تأخر مشروع طاقة في غويانا يهددها بخسارة مليار دولار من إيرادات النفط

«إكسون غويانا» تقول إن الجزء الخاص بشركة النفط الأميركية من المشروع سيكون جاهزاً نهاية العام (رويترز)
«إكسون غويانا» تقول إن الجزء الخاص بشركة النفط الأميركية من المشروع سيكون جاهزاً نهاية العام (رويترز)
TT

تأخر مشروع طاقة في غويانا يهددها بخسارة مليار دولار من إيرادات النفط

«إكسون غويانا» تقول إن الجزء الخاص بشركة النفط الأميركية من المشروع سيكون جاهزاً نهاية العام (رويترز)
«إكسون غويانا» تقول إن الجزء الخاص بشركة النفط الأميركية من المشروع سيكون جاهزاً نهاية العام (رويترز)

تعثرت جهود غويانا لاستخدام مواردها من الغاز الطبيعي لتزويد محطة كهرباء من شأنها خفض تكاليف الطاقة في الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية بسبب تأخيرات البناء وتهدد بتقليص إيرادات النقطة الساخنة للنفط المتفاقمة هذا العام بنحو مليار دولار.

ومشروع تحويل الغاز إلى طاقة الذي تبلغ تكلفته 1.9 مليار دولار، وهو أكبر جهد تبذله غويانا للاستفادة من سخاء الطاقة، يواجه معارك قانونية. وقال مسؤولون إن المرحلة الأولى من محطة توليد الكهرباء بقدرة 300 ميغاوات تعمل متأخرة 6 أشهر عن الموعد المحدد، ومن غير المتوقع أن تعمل بكامل طاقتها حتى الربع الأخير من عام 2025، وفق تقرير لـ«رويترز».

وتقوم شركة «إكسون موبيل»، التي تدير كل إنتاج النفط والغاز في غويانا، ببناء خط أنابيب غاز بطول 140 ميلاً (225 كيلومتراً) من منطقة ستابروك البحرية التابعة لها لتزويد المشروع الحكومي البري: محطة كهرباء ومنشأة ذات صلة لمعالجة الغاز الطبيعي وخطوط نقل.

وقال أليستر روتليدج، مدير شركة «إكسون غويانا» في البلاد، إن الجزء الخاص بشركة النفط الأميركية الكبرى من المشروع، وهو خط الأنابيب الذي تبلغ تكلفته نحو مليار دولار، سيكون جاهزاً بحلول نهاية العام كما وعدت غويانا. وذلك على الرغم من عدم وجود أي شيء لربطه بالبر بسبب التأخير في الأعمال التي تديرها الحكومة.

وتنتج منطقة ستابروك، وهي موقع أول اكتشاف تجاري للنفط والغاز في البلاد في عام 2015، النفط الخام حالياً -نحو 645 ألف برميل يومياً. وستكون محطة الطاقة الجديدة أول محطة تستخدم الغاز المصاحب المنتَج من حقل النفط والذي أُعيد حقنه تحت الأرض حتى الآن.

وقال روتليدج إن استكمال خط أنابيب الغاز سيتطلب من شركة «إكسون» إيقاف الإنتاج مؤقتاً في الربع الثالث في سفينتين لإنتاج النفط لربطهما بخط الأنابيب الموجود تحت البحر. وإذا استمرت ذلك أربعة أسابيع، فسيتعين على «إكسون» وشركائها في الكونسورتيوم «هيس» و«سينوك» الصينية، وقف ما يصل إلى 12 مليون برميل من إنتاج النفط من منصتين تنتجان 400 ألف برميل يومياً عند مستويات الذروة.

واستناداً إلى مبيعات غويانا الأخيرة بسعر 85 دولاراً للبرميل، فإن هذا قد يعني أكثر من مليار دولار من عائدات النفط المؤجلة.

ورفض متحدث باسم «إكسون» الأسبوع الماضي تحديد المدة التي سيستمر فيها وقف الإنتاج. وقال روتليدج إن أعمال توصيل خط الأنابيب والصيانة ستستغرق «أسابيع وليس أشهُراً».

وقال المسؤول التنفيذي إن «إكسون» ليست قلقة بشأن الاضطرار إلى إيقاف الإنتاج هذا العام لمشروع لن يكون جاهزاً لقبول الغاز على الأقل حتى وقت ما في عام 2025.

وأوضح روتليدج أن الوقت الذي تصبح فيه محطة توليد الكهرباء التي تعمل بالغاز جاهزة هي «مسألة توقيت... من الصعب أن تكون جميع المرافق جاهزة في نفس الوقت». وأضاف أنه بمجرد أن تصبح المرافق البرية جاهزة، «سيبدأ الأمر برمته وستتدفق كل هذه الفوائد إلى البلاد».

سوف تفوّت غويانا فرصة خفض تكاليف الطاقة هذا العام بسبب تأخير المشروع. فهي تستورد زيت الوقود الباهظ الثمن لمنشأة طاقة قديمة. وقال مسؤولون إن المحطة الجديدة، عند تشغيلها بالكامل بالغاز الطبيعي، ستخفض تكاليف الطاقة في البلاد بنسبة 50 في المائة.

وقال وينستون براسينغتون، الذي ينسق مشروع الطاقة بوصفه مستشاراً لوزارة الموارد الطبيعية في غويانا، في مقابلة أُجريت معه في فبراير (شباط): «بالطبع نحن نبذل قصارى جهدنا، ولكن علينا أن نكون واقعيين».

وفي حين أنه ليس من غير المألوف أن تتأخر المشاريع الكبرى عن الجدول الزمني المحدد لها، فإن حكومة غويانا تواجه انتخابات رئاسية وبرلمانية في العام المقبل، وهي حريصة على تقديم فوائد ملموسة لسكان البلاد البالغ عددهم 750 ألف نسمة.

«هناك مزيد من الأرصفة في المدينة»، يقول بائع الفاكهة مايكل بهارات، 23 عاماً، عندما سئل عن أبرز علامات التنمية التي جلبتها الطفرة النفطية في البلاد. وأضاف: «يمكن للحكومة أن تفعل مزيداً لمساعدة الفقراء».

ويحرص المسؤولون الحكوميون على الوفاء بوعدهم الانتخابي لعام 2020 بخفض تكاليف الطاقة للسكان ويريدون استخدام الغاز في الصناعات التي يمكن أن تخلق فرص عمل أو للتصدير في صورة غاز طبيعي مسال.

وتضغط الحكومة على شركة «إكسون» وشركائها، الذين ركزوا قبل هذا المشروع على النفط، لتطوير موارد الغاز في البلاد.

وقال الرئيس محمد عرفان علي، لمديري شركات النفط خلال مؤتمر عُقد في جورج تاون في فبراير الماضي: «هناك فرصة سانحة من الآن حتى نهاية العقد لتحقيق الدخل وتعظيم قيمة موارد الغاز الطبيعي في غويانا. نحن بحاجة إلى تطوير غازنا الآن».

ويقول منتقدو المشروع إن هناك الكثير من القرارات التي لم يتم اتخاذها بعد، كما أن هناك القليل من الوضوح بشأن الخطوات التالية، بما في ذلك من سيتولى تشغيل محطة توليد الكهرباء وتسويق سوائل الغاز مثل البروبان الذي تنتجه منشأة معالجة الغاز ذات الصلة.

وفي الوقت نفسه، قدم اثنان من المقاولين الذين عيّنتهم الحكومة للمشروع دعوى للتحكيم بشأن تجاوز التكاليف البالغة 90 مليون دولار، ورفع السكان دعاوى قضائية يطالبون فيها بتعويض غير عادل عن الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها لبناء المشروع.

وقال نائب رئيس غويانا بهارات جاغديو، لـ«رويترز» في فبراير، إن المشروع يتبع جدوله الزمني الجديد وسيظل في حدود ميزانيته الأصلية. وأضاف: «نعتقد أن هذا لا يدعو للقلق. إنه مشروع مدته سنتان، وسيستغرق بضعة أشهر أخرى، ولكن ليس سنة واحدة» لإكماله.


مقالات ذات صلة

السعودية تستأنف تشغيل خط أنابيب «شرق - غرب»

الاقتصاد نموذج لمضخة نفط أمام العلم السعودي (رويترز)

السعودية تستأنف تشغيل خط أنابيب «شرق - غرب»

بدأت السعودية إعادة تشغيل خط أنابيب «شرق - غرب»، الذي يتيح للمملكة نقل النفط الخام إلى ساحل البحر الأحمر وتصديره بعيداً عن مضيق هرمز، وفق مصادر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة - نيودلهي)
الاقتصاد سفن تعبر مضيق هرمز وسط استمرار التوتر في الشرق الأوسط (رويترز)

النفط دون 98 دولاراً بعد أنباء عن عودة خط «شرق-غرب» السعودي وفتح مضيق هرمز

تراجعت أسعار النفط، خلال تعاملات جلسة الثلاثاء، لتتراجع دون مستوى 100 دولار للبرميل، بعد أنباء أفادت بعودة خط أنابيب (شرق-غرب) السعودي، وإمكانية فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يقف أمام شعار البنك المركزي الهندي داخل مقره في مومباي بالهند (رويترز)

الروبية الهندية تتراجع عن مكاسبها المبكرة

تخلَّت الروبية الهندية عن مكاسبها المحدودة التي سجَّلتها في وقت مبكر من تعاملات الثلاثاء، لتُتداول قُرب مستوياتها السابقة.

«الشرق الأوسط» (مومباي (الهند))
شؤون إقليمية فانس يحمّل طهران مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود... ومسؤول إيراني يرد p-circle

فانس يحمّل طهران مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود... ومسؤول إيراني يرد

جدَّد مسؤول إيراني انتقاده للولايات المتحدة، بعد تصريحات لنائب الرئيس الأميركي بأن إيران هي السبب في ارتفاع أسعار الوقود.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متعاملون في سوق الصرف بكوريا الجنوبية أمام شاشة تعرض الدولار والوون ومؤشر «كوسبي» (رويترز)

الأسهم الآسيوية ترتفع في معظمها بدعم من مكاسب «وول ستريت»

ارتفعت الأسهم الآسيوية في معظمها، يوم الثلاثاء، مدفوعةً بتحسن معنويات المستثمرين بعد صعود الأسهم في «وول ستريت» خلال الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

السجلات التجارية في السعودية تتجاوز 1.9 مليون... ونمو لافت للذكاء الاصطناعي

موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)
موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)
TT

السجلات التجارية في السعودية تتجاوز 1.9 مليون... ونمو لافت للذكاء الاصطناعي

موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)
موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)

تُواصل بيئة الأعمال في السعودية تسجيل معدلات نمو لافتة، مع تجاوز إجمالي السجلات التجارية حاجز 1.9 مليون سجل، في مؤشر يعكس اتساع قاعدة المنشآت وتنامي النشاط الاقتصادي بمختلف القطاعات. ويتزامن هذا التوسع مع صعود أنشطة الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، التي تشهد اهتماماً متزايداً من المستثمرين ورواد الأعمال، مدفوعة بتسارع التحول الرقمي وبرامج دعم الابتكار وتنويع الاقتصاد.

وأوضحت وزارة التجارة السعودية أن عدد السجلات التجارية بالمملكة ارتفع إلى أكثر من 1.9 مليون سجل، منها 1.3 مليون سجل للمؤسسات، و599 ألفاً للشركات ذات المسؤولية المحدودة، و5 آلاف سجل للشركات المساهمة.

وكشفت عن نمو السجلات التجارية بالقطاعات الواعدة في «رؤية 2030»، وتقود أنشطةُ البرمجة الحاسوبية والمعلومات والاتصالات هذا التقدم الذي يأتي متزامناً مع عام الذكاء الاصطناعي.

وذكرت الوزارة أن نشاط تقنيات الذكاء الاصطناعي تصدّر نسب نمو السجلات التجارية في القطاعات الواعدة، بنسبة ارتفاع 31 في المائة، حيث تجاوز عدد سجلاته التجارية 24 ألف سجل.

الخدمات اللوجستية

بينما بلغت نسبة النمو في الخدمات اللوجستية 25 في المائة، ووصل عدد سجلاتها إلى ما يزيد عن 32.1 ألف سجل، كما بلغت نسبة النمو في الأنشطة الإبداعية والفنون والترفيه 25 في المائة، بإجمالي يزيد عن 8.6 ألف سجل تجاري.

وفي صناعة الألعاب الإلكترونية، ارتفع عدد السجلات التجارية بنسبة 24 في المائة، ليبلغ 977 سجلاً، وبلغت النسبة مثلها في صناعة الألعاب الإلكترونية، لتصل إلى 977 سجلاً، في حين سجل الأمن السيبراني نمواً بنسبة 22 في المائة، وبلغ عدد سجلاته 11.2 ألف سجل تجاري.

وبلغت نسبة نمو السجلات التجارية في تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز 21 في المائة، ووصل عددها إلى أكثر من 13.8 ألف سجل، في حين سجلت مدن التسلية والألعاب نمواً بنسبة 16 في المائة، وبلغ عدد سجلاتها 9.4 ألف سجل تجاري.

وسجلت الأنشطة المالية والتأمين نمواً بنسبة 12 في المائة، وبلغ عدد سجلاتها التجارية 16.9 ألف سجل، في حين وصل عدد السجلات في التجارة الإلكترونية 52.2 ألف سجل، بنسبة نمو بلغت 9 في المائة.

الأنظمة المحدثة

وأفصحت الوزارة عن 110 تشريعات جرت مراجعتها وتطويرها؛ أبرزها: نظام الشركات ولائحته، والسجل التجاري ولائحته، وكذلك نظام الأسماء التجارية ولائحته، والامتياز التجاري ولائحته، بالإضافة إلى نظام التجارة الإلكترونية ولائحته.

ومِن أبرز التشريعات نظام المحاكم التجارية ولائحته، ونظام ضمان الحقوق بالأموال المنقولة ولائحته، والإفلاس، واللائحة التنفيذية لنظام المعادن الثمينة والأحجار الكريمة.


صندوق النقد الدولي: الاقتصاد المصري يخالف توقعات الصدمة الإقليمية

قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)
قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد المصري يخالف توقعات الصدمة الإقليمية

قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)
قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)

نجح الاقتصاد المصري في امتصاص تداعيات الصدمة الإقليمية الأخيرة بصورة أفضل من المتوقع، مستفيداً من تحسن الاحتياطيات الدولية ومرونة سعر الصرف وسرعة استجابة السياسات، لكن قدرة الاقتصاد على مواصلة الصمود ستظل مرتبطة بمعالجة مواطن ضعف مزمنة، في مقدمتها ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل، واستمرار انكشاف القطاع المصرفي على الحكومة، واتساع دور الدولة في النشاط الاقتصادي.

وفي مقال نشره صندوق النقد الدولي تحت عنوان «الصمود تحت وطأة الضغوط: الاقتصاد المصري يخالف التوقعات»، قال أمين ماتي، رئيس بعثة الصندوق إلى مصر والمدير المساعد في إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ويفغيينيا كورنيينكو، الخبيرة الاقتصادية الأولى في الإدارة نفسها، إن الإصلاحات التي نُفذت في إطار البرنامج المدعوم من الصندوق ساعدت في تعزيز النمو، ووضع التضخم على مسار هبوطي، وإعادة بناء الاحتياطيات وتحسين مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك.

ويشير أحدث تقييم للصندوق إلى أن إجمالي الاحتياجات التمويلية لمصر سيبقى في حدود 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأجل القريب، قبل أن يتراجع تدريجياً إلى أقل من 30 في المائة بحلول 2030. ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه التمويل بدرجة كبيرة على آجال استحقاق قصيرة، بينما لا تزال البنوك معرضة بدرجة مرتفعة للدين الحكومي.

رجل يمرّ أمام كشك تقليدي على رصيف أحد شوارع القاهرة (أ.ف.ب)

الأسواق تلقت الصدمة... والاقتصاد امتصها

دخلت مصر الصراع الإقليمي الأخير من وضع اقتصادي كلي أقوى مما كانت عليه خلال أزمات خارجية سابقة، بعد أن ساعد برنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد في تعزيز النمو، ووضع التضخم على مسار هبوطي، وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية وتحسين مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك.

وعندما اشتدت الضغوط، كان رد فعل الأسواق سريعاً وحاداً؛ فقد انخفضت حيازات المستثمرين غير المقيمين من الدين الحكومي المقوم بالجنيه من 39.1 مليار دولار في فبراير (شباط) إلى 22.2 مليار دولار في مطلع أبريل (نيسان)، بينما تراجع الجنيه المصري بنحو 14 إلى 17 في المائة.

إلا أن خروج الأموال لم يتحول إلى أزمة اقتصادية أوسع. ومع انحسار الضغوط، عادت تدفقات المحافظ الاستثمارية، واقتربت حيازات غير المقيمين من مستويات ما قبل الصراع، كما استعاد الجنيه جانباً كبيراً من خسائره الأولية.

ويربط صندوق النقد جانباً مهماً من هذا الأداء بمرونة سعر الصرف، التي سمحت بامتصاص جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب تعديلات أسعار الطاقة بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية، وضبط الإنفاق، وتوسيع نطاق الدعم الموجه إلى مستحقيه.

النمو لم يتوقف

اللافت أن الاضطرابات المالية لم تنتقل إلى النشاط الاقتصادي بالحدة نفسها؛ فقد بلغ نمو الاقتصاد المصري 5 في المائة في الربع الثالث من السنة المالية 2025-2026، فيما حافظ قطاع السياحة على قدرته على الصمود، وارتفعت تحويلات المصريين العاملين في الخارج إلى مستويات قياسية، بينما واصل نشاط قناة السويس تعافيه التدريجي بعد الاضطرابات المؤقتة المرتبطة بالتوترات الإقليمية.

كما تمكنت الحكومة من احتواء الضغوط المالية من خلال زيادة الإيرادات المحلية والحد من الإنفاق.

أما التضخم، فارتفع بفعل انخفاض قيمة العملة وتعديلات أسعار الطاقة، لكن الزيادة جاءت أقل حدة مما كان متوقعاً. وفي المقابل، أدى أثر الصدمة إلى تأخير مسار عودة التضخم إلى مستهدفه بنحو عام.

وكان بقاء الاحتياطيات الدولية عند مستويات مريحة، رغم التدفقات الرأسمالية الخارجة في بداية الأزمة، من أبرز مؤشرات التحسن مقارنة بأزمات سابقة.

المستثمرون يعودون إلى مصر

ومع انحسار التوتر في الأسواق، تحسنت ثقة المستثمرين تدريجياً.

وانخفضت علاوة المخاطر على السندات السيادية المصرية إلى ما دون مستويات ما قبل الحرب، فيما عادت القاهرة إلى أسواق رأس المال الدولية بإصدارات لاقت طلباً قوياً؛ ففي مايو (أيار)، أصدرت مصر سندات «يوروبوند» اجتماعية بقيمة مليار دولار، تجاوز الاكتتاب فيها 5 أمثال المعروض، قبل أن تصدر في يونيو (حزيران) سند «ساموراي» بقيمة 500 مليون دولار.

وبحلول أغسطس (آب)، كانت علاوة المخاطر السيادية المصرية قد انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ 2014، وفق صندوق النقد.

لكن تحسن مؤشرات الأسواق لا يعني أن مواطن الضعف الأساسية اختفت.

المصطافون يجلسون أمام ناقلة نفط تبحر عبر خليج السويس باتجاه البحر الأحمر على شاطئ السخنة في السويس (أ.ب)

الاحتياجات التمويلية تبقى نقطة الضغط

لكن الدين العام لا يزال مرتفعاً، كما أن احتياجات التمويل الإجمالية كبيرة، بينما يعتمد جانب مهم من الاقتراض على آجال قصيرة، ما يزيد مخاطر إعادة التمويل في حال تغيرت ظروف الأسواق العالمية.

ويحذر صندوق النقد من أن هذه العوامل، إلى جانب ارتفاع انكشاف البنوك على الحكومة، تجعل مصر أكثر حساسية للتحولات في ظروف التمويل العالمية ولأي صدمات خارجية جديدة.

كما أن العلاقة الوثيقة بين الحكومة والقطاع المصرفي قد تزيد مخاطر ما يعرف بـ«هيمنة المالية العامة» على السياسات الاقتصادية، في حين يمكن للاحتياجات الحكومية الكبيرة من التمويل أن تزاحم الائتمان والاستثمار في القطاع الخاص.

وهنا تبرز المسألة التي يرى الصندوق أنها الأكثر أهمية للنمو على المدى الطويل: حجم الدولة في الاقتصاد، حيث قال: «لا يزال حضور الدولة في الاقتصاد مرتفعاً بشكل مفرط».

من إدارة الصدمة إلى تقليص دور الدولة

يرى الصندوق أن الحفاظ على المكاسب التي تحققت يتطلب استمرار مرونة سعر الصرف، وسياسة نقدية مشددة بالقدر الملائم، وانضباطاً مالياً، بالتوازي مع تسريع الإصلاحات الهيكلية.

وفي ملف الدين، يعني ذلك تحسين إدارة الدين والانتقال تدريجياً إلى تمويل أطول أجلاً وأكثر اعتماداً على السوق، وتوسيع قاعدة المستثمرين وتعميق سوق الدين المحلية، بما يقلل مخاطر إعادة التمويل ويدعم القدرة على تحمل الدين.

لكن الصندوق يضع إصلاحات ملكية الدولة والتخارج من الأصول في صدارة الإصلاحات المطلوبة لخلق مساحة أكبر أمام القطاع الخاص.

ويقول ماتي وكورنيينكو إن «تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج بمزيد من الحسم»، إلى جانب تحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتعزيز المنافسة، سيكون حاسماً لتقليص حضور الدولة وتهيئة الظروف لنمو أقوى يقوده القطاع الخاص.

صمود أقوى... لكن المهمة لم تنتهِ

تكشف التجربة الأخيرة عن تغير مهم في قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الصدمات؛ فقد واجهت الأسواق خروجاً كبيراً لرؤوس الأموال وانخفاضاً حاداً في العملة، لكن الاحتياطيات ومرونة سعر الصرف وسرعة الاستجابة الحكومية حالت دون انتقال الاضطراب المالي إلى أزمة اقتصادية أوسع.

غير أن هذا التحسن لا يلغي التحديات الهيكلية؛ فارتفاع الدين واحتياجات التمويل، وقصر آجال الاستحقاق، وارتباط القطاع المصرفي بالمالية العامة، واتساع حضور الدولة، كلها عوامل تجعل استمرار الصمود مرتبطاً بمدى سرعة تنفيذ الإصلاحات.

وبذلك، لا يتمثل التحدي التالي لمصر في امتصاص الصدمة المقبلة فحسب، وإنما تقليل الحاجة إلى إدارة الصدمات من خلال معالجة مواطن الضعف التي تجعل الاقتصاد أكثر تعرضاً لها.

وتقول تقديرات صندوق النقد إن البناء على المكاسب التي تحققت يتطلب الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، بالتوازي مع إصلاحات أكثر حسماً تفتح المجال أمام استثمارات القطاع الخاص وتدعم نمواً أكثر استدامة.


«المركزي الأوروبي» يحذر من إلزام مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بودائع مصرفية

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر «البنك المركزي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر «البنك المركزي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

«المركزي الأوروبي» يحذر من إلزام مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بودائع مصرفية

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر «البنك المركزي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر «البنك المركزي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

قال البنك المركزي الأوروبي وعدد من البنوك المركزية في دول الاتحاد، يوم الثلاثاء، إنه لا ينبغي إلزام مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بنسبة من أصول الاحتياطي في شكل ودائع مصرفية، محذّرين من أن هذا الإجراء قد يزيد تعرض البنوك للتغيرات في سوق العملات المستقرة، في ظل احتمال أن تكون هذه الودائع أقل استقراراً.

وأدلت المنظومة الأوروبية للبنوك المركزية، التي تضم البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الوطنية للدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد، بهذه الملاحظات، في ردها على مشاورة بشأن لوائح «ميكا»، وهي مجموعة من القواعد الأوروبية الموحدة لتنظيم أسواق الأصول المشفرة، دخلت حيز التنفيذ، العام الماضي، وفق «رويترز».

وبدلاً من المتطلب الحالي الذي يُلزم كبار مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بـ60 في المائة من احتياطياتهم في صورة ودائع مصرفية، أوصت البنوك المركزية بتعديل لوائح «ميكا»، بحيث تُلزم المُصدرين بالاحتفاظ بحد أدنى من احتياطات العملات المستقرة في أصول تستحق آجالها خلال فترة تتراوح بين يوم وخمسة أيام عمل.

كما أشارت البنوك المركزية إلى أن الجهات التنظيمية الأوروبية تواجه «تحديات جوهرية» في تطبيق القواعد المنظمة للأصول المشفرة، في ظل استمرار شركات غير ملتزمة باللوائح في تقديم خدماتها للعملاء داخل الاتحاد، مما يثير مخاوف بشأن حماية المستثمرين.