كيف وصل الأميركيون إلى هضبة الظهران؟

العلاقات السعودية - الأميركية... من بوابة النفط إلى أبرز الشراكات الاستراتيجية في الشرق الأوسط

TT

كيف وصل الأميركيون إلى هضبة الظهران؟

الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود على متن السفينة البحرية الأميركية البحرية في 14 فبراير 1945
الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود على متن السفينة البحرية الأميركية البحرية في 14 فبراير 1945

قبل اللقاء التاريخي بين الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في قناة السويس على متن البارجة الأميركية «يو إس إس كوينسي»، بأكثر من عشر سنوات، وصل الخبراء الأميركيون إلى الأراضي السعودية، ونشأ تدريجياً مجتمع أميركي في شرق السعودية على ضفاف الخليج، مثّل نواة التواصل المبكر بين السعودية التي أُعلن قيام وحدتها ونشوء كيانها الجديد الممتد من البحر الأحمر إلى الخليج العربي والتي تضم ثروات كامنة (واعدة) وأقدس بقاع الأرض، والولايات المتحدة التي تستعد لوراثة الإمبراطوريات الأوروبية، وخاصة البريطانية التي كانت تستعدّ لإعلان أفول نجمها باعتماد سياسة الانسحاب من «شرق السويس».

الملك المؤسس يحيط به عدد من الموظفين المقيمين في «أرامكو» بالظهران

النفط أولاً: الامتياز

على مدى أكثر من تسعين عاماً، ترسخت العلاقات السعودية - الأميركية على أساس المصالح الاقتصادية، ومعها تمّ بناء شراكة سياسية على الصعيد الدولي قائمة على الموثوقية. بدأت العلاقات في مرحلة تاريخية مهمّة بالنسبة للبلدين؛ فبعد عام واحد من توحيد السعودية، (23 سبتمبر «أيلول» 1932) أبرمت المملكة في 29 مايو (أيار) عام 1933 اتفاقية الامتياز للتنقيب عن النفط مع شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» (سوكال).

فبتفويض من الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وقّع عبد الله السليمان، وزير المالية، باسم السعودية، اتفاقية التنقيب عن النفط، مع شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» (سوكال) (شيفرون حالياً)، التي مثّلها لويد هاملتون، وتم إنشاء شركة تابعة لها سميت «كاليفورنيا أرابيان ستاندارد أويل كومباني» (كاسوك) لإدارة هذه الاتفاقية.

كانت مدة اتفاقية الامتياز التي منحتها الحكومة السعودية لشركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» 60 سنة. وفي عام 1973، اشترت الحكومة السعودية حصة قدرها 25 في المائة في شركة «أرامكو» وزادت هذه الحصة لتصل إلى 60 في المائة في العام التالي، وفي عام 1980، امتلكت الحكومة السعودية كامل حصة شركة «أرامكو»، وفي 1988 تأسست رسمياً «شركة الزيت العربية السعودية – أرامكو».

أميركيون في الظهران

اقتصر وجود الأميركيين في الخليج منذ نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، على نشاط «الإرسالية الأميركية» التي نظمّت رحلات في منطقة الخليج والعراق واليمن، وكانت الصبغة العامة لهذا النشاط إرسال المبشرين والوفود الطبّية. وفي حين عرفت البحرين المجاورة النشاط التبشيري الأميركي منذ عام 1890، حيث وصل مبشران أميركيان ومبشرة أسترالية، وقدموا خدمات طبية في مقرّ البعثة، استدعى ذلك وصول أطباء، ثمّ في عام 1903 افتتحت البعثة أول مستشفى للإرسالية في الخليج باسم مستشفى «ميسون» وكان يضم 24 سريراً. وفي الفترة نفسها تقريباً (1914)، افتتحت البعثة مستشفى الإرسالية الأميركية العربية في الكويت.

وصول أول عائلتين أميركيتين للالتحاق بأزواجهن العاملين في استكشاف النفط بالظهران 1937

لكنّ الأميركيين التبشيريين لم يكن لهم نشاط يُذكر في الأراضي السعودية، كان الاتصال الأول بين البلدين من بوابة النفط. فمن خلالها، أقيمت واحدة من أبرز الشراكات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

وبتوقيع اتفاقية الامتياز في 1933، توافد وصول الوفود الأميركيين إلى السعودية، وكانت الدفعة الأولى عبارة عن خبراء حطوا رحالهم في الظهران شرق السعودية، كما استدعى ذلك وصول طلائع المستكشفين الأميركيين في عام 1935، حيث باشروا عمليات المسح في الصحاري القاحلة، وأخفقت أعمال حفر الآبار في بدايتها، ولم تسجل نجاحاً يُذكر، إلى أن قررت شركة «سوكال» عام 1937 الاستعانة بمشورة كبير الجيولوجيين الأميركيين فيها ماكس ستاينكي، حيث أسفرت جهوده في عام 1938 في اكتشاف النفط بكميات تجارية.

كبير الجيولوجيين الأميركيين ماكس ستاينكي الذي أسفرت جهوده عام 1938 عن اكتشاف النفط بكميات تجارية في السعودية (أرشيفية)

ومثلّ الرابع من مارس (آذار) 1938 لحظة حاسمة في تاريخ السعودية، وتاريخ صناعة النفط على المستوى العالمي، ففي هذا اليوم تدفق النفط من أول بئر اختبارية في الظهران، أُطلق عليها «بئر الدمام رقم 7»، لينصّب السعودية كأكبر دولة في احتياطي النفط، وأهم مصادر الطاقة على مستوى العالم. هذه البئر، التي جرى حفرها إلى عمق 1441 متراً، تقع على التل المعروف باسم جبل الظهران، وعُرفت فيما بعد باسم «بئر الخير».

وتتويجاً لعصر جديد، اتجه الملك عبد العزيز في ربيع 1939، يصحبه وفدٌ كبير إلى الظهران مجتازاً صحراء الدهناء ذات الرمال الحمراء حتى وصل إلى شرق البلاد على الخليج العربي، وتزامن توقيت زيارة الملك عبد العزيز مع اكتمال خط الأنابيب الذي امتد من حقل الدمام إلى ميناء رأس تنورة، بطول 69 كيلومتراً، حيث رست ناقلة النفط التي أدار الملك عبد العزيز الصمام بيده لتعبئتها بأول شحنة من النفط السعودي. وهكذا، كانت هذه أول شحنة من الزيت الخام تصدرها المملكة على متن ناقلة في الأول من مايو 1939.

الملك عبد العزيز يستعد لفتح الصمام لتصدير النفط السعودي إلى العالم عبر الناقلة «د جي سكوفيلد» في 1 مايو 1939

الشراكة الاستراتيجية: «لقاء كوينسي»

صاحَب التدفق التدريجي للنفط اشتعال الحرب العالمية الثانية، التي فتحت أعين العالم على أهمية الطاقة والمكانة التي تحتلها السعودية كأهم مصادر الطاقة، ومثلت نهاية الحرب فرصة لمزيد من التنقيب في الأماكن البرية، ولأول أيضاً في المياه الإقليمية للمملكة.

بالإضافة للنفط، وجدت الولايات المتحدة في المملكة التي أرست دعائم وحدتها كأكبر دول الشرق الأوسط مساحة، تضم بين جنباتها الطاقة التي سيحتاج إليها العالم للنهوض بعد الحرب، كما تضم أهم المقدسات الإسلامية التي تثبت مكانتها بوصفها قبلة للمسلمين في العالم.

استبق الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت قبل نحو 82 يوماً من توقّف الحرب العالمية الثانية (أعلن عن توقفها يوم 8 مايو 1945، بتوقيع الألمان في برلين على اتفاقية الاستسلام للحلفاء)، بعقد أول لقاء مع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في (البحيرات المرّة) بقناة السويس، في 14 فبراير (شباط) 1945، وعُرف ذلك اللقاء التاريخي بـ«لقاء كوينسي» نسبةً إلى البارجة «يو إس إس كوينسي» التي عُقد على متنها، ومنذ ذلك اللقاء ترسخّت العلاقات السعودية - الأميركية.

عشية اللقاء التاريخي بين الزعيمين، الذي شهد عقد مشاورات مطولة تناولت أحداث العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان الخبراء الأميركيون، ومعهم عدد متزايد من العائلات، قد حطوا رحالهم بالفعل في شرق السعودية، وشكلّت الظهران في المنطقة الشرقية بالقرب من الخليج العربي، المحطة الأولى التي استقرت فيها أولى الجاليات الأميركية من المهندسين، والجيولوجيين، والفنيين الذين أرسلتهم شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» (سوكال) بعد توقيع اتفاقية الامتياز النفطي عام 1933.

مهندس أميركي وفريق عمل سعودي في طريقهم إلى معسكر الاستكشاف في الربع الخالي في سبتمبر 1952

سكنت هذه الجالية في مجمعات سكنية مغلقة، عُرفت لاحقاً باسم «كمباوند الظهران»، حيث وُفرت لهم مدارس، ونوادٍ، ومتاجر، وحتى كنائس صغيرة داخل المجمعات، منعزلة عن المجتمع المحلي آنذاك. وعاشوا حياة غربية إلى حد كبير داخل هذه المجمعات، وكان التفاعل بينهم وبين السعوديين في بداياته محدوداً، يقتصر غالباً على بيئة العمل، ورغم هذا التواصل المحدود، ورغم العزلة النسبية، فقد كان لهم دور في إدخال أنماط جديدة في الإدارة، والتعليم الفني، وأساليب الحياة الحديثة، خاصة في المدن التي نشأت حول النفط، وبمرور الوقت، بدأت العلاقات تتعمق بين الأميركيين والسعوديين، خاصة مع توسع «أرامكو»، وتطورت الجالية الأميركية لتشمل عائلات، ومعلمين، وأطباء، وإداريين.

ولإسكان عائلات موظفي الشركة الأجانب، تم شحن أول بيوت صغيرة متنقلة ومكيفة إلى المملكة العربية السعودية في يونيو (حزيران) 1936، وكانت تلك البيوت تحتوي على غرفتي نوم فقط. وتبع ذلك وصول أول زوجتين أميركيتين، هما: «أنيت هنري» و«نيلي كاربنتر»، إلى المنطقة الشرقية في أبريل (نيسان) 1937. وبنهاية عام 1938، بلغ عدد العاملين في الشركة 2745 شخصاً، بينهم 236 أميركياً و104 من جنسيات أخرى.

فرقة كشافة من أبناء الموظفين الأجانب في الظهران يلتقون بدوياً يروي لهم تقاليد الصحراء في مايو 1949 (أرشيف أرامكو)

ويؤرخ كتاب «الطاقة من خلال التاريخ المصور لمجتمع أرامكو السعودية» (The Energy Within A Photo History of the People of Saudi Aramco) (من إصدارات أرامكو) لوصول الدفعة الثانية من الزوجات الأميركيات، حاملات معهن أول الأطفال الأميركيين إلى المنطقة الشرقية، حيث وصلوا إلى ميناء الخبر في سبتمبر 1937، على متن قارب بريطاني - هندي من بومباي، من هؤلاء عائلة «ماكس ستاينكي»، لتلتحق النساء بأزواجهن في الظهران للإقامة معهم في اثنين من الأكواخ الستة التي تم تسليمها قبل ذلك التاريخ بعام كامل مع التكييف.

أتاح الحيّ السكني في الظهران «معسكر أرامكو» (كامب الظهران) للجاليات الأميركية التمتع ببيئة تشبه إلى حدٍّ كبير البيئات التي خلّفوها وراءهم في بلادهم في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، وتضاعف أعداد الأميركيين ضمن بيئات عمل «أرامكو» في الظهران ورأس تنورة وبقيق والجبيل، وغيرها. وحتى عام 1980، تاريخ امتلاك الحكومة السعودية كامل حصة «أرامكو»، وبدء الرحيل التدريجي للموظفين الأميركان وعائلاتهم، كانت العائلات الأميركية تتنقل داخل الأحياء السكنية في حواضر المنطقة الشرقية، وتنشأ بينهم وبين المجتمعات المحلية أواصر التعارف والصداقة والتبادل الثقافي، في أجواء من التسامح.

وإذا كانت حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، أحدثت في العالم، وفي الولايات المتحدة خصوصاً، ما عُرف بـ«صدمة النفط» عندما قررت الدول العربية المصدرة للنفط إعلان «حظر نفطي» على الدول الغربية على خلفية الحرب مع إسرائيل، مما تسبب في ارتفاع أسعار المحروقات في الغرب، فإن هذه الحادثة أكدت للولايات المتحدة الأهمية الاستراتيجية للسعودية في خريطة الشرق الأوسط، والعالم، بوصفها ركيزة مهمة للسياسة، والمصدر الأكثر موثوقية لإمداد العالم بالطاقة.

ومن بوابة النفط مجدداً، توّثقت العلاقات السعودية - الأميركية، وشكلت سياسة الاعتدال السعودي شريكاً يُعتد به خلال الحرب الباردة، وتوثقت أواصر التعاون في المجالات العسكرية والأمنية والاستراتيجية، خاصة في المنعطفات السياسية المهمة التي مرّت بها منطقة الخليج منذ قيام الثورة الإيرانية (1979) والحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988)، وغزو الكويت (1990 - 1991)، والتطورات السياسية التي عصفت بالمنطقة، وخاصة فترة الحرب على الإرهاب التي أضرت بمصالح البلدين، وأثبتت السعودية أنها أهم ركائز الاستقرار في منطقة تموج بالاضطرابات.


مقالات ذات صلة

النفط يواصل خسائره مع آمال بانفراج أزمة مضيق هرمز

الاقتصاد ناقلة نفط راسية في ميناء الفجيرة (رويترز)

النفط يواصل خسائره مع آمال بانفراج أزمة مضيق هرمز

تراجعت أسعار النفط، يوم الخميس، لتواصل سلسلة خسائرها، وسط آمال بأن تفضي المحادثات بين إيران وقطر إلى فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل في محطة كيندر مورغان في لوس أنجليس (رويترز)

ارتفاع مخزونات النفط الأميركية بأقل من التوقعات... وبرنت يقلص خسائره

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، ارتفاع مخزونات النفط الخام الأميركية، بينما انخفضت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية خلال الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ناقلة نفط صغيرة تبحر بالقرب من مصفاة نفط في منطقة بجنوب طوكيو (رويترز)

اليابان لدعم خطوط أنابيب نفط بديلة في الشرق الأوسط

تخطط اليابان لتقديم دعم لخطوط أنابيب بديلة في الشرق الأوسط، في إطار سعيها لتعزيز أمن الطاقة عقب حرب إيران، وفق ما ذكرت وسائل إعلام محلية الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد صهاريج لتخزين النفط في مصفاة نفط تابعة لشركة إيسار أويل الهندية في فادنار بالهند (رويترز)

المصافي الهندية توسع البحث عن النفط مع نقص الإمدادات الروسية

تتجه المصافي الهندية إلى خفض مشترياتها من الخام الروسي بعد بلوغها مستويات مرتفعة، مع تضرر تدفقات النفط من روسيا، أكبر مورد للهند، من جراء الهجمات الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 3.7 % لتصل إلى 84.83 دولار للبرميل كما انخفضت العقود الآجلة للخام الأميركي 3.8 % لتصل إلى 79.75 دولار (رويترز)

الخام الأميركي دون 80 دولاراً وسط آمال بإعادة فتح مضيق هرمز

واصلت أسعار النفط خسائرها خلال جلسة الأربعاء، متراجعة بأكثر من 3 في المائة، وهو أدنى مستوى لها في أسبوعين، وسط تفاؤل بمحادثات إعادة فتح مضق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)

في أقوى إشارة من نوعها... وارش يفتح الباب أمام رفع الفائدة الأميركية

رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)
TT

في أقوى إشارة من نوعها... وارش يفتح الباب أمام رفع الفائدة الأميركية

رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)

وجه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفن وارش، أقوى إشارة حتى الآن إلى احتمال الحاجة لرفع أسعار الفائدة إذا استمر التضخم فوق المستوى المستهدف، مؤكداً أن البنك المركزي سيكون أمامه «عمل يتعين القيام به» ما لم يقتنع صناع السياسة بأن الضغوط السعرية الأساسية تتجه بوضوح وبسرعة كافية نحو هدف 2 في المائة.

وجاءت تصريحات وارش، الجمعة، خلال أول خطاب رئيسي له في ندوة «جاكسون هول» الاقتصادية منذ توليه رئاسة «الفيدرالي»، لتمنح الأسواق بعض الإجابات عن موقفه من التضخم، وإن تجنب تقديم جدول زمني لرفع الفائدة أو صياغة مسار محدد للسياسة النقدية.

وقال وارش: «يجب أن نكون واثقين بأن التضخم الأساسي يتحرك نحو هدفنا، بوضوح وبسرعة كافية. وإلا فسيكون أمامنا عمل يتعين القيام به. هذه وظيفتنا ومهمتنا والتكليف الذي يجب أن نلتزم به». وتكتسب هذه الرسالة أهمية كبيرة بعدما أبقى «الفيدرالي» سعر الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة منذ ديسمبر (كانون الأول)، في وقت لم يظهر فيه التضخم تقدماً كافياً نحو هدف البنك المركزي.

وحسب مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، المقياس المفضل لدى «الفيدرالي»، بلغ التضخم 3.7 في المائة على أساس سنوي في يوليو (تموز). وقال وارش إن التقدم المحقق في خفض التضخم خلال العامين الماضيين كان «متواضعاً»، وإن البيانات الأخيرة لا تشير إلى تحسن جوهري في الاتجاهات الأساسية للأسعار. ولفت إلى أن نحو نصف مكونات سلة السلع والخدمات في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي ترتفع حالياً بمعدل سنوي يتجاوز 3 في المائة. ورغم أن هذه النسبة أقل مما سجل خلال موجة التضخم التي أعقبت جائحة «كوفيد-19»، فإنها تظل أعلى من المعدلات التي كانت سائدة قبل الجائحة.

هذه القراءة دفعت وارش إلى الاقتراب أكثر من طرح إمكانية تشديد السياسة النقدية، خصوصاً بعدما أقر بأن الظروف المالية الحالية لا تبدو مقيدة بدرجة كبيرة للنشاط الاقتصادي. وقال إن الاقتصاد الأميركي لا يزال يظهر قدرة على الصمود، وإن أسواق الائتمان والقروض لا تقدم سوى «إشارات قليلة» إلى أن السياسة النقدية الحالية تمارس قيوداً قوية. ويمكن أن تشكل هذه الملاحظة أساساً لحجة داخل «الفيدرالي» مفادها أن سعر الفائدة الحالي ليس مرتفعاً بما يكفي لإعادة التضخم إلى الهدف.

وأكد وارش أيضاً أن أسعار الفائدة قصيرة الأجل تظل «الأداة الرئيسية» لتحقيق التفويض المزدوج للبنك المركزي، والمتمثل في استقرار الأسعار ودعم سوق العمل، وهو تصريح يكتسب أهمية بعدما ركز في الأشهر الأولى من رئاسته على مراجعة الإطار الأوسع للسياسة النقدية والتغيرات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد.

وكان وارش قد شكل 5 فرق عمل لدراسة قضايا طويلة الأجل، من بينها التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. لكنه شدد على أن توصيات هذه الفرق ستصدر لاحقاً ولن يكون لها تأثير على القرارات المطلوبة في الظروف الحالية، في محاولة للفصل بين إعادة التفكير في مستقبل السياسة النقدية وبين الحاجة الفورية للتعامل مع التضخم.

واستجابت الأسواق سريعاً للرسالة. فقد رفع المتعاملون احتمالات زيادة الفائدة في اجتماع «الفيدرالي» يومي 15 و16 سبتمبر (أيلول) إلى نحو 50 في المائة، مقارنة بنحو 40 في المائة في وقت سابق الجمعة. وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، إلى أعلى مستوى له في نحو شهر، فيما وسعت الأسهم الأميركية مكاسبها بشكل طفيف.

وقبل الخطاب، كانت الأسواق تمنح احتمالاً بنحو الثلث لرفع الفائدة الشهر المقبل، في حين كانت احتمالات حدوث زيادة بحلول اجتماع 8 و9 ديسمبر تتجاوز 90 في المائة.

ويعكس تحول التسعير في الأسواق إدراك المستثمرين أن النقاش داخل «الفيدرالي» لم يعد يدور فقط حول المدة التي يجب أن تبقى فيها الفائدة مرتفعة، وإنما حول ما إذا كانت هناك حاجة إلى تشديد إضافي. وكان اجتماع يوليو قد كشف بالفعل عن انقسام متزايد، بعدما عارض ثلاثة من صناع السياسة قرار الإبقاء على الفائدة دون تغيير، مفضلين تشديد السياسة النقدية.

ورغم لهجته الأكثر صرامة، حرص وارش على عدم إلزام البنك المركزي بمسار مسبق. وأكد أن تصريحاته لا ينبغي تفسيرها باعتبارها «توجيهاً مستقبلياً»، كما رفض تقديم ما يسميه المستثمرون «دالة رد فعل» تحدد مسبقاً كيفية استجابة «الفيدرالي» لمختلف البيانات الاقتصادية.

ويرى وارش أن مثل هذه الالتزامات قد لا تكون مناسبة أو قابلة للتطبيق بدقة في بيئة اقتصادية سريعة التغير. لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية أن يحصل البنك المركزي على إشارات سوقية «واضحة وغير مصفاة قدر الإمكان» عند تحديد السياسة النقدية. وتأتي هذه الملاحظة في وقت تحظى فيه العلاقة بين السياسة النقدية وأسواق السندات باهتمام متزايد، إلا أن وارش لم يتطرق مباشرة إلى تدخلات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الأخيرة في الأسواق.

وفي ملف آخر بالغ الحساسية، قال وارش إن توقعات التضخم لا تزال مستقرة في الوقت الراهن، لكنه شدد على ضرورة مراقبتها عن كثب. وأكد أن من مسؤولية «الفيدرالي» منع توقعات المستهلكين والشركات للأسعار من الانفلات؛ لأن فقدان الثقة في قدرة البنك المركزي على إعادة التضخم إلى 2 في المائة قد يجعل المهمة أكثر صعوبة وكلفة.

وهذا ما يجعل بيانات أغسطس (آب) المقبلة حاسمة. فمن المقرر صدور أرقام البطالة ونمو الوظائف والتضخم الاستهلاكي في أوائل سبتمبر، وستشكل آخر مجموعة كبيرة من المؤشرات قبل اجتماع البنك المركزي. فإذا أظهرت البيانات استمرار قوة الاقتصاد وسوق العمل بالتزامن مع ثبات التضخم عند مستويات مرتفعة، فقد تتعزز الحجج المؤيدة لرفع الفائدة إلى نطاق 3.75 إلى 4 في المائة. أما إذا ظهرت علامات واضحة على تباطؤ النشاط أو سوق العمل، فقد يصبح القرار أكثر تعقيداً.

ويبدو أن الرسالة الأساسية من «جاكسون هول» هي أن وارش لا يريد منح الأسواق مساراً مضموناً للفائدة، لكنه في الوقت نفسه لم يعد يخفي قلقه من ضعف التقدم في مكافحة التضخم.

وبين اقتصاد لا يزال متماسكاً، وأسواق ائتمان لا تبدو مقيدة، وتضخم يفوق الهدف منذ أكثر من خمس سنوات، أصبح خيار رفع الفائدة مطروحاً بصورة أكثر وضوحاً. وهكذا ينتقل الاختبار الآن من خطاب «جاكسون هول» إلى بيانات أغسطس. فإذا أكدت الأرقام أن التضخم لا يتحرك نحو 2 في المائة «بسرعة كافية»، فإن عبارة وارش بأن أمام «الفيدرالي عملاً يتعين القيام به» قد تتحول سريعاً من تحذير للأسواق إلى قرار فعلي برفع تكلفة الاقتراض.


«هيئة العقار» لـ«الشرق الأوسط»: اهتمام كبير من المستثمرين الدوليين بالسوق السعودية

TT

«هيئة العقار» لـ«الشرق الأوسط»: اهتمام كبير من المستثمرين الدوليين بالسوق السعودية

مشاركون في معرض العقارات السعودية الفاخرة بلندن يستمعون إلى شرح حول أحد المشروعات (الشرق الأوسط)
مشاركون في معرض العقارات السعودية الفاخرة بلندن يستمعون إلى شرح حول أحد المشروعات (الشرق الأوسط)

تدخل السوق العقارية السعودية مرحلة جديدة من الانفتاح على رؤوس الأموال الدولية، مدفوعة بالتنظيمات الجديدة لتملك غير السعوديين للعقار وتحديد النطاقات الجغرافية المشمولة بالتملك، في خطوة تعزز مساعي المملكة لترسيخ موقعها وجهةً عالمية للاستثمار العقاري، وسط اهتمام متزايد من المستثمرين الدوليين والصناديق الاستثمارية.

وتتطلع جهات حكومية وعدد من شركات التطوير العقاري لجذب مستثمرين للسوق السعودي من خلال المشاركة في النسخة الأولى من «معرض العقارات السعودية الفاخرة»، وذلك بشراكة استراتيجية مع الهيئة العامة للعقار، وبمشاركة عدد من المطورين العقاريين السعوديين، إلى جانب مستثمرين ومكاتب عائلية ومختصين في القطاع من بريطانيا والأسواق الدولية.

وقال تيسير المفرج، المتحدث الرسمي للهيئة العامة للعقار، إن مشاركة الهيئة في معرض العقارات السعودية الفاخرة تأتي انطلاقاً من دورها في رفع مستوى الوعي بالمنظومة العقارية الجديدة، ولا سيما نظام تملك غير السعوديين للعقار، الذي أُقر أخيراً في المملكة، إلى جانب التعريف بالنطاقات الجغرافية الخاصة بالتملك.

وأوضح المفرج في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الحضور في المعرض يتجاوز التعريف بالنظام إلى التواصل المباشر مع المستثمرين والإجابة عن استفساراتهم، وتوضيح المسار الذي يمر به المستفيد، سواء كان مشترياً أو مستثمراً أو وسيطاً عقارياً، وصولاً إلى إتمام التعاملات المرتبطة بتملك غير السعوديين.

وأشار إلى أن منصة «عقارات السعودية» تمثل قناة رئيسية للتعاملات العقارية المرتبطة بالنظام، موضحاً أن الهيئة تعمل من خلال مشاركتها على تعريف المستثمرين بـ«رحلة العميل» وآليات التعامل مع المنصة، بما يوفر صورة أكثر وضوحاً للراغبين في دخول السوق السعودية والاستفادة من الفرص المتاحة فيها.

اهتمام الصناديق الدولية

ولم تقتصر مشاركة الهيئة على جناحها في المعرض، إذ نظمت على هامشه سلسلة من ورش العمل والجلسات والطاولات المستديرة الموجهة بصورة مباشرة إلى المستثمرين، بالتعاون مع عدد من الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص في السعودية.

وكشف المفرج عن تنظيم طاولة مستديرة خصصت للمستثمرين من الصناديق الاستثمارية الدولية، بمشاركة مجلس الأعمال السعودي البريطاني، في مؤشر على الاهتمام المتنامي باستقطاب رؤوس الأموال المؤسسية إلى القطاع العقاري السعودي، بالتوازي مع توسيع قاعدة المستثمرين المستهدفين من التنظيمات الجديدة.

وقال إن هذه اللقاءات أتاحت فرصة للحوار المباشر مع المستثمرين والاستماع إلى استفساراتهم بشأن آليات التملك والفرص المتاحة وطبيعة السوق، في وقت تشهد فيه البيئة التنظيمية للقطاع تحولات تستهدف تعزيز الشفافية ورفع جاذبية السوق أمام المستثمرين من داخل المملكة وخارجها.

جانب من معرض العقارات السعودية الفاخرة الذي انطلق في العاصمة البريطانية لندن (الشرق الأوسط)

الرياض وجدة... ومكة والمدينة

وحسب المفرج، أظهرت مشاركة الهيئة مستوى مرتفعاً من الاهتمام بنظام تملك غير السعوديين، سواء من جانب المستثمرين أو زوار المعرض والباحثين عن عقارات في المملكة.

ولفت إلى أن الاهتمام لا يتركز على الرياض وجدة فحسب، بل يمتد إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، اللتين تحظيان باهتمام خاص بالنظر إلى مكانتهما الدينية وطبيعة الطلب العقاري فيهما.

وقال: «لمسنا أثراً كبيراً جداً في رفع الوعي من المستثمرين والزوار وحتى الباحثين عن العقارات في المملكة»، مشيراً إلى أن الاستفسارات شملت المدن الرئيسية، وفي مقدمتها الرياض وجدة، إضافة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وتكتسب هذه التحركات أهمية مع سعي السعودية إلى توسيع مساهمة القطاع العقاري في الاقتصاد وتنويع قنوات الاستثمار، بالتزامن مع المشروعات الكبرى والتوسع الحضري والنمو السكاني والاقتصادي الذي تشهده مدن المملكة.

«وجهة للاستثمار العقاري في العالم»

ووصف المفرج مستوى الإقبال على المعرض بأنه مرتفع، مشيراً إلى حضور لافت للمستثمرين ووسائل الإعلام والمؤثرين، وهو ما اعتبره انعكاساً للتحول الذي تشهده صورة السوق العقارية السعودية لدى المستثمرين من الخارج.

وقال إن ما شهده المعرض «يدل فعلياً على أن المملكة العربية السعودية أصبحت وجهة للاستثمار العقاري في العالم»، لافتاً إلى وجود رغبة كبيرة لدى المستثمرين والباحثين عن العقارات، سواء لأغراض الاستثمار أو التملك والسكن.

ويأتي الاهتمام الدولي بالقطاع في مرحلة تشهد فيها السوق العقارية السعودية إعادة تشكيل واسعة لمنظومتها التنظيمية والاستثمارية، مع انتقال التركيز من مجرد توفير الفرص العقارية إلى بناء بيئة أكثر وضوحاً للمستثمر، تبدأ من معرفة المناطق المتاحة للتملك وتمتد إلى الإجراءات والمنصات التي تمر عبرها العملية الاستثمارية.

ويرى المفرج أن توقيت المعرض يتزامن مع هذه التحولات، ما جعله منصة لرفع الوعي بالتنظيمات الجديدة والتواصل المباشر مع المستثمرين، مؤكداً أن الفعالية جاءت «في وقت وزمان مناسب جداً»، وأسهمت في التعريف بنظام التملك في المملكة.

ويعكس الحضور المتزايد للمستثمرين الدوليين تحولاً أوسع في السوق السعودية، إذ لم تعد الفرص العقارية مرتبطة بالطلب المحلي وحده، بل باتت المملكة تسعى إلى تقديم قطاعها العقاري بوصفه إحدى قنوات جذب الاستثمار الدولي، مستفيدة من الإصلاحات التنظيمية والمشروعات الكبرى والتحولات التي تشهدها المدن السعودية في إطار مستهدفات «رؤية السعودية 2030».


الصين تراهن على «الروبوتات البشرية» قبل نضج السوق

روبوتات بشرية في سباق 100 متر عدو بدورة الألعاب الروبوتية المقامة بالعاصمة الصينية بكين (أ.ب)
روبوتات بشرية في سباق 100 متر عدو بدورة الألعاب الروبوتية المقامة بالعاصمة الصينية بكين (أ.ب)
TT

الصين تراهن على «الروبوتات البشرية» قبل نضج السوق

روبوتات بشرية في سباق 100 متر عدو بدورة الألعاب الروبوتية المقامة بالعاصمة الصينية بكين (أ.ب)
روبوتات بشرية في سباق 100 متر عدو بدورة الألعاب الروبوتية المقامة بالعاصمة الصينية بكين (أ.ب)

تراهن الصين على أن الروبوتات البشرية ستكون واحدة من الصناعات التي تعيد تشكيل اقتصادها وسوق العمل خلال العقد المقبل، لكن الواقع الحالي يكشف فجوة كبيرة بين الطموح والقدرة الفعلية لهذه الآلات على العمل بكفاءة خارج العروض الاستعراضية والمهام البسيطة؛ ففي مراكز التدريب الصينية، يجري إنفاق ملايين الدولارات على تعليم الروبوتات كيفية فرز الصناديق وتعبئة المنتجات وإعداد القهوة، لكن الأداء لا يزال بطيئاً ومحدوداً.

وفي أحد مراكز التدريب بمدينة ليوتشو، يمكن للمدرب المبتدئ أن يحتاج إلى مئات المحاولات للحصول على حركة واحدة قابلة للاستخدام، بينما لا تزال الروبوتات عاجزة عن التكيف بسهولة عندما تتغير الإضاءة أو زاوية الرؤية أو الأدوات أو بيئة العمل. وهنا تظهر المشكلة الأساسية؛ وهي أن الصين تمتلك بعضاً من أفضل سلاسل توريد الروبوتات في العالم، لكنها لم تحل بعد معضلة «العقل» الذي يجعل هذه الآلات قادرة على التصرف بمرونة مثل الإنسان، بحسب تقرير لـ«رويترز».

وقال تانغ وينبين، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «يوانلي لينغجي»، إن «معدل ذكاء هذه الروبوتات منخفض للغاية»، مضيفاً أن كثيراً مما يظهر في العروض العامة ليس سوى «رقص مقنع بالعمل».

• صناعة تسبق طلبها

يبلغ عدد شركات الروبوتات البشرية في الصين أكثر من 150 شركة، وهو رقم يتجاوز عدد العلامات التجارية الصينية للسيارات الكهربائية. وفي العام الماضي، شحنت الصناعة نحو 20 ألف روبوت بشري عالمياً، استحوذت الشركات الصينية على 95 في المائة منها، وفق تقديرات «بنك أوف أميركا غلوبال ريسيرش».

وتتوقع الصين إنتاج أكثر من 100 ألف روبوت بشري هذا العام، بينما يتوقع «بنك أوف أميركا» أن تصل الشحنات العالمية السنوية إلى 1.2 مليون وحدة بحلول 2030.

لكن هذه الأرقام تخفي سؤالاً اقتصادياً أكثر حساسية: «من يشتري هذه الروبوتات اليوم، ولماذا؟». وحتى الآن، يعتمد جانب كبير من الطلب على المشتريات الحكومية والدعم، وليس على الشركات التي توصلت إلى جدوى اقتصادية واضحة من استخدامها.

وأظهرت بيانات المشتريات العامة أن الحكومات الوطنية والإقليمية والمحلية أنفقت ما لا يقل عن 230 مليون دولار على الروبوتات البشرية والمعدات المرتبطة بها خلال النصف الأول من العام، مقارنة بـ62 مليون دولار قبل عام، و6 ملايين دولار فقط في الفترة نفسها من 2024.

كما تخطط «ستيت غريد» لإنفاق نحو مليار دولار على روبوتات بشرية وكلاب آلية وأنظمة ثنائية الذراع لصيانة الشبكات وفحص المحطات، فيما تستهدف شنتشن إنشاء مجمع صناعي للروبوتات بقيمة 15 مليار دولار يضم أكثر من 1200 شركة بحلول العام المقبل.

• تكرار نموذج

السيارات الكهربائية الاستراتيجية الصينية مألوفة؛ فقد استخدمت بكين نهجاً مشابهاً في السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية، من دعم قطاع استراتيجي، وزيادة الطاقة الإنتاجية سريعاً، وإشعال منافسة محلية قوية، ثم دفع الأسعار إلى الانخفاض حتى تظهر مجموعة محدودة من الشركات القادرة على المنافسة عالمياً.

لكن الاختلاف هذه المرة أن السيارات الكهربائية والألواح الشمسية كانت تقنيات أكثر نضجاً عندما بدأت الصين توسعها الكبير، بينما لا تزال الروبوتات البشرية في مرحلة مبكرة، وتعاني من مشكلات في الموثوقية والذكاء والمهارة والتكلفة. ولهذا تعتبر ليزي لي، الباحثة في الاقتصاد الصيني بـ«معهد سياسات جمعية آسيا»، أن الهدر ليس مجرد نتيجة جانبية للنموذج الصناعي الصيني، بل جزء من آلية اكتشاف الشركات الأقوى... إلا أنها حذرت من أن فائض الطاقة الإنتاجية «سهل الإنشاء وصعب التفكيك».

وقد تبدأ عملية دمج واسعة في القطاع بدءاً من أواخر 2026 أو 2027، عندما يقل الدعم وتتجه السلطات إلى تركيز مواردها على اللاعبين الأكثر قدرة على البقاء.

• أين الجدوى الاقتصادية؟

في المصانع، تظل الروبوتات الصناعية التقليدية أكثر كفاءة في كثير من المهام؛ فهي أسرع وأسهل في البرمجة وأكثر موثوقية من الروبوتات البشرية، خصوصاً في خطوط الإنتاج المتكررة. وفي مصنع «شاومي» للسيارات الكهربائية في بكين، تتم أتمتة نحو 91 في المائة من عمليات التجميع، باستخدام مئات الروبوتات الصناعية التقليدية. كما تقول «جيلي» إن الأذرع الروبوتية والمركبات الآلية لا تزال تتولى المهام الرئيسية في خطوط الإنتاج، رغم اختبارها روبوتات بشرية في مهام فرز المواد ونقل الصناديق.

ويرى محللون أن الاستخدام الأقرب للجدوى في الأجل القصير سيكون في المهام الخطرة والمتكررة والمنظمة، وليس في الأعمال العامة التي تحتاج إلى حدس بشري. ويظهر بعض التطبيقات التجارية المبكرة في الصيدليات، حيث تستخدم شركة «غالْبوت» روبوتات لاختيار المنتجات من الأرفف وتجهيز الطلبات. وتقول الشركة إن معدل نجاحها يتجاوز 95 في المائة، لكن هذه التطبيقات تظل محدودة ومصممة لمهام متكررة في بيئات شبه منظمة.

لكن التحدي الأكبر قد لا يكون في بناء جسم الروبوت، بل في تدريبه؛ فالروبوت البشري يحتاج إلى ما يسمى نماذج «الرؤية - اللغة - الحركة»، التي يجب أن ترى العالم وتفهمه، ثم تحول ذلك إلى حركة دقيقة. وهذه النماذج أصعب بكثير من النماذج اللغوية التي تشغل روبوتات المحادثة. وبحسب تقديرات قطاعية، لا يتوفر حالياً سوى نحو 500 ألف ساعة من بيانات التدريب عالية الجودة، بينما قد تحتاج الصناعة إلى نحو 100 مليون ساعة للوصول إلى مستوى حقيقي من الذكاء الفيزيائي. وهذا يفسر اندفاع الصين إلى بناء قواعد ضخمة من الروبوتات ومراكز التدريب؛ فكل روبوت إضافي يعني مزيداً من البيانات التي يمكن استخدامها لتحسين النماذج.

• فقاعة أم استثمار استراتيجي؟

الأسواق المالية دخلت أيضاً في موجة الحماس، فقد قفز سهم «يونيتري» بأكثر من 5 أضعاف في أول يوم تداول في شنغهاي هذا الشهر، قبل أن يتراجع لاحقاً، ما أثار مخاوف بشأن تضخم التقييمات. ويرى بعض المؤسسين والمستثمرين أن القطاع يشبه «فقاعة»، لكنهم في الوقت نفسه لا يستبعدون أن يخرج منها عدد محدود من الشركات الصينية القوية، كما حدث في السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية. وتتراجع الأسعار بالفعل بسرعة؛ إذ تتوقع «مورغان ستانلي» انخفاض متوسط سعر الروبوت البشري بنحو 15 في المائة هذا العام، بينما هبطت أسعار تأجير روبوتات العروض الراقصة إلى ما بين 440 و600 دولار يومياً مقارنة بنحو 1500 دولار سابقاً. ومع ذلك، قد تستفيد الصين حتى من الانهيارات المستقبلية في السوق؛ فإذا فشلت شركات عديدة، فستبقى سلاسل التوريد والمكونات وخبرات التصنيع داخل البلاد، ما قد يمنح الشركات الناجية ميزة يصعب على المنافسين الأجانب مجاراتها.

ولهذا فإن رهان الصين على الروبوتات البشرية لا يبدو رهاناً على ربح سريع، بل على السيطرة المبكرة على سلسلة توريد قد تصبح استراتيجية في المستقبل. لكن السؤال يبقى مفتوحاً: «هل تستطيع الصين تحويل هذا التفوق الصناعي إلى روبوتات قادرة فعلاً على العمل بكفاءة؟ أم أن وفرة رأس المال والمصانع ستسبق الذكاء والطلب لسنوات؟». وحتى الآن، توحي التجربة بأن الروبوتات البشرية ليست جاهزة لأخذ وظائف البشر على نطاق واسع. لكنها قد تصبح، خلال السنوات القليلة المقبلة، أكثر قدرة على تولي المهام المتكررة والخطرة، وهو ما يجعل المرحلة الحالية أقل شبهاً بثورة مكتملة، وأكثر شبهاً بسباق مكلف لاكتشاف من سيظل واقفاً عندما تنحسر موجة الدعم والحماس.