أوروبا الحذرة من ترمب تواجه معضلة أمن الطاقة... فهل تعود إلى الغاز الروسي؟

خزانات وقود تحتوي على ديزل في موقع إنفرالونا الصناعي في ليونا بألمانيا (رويترز)
خزانات وقود تحتوي على ديزل في موقع إنفرالونا الصناعي في ليونا بألمانيا (رويترز)
TT

أوروبا الحذرة من ترمب تواجه معضلة أمن الطاقة... فهل تعود إلى الغاز الروسي؟

خزانات وقود تحتوي على ديزل في موقع إنفرالونا الصناعي في ليونا بألمانيا (رويترز)
خزانات وقود تحتوي على ديزل في موقع إنفرالونا الصناعي في ليونا بألمانيا (رويترز)

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الحرب الروسية - الأوكرانية، لا يزال أمن الطاقة في أوروبا هشاً. فقد ساعد الغاز الطبيعي المسال الأميركي في سد فجوة الإمدادات الروسية في أوروبا خلال أزمة الطاقة التي شهدتها أوروبا في الفترة 2022-2023.

ولكن الآن بعد أن هز الرئيس دونالد ترمب العلاقات مع أوروبا التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، وتحول إلى الطاقة كورقة مساومة في المفاوضات التجارية، تشعر الشركات بالقلق من أن الاعتماد على الولايات المتحدة أصبح نقطة ضعف أخرى.

وفي ظل هذه الخلفية، بدأ المديرون التنفيذيون في شركات الاتحاد الأوروبي الكبرى يقولون ما لم يكن من الممكن تصوره قبل عام: إن استيراد بعض الغاز الروسي، بما في ذلك من شركة «غازبروم» الروسية العملاقة التابعة للدولة الروسية، قد يكون فكرة جيدة.

وسيتطلب ذلك تحولاً كبيراً آخر في السياسة، نظراً لأن الحرب الروسية - الأوكرانية في عام 2022 جعلت الاتحاد الأوروبي يتعهد بإنهاء واردات الطاقة الروسية بحلول عام 2027.

لدى أوروبا خيارات محدودة. وقد توقفت المحادثات مع عملاق الغاز الطبيعي المسال «قطر للطاقة» للحصول على المزيد من الغاز، وبينما تسارع نشر مصادر الطاقة المتجددة، فإن المعدل ليس سريعاً بما يكفي للسماح للاتحاد الأوروبي بالشعور بالأمان.

وقال ديدييه هولو، نائب الرئيس التنفيذي في شركة «إنجي» الفرنسية، في مقابلة مع «رويترز»: «إذا كان هناك سلام معقول في أوكرانيا، يمكننا العودة إلى تدفقات تبلغ 60 مليار متر مكعب، وربما 70 مليار متر مكعب سنوياً، بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال».

تمتلك الدولة الفرنسية جزئياً شركة «إنجي» التي كانت من بين أكبر مشتري «غازبروم». وقال هولو إن روسيا يمكن أن تزود الاتحاد الأوروبي بنحو 20-25 في المائة من احتياجات الاتحاد الأوروبي، انخفاضاً من 40 في المائة قبل الحرب.

وحذَّر رئيس شركة النفط الفرنسية الكبرى «توتال إنرجيز»، باتريك بويان، أوروبا من الاعتماد المفرط على الغاز الأميركي. وقال لـ«رويترز»: «نحن بحاجة إلى تنويع مصادر الغاز، العديد من الطرق، وليس الإفراط في الاعتماد على طريق واحد أو اثنين». وتعد «توتال» من كبار مصدري الغاز الطبيعي المسال الأميركي وتبيع أيضاً الغاز الطبيعي المسال الروسي من شركة «نوفاتك» الخاصة.

وأضاف بويان: «لن تعود أوروبا أبداً إلى استيراد 150 مليار متر مكعب من روسيا كما كان الحال قبل الحرب... لكنني أراهن على 70 مليار متر مكعب ربما».

المحور الألماني

اعتمدت ألمانيا بشكل كبير على الغاز الروسي الرخيص للمساعدة في دفع قطاع التصنيع لديها حتى الحرب الأوكرانية ولديها خيارات أقل.

في مجمع لونا للكيميائيات، وهو أحد أكبر التجمعات الكيميائية في ألمانيا الذي يستضيف مصانع «داو» للكيميائيات و«شل» وغيرها، يقول بعض الصناع إن الغاز الروسي يجب أن يعود بسرعة.

وكانت روسيا تغطي 60 في المائة من الاحتياجات المحلية من خلال خط أنابيب «نورد ستريم» الذي تم تفجيره في عام 2022.

وقال كريستوف غونتر، المدير الإداري لشركة «إنفرالونا»، المشغلة للمجمع: «نحن في أزمة شديدة ولا يمكننا الانتظار». وأوضح أن صناعة الكيميائيات الألمانية قد خفضت الوظائف لخمسة أرباع متتالية، وهو أمر لم نشهده منذ عقود.

وقال: «إن إعادة فتح خطوط الأنابيب من شأنه أن يخفض الأسعار أكثر من أي برامج دعم حالية». وأضاف قائلاً: «إنه موضوع محظور»، قائلاً إن العديد من الزملاء اتفقوا على ضرورة العودة إلى الغاز الروسي.

وقد صوّت ثلث الألمان تقريباً للأحزاب الصديقة لروسيا في الانتخابات الفيدرالية في فبراير (شباط).

وفي ولاية مكلنبورغ-فوربومرن، وهي المنطقة الواقعة شرق ألمانيا حيث يأتي خط أنابيب نورد ستريم إلى الشاطئ بعد أن يمر من روسيا تحت بحر البلطيق، يريد 49 في المائة من الألمان العودة إلى إمدادات الغاز الروسي، حسبما أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد فورسا.

وقال كلاوس باور، المدير الإداري لشركة «لونا-هارزه»، وهي شركة متوسطة الحجم لصناعة البتروكيميائيات في «لونا بارك»: «نحن بحاجة إلى الغاز الروسي، نحن بحاجة إلى طاقة رخيصة - بغض النظر عن مصدرها. نحن بحاجة إلى نورد ستريم 2 لأن علينا أن نبقي تكاليف الطاقة تحت السيطرة».

كلاوس باور المدير الإداري لشركة «ليونا هارتسه» في مصنعها بألمانيا (رويترز)

وقال دانييل كيلر، وزير الاقتصاد في ولاية براندنبورغ - موطن مصفاة شفيدت التي تشارك في ملكيتها شركة النفط الروسية (روسنفت)، ولكنها تحت وصاية الحكومة الألمانية، إن الصناعة تريد من الحكومة الفيدرالية إيجاد طاقة رخيصة.

وقال كيلر: «يمكننا أن نتخيل استئناف تناول أو نقل النفط الروسي بعد إحلال السلام في أوكرانيا».

عامل ترمب

غطى الغاز الأميركي 16.7 في المائة من واردات الاتحاد الأوروبي العام الماضي - خلف النرويج بنسبة 33.6 في المائة وروسيا بنسبة 18.8 في المائة. وستنخفض حصة روسيا إلى أقل من 10 في المائة هذا العام بعد أن أغلقت أوكرانيا خطوط الأنابيب. التدفقات المتبقية هي في الأساس غاز طبيعي مسال من شركة «نوفاتك».

ويستعد الاتحاد الأوروبي لشراء المزيد من الغاز الطبيعي المسال الأميركي حيث يريد ترمب أن تخفض أوروبا فائضها التجاري مع الولايات المتحدة. وقال المفوض التجاري للاتحاد الأوروبي ماروس سيفكوفيتش الأسبوع الماضي: «بالتأكيد، سنحتاج إلى المزيد من الغاز الطبيعي المسال».

تصاعد البخار في موقع إنفرالونا الصناعي في لونا ألمانيا (رويترز)

وقالت تاتيانا ميتروفا، وهي زميلة أبحاث في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن حرب الرسوم الجمركية عززت قلق أوروبا بشأن الاعتماد على الغاز الأميركي. أضافت: «لقد أصبح من الصعب على نحو متزايد اعتبار الغاز الطبيعي المسال الأمريكي سلعة محايدة: في مرحلة معينة قد يصبح أداة جيوسياسية».

وقال آرني لومان راسموسن، كبير المحللين في «غلوبال ريسك مانجمنت»، إنه إذا تصاعدت الحرب التجارية، فهناك خطر ضئيل من أن الولايات المتحدة قد تتراجع عن تصدير الغاز الطبيعي المسال.

واتفق معه دبلوماسي كبير في الاتحاد الأوروبي، الذي تحدث شرط عدم الكشف عن هويته، قائلاً إنه لا يمكن لأحد أن يستبعد «استخدام هذا النفوذ».

وقال وارن باترسون، رئيس استراتيجية السلع في «آي إن جي»، إنه في حالة ارتفاع أسعار الغاز المحلي الأمريكي بسبب ارتفاع الطلب الصناعي والطلب على الذكاء الاصطناعي، يمكن للولايات المتحدة أن تقلص الصادرات إلى جميع الأسواق.

في عام 2022، حدد الاتحاد الأوروبي لنفسه هدفاً غير ملزم بإنهاء واردات الغاز الروسي بحلول عام 2027، لكنه أرجأ مرتين نشر خطط حول كيفية تحقيق ذلك. ورفض متحدث باسم المفوضية الأوروبية التعليق على تعليقات الشركات.

التحكيم

وقد رفع العديد من شركات الاتحاد الأوروبي قضايا تحكيم ضد شركة «غازبروم» بسبب عدم تسليم الغاز في أعقاب الحرب الأوكرانية. وحكمت المحاكم على شركة «يونبير» الألمانية وشركة «أو إم في» النمساوية بمبلغ 14 مليار يورو و230 مليون يورو على التوالي. وطالبت شركة «آر دبليو إي» الألمانية بمبلغ 2 مليار يورو، بينما لم تكشف شركة «إنجي» وشركات أخرى عن مطالبتها.

وقال هوللو من شركة «إنجي» إن كييف يمكن أن تسمح لروسيا بإرسال الغاز عبر أوكرانيا لتلبية مدفوعات التحكيم كنقطة بداية لاستئناف العلاقات التعاقدية مع «غازبروم». أضاف: «أنتم (غازبروم) تريدون العودة إلى السوق؟ جيد جداً، ولكننا لن نوقع عقداً جديداً إذا لم تدفعوا التعويضات».

وتقلق عودة الغاز الروسي ماكسيم تيمتشينكو، رئيس شركة DTEK، شركة الغاز الأوكرانية الخاصة، التي تأمل في استيراد الغاز الطبيعي المسال الأميركي إلى مخازن أوكرانيا وتصديره إلى أوروبا. وقال تيمتشينكو: «من الصعب التعليق، كوني أوكرانياً، ولكن أملي هو أن السياسيين الأوروبيين تعلموا دروسهم في التعامل مع روسيا».


مقالات ذات صلة

الفلبين تعلن اكتشاف كمية «مهمة» من الغاز الطبيعي قبالة سواحلها

الاقتصاد منصة غاز في عرض البحر (رويترز)

الفلبين تعلن اكتشاف كمية «مهمة» من الغاز الطبيعي قبالة سواحلها

أعلن الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس، الاثنين، أنه تم اكتشاف كمية «مهمة» من الغاز الطبيعي قرب الموقع البحري الوحيد المنتج للغاز في الأرخبيل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)

دعوات في ألمانيا تحث الاتحاد الأوروبي على وقف واردات الطاقة الأميركية

دعت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر الألماني، كاتارينا دروجه، الاتحاد الأوروبي لأن يدرس وقف واردات الطاقة من الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد وزير الخارجية المصري (الوسط) ونظيره اليوناني (يسار) ونظيره القبرص (يمين) في مؤتمر صحافي في القاهرة (إ.ب.أ)

مصر وقبرص واليونان تنهي العديد من الاتفاقات لنقل الغاز

أعلنت دول مصر وقبرص واليونان، الأحد، الانتهاء من العديد من الاتفاقات والالتزامات القانونية لنقل الغاز.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد صهريج لتخزين النفط تابع لشركة «بتروليوس دي فنزويلا» (رويترز)

فنزويلا تعلن توقيع عقد لتسويق الغاز المسال لأول مرة في تاريخها

وقعت فنزويلا، السبت، ولأول مرة في تاريخها، عقداً لتصدير الغاز المسال.

«الشرق الأوسط» (كاراكاس)
الاقتصاد شخصان يجلسان على مقعد وخلفهم حقل غاز ليفياثان في محمية شاطئ هابونيم الطبيعية شمال إسرائيل (إ.ب.أ)

«شيفرون» تمنح الضوء الأخضر لتوسعة حقل «ليفياثان» الإسرائيلي العملاق

حسمت شركة «شيفرون»، عبر ذراعها «شيفرون ميديترينيان ليميتد»، قرار الاستثمار النهائي لتطوير وتوسعة الطاقة الإنتاجية لحقل «ليفياثان».

«الشرق الأوسط» (هيوستن)

الفلبين تعلن اكتشاف كمية «مهمة» من الغاز الطبيعي قبالة سواحلها

منصة غاز في عرض البحر (رويترز)
منصة غاز في عرض البحر (رويترز)
TT

الفلبين تعلن اكتشاف كمية «مهمة» من الغاز الطبيعي قبالة سواحلها

منصة غاز في عرض البحر (رويترز)
منصة غاز في عرض البحر (رويترز)

أعلن الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس، الاثنين، أنه تم اكتشاف كمية «مهمة» من الغاز الطبيعي قرب الموقع البحري الوحيد المنتج للغاز في الأرخبيل.

وقال ماركوس إنه تم العثور على نحو 98 مليار قدم مكعبة (2.9 مليار متر مكعب) من الغاز الطبيعي على بعد خمسة كيلومترات شرق حقل مالامبايا قرب جزيرة بالاوان، أو ما يكفي لتوفير الطاقة لنحو 5.7 مليون منزل لمدة عام.

وتعدّ تكاليف الطاقة في الفلبين من بين الأعلى في المنطقة، وهي تواجه أزمة وشيكة مع توقع نضوب حقل غاز مالامبايا في غضون بضع سنوات، علماً بأنه يزود جزيرة لوزون الكبيرة بنحو 40 في المائة من حاجاتها الطاقية.

وقال ماركوس إن هذا الاكتشاف، وهو الأول منذ أكثر من عقد، «يعزز مساهمة حقل مالامبايا ويقوي إمداداتنا المحلية من الغاز لسنوات عدّة مقبلة. وقد أظهرت الاختبارات الأولية أن البئر تتدفق بمعدل 60 مليون قدم مكعبة يومياً».

تشهد الفلبين انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، وهي تعتمد على الفحم المستورد لتأمين أكثر من نصف إنتاجها من الطاقة.

وفي عام 2022، أمر الرئيس آنذاك رودريغو دوتيرتي بوقف التنقيب عن النفط والغاز في مناطق بحر الصين الجنوبي المتنازع عليها مع الصين.


صندوق النقد الدولي يرفع توقعات النمو العالمي لعام 2026 إلى 3.3 %

شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي يرفع توقعات النمو العالمي لعام 2026 إلى 3.3 %

شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)

رفع صندوق النقد الدولي مجدداً توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لعام 2026، يوم الاثنين، في الوقت الذي تتكيف فيه الشركات والاقتصادات مع التعريفات الجمركية الأميركية التي خفَّت في الأشهر الأخيرة، ومع استمرار طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي التي دفعت ثروات الأصول وتوقعات مكاسب الإنتاجية.

وتوقَّع صندوق النقد الدولي في تحديثه لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 3.3 في المائة في 2026، بزيادة 0.2 نقطة مئوية عن تقديره الأخير في أكتوبر (تشرين الأول). ويأتي هذا النمو رغم أن الاقتصاد العالمي من المتوقع أن ينمو أيضاً بنسبة 3.3 في المائة في 2025، وهو ما يفوق تقديرات أكتوبر بمقدار 0.1 نقطة مئوية، حسب صندوق النقد الدولي.

وتوقع المقرض الدولي للأزمات أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.2 في المائة في 2027، دون تغيير عن التوقع السابق. وقد قام الصندوق برفع توقعات النمو العالمي منذ يوليو (تموز) الماضي استجابة للاتفاقيات التجارية التي خفَّضت معدلات التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي بلغت ذروتها في أبريل (نيسان) 2025.

وقال كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، بيير أوليفييه غورينشاس، للصحافيين: «نجد أن النمو العالمي لا يزال مرناً إلى حد بعيد»، مضيفاً أن توقعات الصندوق لعامي 2025 و2026 تتجاوز الآن التوقعات التي أُصدرت في أكتوبر 2024، قبل انتخاب ترمب لفترة ثانية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً موقعاً بشأن الرسوم الجمركية في واشنطن يوم 2 أبريل 2025 (رويترز)

وأضاف: «بمعنى ما، فإن الاقتصاد العالمي يتجاوز اضطرابات التجارة والتعريفات الجمركية لعام 2025، ويحقق أداءً أفضل مما توقعناه قبل أن تبدأ كل هذه الأحداث».

وأشار إلى أن الشركات تمكنت من التكيف مع ارتفاع التعريفات الجمركية الأميركية عن طريق إعادة توجيه سلاسل التوريد، في حين خفضت الاتفاقيات التجارية بعض الرسوم، وقامت الصين بتحويل صادراتها إلى الأسواق غير الأميركية. وتفترض أحدث توقعات صندوق النقد الدولي معدل تعريفات فعَّالاً في الولايات المتحدة يبلغ 18.5 في المائة، انخفاضاً من نحو 25 في المائة في توقعات الصندوق لأبريل 2025.

النمو الأميركي مدفوع بالذكاء الاصطناعي

قدَّر الصندوق نمو الولايات المتحدة لعام 2026 بنسبة 2.4 في المائة، بزيادة 0.3 نقطة مئوية عن تقديرات أكتوبر، ويرجع ذلك جزئياً إلى ضخ استثمارات ضخمة في بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مراكز البيانات، ومعالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والطاقة اللازمة لها. كما خفَّض الصندوق توقع نمو الولايات المتحدة لعام 2027 بمقدار 0.1 نقطة مئوية إلى 2 في المائة.

وأشار الصندوق إلى أن الاستثمار في التكنولوجيا عزز النشاط الاقتصادي في إسبانيا التي ارتفعت توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026 فيها بمقدار 0.3 نقطة مئوية، لتصل إلى 2.3 في المائة، وفي المملكة المتحدة؛ حيث أبقى الصندوق توقعاته دون تغيير عند 1.3 في المائة لعام 2026.

وحذر غورينشاس من أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد تزيد المخاطر التضخمية إذا استمرت بمعدل سريع، مضيفاً أنه إذا لم تتحقق التوقعات بشأن مكاسب الإنتاجية والأرباح الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، فقد يؤدي ذلك إلى تصحيح في التقييمات السوقية المرتفعة ويقلل الطلب.

شعار الذكاء الاصطناعي بمؤتمره العالمي في شنغهاي (أرشيفية- رويترز)

وأدرج تقرير صندوق النقد الدولي الذكاء الاصطناعي بين المخاطر المائلة نحو الانخفاض، إلى جانب اضطرابات سلاسل التوريد والأسواق الناجمة عن التوترات الجيوسياسية، بالإضافة إلى احتمال تجدد التوترات التجارية.

وحذر غورينشاس من أن قرار المحكمة العليا الأميركية ضد الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها ترمب بموجب قانون الطوارئ قد «يضيف جرعة أخرى من حالة عدم اليقين في السياسة التجارية للاقتصاد العالمي»، إذا أعاد ترمب فرض تعريفات جديدة بموجب قوانين تجارية أخرى.

ومع ذلك، أشار الصندوق إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة للاقتصاد العالمي إذا أدى ارتفاع الاستثمار إلى تبنٍّ سريع، وتم تحقيق مكاسب إنتاجية تعزز ديناميكية الأعمال والابتكار.

وقال: «نتيجة لذلك، قد يرتفع النمو العالمي بما يصل إلى 0.3 نقطة مئوية في 2026، وبين 0.1 و0.8 نقطة مئوية سنوياً على المدى المتوسط، اعتماداً على سرعة التبني والتحسن في جاهزية الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم».

توقعات النمو لدول رئيسية أخرى

توقع صندوق النقد الدولي أن يصل نمو الصين لعام 2026 إلى 4.5 في المائة، انخفاضاً من أداء قوي قدره 5 في المائة في 2025، ولكنه أعلى بمقدار 0.3 نقطة مئوية عن تقديرات أكتوبر. ويرجع هذا التعديل إلى انخفاض معدل الرسوم الجمركية الأميركية على السلع الصينية لمدة عام بمقدار 10 نقاط مئوية، واستمرار تحويل الصادرات إلى أسواق أخرى مثل جنوب شرقي آسيا وأوروبا.

وحذر غورينشاس من أن الصين قد تواجه سياسات تجارية أكثر حماية، إذا لم تطور نموذج نمو أكثر توازناً، يعتمد أقل على الصادرات وأكثر على الطلب الداخلي.

أشخاص يسيرون على طريق المشاة في نانجينغ في شنغهاي بالصين (رويترز)

وتوقع الصندوق نمو منطقة اليورو بنسبة 1.3 في المائة لعام 2026، بزيادة 0.1 نقطة مئوية عن تقديرات أكتوبر، مدفوعاً بزيادة الإنفاق العام في ألمانيا وأداء أقوى في إسبانيا وآيرلندا. وحافظ الصندوق على توقعاته لنمو منطقة اليورو لعام 2027 عند 1.4 في المائة؛ مشيراً إلى أن الزيادات المخطط لها في الإنفاق الدفاعي الأوروبي ستتحقق في السنوات اللاحقة.

وشهدت اليابان أيضاً تعديلاً طفيفاً لصعود توقعات النمو لعام 2026، نتيجة لحزمة التحفيز المالي من الحكومة الجديدة، بينما كانت البرازيل استثناءً من اتجاه التحسن، مع تخفيض توقعات نموها لعام 2026 بمقدار 0.3 نقطة مئوية، لتصل إلى 1.6 في المائة منذ أكتوبر. وأرجع مسؤولو الصندوق هذا التراجع بشكل رئيسي إلى تشديد السياسة النقدية لمواجهة ارتفاع التضخم في العام الماضي.

كما رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد الهندي في السنة المالية 2026 بمقدار 0.7 نقطة مئوية، لتصل إلى 7.3 في المائة، مستنداً إلى الزخم القوي في الاقتصاد، ولكنه أشار إلى أن النمو من المرجح أن يتباطأ إلى 6.4 في المائة في السنتين الماليتين التاليتين مع تلاشي العوامل الدورية. وبالنسبة للسنتين الماليتين 2026 و2027، توقَّع نمواً بنسبة 6.3 و6.5 في المائة على التوالي.

التضخم والسياسة النقدية

كما توقع صندوق النقد الدولي انخفاض التضخم العالمي من 4.1 في المائة في 2025 إلى 3.8 في المائة في 2026، ومن ثم إلى 3.4 في المائة في 2027، مما يتيح مجالاً لمزيد من السياسات النقدية التيسيرية لدعم النمو.


أميركا واليابان تضيّقان خيارات الاستثمارات الضخمة

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

أميركا واليابان تضيّقان خيارات الاستثمارات الضخمة

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)

أفاد مصدران مطلعان لوكالة «رويترز» بأن اليابان والولايات المتحدة اختارتا عدداً من المشاريع مرشحين أوليين ضمن خطة طوكيو الاستثمارية في الولايات المتحدة بقيمة 550 مليار دولار، بما في ذلك مشروع مرتبط بمجموعة «سوفت بنك».

وأضاف المصدران، يوم الاثنين، أن الحكومتين كثّفتا مناقشاتهما لاختيار المشاريع الأولية ضمن خطة الاستثمار، التي تم الاتفاق عليها، وذلك جزءاً من اتفاقية طوكيو مع واشنطن لخفض الرسوم الجمركية على الصادرات اليابانية إلى الولايات المتحدة.

ووفقاً للمصدرين، اللذين طلبا عدم الكشف عن هويتهما لأن المحادثات غير علنية، فإن الجانبين يهدفان إلى إضفاء الطابع الرسمي على المشروع الأول قبل الزيارة المقررة لرئيس الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إلى الولايات المتحدة في الربيع.

كما أفادت أربعة مصادر بأن مشروعاً ضخماً للبنية التحتية، تشارك فيه مجموعة «سوفت بنك» في بناء مركز بيانات، من بين المشاريع المختارة. وتشمل حزمة الاستثمار اليابانية أسهماً وقروضاً وضمانات قروض من وكالتي اليابان الحكومية، بنك اليابان للتعاون الدولي وشركة «نيبون» للتأمين على الصادرات والاستثمار.

وعقدت اليابان والولايات المتحدة أربعة اجتماعات للجنة الاستشارية منذ ديسمبر (كانون الأول) لمناقشة المشاريع المحتملة، بمشاركة وزارة التجارة ووزارة الطاقة الأميركيتين، ومن اليابان، وزارات الخارجية والمالية والصناعة، بالإضافة إلى بنك اليابان للتعاون الدولي وشركة «نيبون» للتأمين على الصادرات والاستثمار.

وأضافت المصادر أن المحادثات قد بدأت بالفعل مع البنوك اليابانية الكبرى، التي قد تنضم إلى بنك اليابان للتعاون الدولي في تمويل المشاريع. وبناءً على مدخلات اللجنة الاستشارية؛ سترفع لجنة الاستثمار، برئاسة وزير التجارة الأميركي، توصياتها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سيتخذ القرار النهائي.

وفي حين أن صدور حكم من المحكمة العليا الأميركية بشأن شرعية التعريفات الجمركية العالمية التي فرضها ترمب بات وشيكاً، صرّحت طوكيو بأنها تعتزم المضي قدماً في مبادرة الاستثمار بغض النظر عن النتيجة، مؤكدةً أنها مصممة لبناء سلاسل إمداد رئيسية مشتركة تعود بالنفع على كلا البلدين.