«إكسون» ضد «شيفرون»... من يظفر بحقول غويانا النفطية ذات التريليون دولار؟

حقل ستانبروك قبالة سواحل غويانا (شركة إكسون كوبيل)
حقل ستانبروك قبالة سواحل غويانا (شركة إكسون كوبيل)
TT

«إكسون» ضد «شيفرون»... من يظفر بحقول غويانا النفطية ذات التريليون دولار؟

حقل ستانبروك قبالة سواحل غويانا (شركة إكسون كوبيل)
حقل ستانبروك قبالة سواحل غويانا (شركة إكسون كوبيل)

تتجه الأنظار، اليوم، إلى لندن، حيث تنطلق جلسات تحكيم طالَ انتظارها بين عملاقَي النفط الأميركيين «إكسون موبيل» و«شيفرون»، في نزاع مرير حول ملكية حصة ضخمة بحقل ستانبروك النفطي العملاق في غويانا، والذي تبلغ قيمة احتياطاته ما يصل إلى تريليون دولار، مما يجعل القضية ذات تداعيات هائلة على الشركتين، وعلى الصناعة ككل، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

تتنازع الشركات العملاقة الأميركية حق الاستحواذ على حصة 30 في المائة بحقل ستانبروك النفطي، المملوكة لشركة «هيس» الأميركية للطاقة.

كانت «هيس» قد وافقت، في سبتمبر (أيلول) 2023، على عرض استحواذ بقيمة 53 مليار دولار من قِبل «شيفرون»، لكن «إكسون موبيل»، التي تملك 45 في المائة من حقل ستانبروك، تدّعي أنها تتمتع بـ«حق الشُّفعة» لشراء حصة «هيس»، بموجب اتفاقية التشغيل المشتركة (JOA) الموقَّعة مع «هيس» وشريك آخر؛ شركة «سينوك» الصينية للنفط والغاز. وقد رفعت «سينوك»، التي تملك 25 في المائة من الحقل، دعوى للمطالبة بالحق نفسه.

مصفاة نفط تابعة لشركة «إكسون موبيل» (رويترز)

ويتابع المحامون، من كثب، التحكيم أمام غرفة التجارة الدولية، لتحديد ما إذا كانت اتفاقيات التشغيل المشتركة المستقبلية ستحتاج إلى التحديث، لتعكس نتيجة قضية «إكسون»، والتي تتضمن «حقوق الشُّفعة» - وهي أحكام تعاقدية تمنح طرفاً الحق في شراء أصلٍ قبل عرضه على الآخرين.

يُعد ستانبروك أحد أكثر الاكتشافات النفطية ربحيةً خلال العقود الأخيرة، حيث يُقدَّر احتياطيه بنحو 11 مليار برميل من النفط، ومن المرجح أن تزيد عمليات الاستكشاف الإضافية هذا الرقم. وأحدثَ هذا المشروع تحولاً في ثروات «إكسون موبيل»، مما مكّنها من استعادة مكانتها بوصفها أغلى شركة نفط أميركية، بعد أن تفوقت عليها «شيفرون» لفترة وجيزة، في أكتوبر (تشرين الأول) 2020.

شعار مركّب لـ«شيفرون» و«هيس» (رويترز)

وعلى مدى السنوات الـ15 المقبلة، من المتوقع أن تحقق «إكسون موبيل» وشركاؤها أرباحاً بقيمة 182 مليار دولار من مبيعات النفط والغاز من حقول غويانا، وفقاً لـ«وود ماكنزي»، وهي شركة استشارات طاقة. ومن المفترض أن تتلقى حكومة غويانا أكثر من 190 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم لدولةٍ كانت من أفقر دول أميركا الجنوبية، حتى اكتشفت «إكسون موبيل» النفط في عام 2015.

يقول لويز هايوم، محلل في «وود ماكنزي»: «غويانا هي واحدة من أثمن مشاريع النفط والغاز على الكوكب. وقد جرى تطويرها في وقت قياسي، وتوفر نفطاً منخفض الانبعاثات نسبياً بسعر يعادل أقل من 30 دولاراً للبرميل، مما يجعلها فائقة الربحية».

من جانبها، تسعى «شيفرون»، التي ليست طرفاً مباشراً في قضية التحكيم، يائسةً للمُضي قدماً في استحواذها على «هيس» للوصول إلى أصول الشركة في غويانا. ففي العام الماضي، انخفضت احتياطات «شيفرون» من النفط والغاز إلى 9.8 مليار برميل، من 11.1 مليار برميل في عام 2023، وهو أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقد.

وأعرب الرئيس التنفيذي لـ«شيفرون»، مايك ويرث، عن ثقته في أن الشركة ستنتصر على «إكسون». وقال، في مؤتمر لـ«غولدمان ساكس»، في يناير (كانون الثاني) الماضي: «لقد جرت دراسة هذا الأمر بشكل مكثف، ونحن نشعر بأنهم يمتلكون الجانب الصحيح من هذه الحجة بوضوح».

الرئيس التنفيذي لشركة «شيفرون» مايك ويرث (يمين) يتحدث خلال مؤتمر «سيراويك» في هيوستن (أ.ف.ب)

وفي مارس (آذار) الماضي، كشفت «شيفرون» أنها اشترت ما يقرب من 5 في المائة من أسهم «هيس» في السوق المفتوحة، وهي خطوة غير معتادة فسّرها المحللون بأنها إشارة إلى ثقة الشركة في أن الصفقة التي طال تأجيلها ستمضي قُدماً.

لكن الرئيس التنفيذي لـ«إكسون موبيل»، دارين وودز، تحدّث أيضاً عن آفاق الشركة، وادّعى، العام الماضي، أنها «تدافع عما نؤمن بأنه حق أساسي».

وستُعقَد الجلسة سراً أمام هيئة مكونة من ثلاثة قضاة. وقالت مصادر قريبة من العملية، لصحيفة «فايننشال تايمز»، إن القضية، على الأرجح، تعتمد على تفسير بضع كلمات تتعلق بحقوق الشُّفعة في اتفاقية التشغيل المشتركة، والتي لم يجرِ نشرها من قِبل أي من الأطراف.

ومن المتوقع أن يجادل محامو «هيس» بأن بند «حق الشفعة» الوارد في اتفاقية التشغيل المشتركة لا ينطبق إلا عندما يسعى أحد الشركاء إلى بيع أصول غويانا، وليس في عملية استحواذ على شركة. ومن المتوقع أن تُجادل «إكسون موبيل» بأن البند يشمل استحواذ «شيفرون» على «هيس» لأن أصول غويانا تشكل نحو 70 في المائة من قيمة الشركة بأكملها.

وقال مسؤول تنفيذي مُخضرم في مجال النفط يتمتع بخبرة في اتفاقيات التشغيل المشتركة: «ستجادل إكسون بأن هيس هي أساساً أصول غويانا ضخمة، لكنها مجرد مضاربة. وبعبارة أخرى، كل شيء آخر لا يُذكر».

ويرى ديفيد هوفمان، أستاذ القانون بجامعة بنسلفانيا، أن النتيجة يمكن أن تُشكل كيفية صياغة اتفاقيات التشغيل المشتركة المستقبلية. وقال: «نظراً لضخامة حجم الأموال المعروضة هنا، أنا متأكد من أن المحامين المعنيين سيفهمون جوهر النزاع، وسيعرفون مَن سيفوز، وسيحاولون تعديل ممارساتهم وفقاً لذلك».

وقال المحللون إن النتيجة أكثر أهمية لـ«شيفرون» من «إكسون موبيل» بسبب حاجة الشركة إلى إيجاد فرص للنمو، وزيادة احتياطاتها النفطية.

وأوضح محلل نفط وهو بول سانكي: «إذا أكمل مايك ويرث صفقة هيس، فهو في وضع جيد للتقاعد وترك حقبته في القيادة بطلاً. لكن إذا خسرت شيفرون، فقد يحتاج إلى صفقة كبيرة أخرى، مثل أوكسي [أوكسيدنتال بتروليوم]، لترسيخ إرثه الطويل».


مقالات ذات صلة

السعودية تستأنف تشغيل خط أنابيب «شرق - غرب»

الاقتصاد نموذج لمضخة نفط أمام العلم السعودي (رويترز)

السعودية تستأنف تشغيل خط أنابيب «شرق - غرب»

بدأت السعودية إعادة تشغيل خط أنابيب «شرق - غرب»، الذي يتيح للمملكة نقل النفط الخام إلى ساحل البحر الأحمر وتصديره بعيداً عن مضيق هرمز، وفق مصادر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة - نيودلهي)
الاقتصاد سفن تعبر مضيق هرمز وسط استمرار التوتر في الشرق الأوسط (رويترز)

النفط دون 98 دولاراً بعد أنباء عن عودة خط «شرق-غرب» السعودي وفتح مضيق هرمز

تراجعت أسعار النفط، خلال تعاملات جلسة الثلاثاء، لتتراجع دون مستوى 100 دولار للبرميل، بعد أنباء أفادت بعودة خط أنابيب (شرق-غرب) السعودي، وإمكانية فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يقف أمام شعار البنك المركزي الهندي داخل مقره في مومباي بالهند (رويترز)

الروبية الهندية تتراجع عن مكاسبها المبكرة

تخلَّت الروبية الهندية عن مكاسبها المحدودة التي سجَّلتها في وقت مبكر من تعاملات الثلاثاء، لتُتداول قُرب مستوياتها السابقة.

«الشرق الأوسط» (مومباي (الهند))
شؤون إقليمية فانس يحمّل طهران مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود... ومسؤول إيراني يرد p-circle

فانس يحمّل طهران مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود... ومسؤول إيراني يرد

جدَّد مسؤول إيراني انتقاده للولايات المتحدة، بعد تصريحات لنائب الرئيس الأميركي بأن إيران هي السبب في ارتفاع أسعار الوقود.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متعاملون في سوق الصرف بكوريا الجنوبية أمام شاشة تعرض الدولار والوون ومؤشر «كوسبي» (رويترز)

الأسهم الآسيوية ترتفع في معظمها بدعم من مكاسب «وول ستريت»

ارتفعت الأسهم الآسيوية في معظمها، يوم الثلاثاء، مدفوعةً بتحسن معنويات المستثمرين بعد صعود الأسهم في «وول ستريت» خلال الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

السجلات التجارية في السعودية تتجاوز 1.9 مليون... ونمو لافت للذكاء الاصطناعي

موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)
موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)
TT

السجلات التجارية في السعودية تتجاوز 1.9 مليون... ونمو لافت للذكاء الاصطناعي

موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)
موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)

تُواصل بيئة الأعمال في السعودية تسجيل معدلات نمو لافتة، مع تجاوز إجمالي السجلات التجارية حاجز 1.9 مليون سجل، في مؤشر يعكس اتساع قاعدة المنشآت وتنامي النشاط الاقتصادي بمختلف القطاعات. ويتزامن هذا التوسع مع صعود أنشطة الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، التي تشهد اهتماماً متزايداً من المستثمرين ورواد الأعمال، مدفوعة بتسارع التحول الرقمي وبرامج دعم الابتكار وتنويع الاقتصاد.

وأوضحت وزارة التجارة السعودية أن عدد السجلات التجارية بالمملكة ارتفع إلى أكثر من 1.9 مليون سجل، منها 1.3 مليون سجل للمؤسسات، و599 ألفاً للشركات ذات المسؤولية المحدودة، و5 آلاف سجل للشركات المساهمة.

وكشفت عن نمو السجلات التجارية بالقطاعات الواعدة في «رؤية 2030»، وتقود أنشطةُ البرمجة الحاسوبية والمعلومات والاتصالات هذا التقدم الذي يأتي متزامناً مع عام الذكاء الاصطناعي.

وذكرت الوزارة أن نشاط تقنيات الذكاء الاصطناعي تصدّر نسب نمو السجلات التجارية في القطاعات الواعدة، بنسبة ارتفاع 31 في المائة، حيث تجاوز عدد سجلاته التجارية 24 ألف سجل.

الخدمات اللوجستية

بينما بلغت نسبة النمو في الخدمات اللوجستية 25 في المائة، ووصل عدد سجلاتها إلى ما يزيد عن 32.1 ألف سجل، كما بلغت نسبة النمو في الأنشطة الإبداعية والفنون والترفيه 25 في المائة، بإجمالي يزيد عن 8.6 ألف سجل تجاري.

وفي صناعة الألعاب الإلكترونية، ارتفع عدد السجلات التجارية بنسبة 24 في المائة، ليبلغ 977 سجلاً، وبلغت النسبة مثلها في صناعة الألعاب الإلكترونية، لتصل إلى 977 سجلاً، في حين سجل الأمن السيبراني نمواً بنسبة 22 في المائة، وبلغ عدد سجلاته 11.2 ألف سجل تجاري.

وبلغت نسبة نمو السجلات التجارية في تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز 21 في المائة، ووصل عددها إلى أكثر من 13.8 ألف سجل، في حين سجلت مدن التسلية والألعاب نمواً بنسبة 16 في المائة، وبلغ عدد سجلاتها 9.4 ألف سجل تجاري.

وسجلت الأنشطة المالية والتأمين نمواً بنسبة 12 في المائة، وبلغ عدد سجلاتها التجارية 16.9 ألف سجل، في حين وصل عدد السجلات في التجارة الإلكترونية 52.2 ألف سجل، بنسبة نمو بلغت 9 في المائة.

الأنظمة المحدثة

وأفصحت الوزارة عن 110 تشريعات جرت مراجعتها وتطويرها؛ أبرزها: نظام الشركات ولائحته، والسجل التجاري ولائحته، وكذلك نظام الأسماء التجارية ولائحته، والامتياز التجاري ولائحته، بالإضافة إلى نظام التجارة الإلكترونية ولائحته.

ومِن أبرز التشريعات نظام المحاكم التجارية ولائحته، ونظام ضمان الحقوق بالأموال المنقولة ولائحته، والإفلاس، واللائحة التنفيذية لنظام المعادن الثمينة والأحجار الكريمة.


صندوق النقد الدولي: الاقتصاد المصري يخالف توقعات الصدمة الإقليمية

قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)
قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد المصري يخالف توقعات الصدمة الإقليمية

قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)
قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)

نجح الاقتصاد المصري في امتصاص تداعيات الصدمة الإقليمية الأخيرة بصورة أفضل من المتوقع، مستفيداً من تحسن الاحتياطيات الدولية ومرونة سعر الصرف وسرعة استجابة السياسات، لكن قدرة الاقتصاد على مواصلة الصمود ستظل مرتبطة بمعالجة مواطن ضعف مزمنة، في مقدمتها ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل، واستمرار انكشاف القطاع المصرفي على الحكومة، واتساع دور الدولة في النشاط الاقتصادي.

وفي مقال نشره صندوق النقد الدولي تحت عنوان «الصمود تحت وطأة الضغوط: الاقتصاد المصري يخالف التوقعات»، قال أمين ماتي، رئيس بعثة الصندوق إلى مصر والمدير المساعد في إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ويفغيينيا كورنيينكو، الخبيرة الاقتصادية الأولى في الإدارة نفسها، إن الإصلاحات التي نُفذت في إطار البرنامج المدعوم من الصندوق ساعدت في تعزيز النمو، ووضع التضخم على مسار هبوطي، وإعادة بناء الاحتياطيات وتحسين مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك.

ويشير أحدث تقييم للصندوق إلى أن إجمالي الاحتياجات التمويلية لمصر سيبقى في حدود 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأجل القريب، قبل أن يتراجع تدريجياً إلى أقل من 30 في المائة بحلول 2030. ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه التمويل بدرجة كبيرة على آجال استحقاق قصيرة، بينما لا تزال البنوك معرضة بدرجة مرتفعة للدين الحكومي.

رجل يمرّ أمام كشك تقليدي على رصيف أحد شوارع القاهرة (أ.ف.ب)

الأسواق تلقت الصدمة... والاقتصاد امتصها

دخلت مصر الصراع الإقليمي الأخير من وضع اقتصادي كلي أقوى مما كانت عليه خلال أزمات خارجية سابقة، بعد أن ساعد برنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد في تعزيز النمو، ووضع التضخم على مسار هبوطي، وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية وتحسين مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك.

وعندما اشتدت الضغوط، كان رد فعل الأسواق سريعاً وحاداً؛ فقد انخفضت حيازات المستثمرين غير المقيمين من الدين الحكومي المقوم بالجنيه من 39.1 مليار دولار في فبراير (شباط) إلى 22.2 مليار دولار في مطلع أبريل (نيسان)، بينما تراجع الجنيه المصري بنحو 14 إلى 17 في المائة.

إلا أن خروج الأموال لم يتحول إلى أزمة اقتصادية أوسع. ومع انحسار الضغوط، عادت تدفقات المحافظ الاستثمارية، واقتربت حيازات غير المقيمين من مستويات ما قبل الصراع، كما استعاد الجنيه جانباً كبيراً من خسائره الأولية.

ويربط صندوق النقد جانباً مهماً من هذا الأداء بمرونة سعر الصرف، التي سمحت بامتصاص جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب تعديلات أسعار الطاقة بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية، وضبط الإنفاق، وتوسيع نطاق الدعم الموجه إلى مستحقيه.

النمو لم يتوقف

اللافت أن الاضطرابات المالية لم تنتقل إلى النشاط الاقتصادي بالحدة نفسها؛ فقد بلغ نمو الاقتصاد المصري 5 في المائة في الربع الثالث من السنة المالية 2025-2026، فيما حافظ قطاع السياحة على قدرته على الصمود، وارتفعت تحويلات المصريين العاملين في الخارج إلى مستويات قياسية، بينما واصل نشاط قناة السويس تعافيه التدريجي بعد الاضطرابات المؤقتة المرتبطة بالتوترات الإقليمية.

كما تمكنت الحكومة من احتواء الضغوط المالية من خلال زيادة الإيرادات المحلية والحد من الإنفاق.

أما التضخم، فارتفع بفعل انخفاض قيمة العملة وتعديلات أسعار الطاقة، لكن الزيادة جاءت أقل حدة مما كان متوقعاً. وفي المقابل، أدى أثر الصدمة إلى تأخير مسار عودة التضخم إلى مستهدفه بنحو عام.

وكان بقاء الاحتياطيات الدولية عند مستويات مريحة، رغم التدفقات الرأسمالية الخارجة في بداية الأزمة، من أبرز مؤشرات التحسن مقارنة بأزمات سابقة.

المستثمرون يعودون إلى مصر

ومع انحسار التوتر في الأسواق، تحسنت ثقة المستثمرين تدريجياً.

وانخفضت علاوة المخاطر على السندات السيادية المصرية إلى ما دون مستويات ما قبل الحرب، فيما عادت القاهرة إلى أسواق رأس المال الدولية بإصدارات لاقت طلباً قوياً؛ ففي مايو (أيار)، أصدرت مصر سندات «يوروبوند» اجتماعية بقيمة مليار دولار، تجاوز الاكتتاب فيها 5 أمثال المعروض، قبل أن تصدر في يونيو (حزيران) سند «ساموراي» بقيمة 500 مليون دولار.

وبحلول أغسطس (آب)، كانت علاوة المخاطر السيادية المصرية قد انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ 2014، وفق صندوق النقد.

لكن تحسن مؤشرات الأسواق لا يعني أن مواطن الضعف الأساسية اختفت.

المصطافون يجلسون أمام ناقلة نفط تبحر عبر خليج السويس باتجاه البحر الأحمر على شاطئ السخنة في السويس (أ.ب)

الاحتياجات التمويلية تبقى نقطة الضغط

لكن الدين العام لا يزال مرتفعاً، كما أن احتياجات التمويل الإجمالية كبيرة، بينما يعتمد جانب مهم من الاقتراض على آجال قصيرة، ما يزيد مخاطر إعادة التمويل في حال تغيرت ظروف الأسواق العالمية.

ويحذر صندوق النقد من أن هذه العوامل، إلى جانب ارتفاع انكشاف البنوك على الحكومة، تجعل مصر أكثر حساسية للتحولات في ظروف التمويل العالمية ولأي صدمات خارجية جديدة.

كما أن العلاقة الوثيقة بين الحكومة والقطاع المصرفي قد تزيد مخاطر ما يعرف بـ«هيمنة المالية العامة» على السياسات الاقتصادية، في حين يمكن للاحتياجات الحكومية الكبيرة من التمويل أن تزاحم الائتمان والاستثمار في القطاع الخاص.

وهنا تبرز المسألة التي يرى الصندوق أنها الأكثر أهمية للنمو على المدى الطويل: حجم الدولة في الاقتصاد، حيث قال: «لا يزال حضور الدولة في الاقتصاد مرتفعاً بشكل مفرط».

من إدارة الصدمة إلى تقليص دور الدولة

يرى الصندوق أن الحفاظ على المكاسب التي تحققت يتطلب استمرار مرونة سعر الصرف، وسياسة نقدية مشددة بالقدر الملائم، وانضباطاً مالياً، بالتوازي مع تسريع الإصلاحات الهيكلية.

وفي ملف الدين، يعني ذلك تحسين إدارة الدين والانتقال تدريجياً إلى تمويل أطول أجلاً وأكثر اعتماداً على السوق، وتوسيع قاعدة المستثمرين وتعميق سوق الدين المحلية، بما يقلل مخاطر إعادة التمويل ويدعم القدرة على تحمل الدين.

لكن الصندوق يضع إصلاحات ملكية الدولة والتخارج من الأصول في صدارة الإصلاحات المطلوبة لخلق مساحة أكبر أمام القطاع الخاص.

ويقول ماتي وكورنيينكو إن «تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج بمزيد من الحسم»، إلى جانب تحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتعزيز المنافسة، سيكون حاسماً لتقليص حضور الدولة وتهيئة الظروف لنمو أقوى يقوده القطاع الخاص.

صمود أقوى... لكن المهمة لم تنتهِ

تكشف التجربة الأخيرة عن تغير مهم في قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الصدمات؛ فقد واجهت الأسواق خروجاً كبيراً لرؤوس الأموال وانخفاضاً حاداً في العملة، لكن الاحتياطيات ومرونة سعر الصرف وسرعة الاستجابة الحكومية حالت دون انتقال الاضطراب المالي إلى أزمة اقتصادية أوسع.

غير أن هذا التحسن لا يلغي التحديات الهيكلية؛ فارتفاع الدين واحتياجات التمويل، وقصر آجال الاستحقاق، وارتباط القطاع المصرفي بالمالية العامة، واتساع حضور الدولة، كلها عوامل تجعل استمرار الصمود مرتبطاً بمدى سرعة تنفيذ الإصلاحات.

وبذلك، لا يتمثل التحدي التالي لمصر في امتصاص الصدمة المقبلة فحسب، وإنما تقليل الحاجة إلى إدارة الصدمات من خلال معالجة مواطن الضعف التي تجعل الاقتصاد أكثر تعرضاً لها.

وتقول تقديرات صندوق النقد إن البناء على المكاسب التي تحققت يتطلب الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، بالتوازي مع إصلاحات أكثر حسماً تفتح المجال أمام استثمارات القطاع الخاص وتدعم نمواً أكثر استدامة.


«المركزي الأوروبي» يحذر من إلزام مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بودائع مصرفية

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر «البنك المركزي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر «البنك المركزي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

«المركزي الأوروبي» يحذر من إلزام مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بودائع مصرفية

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر «البنك المركزي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر «البنك المركزي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

قال البنك المركزي الأوروبي وعدد من البنوك المركزية في دول الاتحاد، يوم الثلاثاء، إنه لا ينبغي إلزام مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بنسبة من أصول الاحتياطي في شكل ودائع مصرفية، محذّرين من أن هذا الإجراء قد يزيد تعرض البنوك للتغيرات في سوق العملات المستقرة، في ظل احتمال أن تكون هذه الودائع أقل استقراراً.

وأدلت المنظومة الأوروبية للبنوك المركزية، التي تضم البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الوطنية للدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد، بهذه الملاحظات، في ردها على مشاورة بشأن لوائح «ميكا»، وهي مجموعة من القواعد الأوروبية الموحدة لتنظيم أسواق الأصول المشفرة، دخلت حيز التنفيذ، العام الماضي، وفق «رويترز».

وبدلاً من المتطلب الحالي الذي يُلزم كبار مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بـ60 في المائة من احتياطياتهم في صورة ودائع مصرفية، أوصت البنوك المركزية بتعديل لوائح «ميكا»، بحيث تُلزم المُصدرين بالاحتفاظ بحد أدنى من احتياطات العملات المستقرة في أصول تستحق آجالها خلال فترة تتراوح بين يوم وخمسة أيام عمل.

كما أشارت البنوك المركزية إلى أن الجهات التنظيمية الأوروبية تواجه «تحديات جوهرية» في تطبيق القواعد المنظمة للأصول المشفرة، في ظل استمرار شركات غير ملتزمة باللوائح في تقديم خدماتها للعملاء داخل الاتحاد، مما يثير مخاوف بشأن حماية المستثمرين.