نمو هش في منطقة اليورو مع اقتراب قطاع الخدمات من الركود

وسط مخاوف الرسوم وضعف الطلب في ألمانيا وفرنسا

مقهى بوسط مدينة روندا - إسبانيا (رويترز)
مقهى بوسط مدينة روندا - إسبانيا (رويترز)
TT

نمو هش في منطقة اليورو مع اقتراب قطاع الخدمات من الركود

مقهى بوسط مدينة روندا - إسبانيا (رويترز)
مقهى بوسط مدينة روندا - إسبانيا (رويترز)

أظهر مسح حديث أن اقتصاد منطقة اليورو واصل نموه خلال أبريل (نيسان)، لكن بوتيرة أضعف، وسط تراجع الطلب واقتراب قطاع الخدمات من الركود، ما يعكس هشاشة التعافي الاقتصادي بالمنطقة.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات العالمي لمنطقة اليورو التابع لشركة «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى 50.4 من 50.9 في مارس (آذار)، ليظل أعلى بقليل من عتبة 50 التي تفصل النمو عن الانكماش، وفق «رويترز».

وقال سايروس دي لا روبيا، كبير الاقتصاديين في بنك «هامبورغ التجاري»: «تباطأ نمو اقتصاد منطقة اليورو مع بداية الربع الثاني بعد الانتعاش المسجّل في الربع الأول. قطاع الخدمات، الذي يُعدّ العمود الفقري للاقتصاد، شهد شبه ركود في أبريل».

وانخفض مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات إلى 50.1 نقطة، مقارنة مع 51.0 في مارس، مسجلاً أدنى مستوى له في 5 أشهر، بينما بقي أعلى قليلاً من المستوى المحايد. كما تراجع تفاؤل شركات الخدمات بشأن المستقبل، إذ انخفض مؤشر توقعات الأعمال إلى 55.1 نقطة من 57.8، وهو أدنى مستوى منذ أواخر عام 2022.

واستمر ضعف الطلب للشهر الحادي عشر توالياً، بوتيرة أسرع قليلاً من مارس، مع تراجع المبيعات لدى المصنعين ومقدمي الخدمات على حد سواء. وانخفض مؤشر الأعمال الجديدة إلى 49.1 نقطة، مقابل 49.5، في حين تباطأت وتيرة انخفاض طلبات التصدير إلى أدنى مستوى لها منذ نحو 3 سنوات.

وفي محاولة للحفاظ على مستويات النشاط، لجأت الشركات إلى تنفيذ الأعمال المتراكمة، بينما واصلت الطلبات القائمة تراجعها للشهر الخامس والعشرين على التوالي.

ورغم النمو المحدود، ارتفع التوظيف في أنحاء منطقة اليورو للشهر الثاني على التوالي، إلا أن هذه الزيادة اقتصرت على قطاع الخدمات، بينما واصل قطاع الصناعة تقليص الوظائف للشهر الثالث والعشرين على التوالي.

وسجّل المسح تبايناً لافتاً بين دول منطقة اليورو؛ فقد تصدّرت آيرلندا النمو بمؤشر بلغ 54.0 نقطة، رغم تراجعه إلى أدنى مستوى في شهرين، تلتها إسبانيا عند 52.5، ثم إيطاليا عند 52.1، وهو أعلى مستوى في 11 شهراً. أما ألمانيا فسجّلت نمواً هامشياً بلغ 50.1 نقطة، في حين واصلت فرنسا الانكماش عند 47.8 نقطة.

وعلى صعيد التضخم، أظهرت بيانات أبريل مزيداً من التباطؤ في تضخم تكاليف المدخلات وأسعار الإنتاج، حيث تراجعت الضغوط إلى أدنى مستوياتها في 5 أشهر. وقال دي لا روبيا: «تراجع تضخم أسعار البيع مستمر، وقد أشار عدد من مسؤولي البنك المركزي الأوروبي إلى احتمال خفض أسعار الفائدة في يونيو (حزيران)، وتدعم هذه البيانات موقفهم».

وفي ألمانيا، عاد قطاع الخدمات إلى الانكماش في أبريل بعد 4 أشهر من النمو، بفعل تراجع نشاط الأعمال، نتيجة المخاوف المرتبطة بالرسوم الجمركية.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات النهائي لقطاع الخدمات الصادر عن «إتش سي أو بي» إلى 49 نقطة في أبريل، مقارنة بـ50.9 في مارس، ليعود دون عتبة النمو البالغة 50 نقطة. وجاءت القراءة النهائية أعلى قليلاً من التقدير الأولي البالغ 48.8 نقطة.

وكان هذا التراجع في النشاط الأسرع منذ فبراير (شباط) 2024، مدفوعاً بضعف الطلب وتراجع إنفاق المستهلكين. وانخفضت الأعمال الجديدة التي تلقتها شركات الخدمات الألمانية للشهر الثامن على التوالي، رغم أن وتيرة التراجع كانت أبطأ من تلك المسجلة في مارس.

وأشار المشاركون في الاستطلاع إلى ضعف عام بالبيئة الاقتصادية، إلى جانب مخاوف مزدادة بشأن الرسوم الجمركية وعدم اليقين السياسي والاقتصادي، بوصفها عوامل مؤثرة. كما تراجعت ثقة الشركات بشكل ملحوظ، حيث أعربت 25 في المائة فقط من الشركات عن تفاؤلها إزاء التوقعات، مقارنة بـ22 في المائة أعربت عن نظرة متشائمة.

ورغم هذا التباطؤ، سجل التوظيف في قطاع الخدمات الألماني أسرع وتيرة نمو منذ ما يقرب من عام، ما يبرز التباين بين الأداء الحالي وتوسّع سوق العمل.

وقال دي لا روبيا: «للوهلة الأولى، لا يبدو المستقبل مشرقاً للغاية»، مشيراً إلى تراجع الأعمال الجديدة، وتقلص الأعمال المتراكمة، وعدم وجود مؤشرات على انتعاش وشيك في الصادرات. وأضاف: «لكن الشركات لا تزال تُوظّف، وقد تسارع نمو الوظائف للشهر الثاني على التوالي. من الواضح أنها ليست مستعدة للاستسلام بعد». وأشار أيضاً إلى أن الصندوق الحكومي الألماني الجديد للبنية التحتية بقيمة 500 مليار يورو، إلى جانب زيادة الإنفاق الاجتماعي، قد يُسهمان في تخفيف بعض التحديات.

وسجل مؤشر مديري المشتريات المركب لألمانيا، الذي يشمل قطاعي الخدمات والتصنيع، 50.1 نقطة في أبريل، انخفاضاً من 51.3 في مارس، ما يشير إلى حالة من الركود في القطاع الخاص، حيث قابل تراجع نشاط الخدمات تسارعاً في الإنتاج الصناعي.

أما في فرنسا، فقد استمر انكماش قطاع الخدمات، الذي يُعد المحرك الرئيسي للاقتصاد، للشهر الثامن على التوالي في أبريل، وسط تراجع حاد في الطلبات الجديدة.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات في فرنسا إلى 47.3 نقطة في أبريل، من 47.9 في مارس، مشيراً إلى وتيرة انكماش أسرع. وجاءت القراءة النهائية أعلى قليلاً من التقدير الأولي البالغ 46.8 نقطة.

ووفقاً للمسح، تواصلت وتيرة التراجع السريعة في الطلبات الجديدة، وسط ضعف مستمر في ظروف الطلب، بينما ظلت الضغوط التنافسية تكبح الأسعار.

وقال جوناس فيلدهوزن، الخبير الاقتصادي المساعد في بنك «هامبورغ التجاري»: «شهد أبريل شهراً آخر من تراجع النشاط في القطاع الخاص الفرنسي. لا يزال قطاع الخدمات الفرنسي في مسار هبوطي». وأضاف: «انخفض نشاط الأعمال مجدداً في أبريل نتيجة تراجع الطلب وتدهور أوضاع السوق بشكل عام».

ورغم استمرار الانكماش، أبدت بعض شركات الخدمات الفرنسية تفاؤلاً طفيفاً بشأن آفاق الاثني عشر شهراً المقبلة، وإن بقيت مستويات الثقة دون المتوسطات التاريخية في ظل حالة من عدم اليقين العالمي.

في المقابل، واصل التوظيف في هذا القطاع تراجعه، إذ أشارت الشركات إلى اللجوء لتجميد التعيينات، وعدم تعويض المغادرين بوصف ذلك استراتيجية لتقليص حجم القوى العاملة.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات المركب في فرنسا، الذي يضم قطاعي الخدمات والصناعة، إلى 47.8 نقطة في أبريل، مقابل 48 في مارس. وجاءت القراءة النهائية أعلى من التقدير الأولي البالغ 47.3 نقطة.


مقالات ذات صلة

رئيس البنك الدولي يحذّر من فجوة 800 مليون وظيفة تهدد الدول النامية

الاقتصاد أجاي بانغا يُجري مقابلة مع وكالة «رويترز» بمقر البنك الدولي في واشنطن (رويترز)

رئيس البنك الدولي يحذّر من فجوة 800 مليون وظيفة تهدد الدول النامية

حذّر رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، من أزمة وشيكة بسوق العمل العالمية، مشيراً إلى فجوة هائلة في فرص العمل تهدد الدول النامية خلال السنوات المقبلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد تظهر لافتات اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي لعام 2026 خارج مقر الصندوق في واشنطن (أ.ف.ب)

اجتماعات الربيع تنطلق في واشنطن على وقع فشل «دبلوماسية إسلام آباد»

يشد صناّع السياسة الاقتصادية العالمية الرحال إلى واشنطن، يوم الاثنين، لتقييم ومعالجة الأضرار الجسيمة التي خلّفتها الحرب على إيران في مفاصل النمو العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد بانغا يلقي كلمة في منتدى عُقد بمبنى المجلس الأطلسي بواشنطن في 7 أبريل (رويترز)

رئيس البنك الدولي: تداعيات الحرب «متسلسلة» حتى لو صمد وقف إطلاق النار

حذر رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، من أن الحرب في الشرق الأوسط سيكون لها تأثير متسلسل على الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار بنك كوريا على قمة مبناه في سيول (رويترز)

بنك كوريا يثبّت الفائدة ويحذّر من ضبابية اقتصادية بسبب الحرب

أبقى البنك المركزي الكوري الجنوبي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، يوم الجمعة، محذّراً من مسار اقتصادي شديد الضبابية، في ظل اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد ميناء الحاويات في لونغ بيتش كاليفورنيا (رويترز)

بعد تخفيض التقديرات... الاقتصاد الأميركي ينمو 0.5 % في الربع الأخير

أعلنت وزارة التجارة الأميركية، الخميس، أن الاقتصاد الذي تباطأ نموه نتيجة الإغلاق الحكومي خريف العام الماضي، نما بمعدل سنوي ضعيف بلغ 0.5% خلال الربع الأخير.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.