«بي دبليو سي»: السعودية توازن بين الانضباط المالي وطموحاتها الاستثمارية الضخمة

كبير خبرائها لـ«الشرق الأوسط»: نتوقع نمواً مستداماً في الخليج بفضل توسع القطاعات غير النفطية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

«بي دبليو سي»: السعودية توازن بين الانضباط المالي وطموحاتها الاستثمارية الضخمة

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

أشار أحدث تقرير حول المشهد الاقتصادي في الشرق الأوسط لعام 2025، صادر عن شركة «بي دبليو سي (PWC)» العالمية للاستشارات، إلى النمو المستدام الذي تشهده المنطقة بجميع أنحائها، المدفوع في الأساس بالأداء القوي لقطاعها غير النفطي، إذ أدت التقلبات في سوق النفط إلى تجديد التركيز على الانضباط المالي، لا سيما في السعودية التي تعمل على إعادة ضبط أولوياتها لتحقيق التوازن بين الانضباط المالي والأهداف الاستثمارية الطموحة، مع تركيزها على تعزيز القطاع الخاص وتطوير مشروعات البنية التحتية؛ لتعزيز السياحة وتحسين جودة حياة السكان. وفي الوقت نفسه، أضاف التقرير أن دول الخليج تعمل على إصلاح أنظمة ضرائب الشركات لديها، في خطوة تهدف إلى ضمان التوافق والمواءمة مع القواعد العالمية لمكافحة تآكل الوعاء الضريبي، الصادرة عن «منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)»، ما يؤكد سعي دول المنطقة الحثيث إلى تنويع إيراداتها. ورغم الظروف المعاكسة التي يواجهها قادة الأعمال، فإنهم لا يزالون على يقين بما يتعلق بالآفاق الاقتصادية المستقبلية التي تنتظر المنطقة.

تحقيق التوازن

ويشرح ريتشارد بوكسشال، الشريك وكبير الخبراء الاقتصاديين في «بي دبليو سي - الشرق الأوسط»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «السعودية تتبنى نهجاً مدروساً من خلال إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، والتركيز على الاستثمارات القائمة على القيمة؛ لتحقيق التوازن بين الانضباط المالي والمشروعات الكبرى للبنية التحتية».

وقال إنه رغم توقُّع الحكومة السعودية عجزاً قدره 27 مليار دولار في عام 2025، فإنها تظل ملتزمةً بتعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي من خلال الاستثمارات المستهدفة في البنية التحتية والسياحة والقطاعات المدفوعة بالتكنولوجيا، وتحفيز مشاركة القطاع الخاص، ومبادرات الخصخصة لتقاسم تكاليف المشروعات وتقليل الإنفاق العام، واستخدام صندوق الثروة السيادي وصناديق التنمية؛ لتمويل المبادرات الرئيسية دون الاعتماد المفرط على الإنفاق الحكومي. وهو ما يضمن أن تواصل استثمارات «رؤية 2030» دفع التحول الاقتصادي، مع الحفاظ على الاستدامة المالية على المدى الطويل.

وأضاف بوكسشال أن السعودية حققت تقدماً كبيراً في تحولها وفقاً لـ«رؤية 2030»، مع أكثر من 5 آلاف مشروع بقيمة 5 تريليونات دولار قيد التنفيذ حالياً، في البنية التحتية مثل «مترو الرياض»، و«بوابة الدرعية»، و«المربع الجديد»، التي تعزز التنقل الحضري، والاستدامة، وجودة الحياة، إلى جانب السياحة، والطاقة المتجددة، حيث تواصل المملكة الاستثمار في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح؛ لتقليل انبعاثات الكربون وتطوير مزيج طاقة أكثر استدامة، من خلال مبادرات مثل محطة «سكاكا» للطاقة الشمسية، ومحطة دومة الجندل لتوليد الطاقة بالرياح.

شعار شركة «بي دبليو سي» في أحد مكاتبها (رويترز)

آفاق النمو

وأظهر التقرير أن قرار مجموعة «أوبك بلس» تأجيل التخفيضات الطوعية التدريجية وتمديدها إلى عام 2026، جاء في سياق دعم الأسعار وسط مؤشرات على تباطؤ نمو الطلب على النفط مقارنةً بالتوقعات السابقة لـ«أوبك»، لا سيما في الصين، إلا أن حالات عدم اليقين التي تعم أرجاء العالم، ومن بينها سياسات الطاقة الأميركية، أدت إلى تفاقم التقلبات التي تشهدها السوق. ومن المتوقع أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 70 دولاراً للبرميل، متراجعاً من 80 دولاراً في عام 2024.

ويرى بوكسشال أن هذه الاستراتيجية تؤثر في الاستثمار من جانب تكييف حكومات دول مجلس التعاون الخليجي السياسات المالية والنفقات بناءً على توقعات أسعار النفط، مما يضمن الاستدامة المالية مع الحفاظ على خطط النمو، وتسريع الاستثمار غير النفطي، حيث تضاعف هذه الدول جهودها في تنويع الاقتصاد، مع التركيز على قطاعات اللوجيستيات، والمالية، والسياحة، والتكنولوجيا؛ للحفاظ على نمو الناتج المحلي الإجمالي.

القواعد الضريبية

وتعمل اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي على تنويع إيراداتها من خلال توسيع القواعد الضريبية، واعتماد قواعد الحد الأدنى للضرائب العالمية لـ«منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي» ومجموعة العشرين، الركيزة الثانية للمؤسسات الكبرى متعددة الجنسيات. تعتزم دول مجلس التعاون الخليجي تطبيق القواعد العالمية لمكافحة تآكل الوعاء الضريبي مع بداية عام 2025؛ ما سيؤدي إلى تحصيل إيرادات ضريبية إضافية، وفق التقرير.

وفي هذا الإطار، قال بوكسشال: «توفر كثير من الإصلاحات الضريبية في المنطقة بيئةً ضريبيةً أكثر قابلية للتنبؤ وتنظيماً للشركات، مما يدعم الاستثمارات طويلة الأجل والاستقرار الاقتصادي. في حين يتعين على الشركات التكيُّف مع متطلبات الامتثال الجديدة، فإن المناخ التجاري العام يظل جذاباً، مع معدلات ضريبية تنافسية، وحوافز استراتيجية، وإصلاحات اقتصادية، ونمو قوي في القطاعات غير النفطية، ما يعزز مكانة المنطقة بوصفها مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار».

الرؤساء التنفيذيون

وسلَّطت نتائج المنطقة الواردة في استطلاع «بي دبليو سي» لانطباعات الرؤساء التنفيذيين، الضوء على استمرار التفاؤل بين قادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط، وبدرجة أكبر من نظرائهم العالميين. وما يلفت الانتباه هو أن 90 في المائة منهم في منطقة الخليج يتوقَّعون نمو الإيرادات في عام 2025، بينما يحافظ 71 في المائة منهم على ثقتهم بنمو الاقتصاد المحلي، بينما يتوقَّع 77 في المائة من الرؤساء التنفيذيين في السعودية الأمر ذاته، وهي نسبة تتجاوز نسبة نظرائهم العالميين في هذا الصدد التي تبلغ 57 في المائة.

وأرجع بوكسشال هذه الثقة إلى خطط التحول الوطني، حيث تستثمر الحكومات في البنية التحتية والسياحة والتكنولوجيا؛ لدفع النمو طويل الأجل، بالإضافة إلى المناخ الاستثماري القوي في دول مجلس التعاون الخليجي، مدعوماً بسياسات ملائمة للأعمال وحوافز ضريبية، ونمو الخدمات المالية والعقارات والاقتصاد الرقمي، والصمود أمام الاتجاهات العالمية، مع وجود احتياطات مالية قوية وإصلاحات استباقية.


مقالات ذات صلة

«بوينغ» تطالب واشنطن بالتدخل بشأن تمويل أوروبي لـ«إيرباص»

الاقتصاد شعار «بوينغ» في «معرض باريس الدولي الـ55 للطيران» بمطار «لو بورجيه» (رويترز)

«بوينغ» تطالب واشنطن بالتدخل بشأن تمويل أوروبي لـ«إيرباص»

طلبت شركة «بوينغ» من الإدارة الأميركية التدخل لدى «الاتحاد الأوروبي» للحصول على تفاصيل قرض بقيمة 3 مليارات يورو منحه «بنك الاستثمار الأوروبي» شركةَ «إيرباص»...

«الشرق الأوسط» (فارنبورو (إنجلترا))
الاقتصاد شعار شركة «تي إس إم سي» داخل متحف للابتكار في هسينتشو بتايوان (رويترز)

«تي إس إم سي» تخطط لرفع أسعار صناعة الرقائق حتى 10 في المائة بحلول 2027

تعتزم شركةُ «تي إس إم سي (TSMC)»؛ أضخمُ صانع رقائق إلكترونية بموجب عقود في العالم، زيادةَ أسعار تصنيع الرقائق بنسب تصل إلى 10 في المائة بدءاً من عام 2027...

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
الاقتصاد أحد فروع مصرف «الراجحي» في السعودية (البنك)

«الراجحي» يرفع أرباحه الفصلية 14 % إلى 1.87 مليار دولار

ارتفعت أرباح «الراجحي» 14 في المائة خلال الربع الثاني إلى 7.01 مليار ريال بدعم نمو دخل التمويل والاستثمار رغم زيادة المخصصات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مقر البنك السعودي الأول في السعودية (البنك)

«الأول» السعودي يحقق ربحاً صافياً بـ1.18 مليار دولار في النصف الأول

حقق البنك السعودي الأول (الأول) صافي ربح بعد الزكاة وضريبة الدخل بلغ 4.417 مليار ريال (1.18 مليار دولار) خلال النصف الأول من عام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رئيس الوزراء البريطاني المعيّن حديثاً أندي بيرنهام يلقي خطاباً أمام مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت (رويترز)

وسط ضغوط الإنفاق... كيف يمكن لحكومة بيرنهام زيادة الضرائب في بريطانيا؟

قال رئيس الوزراء البريطاني الجديد، أندي بيرنهام، إنه قد يطلب من المواطنين دفع «المزيد قليلاً» من الضرائب، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً متزايدة على الإنفاق.

«الشرق الأوسط» (لندن)