اليابان تلوح بورقة «السندات الأميركية» في المحادثات التجارية

طوكيو رفضت عرضاً من واشنطن... وتأمل في اتفاق قريب

كبير المفاوضين التجاريين اليابانيين ريوسي أكازاوا ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ووزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك والممثل التجاري جيميسون غرير في صورة خلال محادثات التجارة في واشنطن يوم الخميس (أ.ف.ب)
كبير المفاوضين التجاريين اليابانيين ريوسي أكازاوا ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ووزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك والممثل التجاري جيميسون غرير في صورة خلال محادثات التجارة في واشنطن يوم الخميس (أ.ف.ب)
TT

اليابان تلوح بورقة «السندات الأميركية» في المحادثات التجارية

كبير المفاوضين التجاريين اليابانيين ريوسي أكازاوا ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ووزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك والممثل التجاري جيميسون غرير في صورة خلال محادثات التجارة في واشنطن يوم الخميس (أ.ف.ب)
كبير المفاوضين التجاريين اليابانيين ريوسي أكازاوا ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ووزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك والممثل التجاري جيميسون غرير في صورة خلال محادثات التجارة في واشنطن يوم الخميس (أ.ف.ب)

قال كاتسونوبو كاتو وزير المالية الياباني، يوم الجمعة، إن اليابان قد تستخدم حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية، التي تزيد قيمتها على تريليون دولار، ورقةً في محادثات التجارة مع واشنطن، رافعاً بذلك لأول مرة صراحةً نفوذَها بوصفها دائناً كبيراً للولايات المتحدة.

وفي حين لم يهدِّد كاتو ببيع حيازات اليابان من السندات، فإن تصريحاته تُثير قلقاً بالغاً لدى المستثمرين العالميين بشأن ما قد تفعله اليابان والصين، أكبر مالكين لديون الحكومة الأميركية، في سعيهما للحصول على تنازلات جمركية من إدارة ترمب.

ويأتي ذلك بينما أفادت صحيفة «نيكي» اليابانية، يوم الجمعة، بأن مفاوضي الرسوم الجمركية الأميركيين قدَّموا إطار عمل لاتفاقية تجارية إلى نظرائهم اليابانيين، مع تحفظهم على خفض الرسوم الجمركية على السيارات والصلب والألمنيوم... إلا أن المفاوضين اليابانيين عارضوا بشدة الاقتراح الأميركي.

وشهدت سوق سندات الخزانة الأميركية موجة بيع عالمية ضخمة، الشهر الماضي، بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 2 أبريل (نيسان) فرض رسوم جمركية شاملة على الشركاء التجاريين، بمَن فيهم حلفاء استراتيجيون رئيسيون؛ مثل اليابان.

وصرَّح كاتو، في مقابلة تلفزيونية، بأن الغرض الرئيسي من حيازات اليابان لسندات الخزانة الأميركية - وهي الأكبر في العالم - هو ضمان امتلاكها سيولة كافية للتدخل في سوق الين عند الضرورة.

وعندما سُئل عمّا إذا كانت اليابان، في محادثاتها التجارية مع الولايات المتحدة، قادرة على طمأنة واشنطن بأنها لن تبيع حيازاتها من سندات الخزانة في السوق، قال: «من الواضح أننا بحاجة إلى وضع جميع الأوراق على الطاولة في المفاوضات. قد يكون ذلك من بين هذه الأوراق... لكن استخدامنا لهذه الورقة بالفعل مسألة مختلفة».

يذكر أن اليابان هي أكثر دولة أجنبية في العالم تمتلك سندات خزانة أميركية، ولديها نحو 1.27 تريليون دولار من الاحتياطات الأجنبية. وبينما لا تكشف الحكومة تركيبة هذه الاحتياطات، فإن المحللين يقدرون أن معظمها في أدوات الدين الأميركية. ووجود اليابان والصين في سوق سندات الخزانة يجعلهما محط اهتمام كبير كلما ارتفعت عائدات السندات الأميركية، على الرغم من قلة المعلومات المتوفرة عن نشاطهما التجاري.

وفي حين يُنظر إلى اليابان، بوصفها حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة، على أنها أقل ميلاً لاستخدام حيازاتها من سندات الخزانة أداةً للتفاوض، يتوقع بعض المحللين أن الصين قد تسيّل حيازاتها خياراً «انتقامياً» مع تصاعد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة.

وحتى الآن، لا توجد سوى دلائل قليلة على حدوث موجة بيع واسعة النطاق. فقد أظهرت بيانات وزارة الخزانة الأميركية، الشهر الماضي، ارتفاع الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة الأميركية بنسبة 3.4 في المائة في فبراير (شباط)، حيث عزَّزت اليابان والصين مراكزهما في سندات الدين الأميركية.

ولكن التلميحات إلى الحضور الضخم في سوق السندات الأميركية قد تكون سلاحاً رئيسياً لليابان، التي لا تملك نفوذاً يُذكر خارج هذا الإطار نظراً لاعتماد اقتصادها الكبير على سوق السيارات الأميركية.

وقال مارتن ويتون، رئيس استراتيجية الأسواق المالية في «ويستباك» بسيدني: «إن اللعب بالورقة مبكراً، بينما لا تزال تقلبات سوق السندات الأميركية حاضرةً في أذهان إدارة ترمب بعد الأسابيع الأخيرة، خطوةٌ ذكيةٌ». وأضاف: «ليس عليهم فعل أي شيء. لكن يمكنهم وضع أنفسهم في موقف قوي للتفاوض. إنها، في النهاية، فن إبرام الصفقات».

وقال كبير المفاوضين التجاريين اليابانيين، ريوسي أكازاوا، إنه عزَّز المحادثات بشأن التجارة، والتدابير غير الجمركية، والتعاون الأمني ​​الاقتصادي، في جولته الثانية من المحادثات مع وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت في واشنطن يوم الخميس. كما قال إن الجانبين يأملان في عقد اجتماعهما المقبل في منتصف مايو (أيار).

وكان انخفاض أسعار سندات الخزانة الأميركية في أبريل من بين العوامل التي دفعت ترمب إلى إعلان تعليق مؤقت لمدة 90 يوماً لخطته «المتبادلة» للرسوم الجمركية، ومن المرجح أن يلعب بيسنت دوراً رئيسياً في المفاوضات، وفقاً لمصادر مقربة من البيت الأبيض.

وإلى جانب الرسوم الجمركية، واجهت اليابان أيضاً انتقادات من ترمب بأنها تُضعف الين عمداً لمنح صادراتها ميزة تجارية - وهو اتهام تنفيه طوكيو. وصرَّح كاتو بأن اجتماعه مع بيسنت، الأسبوع الماضي، لم يناقش أي سعر صرف مرغوب فيه أو أي إطار عمل محتمل للتحكم في تحركات العملات.

ويقول المحللون إن حيازات اليابان الضخمة من سندات الخزانة يمكن استخدامها أيضاً «أداة مساومة» في أي خلافات بين واشنطن وطوكيو بشأن العملات.

وقال ناكا ماتسوزاوا، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي في شركة «نومورا» للأوراق المالية في طوكيو: «إنها ورقة رابحة في المفاوضات. لن يقتصر الأمر على تسطيح منحنى عائد السندات في البلدين فحسب، بل سيهم أيضاً في تجنب طلبات مبالغ فيها أخرى مثل رفع قيمة الين بشكل مصطنع... ولكن في الوقت نفسه، هناك حدود لمثل هذه التهديدات، إذ إن التخلص من سندات الخزانة سيضر باليابان والصين من خلال تعطيل الأسواق، والتسبب في خسائر فادحة في حيازاتهما المتبقية».

وقال ناثان شيتس، وكيل وزارة الخارجية الأميركية السابق للشؤون الدولية، الذي يشغل حالياً منصب كبير الاقتصاديين العالميين في «سيتي للأبحاث»: «نظراً للضرر الذي ستلحقه اليابان والصين بنفسيهما نتيجة بيع حيازاتهما من سندات الخزانة الأميركية، لم تكن هذه مسألةً تُطرح في الماضي... لكن على الدول استخدام جميع الأدوات المتاحة لها».

وصرَّحت كاثي جونز، الخبيرة الاقتصادية لدى مؤسسة «شارلز شواب» للخدمات المالية، ومقرها في نيويورك، بأن «مناقشة هذا الأمر بشكل علني هي تكتيك خطير للغاية». وأضافت في تصريحات أوردتها وكالة «بلومبرغ»، أن «مجرد التهديد باتخاذ هذه الخطوة قد تكون له تداعيات في سوق سندات الخزانة، وأعتقد أن المسؤولين اليابانيين أذكياء بما يكفي بحيث يعرفون أن المضي قدماً في هذه الخطوة يمكن أن يكون ضاراً باقتصادهم».


مقالات ذات صلة

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

الاقتصاد متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، الجمعة، التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل بالعملة الأجنبية عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
الاقتصاد محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)

اليابان تحذّر من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد لـ«حرب إيران»

ذكرت الحكومة اليابانية أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية طويلة الأمد على الاقتصاد خلال الفصول القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد جانب من اجتماعات منظمة التجارة العالمية في العاصمة الكاميرونية ياوندي (رويترز)

محادثات إصلاح «منظمة التجارة العالمية» تواجه عقبة أميركية - هندية

قال دبلوماسيان لوكالة «رويترز»، الجمعة، إن خلافات كبير لا تزال قائمة بين معظم الدول والولايات المتحدة والهند، فيما يخص مناقشة الإصلاحات بمنظمة التجارة العالمية.

«الشرق الأوسط» (ياوندي (الكاميرون))
الاقتصاد شعار مجموعة «سوفت بنك» على أحد متاجرها في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

«سوفت بنك» تحصل على قرض بـ40 مليار دولار لتعزيز استثماراتها في «أوبن إيه آي»

أعلنت مجموعة «سوفت بنك» أنها حصلت على قرض مؤقت بقيمة 40 مليار دولار لدعم استثماراتها في شركة «أوبن إيه آي».

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.