4 تحديات تواجه صناعة البتروكيميائيات الخليجية

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: الأحداث الوبائية والجيوسياسية والتباطؤ العالمي سبب تراجع نموها

موقع تابع لشركة «سابك» السعودية في جيلين (الشركة)
موقع تابع لشركة «سابك» السعودية في جيلين (الشركة)
TT

4 تحديات تواجه صناعة البتروكيميائيات الخليجية

موقع تابع لشركة «سابك» السعودية في جيلين (الشركة)
موقع تابع لشركة «سابك» السعودية في جيلين (الشركة)

في السنوات الخمس الأخيرة، تواجه شركات البتروكيميائيات الخليجية تحديات كبيرة نتيجة تسارع الأحداث الوبائية والجيوسياسية، وتباطؤ النمو في أغلب الاقتصادات العالمية التي كانت تمثل الوجهة الأولى لشركات البتروكيميائيات الخليجية، بالإضافة إلى تحديات أخرى تؤثر على ربحيتها وقدرتها التنافسية.

وأشار مختصون ومحللون خلال حديثهم لـ«الشرق الأوسط»، إلى 4 تحديات رئيسية تواجهها شركات القطاع، وتتمثل في ضعف النهج الابتكاري في استراتيجياتها وانخفاض إنفاقها على الأبحاث والتطوير، ومحدودية القدرات الإنتاجية للصناعات التحويلية في الأسواق المحلية، وكذلك الظروف الجيوسياسية والتحالفات التجارية التي أثرت على سلاسل الإمداد، والقيود البيئية العالمية على المنتجات الهيدروكربونية، وما تواجهه صناعة البتروكيميائيات العالمية من تحديات بسبب السياسات البيئية التي يتبناها كثير من الدول.

أحد المواقع التابعة لشركة الخليج لصناعة البتروكيميائيات «جيبك» (الشركة)

التحول الاستراتيجي والابتكار

ويرى خبير الشراكات الاستراتيجية الدولية، عضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، المهندس فارس القضيبي، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن مستقبل شركات البتروكيميائيات الخليجية يعتمد على قدرتها على تجاوز مرحلة التحول التي تمر بها الأسواق منذ جائحة كورونا. ولفت إلى أن تسارع الأحداث الوبائية والجيوسياسية خلال السنوات الخمس الماضية، أثّر بشكل واضح على أداء العديد من شركات القطاع، ودفعها لإعادة بناء استراتيجياتها لمواكبة التغير الملحوظ في الأسواق، خصوصاً في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين ودول آسيوية أخرى، والتي تعد الوجهة المفضلة للمنتجات البتروكيميائية الخليجية.

وأشار القضيبي إلى أن «نجاحات شركات البتروكيميائيات في المنطقة اعتمدت لعقود من الزمن على الميزة التنافسية لأسعار اللقيم المدعومة من الحكومات، ولم تكن هناك استراتيجيات نمو واضحة لمرحلة ما بعد الدعم، وأصبح من الواضح أن مستقبل هذه الشركات سيكون مرهوناً بقدرتها على التحول الاستراتيجي من التركيز على المنتجات الأساسية الموجهة للأسواق الاستهلاكية إلى الدخول في منتجات ذات قيمة مضافة موجهة لصناعات واعدة واستراتيجية لمواكبة التغير المستمر والسريع في العديد من الأسواق».

وحدّد القضيبي 4 تحديات رئيسية تواجه شركات البتروكيميائيات الخليجية:

- ضعف النهج الابتكاري في الاستراتيجيات: أشار إلى أن التقارير المالية لبعض الشركات تظهر ضعفاً في الإنفاق على البحث والتطوير.

- محدودية القدرات الإنتاجية للصناعات التحويلية المحلية: على الرغم من الاستراتيجيات الداعمة للتوطين، لا يزال القطاع الصناعي الخاص في دول الخليج دون المأمول من حيث القدرات الإنتاجية. هذا الاعتماد على الأسواق الخارجية، خصوصاً الصين والهند، يجعل من الصعب إعادة توجيه المنتجات للأسواق المحلية، ما أدى إلى إغلاق العديد من وحدات الإنتاج. وتبقى آفاق النمو متاحة في حال كانت الطلب المحلي مدفوعاً باستراتيجية مبتكرة لتصدير منتجات تحويلية نوعية.

- الظروف الجيوسياسية والتحالفات التجارية: أثرت الظروف الجيوسياسية خلال السنوات الأربع الماضية، على سلاسل الإمداد للعديد من الشركات في المنطقة، كما أثرت على التزامات الشركات تجاه زبائنها في مختلف أنحاء العالم نظراً للتهديدات اللوجيستية المتكررة تجاه شركات الشحن، الأمر الذي جعل أسعار التوريد غير مستقرة، ما يتيح خيارات أخرى للمشترين في البحث عن منتجين آخرين بعيداً عن مناطق التوترات الجيوسياسية، وما قد يؤثر تماماً على مستقبل علاقات الشركات تجاه عملائها. كما أن التحالفات التجارية والرسوم الحمائية الأميركية تدفع الشركات الخليجية لإعادة تقييم استراتيجياتها تجاه الأسواق الأميركية، والنظر في إمكانية بناء تحالفات لنقل جزء من عمليات التصنيع إلى الولايات المتحدة.

- القيود البيئية العالمية على المنتجات الهيدروكربونية والتي تفرض على القطاع زيادة الإنفاق لتطوير منتجات تقنية وتجارية منخفضة الكربون لتكون أكثر توافقاً مع البصمة الحالية والإسهام في التوازن البيئي، الأمر الذي يزيد من تكلفة التطوير والإنتاج ويزيد من تعقيدات الوصول للأسواق المستهدفة.

وحول إمكانية تغلب شركات القطاع على هذه التحديات، يرى خبير الشراكات الاستراتيجية الدولية أنها «تحتاج إلى حل هجيني يضع صنّاع السياسات الخليجية والشركات الكبرى في القطاع في قالب واحد من أجل وضع خريطة طريق لمواجهة التحديات التي تواجهها شركات البتروكيميائيات الخليجية في الأسواق العالمية، ومنها وفرة الإنتاج في الصين والولايات المتحدة والمشاكل البيئية في أوروبا وقضايا الإغراق في أسواق الهند».

عضو «جمعية الاقتصاد» السعودية المهندس فارس القضيبي

واقترح أن «تتحد الشركات الخليجية، على غرار (أوبك بلس)، لتوجيه منتجاتها نحو الأسواق المحتملة والتوافق على التوسعات المستقبلية لقدراتها الإنتاجية، سواء لأعمالها في دول الخليج أو عالمياً، وأن يصل هذا التوافق إلى مستوى التخصص في المنتجات لتشكيل تكتل أمام القدرات الأميركية والصينية وكذلك الأوروبية، بالإضافة إلى ربط أسعار اللقيم وأي مزايا نسبية أخرى للشركات الخليجية في كفاءة استراتيجيات الأبحاث والتطوير للشركات، وكذلك وضع معايير واضحة لمتابعة أعمال البحث والتطوير وتقييمها بشكل مستمر».

بناء التحالفات

من جهته، قال المحلل المالي طارق العتيق خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن قطاع البتروكيميائيات الخليجي لا يزال يمر بتحديات كبيرة في السنوات الأخيرة، وسجل معظم شركاته مستويات منخفضة في هوامش ربحيتها، في ظل تراجع بوادر للانتعاش، سواء في الاقتصاد العالمي أو في الاقتصاد الصيني بشكل خاص.

وأشار إلى أن أي انتعاش مقبل قد يستغرق وقتاً أطول لعودة شركات القطاع إلى المسار الصحيح، كما يتطلب خطوات كبيرة وحاسمة من هذه الشركات في إعادة هيكلة نفسها واستراتيجياتها والتركيز على الاستثمار في التقنيات الجديدة بالتقاط الكربون، وكذلك الدخول في تحالفات استراتيجية واندماج بين شركات القطاع لخفض التكاليف التشغيلية، بالإضافة إلى التوجه نحو الأسواق الناشئة، ذات النمو المتوقع على الطلب على منتجات البلاستيك والأسمدة والمبيدات، للخروج من حالة التباطؤ والانكماش، والنهوض من جديد.

وأشار العتيق إلى أن نحو 85 في المائة من إنتاج شركات البتروكيميائيات الخليجية يُصدر إلى أسواق عالمية تتجاوز أكثر من 100 دولة على مستوى قارات العالم، كما يبلغ حجم القيمة الإجمالية لصادراتها أكثر من 85 مليار دولار سنوياً، إلا أنها تواجه في الفترة الحالية تحديات وصعوبات كبيرة ستؤثر على مستقبل شركات القطاع، من أبرزها الحرب التجارية والرسوم الحمائية، والتي يتوقع أن تأخذ زخماً كبيراً بين الصين والولايات المتحدة، وبقية الدول المستهلكة لسوق البتروكيميائيات والمتأثرة بهذه الحرب الحمائية التجارية، والتي ستشكل عبئاً إضافياً على القطاع، بالإضافة إلى الفائض في المعروض من المنتجات البتروكيميائية.


مقالات ذات صلة

حمد بن عيسى: البحرين كانت وستظل دولة سلام

الخليج الملك حمد بن عيسى يتحدث خلال زيارته لوزارة الداخلية الجمعة (بنا)

حمد بن عيسى: البحرين كانت وستظل دولة سلام

أكد العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، موقف بلاده الثابت في إدانة الاعتداءات الإيرانية غير المسبوقة وغير المبررة تجاهها ودول عربية وصديقة.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
العالم العربي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، هاتفياً مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، مستجدات التصعيد بالمنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني وزير الداخلية القطري (قنا)

وزير الداخلية القطري: الأوضاع الأمنية مستقرة وسلامة المجتمع خط أحمر

أكد الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، وزير الداخلية القطري، استقرار الأوضاع الأمنية في الدولة، وعدم التهاون في اتخاذ أي إجراء يضمن ذلك.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الخليج ناقلة النفط «كاليستو» ترسو قبالة سواحل عُمان بعد تعطل الملاحة في مضيق هرمز (رويترز)

السعودية تطيح بـ60 «مسيّرة»... ومقتل شخصين في عُمان

حذَّر جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون، من التبعات السلبية للهجمات الإيرانية تجاه دول الخليج على الاقتصاد العالمي واستقرار الأسواق الدولية.

جبير الأنصاري (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (الخارجية السعودية)

السعودية وفرنسا تؤكدان ضرورة وقف تهديدات الأمن الإقليمي والدولي

أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة وقف جميع الأعمال التي تشكل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي.

«الشرق الأوسط» (جدة)

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ستاندرد آند بورز»: متانة اقتصاد السعودية تضمن تجاوزها تبعات الصراع الإقليمي

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكَّدت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى «إي +/إيه-1» (A+/A-1) مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرة إلى أن المملكة في وضع جيد ومتميز يسمح لها بتجاوز الصراع الدائر في الشرق الأوسط بفاعلية.

وأوضحت الوكالة في تقرير لها أن تأكيدها تصنيف المملكة الائتماني مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، «يعكس ثقتنا بقدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن. ويستند هذا التوقع إلى قدرتها على تحويل صادرات النفط إلى البحر الأحمر، والاستفادة من سعتها التخزينية النفطية الكبيرة، وزيادة إنتاج النفط بعد انتهاء النزاع. كما يعكس هذا التوقع ثقتنا بأن زخم النمو غير النفطي والإيرادات غير النفطية المرتبطة به، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق الاستثماري بما يتماشى مع (رؤية 2030)، من شأنه أن يدعم الاقتصاد والمسار المالي».

حصانة لوجيستية

وفي ظل تأكيدها على عدم وضوح الرؤية تجاه مسار حرب إيران، قالت الوكالة إن «السيناريو الأساسي الحالي يتلخص في أن التهديدات الرئيسية التي تواجه السعودية ستبدأ بالتلاشي بحلول نهاية مارس (آذار) مع بدء تراجع التوترات في المنطقة».

وتستند هذه الرؤية إلى الحصانة اللوجيستية التي تتمتع بها المملكة، والتي تمكنها من تحييد الآثار المترتبة على إغلاق الممرات البحرية؛ إذ يبرز خط أنابيب «شرق-غرب» بطول 1200 كيلومتر كبديل استراتيجي فائق الكفاءة، بقدرته على نقل نحو 5 ملايين برميل من الخام يومياً من منطقة بقيق في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع احتمالية رفع هذه القدرة إلى 7 ملايين برميل يومياً، مما يضمن تدفق الصادرات نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية بعيداً عن تقلبات المضيق.

أضافت أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لخط «شرق-غرب» توفر للمملكة «صمام أمان» لوجيستياً قادراً على امتصاص الصدمات وتخفيف حدة أي اضطرابات في الصادرات، حتى في حال امتدت فترة الإغلاق الفعلي للمضيق، مما يعزز من مرونة سلسلة الإمداد السعودية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم الظروف الاستثنائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

الإنتاج والتخزين

ولا تتوقف عناصر القوة السعودية عند البدائل اللوجيستية، بل تمتد لتشمل استراتيجية إدارة الإنتاج والتخزين، وفق «ستاندرد آند بورز»؛ حيث تمتلك المملكة فائضاً إنتاجياً يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين برميل يومياً، بالإضافة إلى سعات تخزينية ضخمة تقارب 30 مليون برميل.

وأشارت إلى احتفاظ السعودية بقدرات تخزين وتكرير في الخارج، في آسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك في الشركات التابعة لشركة «أرامكو» (إس-أويل) في كوريا الجنوبية و«موتيفا» في الولايات المتحدة- وهو ما اعتبرته أمراً يمنح المملكة طبقة حماية إضافية تتيح لها تعويض أي نقص في الإمدادات فور انحسار الأعمال العدائية.

وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، تتبنى الحكومة السعودية نهجاً يتسم بالبراغماتية والحرص على استدامة المالية العامة؛ إذ تعمل السلطات على مراجعة شاملة للأولويات الاقتصادية ومشاريع «رؤية 2030» لضمان مواءمتها مع المعطيات الراهنة.

ولفتت الوكالة إلى أن إن هذا التوجُّه، الذي يهدف إلى ضبط الإنفاق المالي دون التفريط في الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد، يعكس التزاماً راسخاً بحماية الموازنة العامة من الضغوط التضخمية التي قد يفرزها استمرار الصراع. وشدَّدت على أن تركيز المملكة على الإصلاحات الهيكلية يجعلها في وضع مالي واقتصادي قوي يتيح لها امتصاص الصدمات وتجاوز تبعات المرحلة الراهنة بأقل قدر من التأثير على مسارها التنموي المستقبلي.

رافعات مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «أرامكو» (روسترز)

زخم غير نفطي

بجانب الدور المحوري لقطاع الطاقة، أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التحول الهيكلي الذي يشهده الاقتصاد السعودي يمثل الركيزة الثانية لاستقرار التصنيف الائتماني، حيث يواصل النشاط غير النفطي نموه القوي ليشكل حالياً قرابة 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً بشكل ملموس من 65 في المائة في عام 2018. واعتبرت أن هذا الزخم الملحوظ في الأنشطة غير النفطية لا يعكس فقط توسعاً في القطاعات التقليدية، بل هو نتاج مباشر لبرامج «رؤية 2030» التي أحدثت نقلة نوعية في بيئة الأعمال؛ إذ تُسهم الاستثمارات الضخمة التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، في خلق قاعدة اقتصادية متنوعة لا ترتهن بتقلبات الأسواق العالمية للنفط، مما يوفر للمالية العامة تدفقات إيرادية أكثر استدامة وتنوعاً.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن الإصلاحات الاجتماعية وسوق العمل، حيث ساهم الارتفاع الملحوظ في مشاركة المرأة في القوى العاملة في تعزيز الطلب المحلي ودعم مرونة الاستهلاك الخاص. ولفتت إلى أن هذا التطور في سوق العمل، إلى جانب نمو الائتمان وتزايد الدخل المتاح للأسر، يعمل كحائط صد يمتص الصدمات الخارجية ويحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي رغم أي ضغوط جيوسياسية محتملة.

ورأت الوكالة في هذا المسار التنموي «فك ارتباط» تدريجي ومدروس، مدعوماً ببيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، مما يجعل من الاقتصاد غير النفطي محركاً ذاتي الدفع لا يكتفي بدعم النمو فحسب، بل يرسخ الثقة في ملاءة المملكة وقدرتها على تحقيق التوازن المالي على المدى المتوسط والطويل، حتى في أكثر الظروف الإقليمية تحدياً.

آفاق النمو والتحول الهيكلي

توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يواصل الاقتصاد السعودي مسار نموه رغم التحديات الإقليمية الراهنة، حيث تُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة خلال عام 2026، مع توقعات بمتوسط نمو يبلغ 3.3 في المائة للفترة ما بين 2027 و2029.

وأوضحت الوكالة في تقريرها بأنه على الرغم من الزيادة المتوقعة في الدين العام، فإنها تتوقع أن تحافظ المملكة على احتياطات مالية قوية، بالإضافة إلى ذلك، كانت المملكة قد بادرت - قبل حدوث التطورات الجيوسياسية الراهنة - في منح الأولوية لمشاريع التنويع المرتبطة برؤية السعودية 2030 لإدارة الخطط بشكل يتماشى مع الموارد المتاحة.

ومع إبقاء الحكومة الإنفاق الاجتماعي على رأس أولوياتها، رأت «ستاندرد آند بورز» أن إعادة تقييمها «المستمر لمشاريع الاستثمار، إلى جانب إصلاحات صناديق التقاعد، يُظهر التزامها باستدامة المالية العامة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يُخفف من مخاطر نمو النشاط الاقتصادي بشكل مفرط، ويفتح المجال لانتعاش الاستثمار الأجنبي من مستوياته الراهنة».


مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.


النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
TT

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)

أعلنت الحكومة الأميركية، في بيان صدر يوم الجمعة، أن الاقتصاد الأميركي سجل نمواً ضعيفاً بلغ 0.7 في المائة خلال الربع الأخير من العام، في خفض ملحوظ للتقديرات الأولية.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية بأن الاقتصاد، الذي تأثر بشدة بالإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في خريف العام الماضي، نما بمعدل سنوي بلغ 0.7 في المائة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالتقدير الأولي البالغ 1.4 في المائة، في حين كان الاقتصاديون يتوقعون تعديلاً في الاتجاه المعاكس يعكس نمواً أقوى.

ويمثل هذا تباطؤاً حاداً مقارنة بنمو بلغ 4.4 في المائة في الربع الثالث و3.8 في المائة في الربع الثاني من العام نفسه، وفق «رويترز».

وتأثر النمو بشكل كبير بتراجع الإنفاق والاستثمار الحكومي الفيدرالي، اللذين انخفضا بنسبة 16.7 في المائة نتيجة تداعيات الإغلاق الحكومي، ما اقتطع نحو 1.16 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير.

وعلى مستوى العام بأكمله، نما الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.1 في المائة في عام 2025، وهو معدل نمو قوي نسبياً، لكنه أقل قليلاً من التقدير الأولي البالغ 2.2 في المائة لعامي 2023 و2024.

وخلال الربع الأخير، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 2 في المائة، مقارنة بنمو بلغ 3.5 في المائة في الربع الثالث، في حين سجل الاستثمار التجاري – باستثناء قطاع الإسكان – نمواً بنسبة 2.2 في المائة، وهو ما يُرجح أنه يعكس زيادة الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنه يظل أقل من وتيرة النمو البالغة 3.2 في المائة في الربع السابق.

ورغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي، الأكبر في العالم، قدراً من المرونة في مواجهة سياسات الرئيس دونالد ترمب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية واسعة النطاق وعمليات ترحيل جماعية للمهاجرين. إلا أن الحرب مع إيران أسهمت في ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما ألقى بظلال من عدم اليقين على التوقعات الاقتصادية.

في المقابل، تشهد سوق العمل الأميركية تباطؤاً ملحوظاً. فقد قامت الشركات والمنظمات غير الربحية والوكالات الحكومية بتسريح نحو 92 ألف موظف خلال الشهر الماضي. وخلال عام 2025، لم يتجاوز متوسط الزيادة الشهرية في الوظائف 10 آلاف وظيفة، وهو أضعف معدل توظيف خارج فترات الركود منذ عام 2002.

ويثير هذا الوضع تساؤلات لدى الاقتصاديين بشأن ما إذا كان التوظيف سيتسارع لمواكبة النمو الاقتصادي، أم أن النمو سيتباطأ ليتماشى مع ضعف سوق العمل، أو ما إذا كانت التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأتمتة تسمح للاقتصاد بالنمو بوتيرة أسرع دون الحاجة إلى خلق عدد كبير من الوظائف.

ويُعد التقرير الصادر يوم الجمعة التقدير الثاني من بين ثلاثة تقديرات لنمو الربع الأخير، على أن يصدر التقرير النهائي في 9 أبريل (نيسان).