«تسونامي» من الصادرات الصينية يهدد المصانع العالمية مع تصاعد حرب الرسوم

صورة جوية تُظهر حاويات وسفن شحن في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ في الصين (رويترز)
صورة جوية تُظهر حاويات وسفن شحن في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ في الصين (رويترز)
TT

«تسونامي» من الصادرات الصينية يهدد المصانع العالمية مع تصاعد حرب الرسوم

صورة جوية تُظهر حاويات وسفن شحن في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ في الصين (رويترز)
صورة جوية تُظهر حاويات وسفن شحن في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ في الصين (رويترز)

على مدى عقود، احتفظ مجمّع «فولكسفاغن» في مدينة وولفسبورغ الألمانية بلقب أكبر مصنع سيارات في العالم. إلا أن شركة «بي واي دي» الصينية، الرائدة في صناعة السيارات الكهربائية، بصدد تغيير هذه المعادلة؛ إذ تبني حالياً مصنعين عملاقين في الصين، يتمتع كل منهما بطاقة إنتاجية تفوق ضعفي القدرة الإنتاجية لمجمع وولفسبورغ التاريخي.

وتظهر البيانات الحديثة من بنك الصين المركزي أن البنوك المملوكة للدولة قد قدمت قروضاً إضافية بقيمة 1.9 تريليون دولار للمقترضين الصناعيين خلال السنوات الأربع الماضية. وعلى أطراف المدن في جميع أنحاء الصين، يتم بناء مصانع جديدة ليلاً ونهاراً، بينما يتم تحديث المصانع الحالية باستخدام الروبوتات والأتمتة، وفق صحيفة «نيويورك تايمز».

وتؤدي استثمارات الصين وتقدمها في مجال التصنيع إلى موجة من الصادرات التي تهدد بإغلاق المصانع وتسريح العمال، ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن أيضاً في جميع أنحاء العالم.

وقالت كاثرين تاي، التي كانت ممثلة التجارة الأميركية في عهد الرئيس السابق جو بايدن: «تسونامي قادم للجميع».

وكانت الرسوم الجمركية المرتفعة التي أعلن عنها الرئيس ترمب يوم الأربعاء، والتي تسببت في تراجع الأسهم في آسيا وأماكن أخرى، هي الاستجابة الأكثر تطرفاً حتى الآن لدفع الصين للتصدير. ومن البرازيل وإندونيسيا إلى تايلاند والاتحاد الأوروبي، قامت العديد من البلدان بتحريك رسوم جمركية بشكل أكثر هدوءاً أيضاً.

وأعرب القادة الصينيون عن غضبهم إزاء الانتشار الأخير للحواجز التجارية، وخاصة التعريفات الجمركية الأخيرة التي فرضها ترمب. وهم يفخرون بمعدلات الادخار المرتفعة في الصين، وساعات العمل الطويلة، ووفرة المهندسين ومبرمجي البرمجيات، فضلاً عن قوتها العاملة من الكهربائيين، واللحامين، والميكانيكيين، وعمال البناء، وغيرهم من الحرفيين المهرة.

وفي ليلة السبت، قرأ مذيع على شاشة التلفزيون الحكومي بياناً حكومياً يدين الولايات المتحدة: «إنها تستخدم الرسوم الجمركية لتقويض النظام الاقتصادي والتجاري الدولي القائم» من أجل «خدمة المصالح الهيمنية للولايات المتحدة».

وقبل خمس سنوات، وقبل انفجار فقاعة الإسكان، كانت الرافعات التي تقوم ببناء الأبراج السكنية تملأ تقريباً كل مدينة في الصين. اليوم، اختفت العديد من تلك الرافعات وأصبح التي تبقى منها نادراً ما يتحرك. وبإيعاز من بكين، حولت البنوك سريعاً إقراضها من العقارات إلى الصناعة.

وتستخدم الصين عدداً أكبر من الروبوتات الصناعية مقارنة ببقية العالم مجتمعة، ومعظم هذه الروبوتات تُصنَع في الصين بواسطة شركات صينية، على الرغم من أن بعض المكونات لا تزال مستوردة. وبعد عدة سنوات من النمو السريع، زادت عمليات تركيب المعدات الصناعية الجديدة هذا العام بنسبة 18 في المائة إضافية.

وعندما افتتحت شركة «زيكر»، وهي شركة صينية لتصنيع السيارات الكهربائية، مصنعها في نينغبو، وهي مدينة تقع على بعد ساعتين بالسيارة جنوب شنغهاي، قبل أربع سنوات، كان المصنع يضم 500 روبوت. والآن ارتفع العدد إلى 820، مع وجود المزيد في طور الإعداد.

ومع بدء تشغيل المصانع الجديدة، تتسارع صادرات الصين بشكل سريع. فقد ارتفعت بنسبة 13.3 في المائة في عام 2023، ثم زادت بنسبة 17.3 في المائة في العام الماضي.

كما أن القروض التي تقدمها البنوك المملوكة للدولة تمول ازدهاراً في البحث والتطوير في الشركات. فقد افتتحت شركة «هواوي»، وهي مجموعة صناعية تصنع منتجات متنوعة مثل الهواتف الذكية وقطع غيار السيارات، مركزاً للأبحاث في شنغهاي يضم 35 ألف مهندس، ويحتوي على عشرة أضعاف المساحة المخصصة للمكاتب والمختبرات مقارنة بمقر شركة «غوغل» في مدينة ماونتن فيو بولاية كاليفورنيا.

ويواجه القادة في جميع أنحاء العالم صعوبة في تحديد ما إذا كانوا سيرتفعون بالرسوم الجمركية لحماية ما تبقى من قطاعاتهم الصناعية.

وكانت الصين قد وسعت بسرعة حصتها في التصنيع العالمي على مدى عقود. وجاء هذا النمو أساساً على حساب الولايات المتحدة والدول الصناعية القديمة الأخرى، ولكن أيضاً على حساب الدول النامية. وقد زادت حصتها إلى 32 في المائة وتستمر في الارتفاع، مقارنة بـ 6 في المائة في عام 2000.

ويعد الناتج الصناعي للصين أكبر من الناتج المشترك للولايات المتحدة وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا.

وحتى قبل فوز ترمب بفترة رئاسية ثانية، حذر مسؤولو إدارة بايدن خلال عامهم الأخير في الحكم من تجاوز الطاقة الإنتاجية الصناعية في الصين. وقد تم رفع بعض الرسوم الجمركية، خصوصاً على السيارات الكهربائية.

ولكن خلال السنوات الثلاث الأولى من ولايته، ركز مسؤولو إدارة بايدن بشكل أساسي على تشديد القيود على تصدير تقنيات مثل الرقائق الإلكترونية المتقدمة، مستشهدين بمخاوف الأمن القومي. بينما أبقوا الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب والتي تراوحت بين 7.5 في المائة و25 في المائة على نصف صادرات الصين إلى الولايات المتحدة خلال فترة ولايته الأولى.

ومن غير المؤكد كيف ستسير الأمور مع نهج الرئيس الأكثر تشدداً هذه المرة. فقد تباطأت الصادرات الصينية في بعض الأحيان بسبب الرسوم الجمركية، ولكنها لم تتوقف. بينما تتأهب دول أخرى لاحتمال أن يتم تحويل الصادرات الصينية إلى أماكن أخرى، مما يهدد اقتصادات الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة مثل الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية.

وكانت شركات السيارات الصينية تستعد لدخول سوق السيارات الأميركية في عام 2017، عندما تولى ترمب منصبه لأول مرة. وقامت شركة «جي إيه سي موتور» في مدينة قوانغتشو الصينية بإحضار العشرات من وكلاء السيارات الأميركيين إلى معرض السيارات في المدينة في نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام. وأعلنت الشركة عن خطط لبيع سيارات الدفع الرباعي والشاحنات الصغيرة التي تعمل بالبنزين في الولايات المتحدة بحلول نهاية عام 2019.

لكن شركة «جي إيه سي موتور» وغيرها من الشركات الصينية ألغت خططها بعد أن شمل ترمب السيارات في رسومه الجمركية الأولية التي بلغت 25 في المائة بعد عدة أشهر.

ولا تزال الشركات الصينية لا تبيع أي سيارات تقريبا في الولايات المتحدة، ومن غير المرجح أن يتغير هذا: فمع التحركات الأخيرة التي اتخذها ترمب، تواجه الشركات الصينية الآن رسوما جمركية تصل إلى 181 في المائة.

وبعد أن تم حظرها في الولايات المتحدة، واصلت شركات السيارات الصينية بناء المصانع وركزت حملاتها التصديرية في أماكن أخرى. وقد شهدت مبيعاتها قفزات كبيرة في أستراليا وجنوب شرق آسيا، حيث استحوذت على حصة سوقية من العلامات التجارية اليابانية والأميركية. وفي المكسيك، كانت حصة الشركات الصينية 0.3 في المائة فقط في عام 2017؛ ولكن بحلول العام الماضي، ارتفعت إلى أكثر من 20 في المائة.

كما دفعت الزيادة السريعة في المبيعات داخل الاتحاد الأوروبي والأدلة على تقديم الحكومة الصينية دعماً مالياً لهذه الشركات، المسؤولين في الاتحاد الأوروبي إلى فرض رسوم جمركية تصل إلى 45 في المائة على السيارات الكهربائية من الصين في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ولا تبني الصين مصانع سيارات فحسب، بل قامت أيضاً ببناء طاقة تكرير بتروكيماوي في السنوات الخمس الماضية أكثر من أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة منذ الحرب العالمية الثانية. ومن المتوقع أن تبني الصين هذه المصافي بشكل أسرع هذا العام. ثم يتم تحويل البتروكيماويات إلى بلاستيك وبوليستر وفينيل وإطارات.

وقال روبرت إي. لايتهايزر، الذي كان الممثل التجاري للولايات المتحدة في فترة ترمب الأولى، إن الرسوم الجمركية الأميركية الأخيرة «هي علاج متأخر للغاية - السبب الجذري هو عقود من السياسات الصناعية الصينية التي خلقت فائضاً مذهلاً في الطاقة الإنتاجية وعدم توازن عالمياً».

جزء من السبب وراء صادرات الصين الضخمة هو أن شعبها يستهلك قليلاً جداً. فقد قضت أزمة سوق العقارات منذ عام 2021 على جزء كبير من مدخرات الطبقة الوسطى ودمرت العديد من الأسر الثرية.

وتشهد الإيرادات الضريبية في الصين تراجعاً ملحوظاً، في وقت يتسارع فيه الإنفاق العسكري بوتيرة متزايدة. هذا التباين دفع الحكومة إلى توخي الحذر في إطلاق حزم تحفيزية لدعم الاستهلاك المحلي. وبدلاً من ذلك، لجأت بكين إلى تعزيز صادراتها كوسيلة للتعويض عن الركود في قطاع الإسكان، ما أسفر عن خلق ملايين الوظائف المرتبطة ببناء المصانع وتجهيزها وتشغيلها، مما أبقى عجلة الاقتصاد دائرة رغم التحديات الداخلية.

وقد انضم بعض الاقتصاديين الصينيين مؤخراً إلى نظرائهم الغربيين في اقتراح ضرورة تقوية شبكة الأمان الاجتماعي الهزيلة في البلاد. وفي بداية هذا العام، كان الحد الأدنى من المعاش الحكومي لكبار السن لا يتجاوز 17 دولاراً شهرياً. وهذا يكاد لا يكفي لشراء المواد الغذائية، حتى في الريف الصيني.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، دعا أستاذ الاقتصاد الشهير في جامعة تسينغهوا، لي داوكوي، علناً إلى رفع المعاش الشهري الأدنى عدة أضعاف ليصل إلى 110 دولارات. وادعى أن الحكومة الصينية قادرة على تحمل هذه التكلفة، وأن الإنفاق الإضافي من قبل كبار السن سيحفز الاقتصاد بالكامل.

لكن المسؤولين الصينيين رفضوا نصيحته. عندما تم إصدار الموازنة في الخامس من مارس (آذار)، تضمنت زيادة في المعاشات التقاعدية الشهرية ــ ولكن بمقدار 3 دولارات فقط، ليصل الإجمالي إلى 20 دولاراً شهرياً.

وخصصت الموازنة ذاتها 100 مليار دولار للاستثمارات، بما في ذلك الموانئ والبنية الأساسية الأخرى الداعمة للمصدرين. وكان هناك أيضاً برنامج جديد لتحديث تكنولوجيا التصنيع في 20 مدينة صينية.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد طفل يسير على طول ممر للمشي وخلفه خزانات تخزين نفط في نينغبو، الصين (رويترز)

تباطؤ الصادرات الصينية تحت وطأة الاضطرابات في الشرق الأوسط

أظهرت البيانات التجارية للصين في شهر مارس (آذار) الماضي تباطؤاً ملحوظاً في نمو الصادرات.

«الشرق الأوسط» (بكين)
تحليل إخباري مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)

تحليل إخباري استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

تُظهر استراتيجية الصين طويلة الأمد في تنويع مصادر الطاقة وبناء المخزونات قدرتها على التكيّف مع الاضطرابات الناجمة عن الحرب مع إيران

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سفينة إنتاج وتخزين وتفريغ عائمة بُنيت لصالح شركة «بتروبراس» البرازيلية تُسحب من حوض بناء السفن بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين (أ.ف.ب)

الصين تلتف على إغلاق «هرمز» بمشتريات قياسية من النفط البرازيلي

سجلت مشتريات الصين من النفط الخام البرازيلي رقماً قياسياً في شهر مارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (ريو دي جانيرو)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة 100 دولار والوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

اليوان الصيني يسجل أعلى مستوياته منذ ثلاث سنوات

قفز اليوان الصيني إلى أعلى مستوى له مقابل الدولار الأميركي منذ أكثر من ثلاث سنوات.

«الشرق الأوسط» (بكين)

الذهب يستقر مدعوماً بآمال السلام ويتجه لمكاسب أسبوعية رابعة

TT

الذهب يستقر مدعوماً بآمال السلام ويتجه لمكاسب أسبوعية رابعة

استقر الذهب خلال تعاملات يوم الجمعة، متجهاً لتسجيل مكاسب للأسبوع الرابع على التوالي، في ظل تنامي الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، ما ساهم في تهدئة المخاوف المرتبطة بارتفاع التضخم واستمرار تشديد السياسة النقدية.

وارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.2 في المائة ليبلغ 4797.49 دولار للأونصة بحلول الساعة 04:35 بتوقيت غرينتش، محققاً مكاسب أسبوعية بنحو 1.1 في المائة. كما صعدت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم يونيو (حزيران) بنسبة 0.2 في المائة إلى 4818.80 دولار، وفق «رويترز».

ودخل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، الممتد لعشرة أيام، حيّز التنفيذ يوم الخميس، فيما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إمكانية عقد اجتماع بين الولايات المتحدة وإيران خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وقال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق في شركة «كيه سي إم ترايد»، إن المستثمرين يراقبون عن كثب أي تقدم ملموس في المحادثات الأميركية - الإيرانية، موضحاً أن أي اختراق أو تمديد لوقف إطلاق النار الهش من شأنه تهدئة أسواق النفط وكبح مخاوف التضخم، وهو ما قد يفتح المجال أمام مزيد من الارتفاع في أسعار الذهب.

في المقابل، يتجه الدولار الأميركي لتسجيل تراجع للأسبوع الثاني على التوالي، ما يجعل السلع المقومة به أكثر جاذبية لحائزي العملات الأخرى. كما أسهم انخفاض أسعار النفط في تخفيف الضغوط التضخمية، وسط تفاؤل متزايد باقتراب نهاية الحرب الإيرانية.

وكانت المخاوف من ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثيرها في التضخم، وما يستتبعه من إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، قد دفعت أسعار الذهب للتراجع بأكثر من 8 في المائة منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير (شباط).

ورغم أن الذهب يُعد ملاذاً آمناً في مواجهة التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يقلص جاذبيته نظراً لكونه أصلاً لا يدر عائداً.

من جانبها، توقعت شركة «بي إم آي» التابعة لـ«فيتش سوليوشينز» استمرار بعض الضغوط الهبوطية على الذهب خلال الفترة المقبلة، مع بقاء الأسعار مدعومة فوق مستوى 3500 دولار للأونصة بفعل المخاطر الجيوسياسية المستمرة وخصائصه كملاذ آمن.

ويُسعّر المتداولون حالياً احتمالاً بنحو 27 في المائة لقيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى خفضين خلال العام قبل اندلاع الحرب.

في سياق متصل، أوقفت البنوك الهندية طلبات استيراد الذهب والفضة من الموردين الأجانب، نتيجة تعليق شحنات كبيرة في الجمارك بسبب غياب توجيهات حكومية رسمية تسمح باستيراد السبائك.

أما المعادن النفيسة الأخرى، فقد ارتفعت الفضة بنسبة 0.9 في المائة إلى 79.12 دولار للأونصة، متجهة نحو تحقيق مكاسب للأسبوع الرابع على التوالي. كما صعد البلاتين بنسبة 0.3 في المائة إلى 2092.07 دولار، والبلاديوم بنسبة 0.5 في المائة إلى 1558.47 دولار، مع توقعات بتسجيلهما مكاسب أسبوعية ثالثة على التوالي.


صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.