كيف وصل الأميركيون إلى هضبة الظهران؟

العلاقات السعودية - الأميركية... من بوابة النفط إلى أبرز الشراكات الاستراتيجية في الشرق الأوسط

TT

كيف وصل الأميركيون إلى هضبة الظهران؟

الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود على متن السفينة البحرية الأميركية البحرية في 14 فبراير 1945
الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود على متن السفينة البحرية الأميركية البحرية في 14 فبراير 1945

قبل اللقاء التاريخي بين الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في قناة السويس على متن البارجة الأميركية «يو إس إس كوينسي»، بأكثر من عشر سنوات، وصل الخبراء الأميركيون إلى الأراضي السعودية، ونشأ تدريجياً مجتمع أميركي في شرق السعودية على ضفاف الخليج، مثّل نواة التواصل المبكر بين السعودية التي أُعلن قيام وحدتها ونشوء كيانها الجديد الممتد من البحر الأحمر إلى الخليج العربي والتي تضم ثروات كامنة (واعدة) وأقدس بقاع الأرض، والولايات المتحدة التي تستعد لوراثة الإمبراطوريات الأوروبية، وخاصة البريطانية التي كانت تستعدّ لإعلان أفول نجمها باعتماد سياسة الانسحاب من «شرق السويس».

الملك المؤسس يحيط به عدد من الموظفين المقيمين في «أرامكو» بالظهران

النفط أولاً: الامتياز

على مدى أكثر من تسعين عاماً، ترسخت العلاقات السعودية - الأميركية على أساس المصالح الاقتصادية، ومعها تمّ بناء شراكة سياسية على الصعيد الدولي قائمة على الموثوقية. بدأت العلاقات في مرحلة تاريخية مهمّة بالنسبة للبلدين؛ فبعد عام واحد من توحيد السعودية، (23 سبتمبر «أيلول» 1932) أبرمت المملكة في 29 مايو (أيار) عام 1933 اتفاقية الامتياز للتنقيب عن النفط مع شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» (سوكال).

فبتفويض من الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وقّع عبد الله السليمان، وزير المالية، باسم السعودية، اتفاقية التنقيب عن النفط، مع شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» (سوكال) (شيفرون حالياً)، التي مثّلها لويد هاملتون، وتم إنشاء شركة تابعة لها سميت «كاليفورنيا أرابيان ستاندارد أويل كومباني» (كاسوك) لإدارة هذه الاتفاقية.

كانت مدة اتفاقية الامتياز التي منحتها الحكومة السعودية لشركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» 60 سنة. وفي عام 1973، اشترت الحكومة السعودية حصة قدرها 25 في المائة في شركة «أرامكو» وزادت هذه الحصة لتصل إلى 60 في المائة في العام التالي، وفي عام 1980، امتلكت الحكومة السعودية كامل حصة شركة «أرامكو»، وفي 1988 تأسست رسمياً «شركة الزيت العربية السعودية – أرامكو».

أميركيون في الظهران

اقتصر وجود الأميركيين في الخليج منذ نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، على نشاط «الإرسالية الأميركية» التي نظمّت رحلات في منطقة الخليج والعراق واليمن، وكانت الصبغة العامة لهذا النشاط إرسال المبشرين والوفود الطبّية. وفي حين عرفت البحرين المجاورة النشاط التبشيري الأميركي منذ عام 1890، حيث وصل مبشران أميركيان ومبشرة أسترالية، وقدموا خدمات طبية في مقرّ البعثة، استدعى ذلك وصول أطباء، ثمّ في عام 1903 افتتحت البعثة أول مستشفى للإرسالية في الخليج باسم مستشفى «ميسون» وكان يضم 24 سريراً. وفي الفترة نفسها تقريباً (1914)، افتتحت البعثة مستشفى الإرسالية الأميركية العربية في الكويت.

وصول أول عائلتين أميركيتين للالتحاق بأزواجهن العاملين في استكشاف النفط بالظهران 1937

لكنّ الأميركيين التبشيريين لم يكن لهم نشاط يُذكر في الأراضي السعودية، كان الاتصال الأول بين البلدين من بوابة النفط. فمن خلالها، أقيمت واحدة من أبرز الشراكات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

وبتوقيع اتفاقية الامتياز في 1933، توافد وصول الوفود الأميركيين إلى السعودية، وكانت الدفعة الأولى عبارة عن خبراء حطوا رحالهم في الظهران شرق السعودية، كما استدعى ذلك وصول طلائع المستكشفين الأميركيين في عام 1935، حيث باشروا عمليات المسح في الصحاري القاحلة، وأخفقت أعمال حفر الآبار في بدايتها، ولم تسجل نجاحاً يُذكر، إلى أن قررت شركة «سوكال» عام 1937 الاستعانة بمشورة كبير الجيولوجيين الأميركيين فيها ماكس ستاينكي، حيث أسفرت جهوده في عام 1938 في اكتشاف النفط بكميات تجارية.

كبير الجيولوجيين الأميركيين ماكس ستاينكي الذي أسفرت جهوده عام 1938 عن اكتشاف النفط بكميات تجارية في السعودية (أرشيفية)

ومثلّ الرابع من مارس (آذار) 1938 لحظة حاسمة في تاريخ السعودية، وتاريخ صناعة النفط على المستوى العالمي، ففي هذا اليوم تدفق النفط من أول بئر اختبارية في الظهران، أُطلق عليها «بئر الدمام رقم 7»، لينصّب السعودية كأكبر دولة في احتياطي النفط، وأهم مصادر الطاقة على مستوى العالم. هذه البئر، التي جرى حفرها إلى عمق 1441 متراً، تقع على التل المعروف باسم جبل الظهران، وعُرفت فيما بعد باسم «بئر الخير».

وتتويجاً لعصر جديد، اتجه الملك عبد العزيز في ربيع 1939، يصحبه وفدٌ كبير إلى الظهران مجتازاً صحراء الدهناء ذات الرمال الحمراء حتى وصل إلى شرق البلاد على الخليج العربي، وتزامن توقيت زيارة الملك عبد العزيز مع اكتمال خط الأنابيب الذي امتد من حقل الدمام إلى ميناء رأس تنورة، بطول 69 كيلومتراً، حيث رست ناقلة النفط التي أدار الملك عبد العزيز الصمام بيده لتعبئتها بأول شحنة من النفط السعودي. وهكذا، كانت هذه أول شحنة من الزيت الخام تصدرها المملكة على متن ناقلة في الأول من مايو 1939.

الملك عبد العزيز يستعد لفتح الصمام لتصدير النفط السعودي إلى العالم عبر الناقلة «د جي سكوفيلد» في 1 مايو 1939

الشراكة الاستراتيجية: «لقاء كوينسي»

صاحَب التدفق التدريجي للنفط اشتعال الحرب العالمية الثانية، التي فتحت أعين العالم على أهمية الطاقة والمكانة التي تحتلها السعودية كأهم مصادر الطاقة، ومثلت نهاية الحرب فرصة لمزيد من التنقيب في الأماكن البرية، ولأول أيضاً في المياه الإقليمية للمملكة.

بالإضافة للنفط، وجدت الولايات المتحدة في المملكة التي أرست دعائم وحدتها كأكبر دول الشرق الأوسط مساحة، تضم بين جنباتها الطاقة التي سيحتاج إليها العالم للنهوض بعد الحرب، كما تضم أهم المقدسات الإسلامية التي تثبت مكانتها بوصفها قبلة للمسلمين في العالم.

استبق الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت قبل نحو 82 يوماً من توقّف الحرب العالمية الثانية (أعلن عن توقفها يوم 8 مايو 1945، بتوقيع الألمان في برلين على اتفاقية الاستسلام للحلفاء)، بعقد أول لقاء مع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في (البحيرات المرّة) بقناة السويس، في 14 فبراير (شباط) 1945، وعُرف ذلك اللقاء التاريخي بـ«لقاء كوينسي» نسبةً إلى البارجة «يو إس إس كوينسي» التي عُقد على متنها، ومنذ ذلك اللقاء ترسخّت العلاقات السعودية - الأميركية.

عشية اللقاء التاريخي بين الزعيمين، الذي شهد عقد مشاورات مطولة تناولت أحداث العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان الخبراء الأميركيون، ومعهم عدد متزايد من العائلات، قد حطوا رحالهم بالفعل في شرق السعودية، وشكلّت الظهران في المنطقة الشرقية بالقرب من الخليج العربي، المحطة الأولى التي استقرت فيها أولى الجاليات الأميركية من المهندسين، والجيولوجيين، والفنيين الذين أرسلتهم شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» (سوكال) بعد توقيع اتفاقية الامتياز النفطي عام 1933.

مهندس أميركي وفريق عمل سعودي في طريقهم إلى معسكر الاستكشاف في الربع الخالي في سبتمبر 1952

سكنت هذه الجالية في مجمعات سكنية مغلقة، عُرفت لاحقاً باسم «كمباوند الظهران»، حيث وُفرت لهم مدارس، ونوادٍ، ومتاجر، وحتى كنائس صغيرة داخل المجمعات، منعزلة عن المجتمع المحلي آنذاك. وعاشوا حياة غربية إلى حد كبير داخل هذه المجمعات، وكان التفاعل بينهم وبين السعوديين في بداياته محدوداً، يقتصر غالباً على بيئة العمل، ورغم هذا التواصل المحدود، ورغم العزلة النسبية، فقد كان لهم دور في إدخال أنماط جديدة في الإدارة، والتعليم الفني، وأساليب الحياة الحديثة، خاصة في المدن التي نشأت حول النفط، وبمرور الوقت، بدأت العلاقات تتعمق بين الأميركيين والسعوديين، خاصة مع توسع «أرامكو»، وتطورت الجالية الأميركية لتشمل عائلات، ومعلمين، وأطباء، وإداريين.

ولإسكان عائلات موظفي الشركة الأجانب، تم شحن أول بيوت صغيرة متنقلة ومكيفة إلى المملكة العربية السعودية في يونيو (حزيران) 1936، وكانت تلك البيوت تحتوي على غرفتي نوم فقط. وتبع ذلك وصول أول زوجتين أميركيتين، هما: «أنيت هنري» و«نيلي كاربنتر»، إلى المنطقة الشرقية في أبريل (نيسان) 1937. وبنهاية عام 1938، بلغ عدد العاملين في الشركة 2745 شخصاً، بينهم 236 أميركياً و104 من جنسيات أخرى.

فرقة كشافة من أبناء الموظفين الأجانب في الظهران يلتقون بدوياً يروي لهم تقاليد الصحراء في مايو 1949 (أرشيف أرامكو)

ويؤرخ كتاب «الطاقة من خلال التاريخ المصور لمجتمع أرامكو السعودية» (The Energy Within A Photo History of the People of Saudi Aramco) (من إصدارات أرامكو) لوصول الدفعة الثانية من الزوجات الأميركيات، حاملات معهن أول الأطفال الأميركيين إلى المنطقة الشرقية، حيث وصلوا إلى ميناء الخبر في سبتمبر 1937، على متن قارب بريطاني - هندي من بومباي، من هؤلاء عائلة «ماكس ستاينكي»، لتلتحق النساء بأزواجهن في الظهران للإقامة معهم في اثنين من الأكواخ الستة التي تم تسليمها قبل ذلك التاريخ بعام كامل مع التكييف.

أتاح الحيّ السكني في الظهران «معسكر أرامكو» (كامب الظهران) للجاليات الأميركية التمتع ببيئة تشبه إلى حدٍّ كبير البيئات التي خلّفوها وراءهم في بلادهم في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، وتضاعف أعداد الأميركيين ضمن بيئات عمل «أرامكو» في الظهران ورأس تنورة وبقيق والجبيل، وغيرها. وحتى عام 1980، تاريخ امتلاك الحكومة السعودية كامل حصة «أرامكو»، وبدء الرحيل التدريجي للموظفين الأميركان وعائلاتهم، كانت العائلات الأميركية تتنقل داخل الأحياء السكنية في حواضر المنطقة الشرقية، وتنشأ بينهم وبين المجتمعات المحلية أواصر التعارف والصداقة والتبادل الثقافي، في أجواء من التسامح.

وإذا كانت حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، أحدثت في العالم، وفي الولايات المتحدة خصوصاً، ما عُرف بـ«صدمة النفط» عندما قررت الدول العربية المصدرة للنفط إعلان «حظر نفطي» على الدول الغربية على خلفية الحرب مع إسرائيل، مما تسبب في ارتفاع أسعار المحروقات في الغرب، فإن هذه الحادثة أكدت للولايات المتحدة الأهمية الاستراتيجية للسعودية في خريطة الشرق الأوسط، والعالم، بوصفها ركيزة مهمة للسياسة، والمصدر الأكثر موثوقية لإمداد العالم بالطاقة.

ومن بوابة النفط مجدداً، توّثقت العلاقات السعودية - الأميركية، وشكلت سياسة الاعتدال السعودي شريكاً يُعتد به خلال الحرب الباردة، وتوثقت أواصر التعاون في المجالات العسكرية والأمنية والاستراتيجية، خاصة في المنعطفات السياسية المهمة التي مرّت بها منطقة الخليج منذ قيام الثورة الإيرانية (1979) والحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988)، وغزو الكويت (1990 - 1991)، والتطورات السياسية التي عصفت بالمنطقة، وخاصة فترة الحرب على الإرهاب التي أضرت بمصالح البلدين، وأثبتت السعودية أنها أهم ركائز الاستقرار في منطقة تموج بالاضطرابات.


مقالات ذات صلة

كواليس إطاحة رئيس مجلس إدارة «بي بي» تكشف عن خلافات حادة حول صفقة سرية

الاقتصاد رئيس مجلس إدارة «بي بي» المقال ألبرت مانيفولد (الشركة)

كواليس إطاحة رئيس مجلس إدارة «بي بي» تكشف عن خلافات حادة حول صفقة سرية

كشفت تقارير صحافية عن تصاعد حدة الخلافات داخل مجلس إدارة شركة عملاق الطاقة البريطاني «بي بي» قبل الإطاحة الأخيرة برئيس مجلس الإدارة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد جيفري شميد خلال ندوة جاكسون هول الاقتصادية 2025 في وايومنغ (رويترز)

رئيس «فيدرالي كانساس سيتي» يُحذر من التعامل مع صدمة النفط باعتبارها مؤقتة

حذّر جيفري شميد، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، يوم الجمعة، من التعامل مع صدمة أسعار النفط الحالية باعتبارها مؤقتة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتجه لخسارة أسبوعية مع تنامي آمال التهدئة بين واشنطن وطهران

استقر الدولار مقابل العملات الرئيسية، الجمعة، لكنه يتجه نحو تسجيل خسارة أسبوعية، في ظل أنباء عن توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق لتمديد وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
تحليل إخباري لافتة في محطة وقود «بي بي» في لندن (إ.ب.أ)

تحليل إخباري «لعنة القيادة» تلاحق عملاق النفط البريطاني «بي بي»

تعيد الإقالة الصاعقة لرئيس مجلس إدارة شركة «بي بي»، ألبرت مانيفولد، تسليط الضوء على معضلة الاستقرار المؤسسي داخل أحد أكبر عمالقة الطاقة عالمياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مركبات أمام محطة وقود تابعة لشركة «بريتيش بتروليوم (بي بي)» في ليفربول ببريطانيا (أرشيفية - رويترز)

صراع «بي بي» يشتعل... مانيفولد يتهم كواليس الشركة بـ«الأكاذيب»

رفض رئيس مجلس إدارة شركة «بي بي» المقال ألبرت مانيفولد «الأكاذيب» المتعلقة بسلوكه، نافياً اتهامات «السلوك العدائي» ومدافعاً عن خطة تبسيط المحفظة المالية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تقرير الوظائف الأميركي يضع زخم «وول ستريت» على مقصلة التشديد النقدي

أشخاص يسيرون بالقرب من بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أشخاص يسيرون بالقرب من بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تقرير الوظائف الأميركي يضع زخم «وول ستريت» على مقصلة التشديد النقدي

أشخاص يسيرون بالقرب من بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أشخاص يسيرون بالقرب من بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

يترقب المستثمرون في «وول ستريت» الأسبوع المقبل صدور تقرير الوظائف الأميركي، في اختبار رئيسي لمدى استمرار زخم الأسهم في ظل المخاوف المتزايدة من التضخم واحتمال رفع أسعار الفائدة وتأثير ذلك على عوائد السندات.

فيوم الجمعة، يصدر تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر مايو (أيار)، وسط توقعات بإضافة نحو 96 ألف وظيفة واستقرار معدل البطالة عند 4.3 في المائة، في حين يخشى المستثمرون أن تأتي الأرقام أقوى من المتوقع بما قد يعزز الرهانات على تشديد السياسة النقدية.

كما يُنتظر أن يشكل تقرير شركة «برودكوم» اختباراً مهماً لقطاع الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، الذي قاد موجة الصعود الأخيرة في الأسواق.

كانت مؤشرات الأسهم الأميركية قد سجلت ارتفاعات قياسية، مع صعود مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من 10 في المائة منذ بداية العام، مدعوماً بطفرة الذكاء الاصطناعي وتوقعات الأرباح القوية.

وعزا تشاك كارلسون، الرئيس التنفيذي لشركة «هورايزون» لخدمات الاستثمار، هذا الانتعاش إلى إقبال المستثمرين على اقتناص أسهم التكنولوجيا بعد موجة تصحيح سابقة، إلى جانب تحسن شهية المخاطرة مع تراجع المخاوف الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الإيرانية، مؤكداً في الوقت ذاته أن الأسواق لا تزال عرضة لتقلبات البيانات الاقتصادية.

وأضاف أن الأسواق لا تزال عرضة لتقلبات مرتبطة بتطورات الصراع والبيانات الاقتصادية خلال الفترة المقبلة.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

بين الوظائف والتضخم

يتنامى الاهتمام بتقرير الوظائف مع ازدياد القلق من استمرار الضغوط التضخمية؛ إذ أظهرت بيانات حديثة ارتفاع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي بنسبة 3.8 في المائة على أساس سنوي في أبريل (نيسان) -وهو أعلى مستوى منذ مايو (أيار) 2023 مدفوعاً بأسعار الطاقة- في وقت يستهدف فيه «الفيدرالي» معدلاً عند 2 في المائة.

في هذا السياق، أوضحت ليز آن سوندرز، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في «شواب»، أن تقريراً قوياً للوظائف بالتزامن مع تضخم مرتفع قد يعيد تشكيل توقعات السياسة النقدية نحو مزيد من التشدد.

من جانبه، أشار أنجيلو كوركافاس، كبير استراتيجيي الاستثمار العالمي في «إدوارد جونز»، إلى أن إضافة أكثر من 150 ألف وظيفة قد تثير مخاوف من اقتصاد «مفرط النشاط»، مما يدفع عوائد السندات إلى الارتفاع ويضغط على الأسهم.

وأضاف أن المؤشرات الحالية تعكس استمرار قوة النشاط الاقتصادي، مستشهداً بتوقعات نموذج «GDPNow» لبنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا الذي يشير إلى نمو بنسبة 3.8 في المائة في الربع الثاني.

يظهر شعار شركة «برودكوم» ولوحة أم للحاسوب في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«برودكوم» واختبار الذكاء الاصطناعي

بالتوازي مع البيانات الكلية، تتجه الأنظار يوم الأربعاء إلى نتائج شركة «برودكوم»، التي ستشكل اختباراً مهماً لقطاع أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي الذي قاد موجة الصعود الأخيرة.

كان مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات قد ارتفع بنحو 80 في المائة منذ أدنى مستوياته في مارس (آذار)، بينما صعد سهم «برودكوم» بنحو 45 في المائة خلال الفترة نفسها، متفوقاً على جاذبية مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الذي اكتفى بـ19 في المائة.

كما تشمل أجندة الأسبوع المقبل بيانات عن قطاعي التصنيع والخدمات في الولايات المتحدة، إلى جانب تقرير تضخم إضافي قبل اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» في 16 و17 يونيو (حزيران).

وتُظهر أسواق العقود الآجلة ميلاً أكبر إلى احتمال رفع أسعار الفائدة هذا العام مقارنةً بخفضها، في وقت يواصل فيه الرئيس دونالد ترمب الضغط لخفض تكاليف الاقتراض.

يأتي ذلك وسط ارتفاع عوائد السندات، حيث يبلغ عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات نحو 4.46 في المائة، وهو ما يشكّل عامل ضغط محتمل على الأسهم عبر زيادة تكلفة التمويل ورفع جاذبية السندات مقارنةً بالأصول عالية المخاطر.

وقال كارلسون إن أي ارتفاع حاد ومستمر في العوائد سيظل أكبر مصدر قلق للأسواق في المرحلة المقبلة.

Your Premium trial has ended


كواليس إطاحة رئيس مجلس إدارة «بي بي» تكشف عن خلافات حادة حول صفقة سرية

رئيس مجلس إدارة «بي بي» المقال ألبرت مانيفولد (الشركة)
رئيس مجلس إدارة «بي بي» المقال ألبرت مانيفولد (الشركة)
TT

كواليس إطاحة رئيس مجلس إدارة «بي بي» تكشف عن خلافات حادة حول صفقة سرية

رئيس مجلس إدارة «بي بي» المقال ألبرت مانيفولد (الشركة)
رئيس مجلس إدارة «بي بي» المقال ألبرت مانيفولد (الشركة)

كشفت تقارير صحافية عن تصاعد حدة الخلافات داخل مجلس إدارة شركة عملاق الطاقة البريطاني «بي بي» قبل الإطاحة الأخيرة برئيس مجلس الإدارة، ألبرت مانيفولد؛ إذ عكست الكواليس صراعاً داخلياً حاداً حول إدارة محادثات سرية تتعلق بصفقة محتملة.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مصادر مطلعة، أن مانيفولد، الذي أُقيل من منصبه فجأة يوم الثلاثاء الماضي، دخل في صدام عنيف في وقت سابق من هذا العام مع عضو مجلس الإدارة سايمون هنري، بسبب طريقة التعامل مع اتصالات حساسة تخص صفقة مرتقبة للشركة.

اتهامات متبادلة وغياب التنسيق

ووفقاً للتقرير، وجّه مانيفولد اتهامات سرية إلى هنري بـ«تجاوز صلاحياته» وتعمّد استبعاد أعضاء مجلس الإدارة الآخرين من المراسلات والاتصالات الجوهرية المتعلقة بالصفقة. في المقابل، نفى هنري ارتكاب أي أخطاء في إدارة تلك المحادثات، دافعاً بأن رئيس مجلس الإدارة المقال «يسعى لتشويه وتزييف طبيعة المحادثات التي جرت».

كانت شركة «بي بي» قد بررت قرارها المفاجئ إطاحة مانيفولد بوجود «مخاوف صارمة» تتعلق بمعايير الحوكمة، وآليات الإشراف، وسلوكه الإداري. وهو ما رد عليه مانيفولد ببيان أكد فيه أنه أُزيح من منصبه دون أي إنذار مسبق، قاطعاً برفضه التام للاتهامات الموجهة ضد سلوكه.

تصدع في هرم القيادة

ولا يبدو هذا الصدام معزولاً عن حالة الاضطراب التي تعيشها ردهات الشركة؛ إذ أشارت الصحيفة إلى أن سايمون هنري، الذي انضم إلى «بي بي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، كان من بين القيادات التي تقلصت صلاحياتها وتم تهميشها في ظل تقليص مانيفولد حجم مجلس الإدارة خلال الفترة الماضية.

علاوة على ذلك، كشف التقرير عن أن التوترات لم تقتصر على أعضاء مجلس الإدارة فحسب، بل امتدت لتشمل خلافات مكتومة جرت العام الماضي بين رئيس مجلس الإدارة المقال ألبرت مانيفولد، والرئيس التنفيذي للشركة موري أوتشينكلوس.


بومان من «الفيدرالي»: تداعيات الحرب قد تفرض إعادة تقييم لمسار السياسة النقدية

ميشيل بومان تدلي بشهادتها أمام مجلس الشيوخ الأميركي في جلسة تأكيد تعيينها - واشنطن 10 أبريل 2025 (رويترز)
ميشيل بومان تدلي بشهادتها أمام مجلس الشيوخ الأميركي في جلسة تأكيد تعيينها - واشنطن 10 أبريل 2025 (رويترز)
TT

بومان من «الفيدرالي»: تداعيات الحرب قد تفرض إعادة تقييم لمسار السياسة النقدية

ميشيل بومان تدلي بشهادتها أمام مجلس الشيوخ الأميركي في جلسة تأكيد تعيينها - واشنطن 10 أبريل 2025 (رويترز)
ميشيل بومان تدلي بشهادتها أمام مجلس الشيوخ الأميركي في جلسة تأكيد تعيينها - واشنطن 10 أبريل 2025 (رويترز)

قالت ميشيل بومان، نائبة رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» للرقابة، الجمعة، إن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى ضغوط تضخمية أكثر استدامة؛ وهو ما قد يفرض إعادة تقييم لمسار السياسة النقدية في الولايات المتحدة.

وفي نص خطاب ستلقيه في مؤتمر بآيسلندا، أوضحت بومان أنه «لا يزال من المبكر تقييم حجم واستمرار الآثار الاقتصادية للصراع الإيراني»، مشيرة إلى أن صدمة أسعار الطاقة قد تكون مؤقتة في حال انتهت الاضطرابات سريعاً، مع تأثير محدود على النشاط الاقتصادي الكلي، وفق «رويترز».

لكنها حذّرت من أن استمرار الصراع لفترة أطول قد يغير هذه التقديرات، قائلة إنه إذا امتدت صدمة الطاقة إلى ضغوط سعرية أوسع، فقد يصبح من الضروري إعادة النظر في نهج تقييم المخاطر داخل «الاحتياطي الفيدرالي».

وتوقعت بومان أن يظل التضخم أعلى من المستوى المستهدف لفترة أطول؛ ما يعزز الحذر داخل البنك المركزي، في وقت يتوقع فيه أن يُبقي «الفيدرالي» أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة في اجتماعه منتصف يونيو (حزيران).

وأشارت إلى أن بعض صناع السياسة بدأوا بالفعل في تقليص رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة هذا العام، مع ازدياد النقاش حول احتمال التحول نحو تشديد إضافي إذا استمرت الضغوط التضخمية.

كما أكدت أن الاقتصاد الأميركي أظهر مرونة نسبية، رغم هشاشة سوق العمل أمام الصدمات، عادَّةً أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة المؤقت لا يستدعي بالضرورة تشديداً نقدياً مفرطاً قد يضغط على النمو والتوظيف.

في المقابل، شددت بومان على أهمية الحفاظ على مصداقية هدف التضخم البالغ 2 في المائة، عادَّةً أن تجاوز هذا المستوى لفترة طويلة يجعل التعامل مع أي صدمة سعرية جديدة أكثر تعقيداً.

وختمت بالإشارة إلى أن سوق العمل لا تزال مستقرة نسبياً، لكنها قابلة للتأثر بأي صدمات خارجية إضافية في الفترة المقبلة.