«تسونامي» من الصادرات الصينية يهدد المصانع العالمية مع تصاعد حرب الرسوم

صورة جوية تُظهر حاويات وسفن شحن في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ في الصين (رويترز)
صورة جوية تُظهر حاويات وسفن شحن في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ في الصين (رويترز)
TT

«تسونامي» من الصادرات الصينية يهدد المصانع العالمية مع تصاعد حرب الرسوم

صورة جوية تُظهر حاويات وسفن شحن في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ في الصين (رويترز)
صورة جوية تُظهر حاويات وسفن شحن في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ في الصين (رويترز)

على مدى عقود، احتفظ مجمّع «فولكسفاغن» في مدينة وولفسبورغ الألمانية بلقب أكبر مصنع سيارات في العالم. إلا أن شركة «بي واي دي» الصينية، الرائدة في صناعة السيارات الكهربائية، بصدد تغيير هذه المعادلة؛ إذ تبني حالياً مصنعين عملاقين في الصين، يتمتع كل منهما بطاقة إنتاجية تفوق ضعفي القدرة الإنتاجية لمجمع وولفسبورغ التاريخي.

وتظهر البيانات الحديثة من بنك الصين المركزي أن البنوك المملوكة للدولة قد قدمت قروضاً إضافية بقيمة 1.9 تريليون دولار للمقترضين الصناعيين خلال السنوات الأربع الماضية. وعلى أطراف المدن في جميع أنحاء الصين، يتم بناء مصانع جديدة ليلاً ونهاراً، بينما يتم تحديث المصانع الحالية باستخدام الروبوتات والأتمتة، وفق صحيفة «نيويورك تايمز».

وتؤدي استثمارات الصين وتقدمها في مجال التصنيع إلى موجة من الصادرات التي تهدد بإغلاق المصانع وتسريح العمال، ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن أيضاً في جميع أنحاء العالم.

وقالت كاثرين تاي، التي كانت ممثلة التجارة الأميركية في عهد الرئيس السابق جو بايدن: «تسونامي قادم للجميع».

وكانت الرسوم الجمركية المرتفعة التي أعلن عنها الرئيس ترمب يوم الأربعاء، والتي تسببت في تراجع الأسهم في آسيا وأماكن أخرى، هي الاستجابة الأكثر تطرفاً حتى الآن لدفع الصين للتصدير. ومن البرازيل وإندونيسيا إلى تايلاند والاتحاد الأوروبي، قامت العديد من البلدان بتحريك رسوم جمركية بشكل أكثر هدوءاً أيضاً.

وأعرب القادة الصينيون عن غضبهم إزاء الانتشار الأخير للحواجز التجارية، وخاصة التعريفات الجمركية الأخيرة التي فرضها ترمب. وهم يفخرون بمعدلات الادخار المرتفعة في الصين، وساعات العمل الطويلة، ووفرة المهندسين ومبرمجي البرمجيات، فضلاً عن قوتها العاملة من الكهربائيين، واللحامين، والميكانيكيين، وعمال البناء، وغيرهم من الحرفيين المهرة.

وفي ليلة السبت، قرأ مذيع على شاشة التلفزيون الحكومي بياناً حكومياً يدين الولايات المتحدة: «إنها تستخدم الرسوم الجمركية لتقويض النظام الاقتصادي والتجاري الدولي القائم» من أجل «خدمة المصالح الهيمنية للولايات المتحدة».

وقبل خمس سنوات، وقبل انفجار فقاعة الإسكان، كانت الرافعات التي تقوم ببناء الأبراج السكنية تملأ تقريباً كل مدينة في الصين. اليوم، اختفت العديد من تلك الرافعات وأصبح التي تبقى منها نادراً ما يتحرك. وبإيعاز من بكين، حولت البنوك سريعاً إقراضها من العقارات إلى الصناعة.

وتستخدم الصين عدداً أكبر من الروبوتات الصناعية مقارنة ببقية العالم مجتمعة، ومعظم هذه الروبوتات تُصنَع في الصين بواسطة شركات صينية، على الرغم من أن بعض المكونات لا تزال مستوردة. وبعد عدة سنوات من النمو السريع، زادت عمليات تركيب المعدات الصناعية الجديدة هذا العام بنسبة 18 في المائة إضافية.

وعندما افتتحت شركة «زيكر»، وهي شركة صينية لتصنيع السيارات الكهربائية، مصنعها في نينغبو، وهي مدينة تقع على بعد ساعتين بالسيارة جنوب شنغهاي، قبل أربع سنوات، كان المصنع يضم 500 روبوت. والآن ارتفع العدد إلى 820، مع وجود المزيد في طور الإعداد.

ومع بدء تشغيل المصانع الجديدة، تتسارع صادرات الصين بشكل سريع. فقد ارتفعت بنسبة 13.3 في المائة في عام 2023، ثم زادت بنسبة 17.3 في المائة في العام الماضي.

كما أن القروض التي تقدمها البنوك المملوكة للدولة تمول ازدهاراً في البحث والتطوير في الشركات. فقد افتتحت شركة «هواوي»، وهي مجموعة صناعية تصنع منتجات متنوعة مثل الهواتف الذكية وقطع غيار السيارات، مركزاً للأبحاث في شنغهاي يضم 35 ألف مهندس، ويحتوي على عشرة أضعاف المساحة المخصصة للمكاتب والمختبرات مقارنة بمقر شركة «غوغل» في مدينة ماونتن فيو بولاية كاليفورنيا.

ويواجه القادة في جميع أنحاء العالم صعوبة في تحديد ما إذا كانوا سيرتفعون بالرسوم الجمركية لحماية ما تبقى من قطاعاتهم الصناعية.

وكانت الصين قد وسعت بسرعة حصتها في التصنيع العالمي على مدى عقود. وجاء هذا النمو أساساً على حساب الولايات المتحدة والدول الصناعية القديمة الأخرى، ولكن أيضاً على حساب الدول النامية. وقد زادت حصتها إلى 32 في المائة وتستمر في الارتفاع، مقارنة بـ 6 في المائة في عام 2000.

ويعد الناتج الصناعي للصين أكبر من الناتج المشترك للولايات المتحدة وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا.

وحتى قبل فوز ترمب بفترة رئاسية ثانية، حذر مسؤولو إدارة بايدن خلال عامهم الأخير في الحكم من تجاوز الطاقة الإنتاجية الصناعية في الصين. وقد تم رفع بعض الرسوم الجمركية، خصوصاً على السيارات الكهربائية.

ولكن خلال السنوات الثلاث الأولى من ولايته، ركز مسؤولو إدارة بايدن بشكل أساسي على تشديد القيود على تصدير تقنيات مثل الرقائق الإلكترونية المتقدمة، مستشهدين بمخاوف الأمن القومي. بينما أبقوا الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب والتي تراوحت بين 7.5 في المائة و25 في المائة على نصف صادرات الصين إلى الولايات المتحدة خلال فترة ولايته الأولى.

ومن غير المؤكد كيف ستسير الأمور مع نهج الرئيس الأكثر تشدداً هذه المرة. فقد تباطأت الصادرات الصينية في بعض الأحيان بسبب الرسوم الجمركية، ولكنها لم تتوقف. بينما تتأهب دول أخرى لاحتمال أن يتم تحويل الصادرات الصينية إلى أماكن أخرى، مما يهدد اقتصادات الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة مثل الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية.

وكانت شركات السيارات الصينية تستعد لدخول سوق السيارات الأميركية في عام 2017، عندما تولى ترمب منصبه لأول مرة. وقامت شركة «جي إيه سي موتور» في مدينة قوانغتشو الصينية بإحضار العشرات من وكلاء السيارات الأميركيين إلى معرض السيارات في المدينة في نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام. وأعلنت الشركة عن خطط لبيع سيارات الدفع الرباعي والشاحنات الصغيرة التي تعمل بالبنزين في الولايات المتحدة بحلول نهاية عام 2019.

لكن شركة «جي إيه سي موتور» وغيرها من الشركات الصينية ألغت خططها بعد أن شمل ترمب السيارات في رسومه الجمركية الأولية التي بلغت 25 في المائة بعد عدة أشهر.

ولا تزال الشركات الصينية لا تبيع أي سيارات تقريبا في الولايات المتحدة، ومن غير المرجح أن يتغير هذا: فمع التحركات الأخيرة التي اتخذها ترمب، تواجه الشركات الصينية الآن رسوما جمركية تصل إلى 181 في المائة.

وبعد أن تم حظرها في الولايات المتحدة، واصلت شركات السيارات الصينية بناء المصانع وركزت حملاتها التصديرية في أماكن أخرى. وقد شهدت مبيعاتها قفزات كبيرة في أستراليا وجنوب شرق آسيا، حيث استحوذت على حصة سوقية من العلامات التجارية اليابانية والأميركية. وفي المكسيك، كانت حصة الشركات الصينية 0.3 في المائة فقط في عام 2017؛ ولكن بحلول العام الماضي، ارتفعت إلى أكثر من 20 في المائة.

كما دفعت الزيادة السريعة في المبيعات داخل الاتحاد الأوروبي والأدلة على تقديم الحكومة الصينية دعماً مالياً لهذه الشركات، المسؤولين في الاتحاد الأوروبي إلى فرض رسوم جمركية تصل إلى 45 في المائة على السيارات الكهربائية من الصين في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ولا تبني الصين مصانع سيارات فحسب، بل قامت أيضاً ببناء طاقة تكرير بتروكيماوي في السنوات الخمس الماضية أكثر من أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة منذ الحرب العالمية الثانية. ومن المتوقع أن تبني الصين هذه المصافي بشكل أسرع هذا العام. ثم يتم تحويل البتروكيماويات إلى بلاستيك وبوليستر وفينيل وإطارات.

وقال روبرت إي. لايتهايزر، الذي كان الممثل التجاري للولايات المتحدة في فترة ترمب الأولى، إن الرسوم الجمركية الأميركية الأخيرة «هي علاج متأخر للغاية - السبب الجذري هو عقود من السياسات الصناعية الصينية التي خلقت فائضاً مذهلاً في الطاقة الإنتاجية وعدم توازن عالمياً».

جزء من السبب وراء صادرات الصين الضخمة هو أن شعبها يستهلك قليلاً جداً. فقد قضت أزمة سوق العقارات منذ عام 2021 على جزء كبير من مدخرات الطبقة الوسطى ودمرت العديد من الأسر الثرية.

وتشهد الإيرادات الضريبية في الصين تراجعاً ملحوظاً، في وقت يتسارع فيه الإنفاق العسكري بوتيرة متزايدة. هذا التباين دفع الحكومة إلى توخي الحذر في إطلاق حزم تحفيزية لدعم الاستهلاك المحلي. وبدلاً من ذلك، لجأت بكين إلى تعزيز صادراتها كوسيلة للتعويض عن الركود في قطاع الإسكان، ما أسفر عن خلق ملايين الوظائف المرتبطة ببناء المصانع وتجهيزها وتشغيلها، مما أبقى عجلة الاقتصاد دائرة رغم التحديات الداخلية.

وقد انضم بعض الاقتصاديين الصينيين مؤخراً إلى نظرائهم الغربيين في اقتراح ضرورة تقوية شبكة الأمان الاجتماعي الهزيلة في البلاد. وفي بداية هذا العام، كان الحد الأدنى من المعاش الحكومي لكبار السن لا يتجاوز 17 دولاراً شهرياً. وهذا يكاد لا يكفي لشراء المواد الغذائية، حتى في الريف الصيني.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، دعا أستاذ الاقتصاد الشهير في جامعة تسينغهوا، لي داوكوي، علناً إلى رفع المعاش الشهري الأدنى عدة أضعاف ليصل إلى 110 دولارات. وادعى أن الحكومة الصينية قادرة على تحمل هذه التكلفة، وأن الإنفاق الإضافي من قبل كبار السن سيحفز الاقتصاد بالكامل.

لكن المسؤولين الصينيين رفضوا نصيحته. عندما تم إصدار الموازنة في الخامس من مارس (آذار)، تضمنت زيادة في المعاشات التقاعدية الشهرية ــ ولكن بمقدار 3 دولارات فقط، ليصل الإجمالي إلى 20 دولاراً شهرياً.

وخصصت الموازنة ذاتها 100 مليار دولار للاستثمارات، بما في ذلك الموانئ والبنية الأساسية الأخرى الداعمة للمصدرين. وكان هناك أيضاً برنامج جديد لتحديث تكنولوجيا التصنيع في 20 مدينة صينية.


مقالات ذات صلة

الصين تُحِدُّ من ارتفاع أسعار الوقود للتخفيف من آثار ارتفاع النفط

الاقتصاد موظف يحمل أوراقاً نقدية من اليوان الصيني بجوار غطاء مفتوح لخزان وقود سيارة في محطة وقود في بكين (رويترز)

الصين تُحِدُّ من ارتفاع أسعار الوقود للتخفيف من آثار ارتفاع النفط

تدخلت الصين يوم الاثنين للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار الوقود، حيث رفعت الحد الأقصى للأسعار المحددة لبنزين وديزل التجزئة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار رغم تصاعد الحرب، ما يطرح تساؤلات عن سبب خفوت مسألة «الملاذ الآمن».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد نموذج رافعة مضخة نفط بجوار شعار شركة التكرير الصينية العملاقة «سينوبك» (رويترز)

انخفاض صافي الأرباح المتوقعة لـ«سينوبك» الصينية 36.8 % لعام 2025

أعلنت شركة سينوبك الصينية، الأحد، انخفاض صافي أرباحها المتوقعة لعام 2025 بنسبة 36.8 %.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)

الصين تتعهّد بـ«معاملة وطنية» للمستثمرين الأجانب لطمأنة الأسواق العالمية

تعهَّد رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، يوم الأحد، بمواصلة انفتاح الاقتصاد وتطبيق المعاملة الوطنية للشركات الأجنبية بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)

بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

تُعدّ الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، في السنوات الأخيرة، لكنها ستواجه منافسةً وارتفاعاً في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (بكين)

ألمانيا تحدّ من ارتفاع أسعار الوقود مع تصاعد الصراع الإيراني

وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)
وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)
TT

ألمانيا تحدّ من ارتفاع أسعار الوقود مع تصاعد الصراع الإيراني

وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)
وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية كاثرينا رايش تقدم بياناً للصحافة في «البوندستاغ» عقب التصويت على حزمة أسعار الوقود (د.ب.أ)

أقرّ مجلس النواب الألماني، يوم الخميس، إجراءات أولية لاحتواء ارتفاع أسعار الوقود في أكبر اقتصاد أوروبي، بعد أن دفعت التطورات الأخيرة في الصراع الإيراني الأسعار إلى مستويات قياسية.

وينص التشريع على أن يُسمح لمحطات الوقود برفع الأسعار مرة واحدة يومياً في تمام الساعة 12:00 ظهراً بالتوقيت المحلي (11:00 بتوقيت غرينتش)، بينما يمكن خفضها في أي وقت. كما ينص القانون على فرض غرامات تصل إلى 100 ألف يورو (108 آلاف دولار) على المخالفين، وفق «رويترز».

ويعزز مشروع القانون أيضاً قواعد مكافحة الاحتكار، في محاولة لزيادة الشفافية في تسعير الوقود. ويجري حالياً بحث خطوات إضافية داخل الائتلاف الحاكم، الذي يضم حزب المحافظين بقيادة المستشار فريدريش ميرتس والحزب الاشتراكي الديمقراطي.

وأصبحت أسعار الوقود التي تتجاوز 2 يورو للتر الواحد أكثر شيوعاً في ألمانيا منذ أواخر فبراير (شباط)، عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران وردود إيران الانتقامية على دول الخليج. ويتوقع الاقتصاديون الآن أن يقترب معدل التضخم في ألمانيا هذا العام من 3 في المائة، بدلاً من 2 في المائة المتوقعة سابقاً.

وكان مجلس الوزراء الألماني قد أقرّ الحزمة التشريعية في منتصف مارس (آذار)، ومن المقرر أن تدخل حيز التنفيذ بحلول أوائل أبريل (نيسان) بعد مصادقة البرلمان، مع مراجعة هذه الإجراءات بعد عام.

الحرب تُضعف ثقة المستهلك الألماني

في سياق متصل، أظهر استطلاع رأي نُشر يوم الخميس تراجع ثقة المستهلك الألماني مع بداية شهر أبريل، نتيجة الحرب المستمرة في الشرق الأوسط، مما يزيد الضغوط على الاقتصاد الألماني، الأكبر في أوروبا.

وتراجع المؤشر الاستشرافي، الذي أصدرته مؤسسة «جي إف كيه» بالتعاون مع معهد «نورمبرغ لقرارات السوق»، بمقدار 3.2 نقطة ليصل إلى - 28. ولم يشهد الاستطلاع تغيّراً ملحوظاً في القدرة الشرائية الحالية للألمان أو في ميلهم للادخار، إلا أن توقعاتهم لمستقبل دخلهم انخفضت بمقدار 12.6 نقطة مع تصاعد التشاؤم.

وقال رولف بوركل، رئيس قسم مناخ المستهلك في معهد «نورمبرغ لقرارات السوق»: «تشير قراءة الاستطلاع الدوري، الذي شمل نحو 2000 شخص، إلى تدهور ملحوظ في ثقة المستهلك». وأضاف: «يتوقع المستهلكون ارتفاع التضخم مجدداً، وتأخر الانتعاش الاقتصادي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة».

وتزامن هذا الانخفاض في ثقة المستهلك مع انخفاض معنويات الشركات والمستثمرين في استطلاعات الرأي الدورية التي صدرت هذا الأسبوع. فقد ارتفعت أسعار النفط والغاز الطبيعي بشكل كبير منذ نهاية الشهر الماضي، بعد بدء الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران، ما أدخل الشرق الأوسط في دوامة من الاضطرابات.

ورغم تصريح البنك المركزي الأوروبي بأن التضخم من غير المرجح أن يصل إلى مستويات ما بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، أكد بوركل أن الأعمال العدائية لا تزال تؤثر سلباً على المستهلكين. وقال: «أظهرت دراسة حديثة للمعهد أن 60 في المائة من الألمان يتوقعون استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز والبنزين على المدى الطويل، وهذا يضعف ثقتهم».

ويشهد الاقتصاد الألماني ركوداً نسبياً منذ عام 2022، متأثراً بضعف الطلب العالمي وازدياد المنافسة الصينية في القطاعات التصديرية الرئيسية مثل السيارات والكيماويات. وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن إنعاش الاقتصاد يمثل إحدى أولوياته القصوى، لكن الاقتصاديين يحذرون من أن الحرب الإيرانية قد تعرقل الانتعاش الاقتصادي مرة أخرى.


الأسهم الصينية تهبط وسط ضبابية الوضع الإيراني

مشاة أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم بمدينة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
مشاة أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم بمدينة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
TT

الأسهم الصينية تهبط وسط ضبابية الوضع الإيراني

مشاة أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم بمدينة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
مشاة أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم بمدينة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

تراجعت أسهم الصين وهونغ كونغ يوم الخميس، حيث يدرس المستثمرون احتمالات خفض تصعيد الصراع في الشرق الأوسط. وانخفض مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية بنسبة 0.47 في المائة بحلول استراحة الغداء، بينما تراجع مؤشر «شنغهاي» المركب بنسبة 0.58 في المائة.

وخسر مؤشر «هانغ سينغ» القياسي في هونغ كونغ 1.5 في المائة.

وقال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن إيران تسعى جاهدة إلى التوصل إلى اتفاق لإنهاء نحو 4 أسابيع من القتال، وهو ما يتناقض مع تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن بلاده تدرس مقترحاً أميركياً، لكنها لا تنوي إجراء محادثات لإنهاء الصراع.

وقال مشاركون في السوق إن الأسهم الإقليمية، بما فيها الصينية، تعاني من عدم وضوح الرؤية وسط حالة من عدم اليقين بشأن مسار الحرب. وقال دانيال تان، مدير المحافظ في شركة «غراس هوبر» لإدارة الأصول: «لم نَزِد استثماراتنا عند انخفاض الأسعار (نظراً إلى تقلبات السوق)».

وتراجعت المؤشرات القطاعية الرئيسية بشكل عام، بما فيها قطاعا الأغذية والمشروبات، والحوسبة السحابية. ومع ذلك، تفوقت أسهم الطاقة، مسجلةً ارتفاعاً بنسبة 0.5 في المائة.

وفي هونغ كونغ، انخفض مؤشر «هانغ سينغ» للتكنولوجيا بنسبة 2.2 في المائة، مع تراجع سهم «كوايشو»؛ أحد أكبر أسهم الشركات في السوق، بنسبة 13 في المائة.

في غضون ذلك، يعتزم ترمب لقاء الرئيس الصيني، شي جينبينغ، في مايو (أيار) المقبل، وهي زيارة مرتقبة أُجّلت بسبب الحرب الإيرانية المستمرة. وقد سعى ترمب إلى الحصول على دعم كبار مستهلكي النفط في العالم، بمن فيهم الصين؛ للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.

وأبقى محللو «غولدمان ساكس» على توصيتهم بزيادة الوزن النسبي للأسهم الصينية، على الرغم من ارتفاع أسعار الطاقة مدة طويلة نتيجة الصراع في الشرق الأوسط.

وخفّض البنك توقعاته لنمو أرباح أسهم البر الرئيسي الصيني وهونغ كونغ لعام 2026 بنسبة نقطة مئوية واحدة إلى 12 في المائة، وذلك ليعكس التأثير المحدود لصدمة إمدادات النفط، مضيفاً أن الصين «محصنة نسبياً» من ارتفاع أسعار الطاقة.

وانخفض مؤشر «شنتشن» الأصغر بنسبة 0.64 في المائة، وتراجع مؤشر «تشينيكست» المركب للشركات الناشئة بنسبة 0.07 في المائة، وانخفض مؤشر «ستار 50» لشنغهاي، الذي يركز على التكنولوجيا، بنسبة واحد في المائة.

تراجع اليوان

في السياق، انخفض اليوان الصيني مقابل الدولار الأميركي يوم الخميس، مع ارتفاع قيمة الدولار وسط حالة من عدم اليقين بشأن مفاوضات وقف إطلاق النار في الحرب مع إيران. وافتتح اليوان الفوري عند 6.9043 يوان للدولار، وبلغ آخر سعر تداول له 6.9047 يوان عند الساعة الـ03:05 بتوقيت غرينيتش، أي بانخفاض قدره 61 نقطة، عن إغلاق الجلسة السابقة. أما اليوان في السوق الخارجية، فقد بلغ سعر تداوله 6.9088 يوان للدولار، بانخفاض قدره 0.06 في المائة.

وارتفع مؤشر الدولار الأميركي للعملات الـ6 بنسبة 0.046 في المائة ليصل إلى 99.67 خلال التداولات الآسيوية، بعد أن قفز بنسبة اثنين في المائة هذا الشهر مع تصاعد الإقبال على الأصول الآمنة نتيجة الحرب مع إيران.

وفي ظل عدم إحراز تقدم كبير في الصراع بالشرق الأوسط، فقد «ظل مؤشر الدولار ضمن نطاق محدد عند مستويات مرتفعة... وتحرك اليوان بشكل متزامن إلى حد كبير مع الدولار، دون وجود اتجاه واضح»، وفقاً لمذكرة صادرة عن محللي شركة «نان هوا فيوتشرز».

وقد حافظ اليوان على استقراره هذا الشهر حتى مع انخفاض بعض العملات الآسيوية الأخرى إلى مستويات قياسية جديدة مقابل الدولار؛ بسبب المخاوف من ارتفاع تكاليف الطاقة. وقبل افتتاح السوق يوم الخميس، حدد «بنك الشعب الصيني» سعر الصرف المتوسط ​​عند 6.9056 يوان للدولار، وهو أضعف مستوى له منذ 16 مارس (آذار) الحالي، وأعلى بمقدار 52 نقطة من تقديرات «رويترز». ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بحد أقصى اثنين في المائة أعلى أو أقل من سعر الصرف المتوسط ​​المحدد يومياً.

وانخفض اليوان بنسبة 0.7 في المائة مقابل الدولار هذا الشهر، على الرغم من ارتفاعه بنسبة 1.3 في المائة منذ بداية العام. وقال لويد تشان، كبير محللي العملات في بنك «إم يو إف جي»، في مذكرة: «خلال الوقت الراهن، لا تزال مرونة اليوان الصيني عاملاً مهماً في المنطقة».


تراجع العقود الآجلة للأسهم الأميركية مع سيطرة الحذر الجيوسياسي

متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تراجع العقود الآجلة للأسهم الأميركية مع سيطرة الحذر الجيوسياسي

متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

شهدت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية تراجعاً بعد المكاسب التي سجَّلتها الجلسة السابقة، حيث ظلَّ المستثمرون حذرين من التطورات في الشرق الأوسط ومتابعين لاحتمالات خفض التصعيد.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن إيران تسعى جاهدة للتوصل إلى اتفاق لإنهاء القتال، وهو ما يتناقض مع تصريحات وزير الخارجية الإيراني، الذي قال إن طهران تدرس مقترحاً أميركياً لكنها لا تنوي إجراء محادثات لإنهاء الصراع، وفق «رويترز».

هذه الإشارات المتضاربة أدَّت إلى حالة من الترقب في الأسواق، مع استمرار الآمال في إعادة الملاحة عبر مضيق هرمز الحيوي. وقالت مولي شوارتز، استراتيجية الاقتصاد الكلي متعددة الأصول في «رابوبنك»: «يشير الهدوء النسبي في الأسواق إلى ثقة بعض المستثمرين في احتمال انحسار الأعمال العدائية في نهاية المطاف، رغم ضآلة هذا الاحتمال».

وبحلول الساعة 04:55 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 242 نقطة أو 0.52 في المائة، و«ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 39.5 نقطة أو 0.59 في المائة، و«ناسداك 100» بمقدار 177 نقطة أو 0.73 في المائة.

وكانت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت» قد أغلقت على ارتفاع يوم الأربعاء بعد أن قدَّمت واشنطن مقترحاً لإيران عبر باكستان، بينما أشارت تصريحات مسؤولين إيرانيين إلى انفتاح طهران على العروض الدبلوماسية، رغم نفيها العلني لأي مفاوضات جارية.

وقالت إيبك أوزكاردسكايا، كبيرة المحللين في بنك «سويسكوت»: «يحاول المستثمرون استبعاد الحرب وتوقع انتعاش السوق في حال حدوث سلام، لكن المخاطر لا تزال مرتفعة».

كما أدَّى ارتفاع أسعار النفط الناجم عن النزاع إلى إحياء المخاوف من التضخم، مما يضع البنوك المركزية أمام تحدٍ بشأن أسعار الفائدة. ولم يعد المشاركون في سوق المال يتوقعون أي تخفيف للسياسة النقدية من قبل مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي هذا العام، بعد أن كانوا يتوقعون خفضين لأسعار الفائدة قبل اندلاع النزاع الإيراني، وفقاً لأداة «فيد ووتش».

على صعيد البيانات، سيراقب المستثمرون قراءة أسبوعية لأرقام طلبات إعانة البطالة، بالإضافة إلى تصريحات محافظي مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»: ليزا كوك، وستيفن ميران، ومايكل بار، وفيليب جيفرسون.

وشهدت بعض الشركات تحركات فردية ملحوظة؛ فقد قفزت أسهم شركة «أولابليكس هولدينغز» بنسبة 47 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، بعد موافقة شركة «هنكل الألمانية» على شراء علامتها التجارية للعناية بالشعر في صفقة بلغت قيمتها 1.4 مليار دولار.

وفي المقابل، تراجعت أسهم شركات تعدين الذهب المدرجة في الولايات المتحدة مع انخفاض أسعار الذهب بأكثر من 2 في المائة، حيث انخفض سهم «نيومونت» بنسبة 2.8 في المائة، و«سيباني ستيلووتر» 3.7 في المائة، و«هارموني غولد» 3 في المائة.