«سينومي ريتيل»... من الخسائر الكبرى إلى شراكة استراتيجية محتملة مع «الفطيم»

الفراج لـ«الشرق الأوسط»: مكاسب السهم إيجابية لكن السوق بانتظار الأثر الفعلي للصفقة

صورة من أحد المجمعات التجارية في السعودية (سينومي)
صورة من أحد المجمعات التجارية في السعودية (سينومي)
TT

«سينومي ريتيل»... من الخسائر الكبرى إلى شراكة استراتيجية محتملة مع «الفطيم»

صورة من أحد المجمعات التجارية في السعودية (سينومي)
صورة من أحد المجمعات التجارية في السعودية (سينومي)

بعد سنوات من الأداء المتذبذب والخسائر المتراكمة، دخلت شركة «فواز عبد العزيز الحكير وشركاه» المعروفة تجارياً باسم «سينومي ريتيل» مرحلة تحول جديدة، عقب إعلانها عن صفقة استراتيجية محتملة مع مجموعة «الفطيم» الإماراتية، تستحوذ بموجبها الأخيرة على نحو 49.95 في المائة من أسهم الشركة مقابل أكثر من 2.5 مليار ريال (675 مليون دولار).

يأتي هذا التطور بعد تحديات مالية وتشغيلية دفعت «سينومي ريتيل» إلى واحدة من أوسع عمليات إعادة الهيكلة في قطاع التجزئة السعودي، شملت التخارج من علامات تجارية وإغلاق عدد كبير من المتاجر وخفض رأس المال، وسط خسائر تجاوزت المليار ريال.

إعادة الهيكلة

في عام 2023، تكبّدت الشركة خسائر بنحو 1.18 مليار ريال (314.6 مليون دولار)، نتيجة تحديات شملت ارتفاع تكاليف الإيرادات بنسبة 3.2 في المائة وتراجع إيرادات قطاع الأغذية والمشروبات بنسبة 7.1 في المائة. كما شهد العام استقالة الرئيس التنفيذي بعد أقل من عام على تعيينه، في ظل محاولات لضبط محفظة تشغيلية متضخمة.

وفي أبريل (نيسان) 2024، أعلنت الشركة خطة إعادة هيكلة شاملة تضمنت:

• التخارج من 39 علامة تجارية، وتخفيض المحفظة من 75 إلى 13 علامة رئيسية.

• تقليص عدد المتاجر من 1051 إلى 367 متجراً.

• خفض رأس المال بنسبة 91 في المائة، من خلال تقليص عدد الأسهم من 115 ملياراً إلى 10 مليارات سهم، وخفض القيمة الاسمية من 10 ريالات إلى ريال واحد.

أدى هذا التحول إلى هبوط السهم في أبريل 2024 إلى أدنى مستوى له منذ خمس سنوات، مسجلاً 11.3 ريال.

عودة تدريجية إلى الربحية

وفي بداية عام 2025، أعلنت «سينومي ريتيل» عن تسجيل أرباح فصلية بلغت 1.8 مليون ريال (480 ألف دولار) في الربع الأول، مقارنة بخسائر قُدرت بـ151.8 مليون ريال خلال الفترة نفسها من العام السابق، ما اعتُبر أول مؤشر إيجابي على تعافي الأداء.

صفقة مفصلية

في بيان إلى السوق المالية السعودية «تداول» يوم الأحد، أعلنت «سينومي ريتيل» عن صفقة محتملة بين مساهمين مؤسسين وبين «الفطيم»، تتضمن بيع 49.95 في المائة من الأسهم بقيمة 2.5 مليار ريال، وبسعر 44 ريالاً للسهم، وهو أقل بنحو 33 في المائة من السعر السوقي قبل تنفيذ الصفقة.

ومن جانبها، تعتزم «الفطيم» ضخ ما لا يقل عن 1.3 مليار ريال (346.7 مليون دولار) كقرض مساهم، لتعزيز المركز المالي للشركة وتمويل خطط نموها.

ارتداد إيجابي لسهم الشركة

بعد إعلان الصفقة، ارتفع سهم «سينومي ريتيل» بنسبة تقارب 4 في المائة في تداولات 20 يوليو (تموز) 2025، ليصل إلى 34.82 ريال، مواصلاً أداءً إيجابياً امتد ثلاثة أشهر، حقق خلالها مكاسب بنحو 150 في المائة. قبل أن يغلق منخفضاً بنحو 10 في المائة عند 29.30 ريال.

وفي تعليقه على أداء السهم، قال الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح كابيتال»، محمد الفراج، إن الشركة «تمر بتحول كبير بعد سنوات من الخسائر». وأضاف أن السهم هبط إلى 11.3 ريال في أبريل 2024 مع إعلان خسائر سنوية تجاوزت 1.18 مليار ريال وتخفيض رأس المال بنسبة 91 في المائة.

وأشار إلى أن الخسائر المتراكمة حينها بلغت 1.6 مليار ريال، بينما لم يتجاوز رأس المال 1.147 مليار ريال، وبلغت المطلوبات على الشركة نحو 5.4 مليار ريال، مما أثار قلق المستثمرين.

وأوضح أن تحقيق أرباح في الربع الأول من 2025 أعاد بعض الثقة، وبدأ السهم بالصعود حتى وصل إلى 34 ريالاً في منتصف يوليو. ورغم أن سعر الصفقة أعلى من السعر الحالي بـ10 ريالات، فإن نجاح تنفيذ الصفقة يُعد عاملاً حاسماً في دعم السهم.

وبيّن الفراج أن السعر الحالي يشكل مستوى مقاومة فنياً مهماً، يصعب تجاوزه دون محفزات واضحة، مثل تحويل قرض «الفطيم» إلى تمويل فعلي.

فرصة ثمينة

وذكر الفراج أنه ينظر إلى صفقة «الفطيم» كفرصة مهمة لـ«سينومي ريتيل»، نظراً إلى خبرة المجموعة الإماراتية في قطاع التجزئة، وتشغيلها لعلامات عالمية مثل «زارا» و«بيرشكا» و«ماسيمو دوتي» في أكثر من 10 دول. ومن شأن هذه الشراكة أن تسهم في تحسين الأداء التشغيلي والتوسع الإقليمي.

ويرى الفراج أنه رغم تحسّن أداء السهم، فإن استدامة الصعود مرهونة بعدة عوامل، أبرزها تنفيذ الصفقة وضمان القرض الموعود، إضافة إلى استمرار تحسّن الأداء المالي. و«يترقب المستثمرون رؤية أثر الشراكة على التشغيل الفعلي وليس فقط على هيكل الملكية».

وتابع: «في حال إتمام الصفقة، من المرجّح أن يتحرك السهم نحو مستوى 44 ريالاً، مما يعزز الثقة بالسوق. أما في حال تأخر تنفيذها، فقد يشهد السهم تراجعاً مؤقتاً، خصوصاً من المستثمرين قصيري الأجل».

أخيراً، ومع دخول «الفطيم» كشريك استراتيجي، تبدأ «سينومي ريتيل» فصلاً جديداً يركز على رفع الكفاءة التشغيلية وتنشيط محفظة العلامات التجارية. وتستفيد الشركة من خبرة «الفطيم» في قطاع التجزئة بالمنطقة، في وقت يرتبط مستقبلها بمدى قدرتها على تحويل هذه الشراكة إلى نتائج ملموسة تعزز الاستقرار والنمو في المرحلة المقبلة، بحسب الفراج.


مقالات ذات صلة

هيئة السوق المالية السعودية تحيل 17 مشتبهاً في «سينومي ريتيل» إلى النيابة العامة

الاقتصاد مبنى هيئة السوق المالية في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

هيئة السوق المالية السعودية تحيل 17 مشتبهاً في «سينومي ريتيل» إلى النيابة العامة

أحالت هيئة السوق المالية 17 مشتبهاً في «سينومي ريتيل» للنيابة العامة لاتهامات بمخالفات مالية وتلاعب وانطباعات مضللة واستغلال مناصب داخلية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)

مؤشر السوق السعودية يغلق على ارتفاع هامشي وسط تباين الأداء

أنهى مؤشر السوق الرئيسية (تاسي) جلسة الأربعاء على ارتفاع بنحو 3 نقاط ليغلق عند 10986 نقطة بتداولات بلغت قيمتها نحو 5.3 مليار ريال 

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد موظفي الهيئة العامة للنقل يفتش مستودعات الطرود البريدية (واس)

خاص السعودية: إلزام شركات الشحن بتمكين المستهلك من فحص الطرود قبل تسلمها

علمت «الشرق الأوسط» أن وزارة التجارة السعودية أصدرت توجيهاً رسمياً؛ ألزمت بموجبه جميع شركات القطاع الخاص والشحن بتمكين المستهلك من فتح الطرود قبل التسلم...

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «هيوماين» السعودية (الشرق الأوسط)

«هيوماين» السعودية تختار «غولدمان ساكس» لترتيب تمويل مراكز بيانات بـ5.3 مليار دولار

اختارت شركة «هيوماين» السعودية للذكاء الاصطناعي، المدعومة من «صندوق الاستثمارات العامة»، بنك «غولدمان ساكس» الأميركي مستشاراً مالياً لترتيب حزمة تمويلية ضخمة...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)

خاص المستثمرون الدوليون يعززون رهاناتهم على السعودية بدعم الإصلاحات الاقتصادية

لم تعد السعودية مجرد رهان على أسعار النفط في محافظ المستثمرين الدوليين، بل باتت تحتل مكانة مختلفة تماماً على خريطة الأسواق الناشئة العالمية.

زينب علي (الرياض)

انخفاض أكبر من المتوقع في مخزونات النفط الأميركية

خزانات بمصفاة لوس أنجليس التي تعالج النفط الخام المحلي والمستورد في كارسون - كاليفورنيا (رويترز)
خزانات بمصفاة لوس أنجليس التي تعالج النفط الخام المحلي والمستورد في كارسون - كاليفورنيا (رويترز)
TT

انخفاض أكبر من المتوقع في مخزونات النفط الأميركية

خزانات بمصفاة لوس أنجليس التي تعالج النفط الخام المحلي والمستورد في كارسون - كاليفورنيا (رويترز)
خزانات بمصفاة لوس أنجليس التي تعالج النفط الخام المحلي والمستورد في كارسون - كاليفورنيا (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، انخفاض مخزونات النفط الخام والبنزين الأميركية خلال الأسبوع الماضي، بينما ارتفعت مخزونات نواتج التقطير.

وذكرت الإدارة في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام انخفضت بمقدار 7.9 مليون برميل لتصل إلى 445 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 15 مايو (أيار)، مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته «رويترز» بانخفاض قدره 2.9 مليون برميل.

وأضافت الإدارة أن مخزونات النفط الخام في مركز كوشينغ بولاية أوكلاهوما انخفضت بمقدار 1.6 مليون برميل خلال الأسبوع.

وواصلت أسعار العقود الآجلة للنفط، التي شهدت انخفاضاً حاداً قبيل صدور البيانات، خسائرها عقب صدور التقرير. وبلغ سعر العقود الآجلة لخام برنت العالمي 106.98 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 4.3 دولار، في تمام الساعة 10:38 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (14:38 بتوقيت غرينتش)، بينما انخفض سعر العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 3.67 دولار للبرميل ليصل إلى 100.49 دولار.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن عمليات تكرير النفط الخام انخفضت بمقدار 80 ألف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي، في حين تراجعت معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.1 نقطة مئوية.

وأضافت الإدارة أن مخزونات البنزين في الولايات المتحدة انخفضت بمقدار 1.5 مليون برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 214.2 مليون برميل، مقارنة بالتوقعات التي أشارت إلى انخفاض قدره 2.1 مليون برميل.

وأظهرت البيانات ارتفاع مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 372 ألف برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 102.9 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 1.1 مليون برميل.

وأفادت إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع الأسبوع الماضي بمقدار 3000 برميل يومياً.


الصين وأميركا تعيدان رسم ملامح الهدنة التجارية بحذر

لقاء سابق بين الرئيسين الصيني شي جينبينغ والأميركي دونالد ترمب في كوريا الجنوبية (رويترز)
لقاء سابق بين الرئيسين الصيني شي جينبينغ والأميركي دونالد ترمب في كوريا الجنوبية (رويترز)
TT

الصين وأميركا تعيدان رسم ملامح الهدنة التجارية بحذر

لقاء سابق بين الرئيسين الصيني شي جينبينغ والأميركي دونالد ترمب في كوريا الجنوبية (رويترز)
لقاء سابق بين الرئيسين الصيني شي جينبينغ والأميركي دونالد ترمب في كوريا الجنوبية (رويترز)

بدأت الصين والولايات المتحدة الدخول في مرحلة جديدة من إدارة الحرب التجارية بينهما، بعدما أعلنت بكين استعدادها للعمل مع واشنطن على خفض متبادل للرسوم الجمركية المفروضة على سلع بمليارات الدولارات، في خطوة تعكس محاولة أكبر اقتصادين في العالم تثبيت الهدنة التجارية الهشة، وتخفيف الضغوط على الاقتصاد العالمي بعد سنوات من التصعيد. الإعلان الصيني، الذي جاء بعد أيام من قمة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في بكين، يمثل أول مؤشر عملي على أن الطرفين يحاولان الانتقال من سياسة «الاحتواء المتبادل» إلى إدارة أكثر برغماتية للتنافس الاقتصادي، دون الوصول إلى مصالحة شاملة، أو إنهاء الخلافات العميقة في ملفات التجارة، والتكنولوجيا، والأمن الاقتصادي. وقالت وزارة التجارة الصينية إن الجانبين اتفقا مبدئياً على مناقشة إطار لخفض الرسوم الجمركية بشكل متبادل على منتجات ذات حجم متقارب، موضحة أن قيمة السلع المشمولة قد تتجاوز 30 مليار دولار لكل طرف. كما دعت بكين الولايات المتحدة إلى الالتزام بالتعهدات التي تم التوصل إليها خلال المفاوضات الأخيرة، وإلى تمديد الهدنة التجارية المبرمة العام الماضي. ويمثل هذا التطور تحولاً مهماً بعد مرحلة من المواجهة التجارية الحادة خلال عام 2025، حين تبادل الطرفان فرض رسوم جمركية، وقيود تصدير، وعقوبات طالت قطاعات استراتيجية، من التكنولوجيا إلى المعادن الحيوية، والطيران، والزراعة. لكن الضغوط الاقتصادية العالمية، إلى جانب تداعيات الحرب الإيرانية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ النمو في الصين والولايات المتحدة، دفعت الجانبين تدريجياً نحو تبني مقاربة أكثر حذراً تقوم على منع انهيار العلاقة الاقتصادية بالكامل. وجاءت قمة بكين الأخيرة لتؤكد هذا الاتجاه. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سعى إلى العودة من الصين بإنجازات اقتصادية ملموسة قبل انتخابات التجديد النصفي، ركز على تقديم القمة باعتبارها بداية مرحلة جديدة من «الصفقات الكبرى» مع الصين، فيما حرصت بكين على إظهار نفسها شريكاً اقتصادياً مسؤولاً يسعى إلى استقرار التجارة العالمية.

• مرحلة جديدة... بحذر

ورغم أن الأسواق كانت تأمل في اختراقات أكبر، خاصة في ملفات التكنولوجيا، والرسوم الجمركية، فإن مجرد إعلان الجانبين استعدادهما لخفض الرسوم يُعد إشارة مهمة إلى أن الحرب التجارية دخلت مرحلة أكثر مرونة مقارنة بالأعوام الماضية. لكن حتى الآن تبدو الخطوات المطروحة محدودة نسبياً مقارنة بحجم التبادل التجاري الضخم بين البلدين، الذي يتجاوز مئات المليارات من الدولارات سنوياً. فقد أشار تشيوي تشانغ، من شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول، إلى أن تخفيض الرسوم على سلع بقيمة 30 مليار دولار تقريباً لن يكون كافياً لتغيير توقعات النمو الاقتصادي بصورة جوهرية، لكنه وصفه بأنه «خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح» تمنح المستثمرين العالميين إشارات على استقرار العلاقات الثنائية. وفي الواقع، يدرك الطرفان أن الاقتصاد العالمي لم يعد قادراً على تحمل موجة جديدة من التصعيد التجاري، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية العالمية، وتباطؤ التجارة الدولية، وارتفاع تكاليف التمويل، والطاقة. كما أن الحرب الإيرانية زادت من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي، إذ دفعت أسعار النفط والشحن إلى الارتفاع، وأعادت تسليط الضوء على هشاشة سلاسل الإمداد العالمية. ولذلك تبدو واشنطن وبكين أكثر حرصاً حالياً على منع التوترات الاقتصادية من التحول إلى أزمة أوسع تهدد النمو العالمي.

• صفقة كبرى

ومن أبرز نتائج التفاهمات الجديدة أيضاً إعلان الصين رسمياً شراء 200 طائرة من شركة «بوينغ» الأميركية، في أول صفقة صينية كبرى للطائرات الأميركية منذ نحو عقد. وتمثل هذه الخطوة اختراقاً مهماً في قطاع ظل لسنوات من أبرز ضحايا التوترات التجارية بين البلدين. وكانت شركة «بوينغ» قد فقدت عملياً الوصول إلى ثاني أكبر سوق طيران في العالم خلال سنوات المواجهة التجارية، بينما استفادت شركات منافسة، خصوصاً الأوروبية، من تراجع حضور الشركة الأميركية في السوق الصينية. ورغم أن عدد الطائرات المعلن أقل من التوقعات التي تحدثت سابقاً عن احتمال شراء ما يصل إلى 500 طائرة، فإن الصفقة تحمل أهمية سياسية واقتصادية كبيرة، لأنها تعكس استعداد بكين لاستخدام المشتريات التجارية باعتبارها أداة لإدارة علاقتها مع واشنطن. كما أعلنت وزارة التجارة الصينية أن الولايات المتحدة ستقدم للصين ضمانات لتوريد قطع غيار، ومكونات محركات الطائرات في إطار صفقة «بوينغ»، وهو ما يشير إلى تخفيف جزئي لبعض القيود المرتبطة بسلاسل الإمداد الصناعية، والتكنولوجية. وفي القطاع الزراعي، بدا أن الجانبين يحاولان أيضاً إعادة فتح قنوات التعاون التي تضررت بشدة خلال الحرب التجارية. فقد أعلنت الصين إعادة تسجيل بعض مصدري لحوم الأبقار الأميركيين، واستئناف استيراد بعض منتجات الدواجن، فيما تحدث البيت الأبيض عن التزام صيني بشراء ما لا يقل عن 17 مليار دولار من المنتجات الزراعية الأميركية بين عامي 2026 و2028. وتحمل هذه التفاهمات أهمية خاصة لترمب سياسياً، لأن القطاع الزراعي يمثل جزءاً أساسياً من قاعدته الانتخابية التقليدية، كما أن صادرات الزراعة والطاقة تعد من أكثر القطاعات الأميركية تضرراً خلال فترات التصعيد التجاري مع الصين.

• الملف الحساس

لكن الملف الأكثر حساسية يبقى التكنولوجيا، والمعادن الحيوية. فالصين لا تزال تفرض قيوداً صارمة على صادرات العناصر الأرضية النادرة، وبعض المعادن الاستراتيجية التي تُعد ضرورية لصناعات التكنولوجيا، والطاقة، والدفاع. وأوضحت وزارة التجارة الصينية أن بكين ستتعاون مع الولايات المتحدة لمعالجة «المخاوف المشروعة، والمعقولة» المتعلقة بقيود تصدير المعادن الحيوية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن هذه القيود «مشروعة، وقانونية» وتُطبق وفقاً للقوانين الصينية. ويعكس هذا الموقف استمرار التنافس الاستراتيجي العميق بين البلدين، رغم أجواء التهدئة الحالية. فالعناصر الأرضية النادرة تمثل إحدى أهم أدوات النفوذ الاقتصادي للصين، نظراً لهيمنتها على جزء كبير من الإنتاج، والمعالجة العالمية لهذه المواد الحيوية المستخدمة في الإلكترونيات، والسيارات الكهربائية، والرقائق المتقدمة، والصناعات الدفاعية. كما أن البيانات الصينية الأخيرة أظهرت تراجع صادرات بعض المعادن الحيوية إلى الولايات المتحدة بشكل حاد منذ فرض القيود، بما في ذلك معدن الإيتريوم المستخدم في حماية شفرات التوربينات في محركات الطائرات، ومحطات الطاقة. وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تفرض قيوداً مشددة على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الصين، باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لاحتواء التقدم التكنولوجي الصيني. ولهذا يرى محللون أن ما يجري حالياً ليس «نهاية للحرب التجارية»، بل إعادة تنظيم للصراع الاقتصادي بين القوتين الكبريين عالمياً. فواشنطن وبكين تحاولان تقليل كلفة المواجهة على اقتصادهما، وأسواقهما، دون التخلي عن التنافس الاستراتيجي في التكنولوجيا، والطاقة، وسلاسل الإمداد. وفي هذا السياق تبدو الهدنة التجارية الحالية أقرب إلى «إدارة للتوتر» منها إلى شراكة اقتصادية مستقرة، وطويلة الأمد. فالخلافات الأساسية لا تزال قائمة، سواء بشأن الرسوم الجمركية، أو التكنولوجيا، أو الدعم الصناعي، أو الأمن الاقتصادي. لكن في المقابل يدرك الطرفان أن استمرار التصعيد المفتوح يحمل مخاطر كبيرة على الاقتصاد العالمي، خصوصاً في بيئة دولية مضطربة بفعل الحروب، وارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ التجارة العالمية. ولهذا فإن التحركات الأخيرة بين بكين وواشنطن تعكس محاولة لبناء مساحة محدودة من التعاون البرغماتي، وتسمح بخفض الضغوط الاقتصادية، ومنح الأسواق قدراً من الاستقرار، حتى وإن بقيت العلاقة بين البلدين محكومة بمزيج معقد من التعاون الحذر، والمنافسة الاستراتيجية طويلة المدى.


النفط الأميركي يهبط نحو7 % بعد الحديث عن آفاق التوصل إلى اتفاق مع إيران

ناقلة نفط ترفع علم مالطا عبرت مضيق هرمز ووصلت إلى المياه الإقليمية العراقية (أرشيفية - رويترز)
ناقلة نفط ترفع علم مالطا عبرت مضيق هرمز ووصلت إلى المياه الإقليمية العراقية (أرشيفية - رويترز)
TT

النفط الأميركي يهبط نحو7 % بعد الحديث عن آفاق التوصل إلى اتفاق مع إيران

ناقلة نفط ترفع علم مالطا عبرت مضيق هرمز ووصلت إلى المياه الإقليمية العراقية (أرشيفية - رويترز)
ناقلة نفط ترفع علم مالطا عبرت مضيق هرمز ووصلت إلى المياه الإقليمية العراقية (أرشيفية - رويترز)

تراجعت أسعار النفط بنحو 3 في المائة، الأربعاء، بعد أن أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدداً أن الحرب مع إيران ستنتهي «بسرعة كبيرة»، على الرغم من أن المستثمرين ما زالوا متخوفين بشأن نتائج محادثات السلام في ظل استمرار اضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 3.6 في المائة، لتصل إلى 107.21 دولار للبرميل بحلول الساعة 03:44 بتوقيت غرينتش، وانخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 6.6 في المائة، لتصل إلى 100.65. وكان كلا العقدين يتجه نحو أكبر انخفاض يومي له، سواء من حيث النسبة المئوية أو القيمة المطلقة، خلال أسبوعين.

وقال إمريل جميل، محلل الأبحاث في مجموعة بورصة لندن: «من المرجح أن تُظهر الأسعار بعض إمكانية الارتفاع حتى في حال التوصل إلى اتفاق، نظراً لأن العرض لن يعود على الأرجح إلى مستويات ما قبل الحرب فوراً».

وانخفض كلا المؤشرين القياسيين بنحو 5 دولارات يوم الثلاثاء بعد أن صرّح نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، بأن الولايات المتحدة وإيران قد أحرزتا تقدماً في المحادثات، لكن ترمب قال أيضاً إن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى توجيه ضربة أخرى لإيران، وإنها كانت على بعد ساعة واحدة من إصدار أمر بالهجوم قبل تأجيله.