ما «ديب سيك» الصينية؟ وماذا يعني ظهورها في سباق الذكاء الاصطناعي؟

تطبيق «ديب سيك» على جوال في بكين (أ.ف.ب)
تطبيق «ديب سيك» على جوال في بكين (أ.ف.ب)
TT

ما «ديب سيك» الصينية؟ وماذا يعني ظهورها في سباق الذكاء الاصطناعي؟

تطبيق «ديب سيك» على جوال في بكين (أ.ف.ب)
تطبيق «ديب سيك» على جوال في بكين (أ.ف.ب)

في عالم يشهد سباقاً محموماً نحو ريادة الذكاء الاصطناعي، ظهرت شركة ناشئة صينية تُدعى «ديب سيك» لتثير الارتباك في حسابات عمالقة التكنولوجيا، وتعيد صياغة قواعد اللعبة. ففي غضون عام واحد فقط، تمكنت «ديب سيك» من تقديم نماذج ذكاء اصطناعي تُنافس الأفضل عالمياً، ليس فقط من حيث الأداء، بل أيضاً من حيث التكلفة والكفاءة.

ما «ديب سيك»؟

«ديب سيك» هي شركة ناشئة صينية في مجال الذكاء الاصطناعي، تأسست في عام 2023 على يد ليانغ وينفنغ، رئيس صندوق التحوط القائم على الذكاء الاصطناعي «هاي فلاير».

تركز الشركة على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر، ما يتيح للمطورين إمكانية فحص وتحسين البرمجيات بحرية.

وفي يناير (كانون الثاني)، صعد تطبيقها المحمول إلى قمة تصنيفات تنزيلات «آيفون» في الولايات المتحدة بعد إطلاقه، وفق «بلومبرغ».

وقد أثارت «ديب سيك» دهشة وقلقاً في وادي السيليكون بعد أن قدمت نماذج ذكاء اصطناعي تتسم بأداء مماثل لأفضل روبوتات المحادثة في العالم، لكن بتكلفة أقل بكثير. ويُعد ظهور «ديب سيك» نقطة تحول في الاعتقاد السائد بأن مستقبل الذكاء الاصطناعي سيعتمد بشكل زائد على كميات ضخمة من الطاقة والموارد لتطويره.

كيف يقارن «ديب سيك آر 1» مع «أوبن إيه آي» أو «ميتا إيه آي»؟

على الرغم من أن الشركة لم تكشف التفاصيل التقنية كافة، فإن تكلفة تدريب وتطوير نماذج «ديب سيك» تبدو جزءاً صغيراً من التكلفة التي تتطلبها نماذج «أوبن إيه آي»، أو منتجات «ميتا» المتطورة. وتثير الكفاءة العالية للنموذج تساؤلات جدية حول الحاجة إلى إنفاق ضخم للحصول على أحدث وأقوى مسرعات الذكاء الاصطناعي، مثل تلك التي توفرها شركة «إنفيديا». كما يبرز هذا التقدم في ظل القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على صادرات أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين، والتي كانت تهدف إلى إبطاء تقدم الصين في هذا المجال. ومع ذلك، أظهرت «ديب سيك» ما يكفي من التقدم لتُشير إلى أن القيود التجارية لم تكن فعّالة تماماً في إعاقة تقدمها.

تُصرح «ديب سيك» بأن «آر 1» يحقق أداءً يعادل أو يتفوق على النماذج المنافسة في عدة معايير رئيسة، مثل «إيمي 2024» للمهام الرياضية، و«إم إم إل يو» للمعرفة العامة، و«ألباكا إيفال 2.0» لأداء الأسئلة والإجابات. كما يعد من بين أفضل المؤدين في لوحة القيادة التابعة لجامعة بيركلي المعروفة باسم «تشات بوت أرينا».

لماذا يثير «ديب سيك» القلق في الولايات المتحدة؟

حظرت الولايات المتحدة تصدير تقنيات متقدمة، مثل رقائق «جي بي يو» إلى الصين، في محاولة لإبطاء تقدمها في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو المجال الذي يُعد من الجبهات الرئيسة في التنافس بين الولايات المتحدة والصين للهيمنة التقنية. لكن تقدم «ديب سيك» يشير إلى أن مهندسي الذكاء الاصطناعي في الصين تمكنوا من تجاوز هذه القيود عبر التركيز على زيادة الكفاءة باستخدام موارد محدودة. ورغم أنه غير واضح مدى وصول «ديب سيك» إلى الأجهزة المتقدمة للتدريب، فإن الشركة أظهرت ما يكفي للإشارة إلى أن هذه القيود التجارية لم تقف أمام تقدمها بالشكل المتوقع.

متى أثار «ديب سيك» الاهتمام العالمي؟

أصبح «ديب سيك» موضع اهتمام واسع النطاق بعد إطلاق أول نموذج له في عام 2023، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) قدمت الشركة للعالم لمحة عن نموذج «ديب سيك آر 1»، الذي صُمم لمحاكاة التفكير البشري. ويعتمد هذا النموذج على تطبيق روبوت المحادثة المحمول، الذي أصبح بديلاً أرخص وأكثر كفاءة لـ«أوبن إيه آي»، ووصفه المستثمر مارك أندريسن بأنه «لحظة سبوتنيك للذكاء الاصطناعي».

وبحلول 25 يناير، تجاوز تطبيق «ديب سيك» المحمول 1.6 مليون عملية تنزيل، واحتل المرتبة الأولى في متاجر تطبيقات «الآيفون» في أستراليا وكندا والصين وسنغافورة والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وفقاً لبيانات من شركة تتبع السوق «آب فيعارز».

من مؤسس «ديب سيك»؟

وُلد ليانغ وينفنغ في غوانغدونغ عام 1985، وحصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الإلكترونية والمعلومات من جامعة تشجيانغ. أسس «ديب سيك» برأس مال مسجل قدره 10 ملايين يوان (نحو 1.4 مليون دولار)، وفقاً لقاعدة بيانات «تيانيانتشا». وفي مقابلة مع موقع «كيه آر 36» الصيني، أكد ليانغ أن التحدي الأكبر أمام تقدم الشركة لا يكمن في جمع مزيد من الأموال، بل في القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على الوصول إلى أحدث الرقائق.

أين تقف «ديب سيك» في مشهد الذكاء الاصطناعي في الصين؟

بينما تستثمر الشركات الكبرى في الصين، مثل «علي بابا»، و«بايدو»، و«تينسنت» بشكل كبير في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبرز «ديب سيك» بنهجها المفتوح المصدر، الذي يهدف إلى جذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين بسرعة، قبل تطوير استراتيجيات التربح. وبفضل نماذجها ذات التكلفة المنخفضة، لعبت «ديب سيك» دوراً مهماً في خفض التكاليف لمطوري الذكاء الاصطناعي في الصين، ما أسهم في حرب أسعار بين الشركات الكبرى أدت إلى سلسلة من تخفيضات الأسعار خلال العام والنصف الماضيين.

ما تداعيات «ديب سيك» على سوق الذكاء الاصطناعي عالمياً؟

قد يدفع نجاح «ديب سيك» شركات، مثل «أوبن إيه آي» و«ميتا»، إلى خفض أسعار خدماتها للحفاظ على ريادتها. كما يثير هذا النجاح تساؤلات حول الإنفاق الضخم من قبل شركات مثل «ميتا» و«مايكروسوفت»، التي خصصت ميزانيات رأسمالية تتجاوز 65 مليار دولار هذا العام، معظمها موجه نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. هذا التحول تسبب في اضطراب أسواق الأسهم الآسيوية، حيث بدأ المستثمرون في البحث عن الشركات الصينية المرتبطة بـ«ديب سيك»، مثل «إيفلايتك»، والتحول بعيداً عن شركات سلسلة إمدادات الرقائق مثل «أدفانتست»، التي قد تواجه نقصاً في الطلب على أشباه الموصلات الخاصة بالذكاء الاصطناعي.

بدأ المطورون في جميع أنحاء العالم في تجربة برمجيات «ديب سيك»، وبناء أدوات باستخدامها، ما قد يُسهم في تسريع اعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في التفكير. إلا أن هذا قد يثير القلق بشأن الحاجة إلى وضع ضوابط على كيفية استخدام هذه التكنولوجيا. وقد يسهم تقدم «ديب سيك» أيضاً في تسريع فرض التنظيمات لمراقبة تطور الذكاء الاصطناعي.

ما عيوب «ديب سيك»؟

مثل جميع نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية، يعتمد «ديب سيك» على الرقابة الذاتية في التعامل مع المواضيع الحساسة في الصين. يتجنب روبوت المحادثة الإجابة عن استفسارات تتعلق باحتجاجات «تيانانمن» في عام 1989 أو القضايا الجيوسياسية المثيرة للجدل، مثل إمكانية غزو الصين لتايوان. وفي الاختبارات، يمكن لروبوت المحادثة من «ديب سيك» تقديم إجابات مفصلة عن شخصيات سياسية، مثل رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، ولكنه يرفض تقديم إجابات عن الرئيس الصيني شي جينبينغ.

ونظراً لشعبيتها المفاجئة، من المحتمل أن تتعرض بنية «ديب سيك» السحابية لضغط هائل. وقد شهدت الشركة انقطاعاً كبيراً في الخدمة في 27 يناير، ما يشير إلى أنها ستحتاج إلى إدارة حركة مرور أكبر مع تدفق مزيد من المستخدمين الجدد والعائدين الذين يطرحون استفسارات إضافية على روبوت المحادثة.


مقالات ذات صلة

تقارير: هل سيعتمد أول جهاز استهلاكي من «أوبن إيه آي» على الصوت؟

تكنولوجيا الجهاز المرتقب قد يعمل بلا شاشة معتمداً على الحوار الصوتي باعتباره نموذجاً جديداً للحوسبة اليومية (شاترستوك)

تقارير: هل سيعتمد أول جهاز استهلاكي من «أوبن إيه آي» على الصوت؟

«أوبن إيه آي» تستكشف جهازاً صوتياً غامضاً بلا شاشة، قد يعيد تعريف التفاعل مع الذكاء الاصطناعي ويفتح سباقاً جديداً على مستقبل الحوسبة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد شرائح ذكية من شركة «إنفيديا» (رويترز)

الكونغرس يصوِّت للحصول على حق الإشراف على صادرات الرقائق

حدد مشرّع جمهوري بارز موعداً للتصويت في اللجنة، يوم الأربعاء، على مشروع قانون يمنح الكونغرس سلطة الإشراف على صادرات رقائق الذكاء الاصطناعي، على الرغم من معارضة…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رئيس «إنفيديا» يتحدث في إحدى جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

من دافوس... مؤسس «إنفيديا» يتوقع استثمارات تريليونية لبناء «البنية التحتية للبشرية»

أكد الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» العملاقة، جنسن هوانغ، أن العالم لا يزال في بداية الطريق نحو بناء البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (دافوس (سويسرا))
الاقتصاد رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك» لاري فينك (الشرق الأوسط)

رئيس «بلاك روك»: الغرب مهدد بخسارة سباق الذكاء الاصطناعي أمام الصين

حذر الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك من أن الاقتصادات الغربية تواجه خطر الخسارة أمام الصين في سباق الذكاء الاصطناعي ما لم ترفع من مستوى تعاونها.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
تكنولوجيا «محركات الإجابات»... مولّدات الأخبار الكاذبة الجديدة

«محركات الإجابات»... مولّدات الأخبار الكاذبة الجديدة

ضرورة البحث عن الخبرة الحقيقية والمصادر الشفافة والمحتوى القيّم


توقعات «ذهبية»... «غولدمان ساكس» يستهدف 5400 دولار نهاية 2026

ينتظر أحد الزبائن دوره لتداول الذهب خلف نافذة زجاجية تعرض أسعار الذهب في متجر  للذهب في بانكوك (إ.ب.أ)
ينتظر أحد الزبائن دوره لتداول الذهب خلف نافذة زجاجية تعرض أسعار الذهب في متجر للذهب في بانكوك (إ.ب.أ)
TT

توقعات «ذهبية»... «غولدمان ساكس» يستهدف 5400 دولار نهاية 2026

ينتظر أحد الزبائن دوره لتداول الذهب خلف نافذة زجاجية تعرض أسعار الذهب في متجر  للذهب في بانكوك (إ.ب.أ)
ينتظر أحد الزبائن دوره لتداول الذهب خلف نافذة زجاجية تعرض أسعار الذهب في متجر للذهب في بانكوك (إ.ب.أ)

في خطوة تعكس تسارع وتيرة الإقبال على الملاذات الآمنة، أعلن مصرف «غولدمان ساكس» رفع توقعاته لسعر الذهب بحلول نهاية عام 2026 إلى 5400 دولار للأوقية، مقارنة بتقديراته السابقة التي كانت عند 4900 دولار.

ويأتي هذا التعديل وسط زخم استثنائي شهده المعدن النفيس؛ حيث لامس الذهب الفوري ذروة قياسية بلغت 4887.82 دولار يوم الأربعاء. وقد سجل الذهب ارتفاعاً تجاوزت نسبته 11 في المائة منذ مطلع عام 2026، مواصلاً بذلك مسيرة الصعود القوية التي بدأها العام الماضي حين قفزت الأسعار بنسبة مذهلة بلغت 64 في المائة.

دوافع الصعود

أرجع المحللون في «غولدمان ساكس» هذا التفاؤل إلى استمرار المشترين في القطاع الخاص في استخدام الذهب كأداة للتحوط ضد مخاطر السياسات العالمية، وهي المشتريات التي شكلت مفاجأة إيجابية ودفعت الأسعار للأعلى. ووفقاً للمذكرة البحثية الصادرة عن البنك، يُفترض أن هؤلاء المستثمرين لن يقوموا بتسييل حيازاتهم من الذهب خلال عام 2026، مما يرفع نقطة الانطلاق الأساسية للتوقعات السعرية. كما أشار البنك إلى أن البنوك المركزية في الأسواق الناشئة ستظل لاعباً محورياً؛ حيث يُتوقع أن يبلغ متوسط مشترياتها نحو 60 طناً شهرياً، في إطار سعيها المستمر لتنويع احتياطياتها بعيداً عن العملات التقليدية.

إجماع المصارف العالمية على الاتجاه الصعودي

لا يقف «غولدمان ساكس» وحيداً في هذا التوجه؛ فقد رفع «كوميرز بنك» الأسبوع الماضي توقعاته ليصل الذهب إلى 4900 دولار بنهاية العام الحالي، مدفوعاً بزيادة الطلب على الأصول الآمنة. وبالمثل، رفع «سيتي ريسيرش» مستهدفه السعري على المدى القريب (حتى 3 أشهر) إلى 5000 دولار. وتُظهر البيانات المجمعة من كبرى المؤسسات المالية تفاؤلاً واسعاً؛ حيث يرى «جي بي مورغان» أن الأسعار قد تصل إلى متوسط 5055 دولاراً خلال الربع الرابع من عام 2026، بينما يتوقع كل من «بنك أوف أميركا» و«سوسيتيه جنرال» وصول المعدن الأصفر إلى مستوى 5000 دولار في غضون العام الحالي.


رغم مساعي ترمب... المحكمة العليا تميل للإبقاء على كوك في «الفيدرالي»

ليزا كوك لدى خروجها برفقة المحامي آبي لويل، من المحكمة العليا الأميركية (رويترز)
ليزا كوك لدى خروجها برفقة المحامي آبي لويل، من المحكمة العليا الأميركية (رويترز)
TT

رغم مساعي ترمب... المحكمة العليا تميل للإبقاء على كوك في «الفيدرالي»

ليزا كوك لدى خروجها برفقة المحامي آبي لويل، من المحكمة العليا الأميركية (رويترز)
ليزا كوك لدى خروجها برفقة المحامي آبي لويل، من المحكمة العليا الأميركية (رويترز)

بدت المحكمة العليا الأميركية، يوم الأربعاء، مائلة نحو الإبقاء على محافظة الاحتياطي الفيدرالي، ليزا كوك، في منصبها، مما ألقى بظلال من الشك على محاولة الرئيس دونالد ترمب انتزاع السيطرة على البنك المركزي للأمة.

وفي جلسة استثنائية، استمع القضاة إلى دفوعات تتعلق بجهود ترمب لإقالة كوك بناءً على مزاعم بارتكابها «احتيالاً في الرهن العقاري» ــ وهو ما تنفيه بشدة ــ في قضية تمثل واحدة من أكثر محاولات ترمب جرأة لتوسيع السلطات الرئاسية. فمنذ تأسيس البنك قبل 112 عاماً، لم يسبق لأي رئيس أن أقال محافظاً في الخدمة، إذ صُمم الهيكل القانوني للفيدرالي ليكون بمنأى عن التجاذبات السياسية اليومية، مما يجعل حكم المحكمة المنتظر في أوائل الصيف فاصلاً في حماية هذا الاستقلال أو تقويضه.

دعم قضائي وتضامن مؤسسي لافت

خلال المداولات التي استمرت نحو ساعتين، ظهر تشكك واضح لدى ستة قضاة على الأقل من أصل تسعة تجاه قانونية قرار الإقالة. وكان لافتاً تصريح القاضي بريت كافانو، أحد المحافظين الذين عيّنهم ترمب، بأن السماح بالمضي قدماً في إقالة كوك «من شأنه أن يضعف، إن لم يحطم، استقلالية الاحتياطي الفيدرالي».

هذا الموقف القضائي تزامن مع حضور رمزي قوي داخل القاعة المكتظة، حيث جلس رئيس البنك جيروم باول إلى جانب كوك في رسالة تضامن صريحة، متحدياً الضغوط السياسية والتحقيقات الجنائية التي تستهدفه شخصياً من قبل وزارة العدل، ليؤكد أن مبدأ الاستقلال السياسي هو حجر الزاوية في خدمة الشعب الأميركي.

وعكس هذا الحضور، الذي شمل أيضاً المحافظ الحالي مايكل بار ورئيس البنك الأسبق بن برنانكي، جبهة موحدة تهدف للدفاع عن استقلالية البنك، والتي يخشى الاقتصاديون أن تضعف بشكل خطير إذا منحت المحكمة لترمب الحق في إقالة كوك فوراً بينما لا يزال التحدي القانوني لإقالتها قيد النظر.

ضابط شرطة عند مدخل المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (واشنطن)

خلفيات النزاع

يرى منتقدو ترمب أن الدافع الحقيقي وراء محاولة إقالة كوك ــ أول امرأة سوداء تشغل منصب محافظ في الفيدرالي ــ ليست المزاعم القانونية، بل رغبته في ممارسة نفوذ مباشر على سياسة أسعار الفائدة. فمن خلال إزاحة كوك وتعيين موالٍ له، يسعى ترمب للحصول على أغلبية داخل مجلس الإدارة تضمن خفضاً حاداً في أسعار الفائدة، وهو ما يطالب به علناً لتخليل تكاليف الاقتراض الحكومي والشخصي، ضارباً بعرض الحائط مخاوف البنك من التضخم. فبينما خفّض الاحتياطي الفيدرالي الفائدة ثلاث مرات في أواخر عام 2025، إلا أن ترمب وصف هذه الخطوات بالبطيئة، مجدداً دعواته من دافوس بضرورة أن تدفع الولايات المتحدة «أدنى سعر فائدة في العالم».

تفاصيل «الاحتيال» المزعوم

تستند قضية الإدارة ضد كوك إلى ادعاءات بأنها سجلت عقارين في ميتشغان وجورجيا كـ«سكن رئيسي» في عام 2021 للحصول على شروط تمويل أفضل، وهو ما وصفه المحامي العام دي. جون سوير بأنه «إهمال جسيم». إلا أن رئيس القضاة جون روبرتس والقاضية سونيا سوتومايور أبديا تعاطفاً مع موقف كوك؛ حيث أشار روبرتس إلى أن مثل هذه الأخطاء قد تكون بسيطة وغير مؤثرة في كومة الأوراق الضخمة عند شراء العقارات، بينما استرجعت سوتومايور تجربتها الشخصية عند الانتقال للعمل في واشنطن، موضحة أن تغير الظروف المعيشية بعد التعيينات الكبرى أمر وارد ولا يعني بالضرورة وجود نية للخداع.

ومن جانبه، أكد محامي كوك، آبي لويل، أن الملف يفتقر لأي دليل جنائي، وأن القضية برمتها تعتمد على «إشارة شاردة» في وثيقة واحدة تم توضيحها في مستندات أخرى.

تصعيد المواجهة

لم يكتفِ ترمب بملاحقة كوك قضائياً، بل صعّد مواجهته مع الاحتياطي الفيدرالي بفتح وزارة العدل تحقيقاً جنائياً مع باول تحت ذريعة تكاليف تجديد مباني البنك، وهو ما وصفه باول بـ«الذرائع» التي تحاول إخفاء الإحباط الرئاسي من أسعار الفائدة. وبينما استجابت المحكمة العليا سابقاً لطلبات ترمب الطارئة لإقالة رؤساء وكالات حكومية أخرى، يبدو أنها تتعامل بحذر شديد مع البنك المركزي، واصفة إياه بـ«كيان شبه خاص وفريد الهيكل».

وسيكون قرار المحكمة حول ما إذا كانت كوك ستبقى في منصبها أثناء استكمال الإجراءات القانونية بمثابة مؤشر حيوي للمستثمرين في «وول ستريت» وللأسواق العالمية التي تراقب مدى حصانة الاقتصاد الأميركي من التقلبات السياسية.


النفط يرتفع بشكل طفيف بعد تراجع ترمب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية

سفن تنقل النفط في ماراكايبو، فنزويلا (إ.ب.أ)
سفن تنقل النفط في ماراكايبو، فنزويلا (إ.ب.أ)
TT

النفط يرتفع بشكل طفيف بعد تراجع ترمب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية

سفن تنقل النفط في ماراكايبو، فنزويلا (إ.ب.أ)
سفن تنقل النفط في ماراكايبو، فنزويلا (إ.ب.أ)

ارتفعت أسعار النفط بشكل طفيف، يوم الخميس، بعد أن خفف الرئيس الأميركي دونالد ترمب من حدة التوتر مع أوروبا بشأن مطالبته بغرينلاند، في حين ساهمت اضطرابات الإمدادات من حقلين كبيرين في كازاخستان وتحسن توقعات الطلب لعام 2026 في دعم الأسعار.

وارتفع خام برنت 9 سنتات، أو 0.14 في المائة، ليصل إلى 65.33 دولار للبرميل بحلول الساعة 03:20 بتوقيت غرينتش. وارتفع خام غرب تكساس الوسيط لشهر مارس (آذار) 13 سنتاً، أو 0.21 في المائة، ليصل إلى 60.75 دولار للبرميل.

وارتفعت العقود الآجلة للنفط بأكثر من 0.4 في المائة يوم الأربعاء، بعد ارتفاعها بنسبة 1.5 في المائة في اليوم السابق، إثر توقف كازاخستان، العضو في تحالف «أوبك بلس»، عن الإنتاج في حقلي تينغيز وكوروليف النفطيين بسبب مشاكل تتعلق بتوزيع الطاقة.

كما ألمح ترمب، يوم الأربعاء، إلى قرب التوصل إلى اتفاق بشأن الإقليم الدنماركي، مستبعداً في الوقت نفسه استخدام القوة لإنهاء نزاع كان يُنذر بأسوأ شرخ في العلاقات عبر الأطلسي منذ عقود.

وقال مينغيو غاو، كبير الباحثين في مجال الطاقة والكيماويات في شركة «تشاينا فيوتشرز المحدودة»، إن اتفاقًا بشأن غرينلاند من شأنه أن يقلل من مخاطر الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، ويدعم الاقتصاد العالمي والطلب على النفط.

وأضاف غاو: «في الوقت نفسه، لم تستبعد الولايات المتحدة احتمال التدخل العسكري في إيران، وهو ما يدعم أسعار النفط أيضًا».

قال ترمب يوم الأربعاء إنه يأمل ألا يكون هناك أي عمل عسكري أميركي آخر في إيران، لكنه أضاف أن الولايات المتحدة ستتحرك إذا استأنفت طهران برنامجها النووي.

وفي ظل اتفاقية غرينلاند وتراجع احتمالية اتخاذ إجراء عسكري في إيران، توقع توني سيكامور، المحلل لدى شركة «آي جي»، أن تستقر أسعار النفط عند مستوى 60 دولار تقريباً.

كما ساهم في دعم السوق تعديل توقعات النمو العالمي للطلب على النفط في عام 2026، وفقًا لأحدث تقرير شهري صادر عن وكالة الطاقة الدولية، مما يشير إلى فائض سوقي أقل حدة هذا العام.

وذكرت مصادر في السوق، نقلاً عن بيانات من معهد البترول الأميركي، أن مخزونات النفط الخام والبنزين الأميركية ارتفعت الأسبوع الماضي، بينما انخفضت مخزونات المشتقات النفطية.

وأفادت المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها، أن مخزونات النفط الخام ارتفعت بمقدار 3.04 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 16 يناير (كانون الثاني)، وفقًا لمعهد البترول الأميركي.

ووفقًا لمعهد البترول الأميركي، ارتفعت مخزونات النفط الخام بمقدار 3.04 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 16 يناير، بحسب المصادر. أفادت مصادر بأن مخزونات البنزين ارتفعت بمقدار 6.21 مليون برميل، بينما انخفضت مخزونات المشتقات النفطية بمقدار 33 ألف برميل.

وتوقع ثمانية محللين استطلعت «رويترز» آراءهم ارتفاعًا متوسطًا بنحو 1.1 مليون برميل في مخزونات النفط الخام خلال الأسبوع المنتهي في 16 يناير.

وقال يانغ آن، المحلل في شركة «هايتونغ فيوتشرز»: «إن ارتفاع مخزونات النفط الخام يحد من المزيد من ارتفاع أسعار النفط في سوق تعاني من فائض في المعروض».