات الدفاع والأمن والتجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والصحة والتعليم والثقافة.

وقد عكست الزيارة الأخيرة لرئيس وزراء الهند إلى المملكة في أبريل 2025 قوة هذه الروابط المتنامية، حيث أجرى لقاءات مثمرة للغاية مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وأسفرت المباحثات عن اتفاقية لإنشاء مصفاتين كمشروع مشترك بين البلدين في الهند، ومذكرات تفاهم في مجالات الصحة، والتعاون البريدي، والتعاون الفضائي، والرياضة، بالإضافة إلى المجالات الدفاعية، والأمنية، والتجارية، والاستثمارية، والطاقة، والتكنولوجيا، والزراعة، والثقافة. وتجسيداً لتعميق الشراكة الاستراتيجية خلال السنوات القليلة الماضية وفق خان، قرر المجلس إنشاء لجنتين وزاريتين جديدتين في إطار مجلس الشراكة الاستراتيجي، إحداهما لجنة التعاون الدفاعي والأخرى لجنة التعاون السياحي والثقافي.

وزاد: «بنى البلدان أطراً مؤسسية قوية، بما في ذلك لجنة وزارية معنية بالتجارة والاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا، وفريق العمل رفيع المستوى للاستثمار برئاسة مشتركة بين وزير الطاقة السعودي والسكرتير الخاص لرئيس الوزراء الهندي. وتُكمّل رؤيتنا الاقتصادية (رؤية الهند 2047) و(رؤية المملكة 2030) كل منهما الأخرى».

واختتم السفير حديثه بتأكيد أن الهند والسعودية شريكان اقتصاديان موثوقان، وأن شراكتهما حيوية لازدهارهما، ولصمود واستقرار الاقتصاد العالمي في ظل حالة عدم اليقين العالمية.


مقالات ذات صلة

«الملك عبد الله لتطوير الحي المالي» تُنهي صفقة تمويل إسلامي بـ3.2 مليار دولار

الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي (رويترز)

«الملك عبد الله لتطوير الحي المالي» تُنهي صفقة تمويل إسلامي بـ3.2 مليار دولار

أعلنت شركة «إدارة وتطوير مركز الملك عبد الله المالي»، حصولها على تسهيل تمويلي مجمّع بقيمة 12 مليار ريال (3.2 مليار دولار)، بموجب عقد مرابحة مؤسسية لمدة 15 عاماً

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من أسبوع الرياض الدولي للصناعة في نسخته الماضية (الشرق الأوسط)

شراكة سعودية - ألمانية تعزز الحضور الصناعي للمملكة عالمياً

تتجه أنظار القطاع الصناعي إلى العاصمة الرياض مع اقتراب انطلاق فعاليات أسبوع الرياض الدولي للصناعة 2026، الذي يقام برعاية وزارة الصناعة والثروة المعدنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ملتقى الحكومة الرقمية في نسخته الماضية بالرياض (هيئة الحكومة الرقمية)

السعودية تنفق أكثر من 8.5 مليار دولار لتطوير الخدمات الحكومية الرقمية

أنفقت السعودية أكثر من 31.9 مليار ريال (8.5 مليار دولار) خلال العام المنصرم على خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات.

خاص سفن راسية في مضيق هرمز من مسندم - عُمان (رويترز)

خاص أبعد من النفط... انفراجة «هرمز» تعيد رسم ملامح الاستقرار الاقتصادي الخليجي

لا تمثل الانفراجة الأخيرة في أزمة مضيق هرمز مجرد حدث عابر لضمان تدفق شحنات الطاقة، بل تُعد تحولاً يحمل أبعاداً اقتصادية واستثمارية عميقة على دول الخليج.

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد جانب من توقيع الاتفاقية بين «أسفار» و«هوساك» (أسفار)

«أسفار» تستحوذ على 40 % من «هوساك» لتعزيز جاذبية الوجهات السياحية السعودية

أعلنت الشركة السعودية للاستثمار السياحي (أسفار)، إحدى الشركات التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، استحواذها على حصة بنسبة 40 في المائة في شركة «هوساك».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

النفط يرتد صعوداً مع تشكك الأسواق في تفاصيل الاتفاق الأميركي - الإيراني

خزانات تخزين النفط في محطة لإمداد الوقود في أوستن، تكساس (أ.ف.ب)
خزانات تخزين النفط في محطة لإمداد الوقود في أوستن، تكساس (أ.ف.ب)
TT

النفط يرتد صعوداً مع تشكك الأسواق في تفاصيل الاتفاق الأميركي - الإيراني

خزانات تخزين النفط في محطة لإمداد الوقود في أوستن، تكساس (أ.ف.ب)
خزانات تخزين النفط في محطة لإمداد الوقود في أوستن، تكساس (أ.ف.ب)

ارتفعت أسعار النفط، الثلاثاء، مستعيدة جزءاً من خسائرها الحادة التي تكبدتها في الجلسة السابقة، مع تزايد شكوك المستثمرين بشأن تفاصيل الاتفاق المبدئي لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب المخاوف من أن استعادة تدفقات الإمدادات عبر مضيق هرمز قد تستغرق وقتاً أطول مما تتوقعه الأسواق.

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 26 سنتاً، أو 0.3 في المائة، إلى 83.42 دولار للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 46 سنتاً، أو 0.3 في المائة، إلى 81.12 دولار للبرميل.

كانت أسعار النفط قد هوت بنحو 5 في المائة، يوم الاثنين، لتسجل أدنى مستوى إغلاق منذ الرابع من مارس (آذار)، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب توقيع مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

وخلال فترة الصراع، أغلقت إيران مضيق هرمز الذي تمر عبره عادة نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، مما أدى إلى توقف ما يقارب 14 مليون برميل يومياً من الإنتاج النفطي عن الوصول إلى الأسواق.

ورغم موجة التفاؤل التي أعقبت الإعلان عن الاتفاق، فإن التفاصيل الكاملة لمذكرة التفاهم لم تُنشر بعد، كما لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي يضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار.

وتشير المعلومات الأولية إلى أن الاتفاق سيسمح بإعادة فتح مضيق هرمز وتمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، بما يتيح للمفاوضين معالجة الملفات الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها مستقبل البرنامج النووي الإيراني.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الاثنين، إن مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن تمثل «خطوة مهمة» نحو إنهاء القتال، لكنه أكد أن التوصل إلى اتفاق نهائي ومستدام لا يزال قيد التفاوض.

وأوضح تيم ووترر، كبير محللي الأسواق لدى «كيه سي إم تريد»، أن «التفاصيل قد تكون العامل الحاسم»، مضيفاً أن الأسواق ستبقى متحفظة بشأن مواصلة تقليص علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة إلى حين اتضاح بنود الاتفاق بشكل كامل.

وفي سياق متصل، كشف مسؤول إيراني رفيع أن بلاده ستجمد أنشطتها النووية مؤقتاً في انتظار اتفاق نهائي، بما يشمل وقف عمليات تخصيب اليورانيوم وعدم توسيع المنشآت النووية خلال فترة التفاوض.

ورغم الأجواء الإيجابية الحالية، لا تزال الأسواق تتساءل عن المدة التي ستحتاجها الإمدادات النفطية المتوقفة للعودة إلى مستوياتها الطبيعية.

وقال توني سيكامور، محلل الأسواق لدى شركة «آي جي»، إن «الطريق نحو استعادة تدفقات الإمدادات بشكل كامل لا يزال بعيداً عن السهولة».

وأضاف أن إزالة الألغام البحرية، واستعادة التغطية التأمينية الكاملة للسفن، وإعادة الثقة إلى شركات الشحن والمشغلين البحريين للعودة إلى منطقة الخليج، كلها عوامل ستحتاج إلى وقت، إلى جانب إعادة تشغيل الآبار المتوقفة وإصلاح البنية التحتية المتضررة جراء الحرب.

ويرى مراقبون أن هذه التحديات قد تبقي جزءاً من علاوة المخاطر الجيوسياسية قائماً في أسعار النفط خلال الفترة المقبلة، حتى مع تراجع احتمالات التصعيد العسكري وعودة الجهود الدبلوماسية إلى الواجهة.


الدولار قرب أدنى مستوياته في 10 أيام بعد الاتفاق الأميركي - الإيراني

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار قرب أدنى مستوياته في 10 أيام بعد الاتفاق الأميركي - الإيراني

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

استقر الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته في عشرة أيام خلال تعاملات يوم الثلاثاء، في وقت عزز فيه الاتفاق المبدئي لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط شهية المستثمرين للمخاطرة، بينما حافظ الين الياباني على استقراره بعد قرار بنك اليابان رفع أسعار الفائدة في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع لمواجهة مخاطر التضخم المرتبطة بالصراع.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن أن الولايات المتحدة وإيران وقعتا اتفاقاً مبدئياً لإنهاء الحرب، فيما لم تُكشف تفاصيل الاتفاق بعد، إلا أن ذلك لم يمنع الأسواق العالمية من الترحيب به، الأمر الذي دفع أسعار النفط إلى التراجع.

ويتركز اهتمام المستثمرين هذا الأسبوع على سلسلة من اجتماعات البنوك المركزية، وفي مقدمتها اجتماعا بنك إنجلترا والاحتياطي الفيدرالي، لتقييم ما إذا كان انتهاء الصراع جاء متأخراً عن احتواء الضغوط التضخمية قصيرة الأجل.

ورفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ 31 عاماً، وهو قرار كان متوقعاً بشكل كبير من قبل الأسواق، ما حدّ من تأثيره المباشر على تداولات العملات.

ويتجه تركيز المستثمرين الآن إلى المؤتمر الصحافي لنائب محافظ البنك شينيتشي أوشيدا، حيث يُتوقع أن يؤكد استمرار البنك المركزي في نهج رفع الفائدة لمواجهة التضخم، مع تجنب إعطاء إشارات واضحة بشأن توقيت الزيادة المقبلة.

واستقر الين عند 160.23 ين مقابل الدولار، بالقرب من المستوى النفسي البالغ 160 يناً، وهو مستوى يثير مخاوف المتعاملين من احتمال تدخل السلطات اليابانية مجدداً لدعم العملة.

وقالت يو شوان تانغ، رئيسة استراتيجيات أسعار الفائدة والعملات في آسيا لدى «جي بي مورغان برايفت بنك»، إن أي إشارات تميل إلى التيسير النقدي من بنك اليابان قد تؤدي إلى تجدد الضغوط على الين وسندات الحكومة اليابانية، ما يجعل جهود استقرار الأسواق أكثر تكلفة.

وفي أستراليا، استقر الدولار الأسترالي عند 0.7061 دولار أميركي قبيل اجتماع بنك الاحتياطي الأسترالي، حيث تتوقع الأسواق تثبيت أسعار الفائدة بعد ثلاث زيادات متتالية، رغم استمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة.

ورأت كريستينا كليفتون، كبيرة استراتيجيي العملات لدى بنك الكومنولث الأسترالي، أن الدولار الأسترالي قد يتعرض لضغوط إذا أشار البنك المركزي إلى تزايد المخاطر على النمو الاقتصادي، ما قد يدفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على مزيد من رفع الفائدة.

وعلى الرغم من التحسن الذي أحدثه الاتفاق الأميركي - الإيراني في معنويات المستثمرين، فإن محللين أشاروا إلى استمرار حالة الحذر بشأن عودة الأوضاع إلى طبيعتها بشكل كامل.

وينص الاتفاق على تمديد وقف إطلاق النار الهش - الذي أُعلن في أبريل (نيسان) - لمدة 60 يوماً إضافية، مع إعادة فتح مضيق هرمز الذي كانت إيران قد قيدت الملاحة فيه منذ اندلاع الحرب.

وسجل اليورو 1.159 دولار، مقترباً من أعلى مستوى له في عشرة أيام عند 1.1622 دولار، فيما بلغ الجنيه الإسترليني 1.3413 دولار.

أما مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من ست عملات رئيسية، فقد استقر عند 99.66 نقطة، لكنه لا يزال مرتفعاً بنحو 2 في المائة منذ اندلاع الصراع في أواخر فبراير (شباط)، وسط تقلبات حادة شهدتها الأسواق خلال الأشهر الماضية.

ويرى محللون أن الأسواق المالية سارعت إلى تسعير المكاسب المحتملة للاتفاق، إلا أن عودة تدفقات النفط والتجارة عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها الطبيعية ستحتاج إلى وقت، خصوصاً مع استمرار المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة البحرية وإعادة بناء المخزونات النفطية التي استُنزفت خلال فترة الحرب.

وختم محللو بنك «آي إن جي» بأن تراجع مخاطر التصعيد يمثل تطوراً إيجابياً، لكنه لا يلغي احتمال عودة التوترات مستقبلاً، ما يعني أن حالة الحذر ستظل حاضرة في حسابات المستثمرين خلال الفترة المقبلة.


لماذا تحول انخفاض أسعار البيض والدجاج في مصر إلى «أزمة»؟

معروضات لبعض السلع الغذائية داخل منفذ بيع في مصر (الصفحة الرسمية لوزارة التموين على «فيسبوك»)
معروضات لبعض السلع الغذائية داخل منفذ بيع في مصر (الصفحة الرسمية لوزارة التموين على «فيسبوك»)
TT

لماذا تحول انخفاض أسعار البيض والدجاج في مصر إلى «أزمة»؟

معروضات لبعض السلع الغذائية داخل منفذ بيع في مصر (الصفحة الرسمية لوزارة التموين على «فيسبوك»)
معروضات لبعض السلع الغذائية داخل منفذ بيع في مصر (الصفحة الرسمية لوزارة التموين على «فيسبوك»)

تتزايد شكاوى تجار البيض والدجاج في مصر من انخفاض أسعار منتجاتهم وما يترتب عليه من «خسائر»، ويطالبون الحكومة بالتدخل لحماية هذا القطاع، وسط جدل حول أسباب هذا التراجع غير المعهود.

وبلغ متوسط سعر الكيلوغرام من لحوم الدجاج البيضاء 70 جنيهاً، يوم الاثنين، في حين بلغ سعر كرتونة البيض نحو 75 جنيهاً (الدولار يساوي 50.5 جنيه مصري).

وقدر رئيس شعبة الدواجن في غرفة القاهرة التجارية عبد العزيز السيد «حجم الخسائر من 20 إلى 30 في المائة من تكلفة الإنتاج»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كيلو الدجاج يخرج من المزرعة بـ60 جنيهاً، في حين أن سعر تكلفته على المنتج 75 جنيهاً، وتكلفة إنتاج كرتونة البيض 110 جنيهات، وتباع حالياً بـ75 جنيهاً»، مطالباً الدولة بالتدخل ووضع سعر استرشادي للدجاج يحمي المنتِج والمستهلك.

متجر لبيع البيض (صفحة محافظة الدقهلية على «فيسبوك»)

وتعجب الخبير الاقتصادي علي الإدريسي من الطرح الذي يتبناه المنتجون حالياً مع تكبدهم خسائر، في حين لم يتبنوا الفكرة نفسها حين كان المواطن هو من يتحمل الارتفاع المتكرر للأسعار، وقال: «وجود سعر استرشادي أمر ليس سهلاً، ولن يكون ملزماً لا للمنتج ولا المستهلك في ظل آليات السوق الحرة»، لافتاً إلى ضرورة تشديد الرقابة على الأسواق لمنع احتكار سلعة أو التلاعب في سعرها. لكن في المقابل، لا يرى رئيس شعبة الدواجن في «غرفة القاهرة» أن السوق المصرية تخضع لآلية «العرض والطلب» خضوعاً كاملاً، وقال: «حين ارتفعت الأسعار تدخلت الحكومة، ولجأت لاستيراد دجاج مجمد من الخارج، وطرحت كميات كبيرة منه في السوق». لكنه دعا الحكومة للتدخل لحماية القطاع وتقليل خسائر المنتجين، واقترح «وضع تسعيرة جبرية تحدد السعر بعد حساب تكلفة الإنتاج وهامش ربح البائع».

وكانت شعبة الدواجن بغرفة الجيزة التجارية قد طالبت مجلس النواب، السبت، بفتح ملف تنظيم سوق الدواجن في مصر، وتفعيل التشريعات المنظمة للقطاع، وعلى رأسها «قانون حظر تداول الدواجن الحية»، في ظل الخسائر التي يتكبدها منتجو الدواجن والبيض نتيجة تراجع الأسعار إلى مستويات أقل من تكلفة الإنتاج.

وقال رئيس شعبة الدواجن في غرفة الجيزة التجارية سامح السيد، في بيان، إن القطاع «يحتاج إلى حوار موسع داخل البرلمان لمناقشة آليات تنظيم السوق وفق رؤية شاملة تضمن استقرار الصناعة وحماية الاستثمارات القائمة، بعيداً عن التعامل مع الأزمات السعرية بشكل مؤقت أو موسمي».

وتفاعل متابعون مع تراجع أسعار الدجاج على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبره البعض «انتصاراً للاستغناء كمبدأ لمواجهة الغلاء، وإجبار التجار على خفض الأسعار»، وفريق ثانٍ انتقد استغاثة التجار من التراجع في الأسعار رغم تبريرهم لارتفاعات الأسعار الكبيرة من قبل. وأرجع فريق ثالث الانخفاض إلى تأثير «نظام الطيبات» الغذائي الذي انتشر بشكل لافت عقب وفاة صاحبه، الطبيب الممنوع من مزاولة المهنة ضياء العوضي؛ إذ يحذر هذا النظام محل الجدل من تناول الدجاج أو البيض.

واستبعد الإدريسي قدرة «نظام الطيبات» على إحداث هذا الأثر الكبير في السعر، معتبراً أن «العامل الأبرز هو تفعيل الكثير من الأسر آليات مواجهة الغلاء، بإعادة جدولة مصاريفها، وتقليل حجم اعتمادها على اللحوم سواء البيضاء أو الحمراء».

وبلغ معدل التضخم على أساس شهري في مايو (أيار) الماضي 14.6 في المائة مقارنة بـ14.9 في المائة في أبريل (نيسان).

وترى بائعة الدواجن في منطقة العمرانية بمحافظة الجيزة شيماء أحمد، أن تراجع الطلب حالياً «طبيعي بعد الخروج من موسم عيد الأضحى. كل مرة عقب المواسم يحدث تراجع في البيع»، مشيرة إلى أن بعض زبائنها توقفوا عن شراء الدجاج لاتباعهم «نظام الطيبات»، لكنهم «نسبة قليلة».

كما تحدث ربيع محمد، البائع في محل دواجن بمنطقة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، عن أن تراجع السعر معتاد في مثل هذا التوقيت من العام، قائلاً: «في الصيف أسعار الدجاج والبيض تنخفض؛ لأن درجات الحرارة ترتفع، وأصحاب المزارع يبيعون الدجاج حتى لو بالخسارة تجنباً لوفاتها». وعن «نظام الطيبات» قال إنه يسمع «الزبائن يتحدثون عنه بسخرية ويتابعون الشراء».

محل لبيع الدواجن في مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

وأرجعت شعبة الدواجن في غرفة الجيزة التجارية تراجع الطلب على الدجاج حالياً إلى «زيادة الإنتاج وانخفاض معدلات الاستهلاك خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع وجود كميات كبيرة من اللحوم في الأسواق عقب موسم عيد الأضحى».

أما تراجع شراء البيض فأرجعته الشعبة إلى أن «انتهاء العام الدراسي وبدء الإجازات الصيفية أسهما في خفض معدلات الاستهلاك بصورة ملحوظة، خاصة من جانب الأسر والمؤسسات التعليمية، وهو ما انعكس مباشرة على حجم الطلب وأسعار التداول داخل المزارع».

وبينما كان بائعو ومنتجو الدجاج يحللون أسباب تراجع السعر، استغل الستيني أحمد رمضان تراجع أسعارها، واشترى كمية منها، واحتفظ بها في ثلاجته تحسباً لأوقات ترتفع فيها أسعارها مجدداً. وقال الموظف الحكومي المتقاعد: «الأسعار غير مضمونة، ونادراً ما تنخفض».