ما هي المعادن النادرة في أوكرانيا؟... ولماذا يستهدفها ترمب؟

تمتلك 5% من إجمالي موارد العالم... وتحتفظ بأكبر احتياطات من الليثيوم والتيتانيوم بأوروبا

TT

ما هي المعادن النادرة في أوكرانيا؟... ولماذا يستهدفها ترمب؟

أحد مواقع استخراج المعادن النادرة في أوكرانيا (صندوق ممتلكات الدولة في أوكرانيا)
أحد مواقع استخراج المعادن النادرة في أوكرانيا (صندوق ممتلكات الدولة في أوكرانيا)

ارتفعت فرص التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يوفر للولايات المتحدة إمكانية الوصول إلى المعادن الأرضية النادرة في أوكرانيا، وفق ما كشفه مصدر مطلع نهاية الأسبوع من إحراز «تقدم كبير» بين البيت الأبيض وأوكرانيا على هذا الصعيد.

وقد جاء التقدم في المحادثات بعد أن تبادل الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي، تصريحات حادة حول خلافاتهما بشأن هذه المسألة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويبدي صنّاع السياسات في الولايات المتحدة اهتماماً بالمعادن الأرضية النادرة وغيرها؛ لأنها تدعم كل شيء؛ من أنظمة الأسلحة المتقدمة إلى تقنيات الطاقة النظيفة... وقد أشعلت سيطرة الصين الساحقة على سلاسل التوريد العالمية للعديد من هذه الموارد، سباقاً في واشنطن لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن قبضة بكين.

الرئيس الأوكراني يصافح وزير الخزانة الأميركي خلال اجتماعهما في كييف (أرشيفية - إ.ب.أ)

وتتمتع أوكرانيا باحتياطات كبيرة من المعادن الأرضية النادرة التي تشكل أهمية بالغة لأحدث التقنيات في العالم. وسوف يحدد استعدادها من عدمه لتقاسم معادنها وعائدات بيعها، ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنهي كل الدعم الذي تقدمه للبلاد أم لا، مع اقتراب حربها مع روسيا من بداية عامها الرابع في 24 فبراير (شباط).

يقول المنتدى الاقتصادي العالمي إن أوكرانيا تعد من الموردين المحتملين الرئيسيين للمعادن النادرة، بما في ذلك التيتانيوم والليثيوم والبيريليوم والمنغنيز والغاليوم واليورانيوم والزركونيوم والغرافيت والأباتيت والفلوريت والنيكل. وعلى الرغم من الحرب، تحتفظ أوكرانيا بأكبر احتياطات من التيتانيوم في أوروبا (7 في المائة من احتياطات العالم). وهي واحدة من البلدان القليلة التي تستخرج خامات التيتانيوم، وهو أمر بالغ الأهمية لصناعات الطيران والفضاء والطب والسيارات والبحرية.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عرض على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي صفقة في وقت سابق من هذا الشهر تقضي بمنح الولايات المتحدة ملكية 50 في المائة من المعادن النادرة في أوكرانيا مقابل الاستثمار الأميركي في أوكرانيا، وفق ما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست».

ولم يتم الكشف عن تفاصيل الطلب الأصلي للبيت الأبيض، بما في ذلك قائمة الموارد وطبيعة الحقوق المطلوبة. ولكن، وفقاً لأحد المستشارين الأوكرانيين للصحيفة، فإن الاقتراح ركز على تأمين الوصول إلى الرواسب الأوكرانية من المعادن النادرة والمواد الحيوية، بما في ذلك الليثيوم والغرافيت واليورانيوم، الضرورية لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية.

بطاريات ليثيوم أيون للسيارات الكهربائية في «معرض باريس للسيارات 2024» في باريس (أرشيفية - رويترز)

تعريف المعادن الأرضية النادرة

المعادن الأرضية النادرة، كما توضح وزارة الطاقة الأميركية، هي سلسلة من العناصر التي تشكل أهمية بالغة للإلكترونيات الحديثة والبطاريات وما شابه ذلك.

وتمتلك الولايات المتحدة هذه المعادن، ولكن ليس بالكميات التي تمتلكها بعض الدول الأخرى. وقد أنفقت وزارة الدفاع الأميركية مئات الملايين من الدولارات في محاولة لإنشاء سلسلة توريد للمعادن النادرة، ولكن التأثير كان محدوداً حتى الآن، وفق الموقع الإخباري الأميركي «أكسيوس».

ووفقاً لمركز المعلومات الإقليمي لأوروبا الغربية التابع للأمم المتحدة، تمتلك أوكرانيا رواسب كبيرة من العناصر الأرضية النادرة. ففي عام 2022، أفادت الأمم المتحدة بأن رواسب أوكرانيا من 21 عنصراً من العناصر الأرضية النادرة من قائمة 30 مادة يحددها الاتحاد الأوروبي على أنها «مواد خام أساسية»، تمثل نحو 5 في المائة من احتياطات العالم. هذه المواد أساسية في إنتاج الأجهزة لتطوير الطاقة «الخضراء»، وهي تشمل الليثيوم والكوبالت والسكانديوم والغرافيت والتنتالوم والنيوبيوم.

ووفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الوطنية في البلاد، تمتلك أوكرانيا احتياطات كبيرة غير مستغلة من المعادن مثل التنتالوم والبريليوم والنيوبيوم والتي لها استعمالات في كل شيء، بدءاً من المكثفات في الأجهزة الإلكترونية إلى الفرامل في الطائرات النفاثة. في حين تقدّر الحكومة الأوكرانية أنها تحتفظ بأكثر من 2.6 مليار طن من احتياطات هذه المعادن الحيوية، ويقدر بعض المراقبين أن هذا المخزون قد يصل إلى 11.5 تريليون دولار.

وقد وصفت المفوضية الأوروبية أوكرانيا بأنها مصدر محتمل لأكثر من 20 من المواد الخام الأساسية، بما في ذلك رواسب الكاولين والغاليوم والمنغنيز والجرمانيوم. وهي أيضاً ذات أهمية بالنسبة لروسيا؛ إذ يقدر المحللون أن موسكو حصلت على أكثر من 12 تريليون دولار من أصول الطاقة والمعادن الأوكرانية (يشمل هذا الرقم رواسب النفط والفحم).

من جهتها، تعتبر هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن معادن الليثيوم والغرافيت «حاسمة للاقتصاد والأمن القومي الأميركي». وتُعتبر الصين - المنافس الاقتصادي الرئيسي للولايات المتحدة على الساحة العالمية - أكبر منتج للغرافيت في العالم وتعالج كميات هائلة من الليثيوم.

ويرى نائب مدير مركز استخبارات المعادن الحرجة في المملكة المتحدة، بيار غوسو، أن الليثيوم والغرافيت واليورانيوم «هي محور التحول في مجال الطاقة، ولها قيمة استراتيجية وصناعية كبيرة». وتوقع أن تصبح هذه العناصر الثلاثة أكثر قيمة في السنوات القادمة؛ إذ يفوق الطلب العرض بشكل متزايد، وفق ما قاله للصحيفة الأميركية. ولكن ما هي المعادن النادرة التي تحتفظ بها أوكرانيا؟

الليثيوم

وفقاً للأكاديمية الوطنية للعلوم في أوكرانيا، فإنها تمتلك واحداً من أكبر احتياطات الليثيوم المؤكدة في أوروبا (ما يقدر بـ500 ألف طن متري من احتياطي الليثيوم لم يتم استغلال أي منها بعد). يطيل المعدن الفضي الناعم من عمر البطاريات ويمكّنها من الاحتفاظ بشحنات أطول، مما يجعله ضرورياً للبطاريات القوية المستخدمة لتشغيل السيارات الكهربائية.

ويقع أحد احتياطات الليثيوم الرئيسية في أوكرانيا على بعد نحو 10 أميال فقط من خط المواجهة.

وبحسب تصريح سابق لنائب وزير حماية البيئة والموارد الطبيعية في أوكرانيا عام 2022، فإن «الليثيوم، بفضل قدرته على تخزين الطاقة بكفاءة لكل وحدة وزن، بات لا غنى عنه تقريباً في إنتاج بطاريات المركبات الكهربائية. وبالتالي، فإن الدعم والتعاون في المزيد من إزالة الاحتلال من الأراضي الأوكرانية من شأنه أن يسرع ويوسع الوصول إلى المواد الخام الأوكرانية الحيوية لأوكرانيا ولشركائنا من منطقة اللجنة الاقتصادية لأوروبا التابعة للأمم المتحدة».

اليورانيوم

يُستخدم هذا العنصر المشع بشكل طبيعي كمصدر رئيسي لوقود المفاعلات النووية. ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يمكن لكمية بحجم بيضة من وقود اليورانيوم أن توفر نفس كمية الطاقة التي يوفرها 88 طناً مترياً من الفحم. وهو ثمين، ولكنه لا يعتبر نادراً.

ووفقاً للرابطة النووية العالمية، تمتلك أوكرانيا أكبر مخزون من اليورانيوم الخام في أوروبا، حيث يبلغ أكثر من 107 آلاف طن متري.

الغرافيت

تمثل احتياطات أوكرانيا من الغرافيت، وهو مكون رئيسي في بطاريات المركبات الكهربائية والمفاعلات النووية، 20 في المائة من الموارد العالمية. وتقع الرواسب في الوسط والغرب.

وليس من المستغرب أن يبدو ترمب حريصاً على الاستفادة من هذا، وخاصة أن الصين لا تزال لاعباً رئيسياً في استخراج المعادن مثل التيتانيوم.

وقبل بدء الصراع، كانت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية تعتبر أوكرانيا واحدة من أكبر 10 منتجين للغرافيت في العالم.

وفي أحد المناجم في منطقة كيروفوهراد وسط أوكرانيا، توقعت شركة التعدين «بي جي في» (BGV) أن يحتوي أحد المناجم في المنطقة على 500 مليون طن متري من الغرافيت.

التيتانيوم

قالت هيئة الجيولوجيا الحكومية الأوكرانية إن البلاد تمتلك أكبر احتياطات من التيتانيوم في أوروبا (8.4 مليون طن متري من احتياطي التيتانيوم)، أو نحو 7 في المائة من احتياطات العالم. والتيتانيوم هو معدن فضي قوي مثل الفولاذ، ولكنه أخف وزناً بنسبة 45 في المائة، وأكثر استخداماته الحديثة أهميةً في صناعة الطيران.

واعتباراً من سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، باتت أوكرانيا مزوداً رئيسياً لمعدن التيتانيوم روتيل إلى الولايات المتحدة.

البريليوم

تحتفظ أوكرانيا برواسب مؤكدة من البريليوم، وهو أمر بالغ الأهمية للطاقة النووية والصناعات الفضائية والعسكرية والصوتية والإلكترونية، فضلاً عن اليورانيوم، وهو أمر ضروري للقطاعين النووي والعسكري.

وتدير شركة «بي جي في» منجماً للبريليوم في منطقة زيتومير شمال غربي أوكرانيا، والتي قالت إن لديها احتياطات مؤكدة تبلغ 5512 طناً مترياً من المعدن النادر.

وتشمل مجموعة تطبيقات البريليوم الاستخدام في أجهزة الكمبيوتر والهواتف الجوالة ومعدات التصوير الطبي ومكونات السيارات ومعدات الطائرات.

الغاليوم

تعد أوكرانيا خامس أكبر منتج للغاليوم في العالم، وهو عنصر أساسي في صناعة أشباه الموصلات ومصابيح الليد. كما كانت منتجاً رئيسياً لغاز النيون؛ إذ توفر 90 في المائة من النيون عالي النقاء المخصص لأشباه الموصلات لصناعة الرقائق في الولايات المتحدة.

وتشتهر البلاد أيضاً باحتياطاتها الكبيرة عالية الجودة من خام الحديد والمنغنيز، والتي تعد ضرورية لإنتاج الصلب الأخضر. وقد زودت أوكرانيا 43 في المائة من واردات الاتحاد الأوروبي من ألواح الصلب في عام 2021.

بالإضافة إلى ذلك، تمتلك أوكرانيا احتياطات كبيرة من المعادن غير الحديدية مثل النحاس (الرابع في أوروبا) والرصاص (الخامس) والزنك (السادس) والفضة (التاسع). وتوجد رواسب النيكل (215 ألف طن) والكوبالت (8.8 ألف طن) في منطقتي كيروفوهراد ودنيبروبيتروفسك الآمنتين.

استثمارات

في يناير (كانون الثاني)، قال النائب الأول لوزير الاقتصاد الأوكراني أوليكسي سوبوليف إن الحكومة تعمل على إبرام صفقات مع حلفاء غربيين، بما في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، بشأن مشاريع تتعلق باستغلال المواد الحيوية. وتقدر الحكومة إجمالي إمكانات الاستثمار في القطاع بنحو 12 إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2033.

ولا شك أن الساعات القادمة حاسمة لبلورة التوصل إلى اتفاق أو رفضه، في وقت تتسرب معلومات من الجانب الأوكراني تربط الموافقة على الاتفاق بحصول كييف على ضمان أمني بعدم شن حرب عليها من روسيا.


مقالات ذات صلة

أسعار الألمنيوم تقفز 6 % بعد استهداف منشآت كبرى بالخليج

الاقتصاد يعد الألمنيوم المعدن الأكثر استخداماً بعد الصلب (إكس)

أسعار الألمنيوم تقفز 6 % بعد استهداف منشآت كبرى بالخليج

قفزت أسعار الألمنيوم بنحو 6 في المائة في الأسواق العالمية بعد أن استهدفت إيران موقعين رئيسيين للإنتاج في منطقة الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)

الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

لم تعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مجرد تهديد لخطوط الملاحة، بل انتقلت لتضرب قلب البنية التحتية الصناعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ملف قضبان نحاس على خط إنتاج في مصنع «ويلأسنت» بغانتشو في الصين (رويترز)

النحاس يرتد وينهي خسائر يومين بدعم ضعف الدولار

انتعشت أسعار النحاس يوم الأربعاء، مدعومة بتراجع الدولار وتجدد الآمال في تهدئة التوترات بالشرق الأوسط، مما عزّز توقعات الطلب على المعادن.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)

بعد 8 سنوات من المفاوضات... أستراليا والاتحاد الأوروبي يبرمان اتفاقية تجارة حرة شاملة

أبرم الاتحاد الأوروبي وأستراليا، يوم الثلاثاء، اتفاقية تجارة حرة شاملة طال انتظارها، بعد مفاوضات استمرت 8 سنوات.

«الشرق الأوسط» (كانبرا )
الاقتصاد أكوام من خام الحديد المستورد تُرى في أحد المواني بمحافظة تشوشان بمقاطعة تشيجيانغ الصين (رويترز)

ارتفاع أسعار خام الحديد تحت وطأة غلاء الشحن والطاقة

ارتفعت العقود الآجلة لخام الحديد يوم الاثنين، مدعومة بارتفاع أسعار الشحن، كما سجلت أسعار مكونات صناعة الصلب الأخرى، مثل فحم الكوك.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة - بكين)

البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
TT

البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)

خفّضت البنوك المركزية الأجنبية حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012، وفق ما كشفت عنه صحيفة «فاينانشال تايمز». وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الدول لبيع هذه الأصول السيادية لدعم اقتصاداتها وحماية عملاتها المحلية من الانهيار في أعقاب اندلاع الحرب على إيران.

وأظهرت بيانات «الاحتياطي الفيدرالي» أن قيمة السندات التي تحتفظ بها المؤسسات الرسمية الدولية -وهي مجموعة تضم بشكل أساسي البنوك المركزية والحكومات- تراجعت بمقدار 82 مليار دولار منذ 25 فبراير (شباط) الماضي، لتستقر عند 2.7 تريليون دولار. ويعكس هذا التراجع الحاد، الذي حدث خلال شهر واحد فقط منذ بدء الحرب، حجم الاضطراب الذي أصاب الموارد المالية للدول المعتمدة على استيراد النفط، نتيجة لقفزة أسعار الطاقة التي أشعلها إغلاق إيران مضيق هرمز الحيوي.

فاتورة الطاقة والتدخل في العملات

أدى الارتفاع الكبير في أسعار النفط وصعود الدولار على نطاق واسع إلى وضع البنوك المركزية أمام خيار وحيد: التدخل في أسواق الصرف الأجنبي لدعم عملاتها، وهي عملية تتطلّب عادةً تسييل السندات الأميركية للحصول على السيولة الدولارية. وقالت استراتيجية الأسعار الأميركية في «بنك أوف أميركا»، ميغان سويبر: «القطاع الرسمي الأجنبي يبيع سندات الخزانة بشكل مكثف».

من جانبه، أوضح الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية، براد سيتسر، أن مستوردي النفط مثل تركيا والهند وتايلاند هم على الأرجح في طليعة البائعين، حيث يضطرون إلى دفع مبالغ أكبر مقابل النفط المقوم بالدولار. وتُظهر البيانات الرسمية أن البنك المركزي التركي وحده باع 22 مليار دولار من الأوراق المالية الحكومية الأجنبية من احتياطياته منذ 27 فبراير، وهو اليوم الذي سبق الهجمات على إيران، ويُعتقد أن جزءاً كبيراً من هذه المبيعات كان من سندات الخزانة الأميركية.

تحصين «خزائن الحرب»

يرى محللون أن هذه الدول لا ترغب في رؤية عملاتها تضعف أكثر، لأن ذلك يرفع السعر المحلي للنفط، مما يفرض إما زيادة الدعم الحكومي وإما إلحاق ضرر بالغ بالأسر. وفي هذا السياق، رأى كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «آيغون» لإدارة الأصول، ستيفن جونز، أن البيانات تشير إلى قيام الجهات الرسمية الأجنبية بـ«تحصين خزائن الحرب» من خلال تسييل السندات للحصول على نقد عاجل لمواجهة التقلبات.

وعلى الرغم من أن بعض المحللين أشاروا إلى أن هذه الحيازات قد تكون انتقلت إلى وسطاء آخرين خارج «فيدرالي نيويورك»، فإن ميغان سويبر أكدت أن حجم المبيعات المسجل يظل لافتاً، خصوصاً أن سوق سندات الخزانة تضاعف ثلاث مرات منذ عام 2012، وهو العام الذي شهد آخر مرة مستويات مماثلة من البيع.

ضغوط إضافية على السوق الأميركية

تأتي مبيعات البنوك المركزية في وقت حساس تعاني فيه سوق السندات الأميركية أصلاً من ضغوط بيعية، حيث يتخوّف المتداولون من أن يؤدي صراع الشرق الأوسط إلى تأجيج التضخم عالمياً. وقد دفع هذا الضغط العوائد على السندات لأجل عامين و10 أعوام إلى الارتفاع خلال هذا الشهر بأكبر وتيرة لها منذ عام 2024، مما رفع تكاليف الاقتراض ليس فقط للحكومة الأميركية، بل للشركات والأسر أيضاً.

وتختتم «فاينانشال تايمز» تقريرها بالإشارة إلى أن هذه الحركة تعكس قصة أكبر بدأت تتشكل في السنوات الأخيرة، وهي سعي مديري الاحتياطيات الأجنبية والحسابات الرسمية إلى تنويع أصولهم بعيداً عن سندات الخزانة الأميركية، مما يجعل المستثمرين القطاع الخاص الأجنبي يلعب دوراً متزايد الأهمية في هذه السوق التي تعد الأكبر والأعمق في العالم بقيمة 30 تريليون دولار.


«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
TT

«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

في تقييم هو الأكثر قتامة منذ اندلاع المواجهات العسكرية في المنطقة، حذَّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، الذي يدخل أسبوعه الخامس، يضع المسار التنموي للمنطقة العربية في مواجهة مخاطر غير مسبوقة. فبحسب تقديرات حديثة صادرة عن البرنامج، لن تقتصر التداعيات العسكرية على مناطق النزاع المباشر، بل ستمتد لتمحو مكاسب تنموية تحققت بشق الأنفس، مهددة بابتلاع إجمالي النمو الذي حققته المنطقة في عام 2025 بالكامل. وتُشير هذه التقديرات إلى أن التصعيد قد يُكبّد اقتصادات المنطقة العربية خسائر هائلة تتراوح قيمتها بين 120 مليار دولار و194 ملياراً، ما يعادل خسارة بنسبة 3.7 في المائة إلى 6.0 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي الجماعي.

هذا النزيف المالي يصاحبه ارتفاع حاد في معدلات البطالة يناهز 4 نقاط مئوية، ما يترجم فعلياً إلى فقدان 3.6 مليون وظيفة؛ وهو عدد يفوق إجمالي الوظائف التي استحدثتها المنطقة العربية خلال عام 2025 بأكمله.

وكشف تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بعنوان «التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على المنطقة العربية»، عن واقع مقلق لنقاط الضعف الهيكلية التي تتسم بها المنطقة؛ حيث إن تصعيداً عسكرياً قصير الأمد يمكن أن يُحدث تداعيات اجتماعية واقتصادية عميقة وواسعة النطاق، قد يستمر تأثيرها على المدى الطويل.

عائلة تجلس أمام حوض بناء السفن في خورفكان بإمارة الشارقة قبالة ساحل خليج عُمان (أ.ف.ب)

شرايين الطاقة المختنقة

يحلل التقييم الفني أثر النزاع العسكري على حركة الملاحة الإقليمية، معتبراً أن اضطراب الممرات البحرية الحيوية يمثل «قناة الانتقال الرئيسية» للأزمة الاقتصادية. ويأتي مضيق هرمز كأبرز نقاط الاختناق، حيث يشير التقرير إلى أن المضيق - الذي يعبر من خلاله 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية - قد دخل حالة «إغلاق فعلي»، مما خلق صدمة هيكلية عطلت تدفقات الطاقة والسلع الأساسية، ودفع أسعار النفط لقفزات قياسية غير مسبوقة منذ عقود.

ووفقاً لنماذج المحاكاة التي اعتمدها التقرير في سيناريو «الاضطراب الشديد المصحوب بصدمة الطاقة»، فإن استمرار إغلاق أو تعثر هذه الممرات المائية الحيوية سيؤدي إلى قفزة جنونية في التكاليف التجارية تصل إلى 100 ضعف. هذا الشلل اللوجيستي أجبر الموردين على إعادة توجيه مسارات الشحن بعيداً عن مناطق النزاع، مما أدَّى لتقليص هوامش الربح في القطاعات الإنتاجية.

وحذَّر البرنامج من أنَّ هذا التعطُّل بات يهدد بشكل مباشر الأمن الغذائي الإقليمي وسلاسل إمداد الأدوية، خاصة في الدول التي تعتمد كلياً على الاستيراد عبر هذه الممرات المضطربة.

مبنى تضرر جراء هجوم بطائرة إيرانية مسيَّرة في المنامة البحرين (رويترز)

الخليج ومنطقة المشرق في مواجهة الصدمة

تُبرز النتائج أن التداعيات ليست متجانسة، بل تتفاوت بشكل ملحوظ عبر أرجاء المنطقة نظراً للخصائص الهيكلية التي تتسم بها مناطقها الفرعية الرئيسية. وتشير التقديرات إلى أن أكبر الخسائر على مستوى الاقتصاد الكلي تتركز في منطقتي مجلس التعاون الخليجي ومنطقة المشرق.

وفيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، تشير محاكاة السيناريوهات الأكثر حدة إلى احتمال فقدان ما بين 5.2 في المائة إلى 8.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وبناءً على هذه النماذج التقديرية، حذَّر التقرير من خطر فقدان ما يصل إلى 3.1 مليون وظيفة، بسبب توقف الإنتاجية في حال استمرار التصعيد العسكري.

أما في منطقة المشرق (لبنان، والأردن، والعراق، وسوريا)، فإن الأثر يتجاوز الأرقام ليصبح كارثة إنسانية بامتياز. إذ أشار التقييم إلى أن هذه المنطقة هي بؤرة الفقر الجديدة، حيث سيُدفع ما بين 2.85 و3.30 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر، وهو ما يمثل أكثر من 75 في المائة من إجمالي الزيادة في الفقر على مستوى المنطقة العربية ككل.

وفي لبنان، يحذِّر برنامج الأمم المتحدة في تقييمه من «انهيار صامت» يطال اللاجئين والنازحين مع انقطاع سلاسل الإغاثة، وتزايد الضغوط على قطاعات التعليم والصحة التي باتت عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات.

متطوعون في مبادرة «مطبخ الطوارئ» يعدون وجبات طعام للنازحين في لبنان (أ.ف.ب)

العودة إلى الوراء

على امتداد المنطقة، يُتوقع أن يتراجع مستوى التنمية البشرية - كما يقيسه مؤشر التنمية البشرية - بنسبة تتراوح تقريباً بين 0.2 و0.4 في المائة، وهو ما يعادل انتكاسة تعادل نحو نصف عام إلى عام كامل تقريباً من التقدم المحرز في مجال التنمية البشرية.

مخاطر الاستقرار النقدي

حذَّر التقييم الفني من أن استمرار الأزمة يضع الاستقرار النقدي في المنطقة العربية على المحك. وأشار إلى أن الضغوط المتزايدة على العملات المحلية في دول المشرق وشمال أفريقيا قد تضطر المصارف المركزية - في حال تفاقم التضخم المستورد - إلى اللجوء لخيارات صعبة، منها رفع أسعار الفائدة. وينبه إلى أن هذا المسار، رغم كونه أداة لمواجهة التضخم، سيزيد من أعباء خدمة الديون السيادية، مما قد يقلِّص مستقبلاً قدرة الحكومات على تمويل الخدمات العامة الأساسية والبرامج التنموية.

نزيف الأجواء

سجَّل التقييم اضطراباً حادَّاً في قطاع الطيران المدني واللوجيستيات الجوية، حيث أدَّى إغلاق بعض الأجواء وتحويل مسارات الرحلات بعيداً عن مناطق النزاع إلى قفزة في تكاليف التشغيل. وأكَّد التقرير أن هذه التعقيدات تسببت في نزيف حاد لقطاع السياحة الإقليمي، الذي يمثل ركيزة أساسية لتنويع الدخل في دول مثل الأردن ومصر ودول الخليج، مما يهدِّد بفقدان آلاف الوظائف في هذا القطاع الحيوي.

كرسي فارغ بجوار لوحة مغادرة تُظهر إلغاء رحلة تابعة للخطوط الجوية الكويتية (رويترز)

ضرورة تغيير السياسات الاستراتيجية

وفي تقديمه للتقييم، قال الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري: «هذه الأزمة تدق أجراس الإنذار لدول المنطقة لكي تعيد تقييم خياراتها الاستراتيجية المتعلقة بالسياسات المالية والقطاعية والاجتماعية بشكل جذري؛ إذ تُمثّل نقطة تحولٍ مهمة في المسار التنموي للمنطقة». وأضاف: «تُبرز النتائج التي توصلنا إليها الحاجة المُلحة إلى تعزيز التعاون الإقليمي لتنويع الاقتصادات - بما يتجاوز الاعتماد على النمو القائم على إنتاج المحروقات - وكذلك توسيع القواعد الإنتاجية، وتأمين النظم التجارية واللوجيستية، وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية، وذلك للحد من التعرض للصدمات والنزاعات».


طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
TT

طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)

وصفت السلطات اليابانية، الثلاثاء، انخفاض الين بأنه ناتج عن «تحركات مضاربة» للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، في تحول لافت يعكس قلق صانعي السياسة من تدهور العملة.

وكررت وزيرة المالية، ساتسوكي كتاياما، استعداد طوكيو للتحرك «على كافة الجبهات» لمواجهة التقلبات الحادة، خاصة مع اقتراب الين من مستوى 160 للدولار، وهو الخط الأحمر الذي يراه المراقبون حافزاً للتدخل المباشر.

ويرى المحللون أن هذا التصعيد في النبرة يهدف إلى كبح جماح البائعين على المكشوف، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً «مزدوجة» ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز، وزيادة تكاليف الاستيراد بفعل ضعف الين، مما يضع الاقتصاد الياباني الهش أمام مخاطر تضخمية متزايدة.

انتعاش السندات ومزاد ناجح

على مقلب آخر من الأسواق، شهدت السندات الحكومية اليابانية انتعاشاً ملموساً، الثلاثاء، مدعومة بطلب قوي في مزاد للأوراق المالية لأجل عامين. وانخفض العائد على السندات القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساس ليصل إلى 2.340 في المائة، متراجعاً عن ذروته التي سجلها، الاثنين، والتي كانت الأعلى منذ فبراير (شباط) 1999.

وأظهرت بيانات المزاد أن نسبة التغطية بلغت 3.54 مرة، مما يعكس رغبة المستثمرين في اقتناص العوائد الحالية وسط حالة من اليقين بشأن وتيرة رفع الفائدة المستقبلية.

في الوقت ذاته، سجلت السندات طويلة الأجل (20 و30 و40 عاماً) تراجعات ملحوظة في العوائد، مما يشير إلى إعادة تقييم الأسواق لمخاطر الركود العالمي الناتجة عن استمرار النزاعات الجيوسياسية.

معضلة البنك المركزي وقرار أبريل

وعلى الرغم من البيانات التي أظهرت تباطؤ تضخم الأسعار في طوكيو خلال مارس (آذار) إلى 1.7 في المائة - أي دون مستهدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة - إلا أن الخبراء في «باركليز» و«نومورا» يتوقعون أن يكون هذا التباطؤ مؤقتاً.

ويرى المحللون أن البنك المركزي الياباني سيضطر للمضي قدماً في رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه في أبريل (نيسان) المقبل، لمواجهة «الصدمة الثانية» الناتجة عن طفرة أسعار الطاقة وتحول الشركات اليابانية نحو تمرير التكاليف إلى المستهلكين بشكل أكثر جرأة.

وخلص خبراء الاقتصاد إلى أن اليابان باتت أكثر عرضة للتأثيرات الثانوية للتضخم مقارنة بفترة حرب أوكرانيا 2022، مما يضع بنك اليابان أمام خيار صعب: إما رفع الفائدة لمحاربة التضخم وحماية العملة، أو التريث لتجنب الإضرار بالنمو الاقتصادي المتعثر أصلاً تحت وطأة فاتورة الطاقة الباهظة.