هل تتجه أميركا والصين إلى شراكة جديدة؟

بعد تخلي ترمب عن خطابه المتشدد والتزامه ببعض طلباتها... من تايوان إلى شرائح الذكاء الاصطناعي

الرئيس الأميركي يحضر اجتماعاً ثنائياً مع نظيره الصيني خلال قمة قادة مجموعة العشرين في أوساكا باليابان عام 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي يحضر اجتماعاً ثنائياً مع نظيره الصيني خلال قمة قادة مجموعة العشرين في أوساكا باليابان عام 2019 (رويترز)
TT

هل تتجه أميركا والصين إلى شراكة جديدة؟

الرئيس الأميركي يحضر اجتماعاً ثنائياً مع نظيره الصيني خلال قمة قادة مجموعة العشرين في أوساكا باليابان عام 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي يحضر اجتماعاً ثنائياً مع نظيره الصيني خلال قمة قادة مجموعة العشرين في أوساكا باليابان عام 2019 (رويترز)

بعد تخفيف الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكبار مسؤولي إدارته من حدة موقفهم تجاه الصين، بما في ذلك العلاقة مع تايوان ورفع الحظر عن تصدير بعض شرائح الذكاء الاصطناعي، بدا أن السياسات الأميركية التي كانت تعد الصين خصماً منافساً، في طريقها للتغيير وقد تقود إلى تحالف جديد، أو على الأقل إلى شراكة بينهما، على حساب الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة. فالتنازلات الأخيرة التي قدمتها إدارة ترمب، بشأن تايوان وتكنولوجيا الرقائق، جاءت قبل قمة محتملة بين ترمب والرئيس الصيني شي جيبينغ، وفي خضم محادثات تجارية بالغة الأهمية بين البلدين، قد تقود إلى توقيع اتفاق تجاري، يرى البعض أنه قد يكون على حساب العديد من شركاء الولايات المتحدة، الذين بالكاد توصلوا إلى تفاهمات تجارية مماثلة معها.

مصافحة بين ترمب وشي في قاعة الشعب في بكين عام 2017 (رويترز)

نقاط ضعف مشتركة

ولفت العديد من الخبراء، بمن فيهم مسؤولون سابقون في إدارة ترمب، إلى أن الحرب التجارية التي أعلنها الأخير سابقاً ضد الصين، قد تكون خطأ غير محسوب، بعدما تبين أن بكين عثرت على نقاط ضعف أميركية، على رأسها معادن الأرض النادرة، واستخدمتها في المواجهة مع واشنطن.

يقول جاك بورنهام، كبير الباحثين في الشأن الصيني في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهو مركز بحثي محسوب على الجمهوريين، إن محادثات التجارة الجارية بين واشنطن وبكين، تعد جهداً لاستهداف نقاط ضغط دقيقة، مع السعي لتخفيف وطأة كل هجوم. وأضاف في حديث مع «الشرق الأوسط» قائلاً إن الاختبار الآن يتمثل في القدرة على التحمل، حيث تسعى كل من الولايات المتحدة والصين إلى تقليص نقاط ضعفهما، في الوقت الذي تواجهان فيه اتجاهات اقتصادية أوسع.

وبعدما أجّلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) اجتماعاً بين وزير دفاع تايوان وكبار قادة البنتاغون في يونيو (حزيران)، قيل إنها جاءت بعد أن حثّ شي ترمب على الحد من التعامل مع تايوان خلال مكالمة هاتفية في وقت سابق من يونيو، وتعليق بعض ضوابط التصدير الجديدة على الصين، حيث أعلنت إدارة ترمب عن خطط لثني الرئيس التايواني، لاي تشينغ تي، من التوقف في الولايات المتحدة خلال جولة له تبدأ في الأول من أغسطس (آب). وهو ما أدى إلى إلغاء الزيارة التي كان من المقرر مبدئياً أن تشمل توقفا في مدينتي دالاس ونيويورك، خلال زيارته لحلفاء قليلين لبلاده في أميركا اللاتينية، بعد أن حاولت إدارة ترمب تغيير مسار رحلته.

نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ يُشير بيده قبيل محادثات تجارية بين الولايات المتحدة والصين في استوكهولم (رويترز)

رضوخ لضغوط بكين

وكانت صحيفة «فاينانشال تايمز» أول من أورد خبر إلغاء رحلة لاي بعد ضغوط من إدارة ترمب، وهو ما عُدّ رضوخاً للضغوط الصينية التي ترى أن أي تواصل مع المسؤولين التايوانيين هو استفزاز لبكين.

ووفقاً لصحيفة «واشنطن بوست»، فقد حذّر منتقدو الانفراج الناشئ، بمن فيهم جمهوريون وديمقراطيون، من أن هذه الخطوات الأخيرة قد تُقوّض الأمن القومي الأميركي وتؤثر على التحالفات الإقليمية. وأعربوا عن قلقهم من أن رغبة ترمب في إبرام صفقة تجارية مع الصين، تُهمّش جهود واشنطن لمنافسة بكين اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً بشكل أكثر قوة، في الوقت الذي تسعى فيه الصين إلى إزاحة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، والتي تعتبرها مفتاح تسريع تحديثها العسكري وهيمنتها الاقتصادية العالمية.

ويؤكد بورنهام في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن الصين تسعى إلى استبدال الولايات المتحدة كقوة عالمية بارزة في جميع المجالات تقريباً، مُدركةً أن واشنطن تُمثل أكبر تهديد مُحتمل لطموحاتها الجيوسياسية. وتهدف كل خطوة تتخذها بكين تجاه الولايات المتحدة إلى ترسيخ سيطرتها، ولن تتنازل عن أي ميزة بسهولة.

ونقلت الصحيفة عن إيلي راتنر، المسؤول الدفاعي السابق في إدارة بايدن قوله، إن «هذه التنازلات تُرسل إشارة خطيرة، مفادها أن نهج أميركا تجاه تايوان قابل للتفاوض». وأضاف: «هذا لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضغط والإكراه الصيني».

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت والممثل التجاري جيميسون غرير قبل محادثات تجارية بين الولايات المتحدة والصين في استوكهولم (رويترز)

إقامة علاقة مع بكين

ومن الواضح أن الصين ترغب في التقنيات الأميركية، فقد ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الوصول إلى الرقائق المتقدمة كان أولوية للمفاوضين الصينيين في محادثات التجارة. وبعدما اختتمت الجولة الأخيرة من تلك المحادثات في استوكهولم يوم الثلاثاء، صرح وزير الخزانة الأميركية، سكوت بيسنت، بأن على الرئيس أن يقرر ما إذا كان سيمدد الهدنة التجارية بين البلدين. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي في بيان: «ناقش الرئيس ترمب علناً رغبته في إقامة علاقة بناءة مع الصين، التي ترسل المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة. إنه يركز على تعزيز المصالح الأميركية، مثل تهيئة الظروف للصناعات الأميركية وحث الصين على وقف تدفق الفنتانيل إلى بلدنا».

ووفقاً لمسؤول أميركي، تدرس الإدارة ما إذا كانت سترسل المزيد من المعدات العسكرية مباشرة إلى تايوان. وقد قدّمت وزارة الدفاع قائمة بالمساعدات إلى البيت الأبيض للنظر فيها من قِبَل الرئيس، لكن لم تتم الموافقة عليها بعد. وبدلاً من ذلك، أرسلت القائمة إلى وزارة الخارجية.

شريحة مُهمَلة من إنتاج شركة التكنولوجيا الأميركية «إنفيديا» في برلين (إ.ب.أ)

شريحة «إتش 20»

غير أن أبرز الانتقادات جاءت بعدما وافقت إدارة ترمب على السماح لشركة «إنفيديا» بتصدير شريحة الذكاء الاصطناعي فائقة التطور «إتش 20» إلى الصين، بعد جهود بذلها رئيسها التنفيذي، جينسن هوانغ، لإقناع ترمب. وزعمت الشركة أن الشريحة لن تُستخدم لمساعدة الجيش الصيني وأن أميركا تستفيد عندما تعتمد الدول الأخرى على تقنيتها.

غير أن المنتقدين قالوا إن هذه التقنية ستساعد في تطوير المجمع الصناعي العسكري الصيني، مع تطبيقات تتراوح من محاكاة الأسلحة النووية إلى تطوير الطائرات من دون طيار.

ويوم الاثنين، وجّه 20 خبيراً في الأمن القومي، رسالة يحثون فيها وزير التجارة، هوارد لوتنيك، على التراجع عن هذا القرار. وقالت الرسالة: «نعتقد أن هذه الخطوة تمثل خطأً استراتيجياً يُهدد التفوق الاقتصادي والعسكري للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو مجال يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه حاسم في القيادة العالمية في القرن الحادي والعشرين».

ومن بين الموقعين أعضاء سابقون في إدارتي ترمب، مثل ديفيد فيث، الذي قاد سياسة المنافسة التكنولوجية في مجلس الأمن القومي حتى أبريل (نيسان) الماضي، وماثيو بوتينغر، الذي شغل منصب نائب مستشار الأمن القومي في ولاية ترمب الأولى.

سابقة خطيرة

وقال كريستوفر باديلا، المسؤول السابق في مجال مراقبة الصادرات في إدارة جورج دبليو بوش، إن استعداد إدارة ترمب الواضح لوضع ضوابط تصدير التكنولوجيا على طاولة المفاوضات التجارية يُعد تطوراً مقلقاً. وأضاف: «منذ إدارة كارتر وتطبيع العلاقات مع الصين، كانت السياسة المتبعة هي رفض طلب بكين رفع ضوابط التصدير مقابل، على سبيل المثال، سد العجز التجاري». وعدّ استخدامها وسيلة ضغط في محادثات التجارة «سابقة خطيرة»، «ويثير احتمالاً حقيقياً بأن تُطالب الصين الآن بتخفيف ضوابط التصدير مقابل تنازلات تجارية مستقبلية، أو مقابل اتفاق إذا زار الرئيس الصين في وقت لاحق من هذا العام».

وكان ترمب قد صرح أن الرئيس شي دعاه لزيارة الصين، ومن المرجح أن يفعل ذلك في المستقبل غير البعيد. ويوم الثلاثاء، نشر على موقع «تروث سوشيال» أنه «لا يسعى» إلى عقد قمة مع شي. وكتب: «قد أذهب إلى الصين، ولكن ذلك سيكون فقط بناءً على دعوة من الرئيس شي، والتي مُددت». «وإلا، فلا فائدة!».

ومع ذلك تتخذ إدارة ترمب خطوات لمحاولة الحفاظ على ريادة الولايات المتحدة. فقد أعلنت أخيراً عن «خطة عمل» للذكاء الاصطناعي، تهدف إلى تقليص البيروقراطية وتسهيل بناء شركات التكنولوجيا لمراكز البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وفي وقت سابق من هذا العام، كشفت شركة «أوبن إيه آي» وشركة «سوفت بنك» اليابانية عن شراكة بقيمة 500 مليار دولار لبناء مراكز بيانات جديدة للذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

تراجع ترمب عن الرسوم الجمركية ينعش «وول ستريت»

الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

تراجع ترمب عن الرسوم الجمركية ينعش «وول ستريت»

سجلت أسواق الأسهم الأميركية ارتفاعاً جديداً، يوم الخميس، مستعيدة جزءاً من خسائرها الأسبوعية، عقب تراجع الرئيس دونالد ترمب عن الرسوم الجمركية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد لافتة «للتوظيف» على نافذة مطعم تشيبوتلي في مدينة نيويورك (رويترز)

طلبات إعانة البطالة الأميركية ترتفع بأقل من المتوقع

ارتفع عدد الأميركيين الذين قدموا طلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي بأقل من المتوقع

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد حفل توقيع مبادرته «مجلس السلام» في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس... 22 يناير 2026 (أ.ب) play-circle

خطاب ترمب في دافوس يفاقم خيبة الأوروبيين من حليفتهم القديمة أميركا

أثار خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتدى دافوس، أمس (الأربعاء)، موجةً جديدةً من الإحباط والقلق داخل الأوساط الأوروبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد شاشة تعرض دونالد ترمب وهو يجري مقابلة خلال اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بينما يعمل أحد المتداولين بقاعة بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة الأميركية تقود موجة شراء بعد تراجع تهديدات ترمب الجمركية

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الخميس في إشارة إلى انتعاش زخم الشراء في «وول ستريت» بعد أن تراجع الرئيس دونالد ترمب عن تهديداته الجمركية

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد دونالد ترمب يُشير بيده خلال اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس (أ.ف.ب)

«دافوس» يشهد زخماً جديداً للتجارة خارج أميركا بعد سياسات ترمب

أعادت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في توظيف الرسوم الجمركية بوصفها أداةً للسياسة الخارجية فرض نفسها بقوة على «منتدى دافوس» هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (دافوس)

وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
TT

وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)

شدد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، على وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ قائلاً إنه في حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

وأوضح الخريّف، خلال جلسة في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

وفي المقابل، أشار إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

وقال الوزير إن عائد التكنولوجيا في الكفاءة والسلامة شجع السعودية للجوء إليها، مضيفاً: «نحن جريئون جداً في السعودية بشكل عام تجاه التكنولوجيا، ليس فقط في التعدين بل في كل شيء».

وأكد الخريّف أنها قدمت إمكانية رؤية مستقبل المناجم، خاصة المناجم تحت الأرض، مما عزز السلامة، وقلل التكلفة، ووفر استهلاك الطاقة، ومكّن من إدارة المناجم عن بُعد.

وعلى صعيد الاستثمار، أكد الخريّف أن نقص الاستثمار يمثل عائقاً رئيسياً أمام نمو القطاع، مشدداً على ضرورة تغيير «المفاهيم القديمة» لدى شركات الاستثمار والمصرفيين حول تخصيص الأصول في التعدين.

وفي هذا الإطار، أوضح الوزير أن «منتدى مستقبل المعادن»، الذي انطلق من الرياض قبل خمس سنوات، تحول إلى آلية دولية لفهم قيود شركات الاستثمار والمصرفيين، سعياً لتعزيز الاستثمار والابتكار في القطاع.


الإبراهيم من دافوس: الاقتصاد السعودي يدخل مرحلة التوظيف الأمثل لرأس المال

وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث في جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي من ضمن منتدى دافوس (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث في جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي من ضمن منتدى دافوس (الشرق الأوسط)
TT

الإبراهيم من دافوس: الاقتصاد السعودي يدخل مرحلة التوظيف الأمثل لرأس المال

وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث في جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي من ضمن منتدى دافوس (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث في جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي من ضمن منتدى دافوس (الشرق الأوسط)

أكد وزير الاقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم، أن الاقتصاد السعودي انتقل إلى مرحلة «التوظيف الأمثل لرأس المال».

وأوضح أن المنظومة الاقتصادية اليوم تمتلك «ذكاءً تشغيلياً» يُمكّنها من التمييز بدقة بين توقيت تسريع النمو وتوقيت ضبط الإيقاع. وأشار إلى أن ارتفاع العجز أو الدين لم يعد مجرد أرقام حسابية، بل أصبح «إنفاقاً استراتيجياً» موجهاً لقطاعات ذات قيمة مضافة، وعوائد اقتصادية واضحة، ومستدامة.

وأشار الإبراهيم خلال جلسة تتناول الاقتصاد السعودي في المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس السويسرية إلى أن الزخم الاقتصادي قوي في عدد كبير من القطاعات، وأن الأنشطة غير النفطية تمثل اليوم 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وذلك للمرة الأولى، وبين أن هذا التحول لم يحدث بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة نمو تدريجي خلال السنوات الماضية، حيث يبلغ معدل نمو الأنشطة غير النفطية نحو 5 في المائة.

وأضاف أن التوقعات تشير إلى نمو الأنشطة غير النفطية خلال السنوات الثلاث المقبلة بمعدل يتراوح بين 4.5 و5.5 في المائة، مع وجود حوكمة واضحة لإقرار هذه التقديرات، وذكر أن 74 نشاطاً غير نفطي شهدت نمواً سنوياً بنسبة 5 في المائة أو أكثر خلال السنوات الخمس الماضية، فيما سجل 38 نشاطاً نمواً تجاوز 10 في المائة، مؤكداً أن هذا يعكس جودة، وتنوعاً في الأداء الاقتصادي.

وأوضح أن المؤشرات الداعمة لهذا التوجه تشمل نمو الصادرات غير النفطية، وزيادة عدد المصانع قيد التأسيس، أو التشغيل، واتساع مشاريع قطاع السياحة، إضافة إلى تحول ميزان تجارة الخدمات إلى فائض خلال فترة زمنية قصيرة، ما يعكس فاعلية السياسات الاقتصادية المتبعة.

وتابع الوزير أن السؤال لم يعد مرتبطاً بجدوى النمو أو زخمه، بل بتكلفته، مؤكداً أهمية ضمان استمرار الزخم الاقتصادي بأثر أمثل، وتكلفة مناسبة، وأن المرحلة السابقة استلزمت إنفاقاً مرتفعاً لتعويض عقود من الإمكانات غير المستغلة، غير أن المرحلة المقبلة ستركز على لماذا يتم الإنفاق؟ مقروناً بإصلاحات هيكلية مدروسة تحقق النتائج المطلوبة، مع ضبط مستويات الصرف.

وفيما يتعلق بالقطاعات، أوضح الوزير أن مجالات مثل الطاقة بمفهومها الواسع بما في ذلك حلول التحول الطاقي، والرعاية الصحية، وتقنيات الدفاع، والذكاء الاصطناعي، والتعدين ستواصل لعب دور محوري في النمو، مشيراً إلى أن الطلب على الرعاية الصحية يتزايد، في ظل أن 70 في المائة من السكان دون سن 35 عاماً، مع توقعات ببدء مرحلة الشيخوخة بعد نحو 18 إلى 20 عاماً.

وفي سياق آخر، أشار الوزير إلى أن العالم يشهد حالة متزايدة من التجزؤ، معتبراً أن الوفاء بالالتزامات أصبح عملة نادرة، وأن الثقة باتت عنصراً أساسياً في استمرارية التجارة، وكفاءة الأسواق، وأكد أن الاستقرار في هذا السياق أصبح قيمة نادرة، وفرصة تنافسية.

وأوضح أن السعودية تتعامل مع الاستقرار بوصفه نهجاً مؤسسياً يشمل السياسات، والتنظيم، والتنفيذ، مشيراً إلى أنه في عام 2024 وبينما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 11 في المائة ارتفع في المملكة بنحو 24 في المائة.


رئيس البنك الدولي من دافوس: الأسواق الناشئة تواجه مشاكل هيكلية ونظامية

رئيس البنك الدولي يتحدث في جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
رئيس البنك الدولي يتحدث في جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
TT

رئيس البنك الدولي من دافوس: الأسواق الناشئة تواجه مشاكل هيكلية ونظامية

رئيس البنك الدولي يتحدث في جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
رئيس البنك الدولي يتحدث في جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

قدّم رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، خلال جلسة خاصة حول الاقتصاد السعودي في منتدى دافوس، الخميس، خريطة طريق للفصل بين التقلبات العابرة والأزمات الهيكلية الجسيمة. وبينما أبدى بانغا تفاؤلاً حذراً بقدرة القوى الكبرى على الصمود، أطلق صرخة تحذير تجاه «قنبلة موقوتة» تتعلق بسوق العمل في الدول الناشئة، معتبراً أن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما صناعة الأمل أو مواجهة عدم الاستقرار العالمي.

وأبدى بانغا دهشته من مرونة الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين والهند حققت معدلات نمو تجاوزت التوقعات. وعزا هذا التفوق إلى الاستثمارات الضخمة في قطاعات الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية، مؤكداً أن هذه الاقتصادات تمتلك أنظمة مؤسسية مكنتها من تجاوز الظروف الصعبة؛ حيث سجلت الصين نمواً يقارب 5 في المائة، بينما لامست الهند حاجز الـ8 في المائة.

في المقابل، لفت بانغا إلى واقع مؤلم يواجه ربع الاقتصادات الناشئة، حيث لا يزال نصيب الفرد من الناتج المحلي أقل بنسبة 10 في المائة عما كان عليه قبل «كوفيد - 19». وأرجع هذا التعثر إلى مشكلات متراكمة تتعلق بالديون والسيولة وسوء الإدارة المالية، منتقداً الإفراط في الاقتراض خلال حقبة الفائدة المنخفضة التي جعلت الاستدانة تبدو خياراً سهلاً ومغرياً لكنها أصبحت اليوم عبئاً ثقيلاً.

وسلط بانغا الضوء على تحدٍ بشري هائل يواجه العالم في السنوات الـ15 المقبلة، حيث سيصل نحو 1.2 مليار شاب في الأسواق الناشئة إلى سن العمل. وحذر من فجوة مرعبة في الفرص، إذ تشير التقديرات إلى توفر 400 مليون وظيفة فقط، مما يترك 800 مليون شاب دون مسار مهني واضح، وهو تحدٍ يراه بانغا أكثر إلحاحاً من النقاشات الدائرة حول الذكاء الاصطناعي.

وختم رئيس البنك الدولي تصريحاته بتحذير من أن الفشل في خلق فرص عمل لهؤلاء الشباب سيقود العالم إلى دفع ثمن باهظ يشمل الهجرة غير الشرعية، والانقلابات العسكرية، والاضطرابات الاجتماعية. وأكد أنه في حال إحسان التعامل مع هذا الملف، سيتحول هؤلاء الشباب إلى محرك نمو عالمي يمتد لأربعين عاماً، أما الإخفاق فيعني تقويض الاستقرار العالمي لعقود قادمة.