لبنان يستعيد جزئياً الترقّبات الدولية الإيجابية لنمو الناتج المحلي

بعد انكماش تراكمي من 51 إلى 28 مليار دولار خلال 5 سنوات

مقر جمعية مصارف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
مقر جمعية مصارف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

لبنان يستعيد جزئياً الترقّبات الدولية الإيجابية لنمو الناتج المحلي

مقر جمعية مصارف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
مقر جمعية مصارف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)

تتشارك مؤسسات مالية وإنمائية دولية في رفع منسوب الترقبات الإيجابية الخاصة بالاقتصاد اللبناني، من دون التخلي عن موجبات التحوّط والحذر، ربطاً بفاعلية واستهدافات التغييرات السياسية الكبيرة بعد انتهاء الحرب، وشروع السلطات التنفيذية والتشريعية في ترجمة التعهدات بتنفيذ إصلاحات بنيوية واسعة النطاق، إلى جانب إنعاش التواصل والمفاوضات الهادفة إلى عقد اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي.

نمو للمرة الأولى منذ 2017

وتوقّع البنك الدولي، في تقرير محدث، أن يسجّل لبنان، وللمرة الأولى منذ عام 2017، نموّاً اقتصادياً نسبته 4.7 في المائة خلال العام الحالي، مدعوماً برزمة من الإصلاحات وتعافي القطاع السياحي والتحسّن في الاستهلاك وتدفّقات محدودة لإعادة الإعمار، ومحفزاً بتشكيل حكومة جديدة ملتزمة بالإصلاحات، مما شكّل فرصة مهمّة لمعالجة أزماته من خلال خطة تعافٍ شاملة.

بدوره، وضع صندوق النقد الدولي حداً فاصلاً لتباين التقديرات بشأن حجم الناتج المحلي اللبناني، ليحددها عند مستوى 28.28 مليار دولار بنهاية العام الماضي، عقب احتساب حصيلة رحلة الانكماش المتواصلة خلال خمس سنوات متتالية، التي أفضت إلى هبوط حاد من سقف 50.93 مليار دولار عشية انفجار الأزمات المالية والنقدية، أي ما يوازي خسارة 22.65 مليار دولار.

ويمثّل صدور التقدير عن المرجعية الدولية مؤشراً موثوقاً لدى المؤسسات المالية ووكالات التقييم الائتماني، كما لدى السلطات المحلية والقطاع المالي، بخلاف الاعتماد على تحليلات متعارضة استنتج بعضها انحدار حجم الاقتصاد الوطني إلى عتبة قريبة من 20 مليار دولار، في حين قلّل بعضها الآخر من حدّة نسب الانكماش الفعلي، استناداً إلى صعوبات تتبع بيانات نمو الاقتصاد النقدي الذي يتعدى مستوى 10 مليارات دولار، وسيطرة الاقتصاد الموازي على حصة وازنة من الأنشطة وتدفق الأموال والمعاملات التجارية من خارج القطاع المالي الشرعي.

الوفد اللبناني المشارك في اجتماع الربيع بواشنطن (إكس)

«الإسكوا»

بالتوازي، تم تحديث الترقبات الخاصة بالاقتصاد اللبناني ضمن التقارير الدورية الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغربي آسيا (الإسكوا)، لتحمل توقعات بنموّ الناتج المحلّي الإجمالي بنسبة 1.4 في المائة خلال العام الحالي، يتبعه نمو أعلى يبلغ 2.1 في المائة للعام المقبل، ضمن سيناريو متمحور حول انتهاء العدوان الإسرائيلي على البلاد، مع توقّعات بانخفاض معدّلات التضخّم من 52.5 في المائة خلال العام الماضي إلى 10 في المائة خلال العام الحالي، و5 في المائة للعام المقبل.

ومن المتوقّع، وفق تقرير «الإسكوا»، أن ينخفض العجز المالي إلى نسبة 9.2 في المائة من الناتج المحلي خلال العام الحالي، ثم إلى نسبة 7.4 في المائة في العام المقبل، بعدما بلغ نسبة 12في المائة خلال العام الماضي قبل التحسّن الطارئ على الوضع الاقتصادي والسياسي والأمني بعد الحرب. في حين قدّر صندوق النقد الدولي بأن يكون العجز في الحساب الجاري قد تحسّن من نسبة 23.9 في المائة من الناتج المحلّي في عام 2023، إلى ما نسبته 18.2في المائة بنهاية العام الماضي.

وفي المقابل، تستمر توقعات نمو الناتج للسنوات المقبلة رهينة التطورات الداخلية ومدى نجاح العهد الجديد وحكومته الأولى، بعدما أشار البنك الدولي إلى توسع نسبة انكماش الناتج المحلي إلى 7.1 في المائة خلال العام الماضي، بفعل اندلاع الحرب ونتائجها، لترتفع حصيلة التراجع التراكمي للاقتصاد منذ عام 2019، إلى ما يقارب 40 في المائة، ممّا زاد من حجم الأزمة المتعددّة الأبعاد التي تعاني منها البلاد.

وتظل نقطة الضعف في مقاربات المؤسسات الدولية كامنة في توصيف حال «عدم اليقين»، الذي لا يزال طاغياً على النظرة المستقبلية الخاصة بلبنان واقتصاده، حسب مسؤول مالي معني، ولا سيما مع تواصل العوامل المربكة على الصعيدَيْن السيادي والسياسي وزحمة الاستحقاقات التي تنكب السلطة التنفيذية على مواكبتها تحت وطأة ضغوط ملفات شائكة، وفي مقدمها «حصرية السلاح» ومكافحة الأنشطة الاقتصادية والمالية غير المشروعة ووضع مقاربة فعّالة وعادلة لاحتواء الفجوة المالية البالغة نحو 72 مليار دولار، تُضاف إليها مبالغ تناهز 11 مليار دولار لاحتياجات الإعمار بعد الحرب الأخيرة.

وبالفعل، حجب صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الناتج المحلي اللبناني للأعوام المقبلة وحتى سنة 2030، متذرعاً باستمرار «الضبابية الشديدة» حول الأوضاع الاقتصادية. في حين قدّر نسبة الانكماش المحقّقة خلال العام الماضي عند مستوى 7.5 في المائة، بعد انكماش جزئي بنسبة 0.7 في المائة للعام 2023، وتسجيل نمو متواضع في العامَيْن 2021 و2022 بنسبة 2 و1 في المائة على التوالي.

اجتماع في السراي الحكومي حضره وفد من صندوق النقد الدولي برئاسة الممثل المقيم له في لبنان فريدريكو ليما (إكس)

فائض محدود في الموازنة

وفي سياق متصل، توقّع البنك الدولي تسجيل فائض محدود في الموازنة العامة بنسبة 0.5 في المائة خلال العام الماضي، نتيجة تحصيل إيرادات أكثر من المتوقّع ووضع قيود على الإنفاق، حيث بلغت الإيرادات الحكوميّة، والمكونة بنسبة 77 في المائة من الإيرادات الضريبية، نسبة 15.3 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، متخطّيةً بذلك الأهداف الموضوعة في قانون الموازنة بفضل التحسّن في الجباية.

كما أشار إلى أنّ متوسّط التضخّم السنويّ تراجع إلى 45.2 في المائة خلال العام الماضي، بعدما بلغ حدود 221.3 في المائة في عام 2023، و171.2 في المائة في عام 2022، وذلك بفضل استقرار سعر الصرف. في حين يستمر معدّل العمالة بالتراجع قياساً بعدد المؤهلين للعمل من السكان، حيث يُرتقب أن يصل إلى 37.6 في المائة خلال العام الحالي، مكرساً مسار الهبوط المتدرج من مستواه الضعيف أساساً، والبالغ 40.5 في المائة بنهاية عام 2022.


مقالات ذات صلة

نتنياهو: قواتنا ستواصل استهداف «حزب الله»

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس - 19 مارس 2026 (رويترز)

نتنياهو: قواتنا ستواصل استهداف «حزب الله»

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، إن الجيش يواصل ضرب جماعة «حزب الله» اللبنانية، وإنه على ‌وشك «اجتياح» منطقة ‌بنت جبيل في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي مركبات ومدرعات عسكرية إسرائيلية أمام مبانٍ مدمرة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يشترط وقف النار قبل استئناف المفاوضات مع إسرائيل

تعرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضغوط متعددة لمطالبة إسرائيل بوقف النار

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي جنود إسرائيليون بجوار مركبات مدفعية قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية شمال إسرائيل 15 أبريل 2026 (رويترز)

الجيش الإسرائيلي تلقّى أمراً بقتل أي عنصر ﻟ«حزب الله» في جنوب «الليطاني» بلبنان

تلقى الجيش الإسرائيلي أمراً بقتل أي عنصر في «حزب الله» في منطقة بجنوب لبنان تمتد من الحدود الإسرائيلية اللبنانية حتى نهر الليطاني الذي يبعد 30 كلم شمالاً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي أشخاص يزيلون حطام سيارة من موقع استهدافها بغارة إسرائيلية في بلدة السعديات جنوب بيروت (إ.ب.أ)

غارات من الجنوب إلى الساحل: لبنان تحت تصعيد متعدد الجبهات

تتسارع وتيرة التصعيد العسكري في لبنان غداة الاجتماع اللبناني - الإسرائيلي المباشر، مع توسّع غير مسبوق في رقعة العمليات من عمق الجنوب إلى الساحل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري روبيو يتحدث خلال استقبال سفيري لبنان وإسرائيل في «الخارجية» الأميركية (رويترز)

تحليل إخباري بدء المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية يحاصر «حزب الله» فكيف سيتصرف؟

المشهد السياسي الذي ترتب على لقاء السفيرين يبقى خاضعاً للميدان ويتوقف مصير وقف النار على ما ستنتهي إليه المواجهة العسكرية بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي

محمد شقير (بيروت)

«السيادي» السعودي يُقر استراتيجية تعزز الاقتصاد


الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)
الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)
TT

«السيادي» السعودي يُقر استراتيجية تعزز الاقتصاد


الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)
الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)

أقرّ مجلس إدارة «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة الصندوق، استراتيجية جديدة للأعوام 2026 – 2030، في تحوّل نوعي من مرحلة «التوسّع السريع» إلى تركيز جوهري على تحقيق القيمة المستدامة وتعظيم الأثر الاقتصادي.

وترتكز الاستراتيجية الجديدة على ثلاث محافظ رئيسية: الأولى «محفظة الرؤية» لتطوير منظومات اقتصادية تشمل السياحة، والصناعة، والطاقة المتجددة، والتطوير الحضري، و«نيوم»، بينما تركز «محفظة الاستثمارات الاستراتيجية» على تعظيم عوائد الأصول ودعم تحوّل شركات الصندوق لكيانات عالمية رائدة. أما «محفظة الاستثمارات المالية» فتهدف إلى تحقيق عوائد مستدامة وتنويع الاستثمارات عالمياً.


صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)
كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)
كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، الأربعاء، إن الصندوق لا يناقش حالياً زيادة برنامج القروض المقدم لمصر الذي يبلغ 8 مليارات دولار، والمُبرم منذ عامين، وذلك على الرغم من التأثير الشديد للحرب في الشرق الأوسط على اقتصاد البلاد.

وأوضحت في مؤتمر صحافي أن الصندوق قد ينظر في تقديم مزيد من المساعدات لمصر إذا ساءت الأوضاع أكثر. وأشادت بجهود السلطات المصرية في مجال الإصلاحات والسياسات.


وزراء مالية يطلقون من واشنطن تحذيراً: الصراع يهدد الاقتصاد العالمي

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)
TT

وزراء مالية يطلقون من واشنطن تحذيراً: الصراع يهدد الاقتصاد العالمي

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

دعا وزراء مالية من نحو 12 دولة، بقيادة بريطانيا، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يوم الأربعاء، إلى التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار. وأكد الوزراء أن الصراع سيظل يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي والأسواق حتى لو تم حله قريباً.

جاء هذا البيان المشترك، الذي وقّعه وزراء من أستراليا واليابان والسويد وهولندا وفنلندا وإسبانيا والنرويج وآيرلندا وبولندا ونيوزيلندا بالإضافة إلى بريطانيا، بعد يوم واحد من قيام صندوق النقد الدولي بخفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بسبب الحرب. ووصف البيان الخسائر في الأرواح الناجمة عن الحرب بأنها «غير مقبولة».

التهديدات الاقتصادية وأمن الطاقة

وجاء في البيان: «إن تجدد الأعمال العدائية، أو اتساع نطاق الصراع، أو استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز من شأنه أن يشكل مخاطر إضافية جسيمة على أمن الطاقة العالمي، وسلاسل التوريد، والاستقرار الاقتصادي والمالي».

وأشار الوزراء في البيان الصادر خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، إلى أنه «حتى مع وجود حل دائم للصراع، فإن التأثيرات على النمو والتضخم والأسواق ستستمر».

الالتزام بالمسؤولية المالية ورفض الحمائية

واستحضاراً لذكرى الارتفاع الهائل في الديون العامة خلال جائحة «كوفيد-19» والغزو الروسي لأوكرانيا، تعهَّد الوزراء بالتزام المسؤولية المالية في أي دعم جديد، على أن يكون موجهاً فقط إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه. كما دعوا جميع الدول إلى تجنب الإجراءات الحمائية، بما في ذلك ضوابط التصدير غير المبررة وتخزين السلع والعوائق التجارية الأخرى في سلاسل توريد الهيدروكربونات المتضررة من الأزمة.

التوترات السياسية

واصلت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، انتقاداتها للاستراتيجية الأميركية في حرب إيران، واصفةً إياها بـ«الحماقة»، ومؤكدةً ضرورة إنهاء الصراع الذي لم تدعمه لندن. وقالت ريفز في تصريح منفصل: «إن وقف إطلاق النار المستدام وتجنب ردود الفعل المتهورة هما المفتاح للحد من التكاليف على الأسر».

من جانبه، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الثلاثاء، من انتقاداته الحكومة البريطانية لعدم انضمامها إلى الحرب، ملمحاً إلى أن الاتفاق التجاري بين البلدين «يمكن دائماً تغييره». ومع ذلك، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم الأربعاء، أنه لن يرضخ لضغوط ترمب للانخراط في الصراع.