ما هي المعادن النادرة في أوكرانيا؟... ولماذا يستهدفها ترمب؟

تمتلك 5% من إجمالي موارد العالم... وتحتفظ بأكبر احتياطات من الليثيوم والتيتانيوم بأوروبا

TT

ما هي المعادن النادرة في أوكرانيا؟... ولماذا يستهدفها ترمب؟

أحد مواقع استخراج المعادن النادرة في أوكرانيا (صندوق ممتلكات الدولة في أوكرانيا)
أحد مواقع استخراج المعادن النادرة في أوكرانيا (صندوق ممتلكات الدولة في أوكرانيا)

ارتفعت فرص التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يوفر للولايات المتحدة إمكانية الوصول إلى المعادن الأرضية النادرة في أوكرانيا، وفق ما كشفه مصدر مطلع نهاية الأسبوع من إحراز «تقدم كبير» بين البيت الأبيض وأوكرانيا على هذا الصعيد.

وقد جاء التقدم في المحادثات بعد أن تبادل الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي، تصريحات حادة حول خلافاتهما بشأن هذه المسألة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويبدي صنّاع السياسات في الولايات المتحدة اهتماماً بالمعادن الأرضية النادرة وغيرها؛ لأنها تدعم كل شيء؛ من أنظمة الأسلحة المتقدمة إلى تقنيات الطاقة النظيفة... وقد أشعلت سيطرة الصين الساحقة على سلاسل التوريد العالمية للعديد من هذه الموارد، سباقاً في واشنطن لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن قبضة بكين.

الرئيس الأوكراني يصافح وزير الخزانة الأميركي خلال اجتماعهما في كييف (أرشيفية - إ.ب.أ)

وتتمتع أوكرانيا باحتياطات كبيرة من المعادن الأرضية النادرة التي تشكل أهمية بالغة لأحدث التقنيات في العالم. وسوف يحدد استعدادها من عدمه لتقاسم معادنها وعائدات بيعها، ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنهي كل الدعم الذي تقدمه للبلاد أم لا، مع اقتراب حربها مع روسيا من بداية عامها الرابع في 24 فبراير (شباط).

يقول المنتدى الاقتصادي العالمي إن أوكرانيا تعد من الموردين المحتملين الرئيسيين للمعادن النادرة، بما في ذلك التيتانيوم والليثيوم والبيريليوم والمنغنيز والغاليوم واليورانيوم والزركونيوم والغرافيت والأباتيت والفلوريت والنيكل. وعلى الرغم من الحرب، تحتفظ أوكرانيا بأكبر احتياطات من التيتانيوم في أوروبا (7 في المائة من احتياطات العالم). وهي واحدة من البلدان القليلة التي تستخرج خامات التيتانيوم، وهو أمر بالغ الأهمية لصناعات الطيران والفضاء والطب والسيارات والبحرية.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عرض على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي صفقة في وقت سابق من هذا الشهر تقضي بمنح الولايات المتحدة ملكية 50 في المائة من المعادن النادرة في أوكرانيا مقابل الاستثمار الأميركي في أوكرانيا، وفق ما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست».

ولم يتم الكشف عن تفاصيل الطلب الأصلي للبيت الأبيض، بما في ذلك قائمة الموارد وطبيعة الحقوق المطلوبة. ولكن، وفقاً لأحد المستشارين الأوكرانيين للصحيفة، فإن الاقتراح ركز على تأمين الوصول إلى الرواسب الأوكرانية من المعادن النادرة والمواد الحيوية، بما في ذلك الليثيوم والغرافيت واليورانيوم، الضرورية لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية.

بطاريات ليثيوم أيون للسيارات الكهربائية في «معرض باريس للسيارات 2024» في باريس (أرشيفية - رويترز)

تعريف المعادن الأرضية النادرة

المعادن الأرضية النادرة، كما توضح وزارة الطاقة الأميركية، هي سلسلة من العناصر التي تشكل أهمية بالغة للإلكترونيات الحديثة والبطاريات وما شابه ذلك.

وتمتلك الولايات المتحدة هذه المعادن، ولكن ليس بالكميات التي تمتلكها بعض الدول الأخرى. وقد أنفقت وزارة الدفاع الأميركية مئات الملايين من الدولارات في محاولة لإنشاء سلسلة توريد للمعادن النادرة، ولكن التأثير كان محدوداً حتى الآن، وفق الموقع الإخباري الأميركي «أكسيوس».

ووفقاً لمركز المعلومات الإقليمي لأوروبا الغربية التابع للأمم المتحدة، تمتلك أوكرانيا رواسب كبيرة من العناصر الأرضية النادرة. ففي عام 2022، أفادت الأمم المتحدة بأن رواسب أوكرانيا من 21 عنصراً من العناصر الأرضية النادرة من قائمة 30 مادة يحددها الاتحاد الأوروبي على أنها «مواد خام أساسية»، تمثل نحو 5 في المائة من احتياطات العالم. هذه المواد أساسية في إنتاج الأجهزة لتطوير الطاقة «الخضراء»، وهي تشمل الليثيوم والكوبالت والسكانديوم والغرافيت والتنتالوم والنيوبيوم.

ووفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الوطنية في البلاد، تمتلك أوكرانيا احتياطات كبيرة غير مستغلة من المعادن مثل التنتالوم والبريليوم والنيوبيوم والتي لها استعمالات في كل شيء، بدءاً من المكثفات في الأجهزة الإلكترونية إلى الفرامل في الطائرات النفاثة. في حين تقدّر الحكومة الأوكرانية أنها تحتفظ بأكثر من 2.6 مليار طن من احتياطات هذه المعادن الحيوية، ويقدر بعض المراقبين أن هذا المخزون قد يصل إلى 11.5 تريليون دولار.

وقد وصفت المفوضية الأوروبية أوكرانيا بأنها مصدر محتمل لأكثر من 20 من المواد الخام الأساسية، بما في ذلك رواسب الكاولين والغاليوم والمنغنيز والجرمانيوم. وهي أيضاً ذات أهمية بالنسبة لروسيا؛ إذ يقدر المحللون أن موسكو حصلت على أكثر من 12 تريليون دولار من أصول الطاقة والمعادن الأوكرانية (يشمل هذا الرقم رواسب النفط والفحم).

من جهتها، تعتبر هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن معادن الليثيوم والغرافيت «حاسمة للاقتصاد والأمن القومي الأميركي». وتُعتبر الصين - المنافس الاقتصادي الرئيسي للولايات المتحدة على الساحة العالمية - أكبر منتج للغرافيت في العالم وتعالج كميات هائلة من الليثيوم.

ويرى نائب مدير مركز استخبارات المعادن الحرجة في المملكة المتحدة، بيار غوسو، أن الليثيوم والغرافيت واليورانيوم «هي محور التحول في مجال الطاقة، ولها قيمة استراتيجية وصناعية كبيرة». وتوقع أن تصبح هذه العناصر الثلاثة أكثر قيمة في السنوات القادمة؛ إذ يفوق الطلب العرض بشكل متزايد، وفق ما قاله للصحيفة الأميركية. ولكن ما هي المعادن النادرة التي تحتفظ بها أوكرانيا؟

الليثيوم

وفقاً للأكاديمية الوطنية للعلوم في أوكرانيا، فإنها تمتلك واحداً من أكبر احتياطات الليثيوم المؤكدة في أوروبا (ما يقدر بـ500 ألف طن متري من احتياطي الليثيوم لم يتم استغلال أي منها بعد). يطيل المعدن الفضي الناعم من عمر البطاريات ويمكّنها من الاحتفاظ بشحنات أطول، مما يجعله ضرورياً للبطاريات القوية المستخدمة لتشغيل السيارات الكهربائية.

ويقع أحد احتياطات الليثيوم الرئيسية في أوكرانيا على بعد نحو 10 أميال فقط من خط المواجهة.

وبحسب تصريح سابق لنائب وزير حماية البيئة والموارد الطبيعية في أوكرانيا عام 2022، فإن «الليثيوم، بفضل قدرته على تخزين الطاقة بكفاءة لكل وحدة وزن، بات لا غنى عنه تقريباً في إنتاج بطاريات المركبات الكهربائية. وبالتالي، فإن الدعم والتعاون في المزيد من إزالة الاحتلال من الأراضي الأوكرانية من شأنه أن يسرع ويوسع الوصول إلى المواد الخام الأوكرانية الحيوية لأوكرانيا ولشركائنا من منطقة اللجنة الاقتصادية لأوروبا التابعة للأمم المتحدة».

اليورانيوم

يُستخدم هذا العنصر المشع بشكل طبيعي كمصدر رئيسي لوقود المفاعلات النووية. ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يمكن لكمية بحجم بيضة من وقود اليورانيوم أن توفر نفس كمية الطاقة التي يوفرها 88 طناً مترياً من الفحم. وهو ثمين، ولكنه لا يعتبر نادراً.

ووفقاً للرابطة النووية العالمية، تمتلك أوكرانيا أكبر مخزون من اليورانيوم الخام في أوروبا، حيث يبلغ أكثر من 107 آلاف طن متري.

الغرافيت

تمثل احتياطات أوكرانيا من الغرافيت، وهو مكون رئيسي في بطاريات المركبات الكهربائية والمفاعلات النووية، 20 في المائة من الموارد العالمية. وتقع الرواسب في الوسط والغرب.

وليس من المستغرب أن يبدو ترمب حريصاً على الاستفادة من هذا، وخاصة أن الصين لا تزال لاعباً رئيسياً في استخراج المعادن مثل التيتانيوم.

وقبل بدء الصراع، كانت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية تعتبر أوكرانيا واحدة من أكبر 10 منتجين للغرافيت في العالم.

وفي أحد المناجم في منطقة كيروفوهراد وسط أوكرانيا، توقعت شركة التعدين «بي جي في» (BGV) أن يحتوي أحد المناجم في المنطقة على 500 مليون طن متري من الغرافيت.

التيتانيوم

قالت هيئة الجيولوجيا الحكومية الأوكرانية إن البلاد تمتلك أكبر احتياطات من التيتانيوم في أوروبا (8.4 مليون طن متري من احتياطي التيتانيوم)، أو نحو 7 في المائة من احتياطات العالم. والتيتانيوم هو معدن فضي قوي مثل الفولاذ، ولكنه أخف وزناً بنسبة 45 في المائة، وأكثر استخداماته الحديثة أهميةً في صناعة الطيران.

واعتباراً من سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، باتت أوكرانيا مزوداً رئيسياً لمعدن التيتانيوم روتيل إلى الولايات المتحدة.

البريليوم

تحتفظ أوكرانيا برواسب مؤكدة من البريليوم، وهو أمر بالغ الأهمية للطاقة النووية والصناعات الفضائية والعسكرية والصوتية والإلكترونية، فضلاً عن اليورانيوم، وهو أمر ضروري للقطاعين النووي والعسكري.

وتدير شركة «بي جي في» منجماً للبريليوم في منطقة زيتومير شمال غربي أوكرانيا، والتي قالت إن لديها احتياطات مؤكدة تبلغ 5512 طناً مترياً من المعدن النادر.

وتشمل مجموعة تطبيقات البريليوم الاستخدام في أجهزة الكمبيوتر والهواتف الجوالة ومعدات التصوير الطبي ومكونات السيارات ومعدات الطائرات.

الغاليوم

تعد أوكرانيا خامس أكبر منتج للغاليوم في العالم، وهو عنصر أساسي في صناعة أشباه الموصلات ومصابيح الليد. كما كانت منتجاً رئيسياً لغاز النيون؛ إذ توفر 90 في المائة من النيون عالي النقاء المخصص لأشباه الموصلات لصناعة الرقائق في الولايات المتحدة.

وتشتهر البلاد أيضاً باحتياطاتها الكبيرة عالية الجودة من خام الحديد والمنغنيز، والتي تعد ضرورية لإنتاج الصلب الأخضر. وقد زودت أوكرانيا 43 في المائة من واردات الاتحاد الأوروبي من ألواح الصلب في عام 2021.

بالإضافة إلى ذلك، تمتلك أوكرانيا احتياطات كبيرة من المعادن غير الحديدية مثل النحاس (الرابع في أوروبا) والرصاص (الخامس) والزنك (السادس) والفضة (التاسع). وتوجد رواسب النيكل (215 ألف طن) والكوبالت (8.8 ألف طن) في منطقتي كيروفوهراد ودنيبروبيتروفسك الآمنتين.

استثمارات

في يناير (كانون الثاني)، قال النائب الأول لوزير الاقتصاد الأوكراني أوليكسي سوبوليف إن الحكومة تعمل على إبرام صفقات مع حلفاء غربيين، بما في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، بشأن مشاريع تتعلق باستغلال المواد الحيوية. وتقدر الحكومة إجمالي إمكانات الاستثمار في القطاع بنحو 12 إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2033.

ولا شك أن الساعات القادمة حاسمة لبلورة التوصل إلى اتفاق أو رفضه، في وقت تتسرب معلومات من الجانب الأوكراني تربط الموافقة على الاتفاق بحصول كييف على ضمان أمني بعدم شن حرب عليها من روسيا.


مقالات ذات صلة

أسعار الألمنيوم تقفز 6 % بعد استهداف منشآت كبرى بالخليج

الاقتصاد يعد الألمنيوم المعدن الأكثر استخداماً بعد الصلب (إكس)

أسعار الألمنيوم تقفز 6 % بعد استهداف منشآت كبرى بالخليج

قفزت أسعار الألمنيوم بنحو 6 في المائة في الأسواق العالمية بعد أن استهدفت إيران موقعين رئيسيين للإنتاج في منطقة الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)

الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

لم تعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مجرد تهديد لخطوط الملاحة، بل انتقلت لتضرب قلب البنية التحتية الصناعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ملف قضبان نحاس على خط إنتاج في مصنع «ويلأسنت» بغانتشو في الصين (رويترز)

النحاس يرتد وينهي خسائر يومين بدعم ضعف الدولار

انتعشت أسعار النحاس يوم الأربعاء، مدعومة بتراجع الدولار وتجدد الآمال في تهدئة التوترات بالشرق الأوسط، مما عزّز توقعات الطلب على المعادن.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)

بعد 8 سنوات من المفاوضات... أستراليا والاتحاد الأوروبي يبرمان اتفاقية تجارة حرة شاملة

أبرم الاتحاد الأوروبي وأستراليا، يوم الثلاثاء، اتفاقية تجارة حرة شاملة طال انتظارها، بعد مفاوضات استمرت 8 سنوات.

«الشرق الأوسط» (كانبرا )
الاقتصاد أكوام من خام الحديد المستورد تُرى في أحد المواني بمحافظة تشوشان بمقاطعة تشيجيانغ الصين (رويترز)

ارتفاع أسعار خام الحديد تحت وطأة غلاء الشحن والطاقة

ارتفعت العقود الآجلة لخام الحديد يوم الاثنين، مدعومة بارتفاع أسعار الشحن، كما سجلت أسعار مكونات صناعة الصلب الأخرى، مثل فحم الكوك.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة - بكين)

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.