سياسة «الفيدرالي» الغامضة تزيد من تعقيدات سوق السندات في 2025

وسط زيادة العجز المالي والإصدار المتوقع لديون الخزانة الأميركية

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

سياسة «الفيدرالي» الغامضة تزيد من تعقيدات سوق السندات في 2025

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

نادراً ما واجه تجار السندات هذا القدر من التحديات في دورة التيسير التي يتبعها بنك الاحتياطي الفيدرالي. ومع ذلك، يشعرون الآن بقلق زائد من أن عام 2025 قد يشهد مزيداً من التعقيدات المشابهة. وعليه، تتجه أنظار المستثمرين إلى كيفية أداء سوق السندات في هذا العام، في ظل حكومة جمهورية جديدة وزيادة متوقعة في العجز المالي، مما يستدعي مزيداً من إصدارات ديون الخزانة.

وقد ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بأكثر من ثلاثة أرباع نقطة أساس منذ أن بدأ محافظو البنوك المركزية في خفض أسعار الفائدة القياسية في سبتمبر (أيلول)، ووصلت يوم الثلاثاء إلى 4.579 في المائة. وعلى مدار العام، شهد العائد زيادة بأكثر من 60 نقطة أساس، وهو أفضل مكسب سنوي له في عامين. وفي أواخر أبريل (نيسان)، بلغ العائد 4.739 في المائة، وهو أعلى مستوى في عام 2024. بينما سجل الذروة في 26 ديسمبر (كانون الأول) عند 4.641 في المائة، رغم قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة للمرة الثالثة على التوالي، وهو أعلى مستوى في أكثر من ستة أشهر، حيث كانت السوق تتوقع مزيداً من ضغوط التضخم في عام 2025 تحت حكم الرئيس الجمهوري المنتخب دونالد ترمب، مع فرض التعريفات الجمركية وتخفيضات الضرائب، وفق «رويترز».

وقال شون سيمكو، رئيس إدارة محفظة الدخل الثابت العالمية لدى «إس إي آي إنفستمنتس»: «تمت إعادة تسعير سندات الخزانة وفقاً لفكرة أسعار فائدة أعلى لفترة أطول، وبنك الاحتياطي الفيدرالي الأكثر تشدداً». وأضاف أن هذا الاتجاه سيستمر، بقيادة العوائد المرتفعة على المدى الطويل، وفقاً لـ«بلومبرغ».

وتؤكد العوائد المرتفعة على تفرد هذه الدورة الاقتصادية والنقدية. وعلى الرغم من ارتفاع تكاليف الاقتراض، نجح الاقتصاد المرن في إبقاء التضخم بعناد أعلى من هدف بنك الاحتياطي الفيدرالي، مما أجبر المتداولين على التراجع عن الرهانات على تخفيضات أسعار الفائدة العدوانية، والتخلي عن الآمال في ارتفاع أسعار السندات على نطاق واسع. وبعد عام من التقلبات الجامحة، يواجه المتداولون الآن عاماً آخر من خيبة الأمل، حيث بالكاد تحقق سندات الخزانة الأميركية ككل التعادل.

وأشار تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين والشريك في شركة «أبوللو غلوبال مانجمنت» في نيويورك، في مدونته اليومية، يوم الثلاثاء، إلى أن علاوة الأجل (العائد الزائد المتوقع) التي يحصل عليها المستثمرون جراء احتفاظهم بسندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل قد ارتفعت بمقدار 75 نقطة أساس في الأشهر الثلاثة الماضية. وقال: «بعبارة أخرى، ارتفعت أسعار الفائدة لمدة 10 سنوات بمقدار 75 نقطة أساس إضافية أكثر مما يمكن تبريره بتغيير توقعات (الفيدرالي)، مما يعكس على الأرجح المخاوف الزائدة في الأسواق بشأن الاستدامة المالية للولايات المتحدة».

الخبر السار

الخبر السار هو أن الاستراتيجية الشعبية التي نجحت إلى حد كبير خلال دورات التيسير السابقة قد اكتسبت زخماً متجدداً. هذه التجارة، المعروفة باسم «منحدر المنحنى»، هي رهان على أن سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل والحساسة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي ستتفوق على نظيراتها الأطول أجلاً - وهو الأمر الذي حدث بشكل عام في الآونة الأخيرة.

ومع ذلك، فإن التوقعات ستكون صعبة. فلا يتعين على مستثمري السندات فقط التعامل مع الفيدرالي الذي من المرجح أن يظل في مرحلة التوقف لفترة من الوقت، بل سيواجهون أيضاً اضطرابات محتملة نتيجة الإدارة المقبلة للرئيس المنتخب دونالد ترمب، الذي تعهد بإعادة تشكيل الاقتصاد بسياسات تتراوح بين التجارة والهجرة، التي يراها كثير من الخبراء تضخمية.

وقال جاك ماكنتاير، مدير المحفظة لدى «برانديواين غلوبال إنفستمنت مانجمنت»: «لقد دخل (الفيدرالي) مرحلة جديدة من السياسة النقدية - مرحلة التوقف». وأضاف: «كلما طالت مدة هذه الفترة، زادت احتمالات اضطرار الأسواق إلى تسعير زيادات أسعار الفائدة بدلاً من خفضها على قدم المساواة. وسوف يؤدي عدم اليقين السياسي إلى مزيد من التقلبات في الأسواق المالية في عام 2025».

والآن أصبح الاجتماع الأخير لـ«الفيدرالي» هذا العام في الخلفية، ومن المرجح أن تدعم نتائجه انحدار المنحنى عند مطلع العام. ومع ذلك، بمجرد تولي إدارة ترمب زمام الأمور في يناير (كانون الثاني)، فقد تتوقف هذه الديناميكية وسط حالة من عدم اليقين المحيطة بالسياسات الجديدة للحكومة.

فقد فوجئ تجار السندات بعد أن أشار صناع السياسات في الفيدرالي إلى مزيد من الحذر بشأن سرعة تقليص تكاليف الاقتراض وسط مخاوف التضخم المستمرة. وقد توقع مسؤولو «الفيدرالي» خفضين فقط بمقدار ربع نقطة في عام 2025، بعد خفض أسعار الفائدة بمقدار نقطة مئوية كاملة من أعلى مستوى لها في عقدين من الزمان. ويرى 15 من 19 مسؤولاً في بنك الاحتياطي الفيدرالي مخاطر تصاعدية للتضخم، مقارنة بثلاثة فقط في سبتمبر.

وسارع التجار إلى إعادة معايرة توقعاتهم للأسعار. وأظهرت مقايضات أسعار الفائدة أن التجار لم يحسبوا بالكامل تخفيضاً آخر حتى يونيو (حزيران). وهم يراهنون على خفض إجمالي بنحو 0.36 نقطة مئوية في العام المقبل، وهو أقل من متوسط توقعات نصف النقطة على ما يسمى بمخطط النقاط لبنك الاحتياطي الفيدرالي. ومع ذلك، في سوق الخيارات، انحرفت تدفقات التجارة نحو مسار غير معقد.

البحث عن فرص في السندات القصيرة

انخفض مؤشر «بلومبرغ» القياسي لسندات الخزانة للأسبوع الثاني على التوالي، مما أدى إلى محو مكاسب هذا العام تقريباً، حيث قادت السندات طويلة الأجل عمليات البيع. ومنذ أن بدأ «الفيدرالي» في خفض أسعار الفائدة في سبتمبر، انخفضت ديون الحكومة الأميركية بنسبة 3.4 في المائة. بالمقارنة، حققت السندات عوائد إيجابية في الأشهر الثلاثة الأولى من كل من دورات التيسير الست الماضية.

ولم تجذب الانخفاضات الأخيرة في السندات طويلة الأجل كثيراً من صائدي الصفقات. وفي حين أوصى الاستراتيجيون في «جيه بي مورغان تشيس آند كو»، بقيادة جاي باري، العملاء بشراء سندات مدتها عامان، قالوا إنهم لا «يشعرون بالإلزام» بشراء الديون ذات الأجل الأطول، مشيرين إلى الافتقار إلى البيانات الاقتصادية الرئيسة في الأسابيع المقبلة، وضعف التداول في نهاية العام، فضلاً عن العرض الجديد.

ويوم الثلاثاء، استقر العائد على السندات لأجل عامين عند 4.252 في المائة، بعد أن سجل أدنى مستوى في أسبوعين عند 4.217 في المائة في وقت سابق من الجلسة. وبدأ العائد على السندات لأجل عامين عام 2024 عند 4.328 في المائة، وانتهى العام بانخفاض بنحو 7 نقاط أساس إلى 4.254 في المائة. ولم يكن هذا الانخفاض مفاجئاً نظراً لأن «الفيدرالي» بدأ دورة التيسير النقدي في سبتمبر.

الاستراتيجية الرابحة

خلقت البيئة الحالية الظروف المثالية لاستراتيجية الانحدار. ففي اليوم الأخير من ديسمبر، انحدر منحنى العائد الأميركي، حيث وصل الفارق بين العائدات لأجل عامين وعشرة أعوام إلى 34.3 نقطة أساس، وهو الأكثر انحداراً منذ مايو (أيار) 2022. ويعكس هذا التغير عادةً التوقعات بتخفيضات في أسعار الفائدة في المستقبل، خاصة في أوقات التيسير النقدي.

ومن السهل فهم المنطق وراء هذه الاستراتيجية. فقد بدأ المستثمرون في ملاحظة القيمة فيما يُسمى «النهاية القصيرة»، حيث إن العوائد على السندات لأجل عامين، التي تبلغ 4.3 في المائة، تقترب بشكل كبير من عوائد سندات الخزانة لأجل ثلاثة أشهر، مما يجعلها معادلة تقريباً للنقود. لكن السندات لأجل عامين تتمتع بميزة إضافية تتمثل في احتمال ارتفاع أسعارها إذا قرر «الفيدرالي» خفض الفائدة بشكل أكبر من المتوقع. علاوة على ذلك، تقدم هذه السندات قيمة استثمارية من منظور الأصول المتقاطعة، خاصة عند النظر إلى التقييمات المرتفعة للأسهم الأميركية.

وقال مايكل دي باس، رئيس تداول الأسعار العالمي في «سيتادل» للأوراق المالية: «تنظر السوق إلى السندات على أنها رخيصة، وبالتأكيد بالنسبة للأسهم، وترى أنها تمثل تأميناً ضد التباطؤ الاقتصادي». وأضاف: «السؤال هو، كم عليك أن تدفع مقابل هذا التأمين؟ إذا نظرت إلى الواجهة الأمامية الآن، فلن تضطر إلى دفع الكثير».

تحديات السندات طويلة الأجل

وعلى النقيض من ذلك، تواجه السندات طويلة الأجل صعوبة في جذب المشترين في ظل التضخم المستمر والاقتصاد القوي. ويشعر بعض المستثمرين بالقلق أيضاً من المنصة السياسية لترمب وإمكاناتها ليس فقط في تغذية النمو والتضخم، بل وأيضاً في تفاقم العجز الكبير في الموازنة بالفعل.

وقال مايكل هانستاد، نائب الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة «نورثرن تراست» لإدارة الأصول التي تشرف على 1.3 تريليون دولار: «عندما تبدأ في الأخذ في الاعتبار إدارة ترمب والإنفاق، فإن هذا قد يدفع بالتأكيد العوائد طويلة الأجل إلى الارتفاع». وأضاف أنه يفضل السندات المرتبطة بالتضخم بصفتها «تأميناً رخيصاً إلى حد ما» ضد ارتفاع أسعار المستهلك.

تأثير الإدارة الجديدة في 2025

ومن بين الأمور التي تشغل بال المستثمرين أيضاً ما إذا كان فريق إدارة الديون التابع لترمب سيختار تغيير نمط إصداره في عام 2025. فقد اختار الرئيس المنتخب مدير صندوق التحوط سكوت بيسنت ليكون وزيراً للخزانة، وهو المنصب الذي لا يزال يحتاج إلى تأكيد من الكونغرس. وفي بيان على منصته «تروث سوشيال»، أعلن أنه يرشح ستيفن ميران لقيادة مجلس مستشاريه الاقتصاديين.

وانتقد كل من بيسنت وميران في وقت سابق من هذا العام إدارة وزيرة الخزانة جانيت يلين لإصدار الديون.

وفي ما أصبح الآن تقليداً مقدساً في «وول ستريت»، وضع كبير خبراء الاقتصاد في شركة «أبوللو غلوبال مانجمنت» تورستن شميت في مذكرة توقعاته للمخاطر التي تواجهها الأسواق في عام 2025 واحتمالات كل نتيجة. وقد قدّم بوب ميشال، كبير مسؤولي الاستثمار في الدخل الثابت العالمي لدى «جيه بي مورغان» لإدارة الأصول، تحليلاً مماثلاً الأسبوع الماضي.

وفي قائمة المخاطر المكونة من 12 سيناريو، رأى أن هناك فرصة بنسبة 85 في المائة لتسارع الاقتصاد الأميركي مجدداً، وأن تكون هناك حالة من التفاؤل أو النشاط الاقتصادي المكثف. بالإضافة إلى احتمال بنسبة 40 في المائة لرفع «الفيدرالي» لأسعار الفائدة في عام 2025. أما بالنسبة للركود الاقتصادي في الولايات المتحدة، فقد قدر الاحتمال بنحو صفرٍ لهذه النتيجة.


مقالات ذات صلة

سوق الأسهم السعودية تتراجع بضغط من قطاع البنوك

الاقتصاد مستثمر يتابع تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)

سوق الأسهم السعودية تتراجع بضغط من قطاع البنوك

تراجعت سوق الأسهم السعودية في مستهل تعاملات اليوم (الأحد) بفعل من قطاع البنوك، لتتخلى بذلك عن جزء من المكاسب التي حققتها الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يراقب شاشة التداول في سوق قطر (رويترز)

أسهم الخليج تتراجع مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثالث

تراجعت معظم أسواق الأسهم في منطقة الخليج في التعاملات المبكرة يوم الأحد، مع دخول الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رجل يتابع تراجع الاسهم في السوق الكويتية (أ.ف.ب)

أسواق الخليج تنهي الأسبوع منخفضة مع تصاعد الصراع في المنطقة

على خلفية تصاعد التوترات بعد الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، أنهت معظم أسواق الأسهم في منطقة الخليج الأسبوع على انخفاض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رجل يقف أمام شاشة أسهم متراجعة (رويترز)

تراجع معظم بورصات الخليج مع تصعيد إيران هجماتها في المنطقة

تراجعت معظم أسواق الأسهم الرئيسية في منطقة الخليج في التعاملات المبكرة اليوم الخميس، وتصدر مؤشر دبي الخسائر، في ظل تصعيد إيران هجماتها على البنية التحتية للنفط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمران يراقبان تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)

سوق الأسهم السعودية تغلق مرتفعة بسيولة 1.3 مليار دولار

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية (تداول) جلسة الأربعاء مرتفعاً بنسبة 0.1 في المائة، إلى 10942 نقطة، بتداولات بلغت قيمتها نحو 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ضغوط الحرب تعيد شبح رفع أسعار الكهرباء في مصر

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في إفطار «الأسرة المصرية» مساء السبت (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في إفطار «الأسرة المصرية» مساء السبت (الرئاسة المصرية)
TT

ضغوط الحرب تعيد شبح رفع أسعار الكهرباء في مصر

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في إفطار «الأسرة المصرية» مساء السبت (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في إفطار «الأسرة المصرية» مساء السبت (الرئاسة المصرية)

يخشى المواطن الستيني عاطف محمد أن ترفع الحكومة المصرية أسعار الكهرباء، وخصوصاً أن أسرته المكوّنة من 6 أفراد لم تتعافَ بعد من آثار رفع أسعار المحروقات، قائلاً إن «المعاش ثابت وكل الأسعار في زيادة، الآن أدفع قرابة 500 جنيه فاتورة شهرية للكهرباء».

الخشية التي عبّر عنها محمد جاءت في وقت قال الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال إفطار «الأسرة المصرية»، مساء السبت، إن الدولة تتحمل نحو 10 مليارات دولار (الجنيه نحو 53 دولاراً)، عجزاً سنوياً في قطاع الكهرباء، نتيجة تقديم الخدمة للمواطنين أقل من سعرها، مشيراً إلى أنهم لو قدموها بتكلفتها لكانت فاتورة الكهرباء أربعة أضعاف.

وأضاف السيسي أن «المنتجات النفطية تُستهلَك ليس فقط للسيارات، فالحجم الأكبر هو الذي يُستخدم لتشغيل محطات الكهرباء والطاقة، ونحن نستهلك منتجات نفطية بنحو 20 مليار دولار في السنة؛ أي ما يوازي تريليون جنيه مصري». وأكد أن الدولة «تدرك تمام الإدراك حجم الضغوط التي يتحملها المواطن المصري في هذه الظروف، وأعلم أن هناك مشاعر سلبية إزاء رفع أسعار المنتجات النفطية أخيراً، وهو أمر لم تكن الدولة لترغب في تحميل الشعب تبعاته ومعاناته، غير أن مقتضيات الواقع تفرض أحياناً اتخاذ إجراءات صعبة لا بديل عنها، لتفادي خيارات أشد قسوة وأخطر عاقبة».

مدخرات الصمود

يعتمد محمد، الذي يقطن في منطقة الهرم بمحافظة الجيزة، في إنفاقه على معاش حكومي يبلغ نحو 5 آلاف جنيه؛ أي إنه ينفق نحو 10 في المائة من قيمة دخله على بند واحد هو الكهرباء، بخلاف «مصاريف المياه والغاز والأدوية والمواصلات».

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «لولا بعض المدخرات لما استطاعت أسرتي الصمود، وخصوصاً أن لديّ ابنين في مرحلة التعليم الجامعي».

مواطنون مصريون يخشون رفع فاتورة استهلاك الكهرباء (الشركة القابضة للكهرباء)

ولا يستبعد مراقبون زيادة قريبة في أسعار الكهرباء، خصوصاً إذا ما استمرت الحرب الإيرانية لشهور. وكانت أسعار المحروقات ارتفعت كإجراء «استباقي» بعد 10 أيام فقط من بدء الحرب بنسبة تراوحت بين 14 و30 في المائة، وتبعتها موجات من زيادات الأسعار في كافة السلع والخدمات، وسط توقعات بأن يقفز معدل التضخم الشهري في مارس (آذار) الحالي بنسب تفوق زيادته في الشهور الماضية على نحو ملحوظ.

وكان معدل التضخم عاود مساره الصعودي في فبراير (شباط) الماضي مسجلاً 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني)، و0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول).

ويعتبر الخبير الاقتصادي وائل النحاس، أن «زيادة أسعار الكهرباء على المواطنين في الفترة المقبلة أمر وارد جداً مع زيادة فاتورة استهلاك الطاقة بسبب الحرب»، منتقداً «خطأً إدارياً وقعت فيه الحكومة حين أوقفت التحوط على سعر برميل النفط بداية من يناير الماضي، ما جعل عقود الشراء تخضع لسعر السوق، عكس العقود التحوطية التي تلتزم فيها الحكومات بدفع السعر المتفق عليه سواء قل سعر البرميل عالمياً أو زاد».

وأضاف: «حين كان سعر البرميل عالمياً 60 دولاراً كنا ندفع 75 دولاراً تحوطياً، والآن حين ارتفع السعر إلى 100 دولار نضطر لدفعها كاملة، في حين لو استمرت في قرار التحوط لكنا دفعنا 75 دولاراً فقط».

مخاوف في مصر من تأثيرات للحرب الإيرانية على أسعار الكهرباء (الشركة القابضة للكهرباء)

ويعود آخر قرار برفع أسعار استهلاك الكهرباء في مصر إلى أغسطس (آب) 2024 بنسبة تراوحت بين 14 و40 في المائة، وفق الشرائح الاستهلاكية المختلفة.

ولفت النحاس إلى أن جزءاً من أزمة الإنفاق الحكومية على الكهرباء هو في الوفاء بمستحقات شركات عالمية شاركت مصر في تنفيذ محطات توليد ضخمة، أبرزها شركة «سيمنس»، موضحاً أن «الاتفاق تم والدولار سعره نحو 15 جنيهاً مثلاً، الآن الدولار يقارب 53 جنيهاً».

وكانت الحكومة قررت ترشيد استهلاك الكهرباء في المؤسسات الحكومية وعلى الطرق، ضمن خطة تقشفية، إثر اندلاع الحرب الإيرانية.

لا لتحميل المواطن

ويدعو عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان) إيهاب منصور، إلى عدم تحميل المواطن أي زيادة في سعر الكهرباء، خصوصاً في الوقت الحالي، باعتبارها إجراءات «استباقية» مثل المحروقات، قائلاً: «المواطن لم يعد في حمل المزيد... والحكومة لا يمكن توقع اتجاهاتها لتفادي الأزمة».

ورغم ذلك، يقول منصور لـ«الشرق الأوسط» إن قرار رفع أسعار الكهرباء قد لا يمكن تفاديه لو استمرت الحرب لشهور، لكن «لو انتهت قريباً، فالحكومة مطالبة بتخفيض الأسعار لا زيادتها».

وبينما يتمنى المواطنون العبور دون مزيد من الأعباء بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، قال الرئيس السيسي تعليقاً على «إجراء الحكومة أخيراً برفع أسعار المحروقات»، إن «أمورنا مستقرة، ولم تضطر الدولة إلى اتخاذ أي إجراءات لوضع حدود على الاستهلاك، أو تخفيف أحمال الكهرباء».


وكالة الطاقة الدولية تعلن تفاصيل السحب من احتياطات النفط

شعار وكالة الطاقة على مدخل مقرها في باريس (أ.ف.ب)
شعار وكالة الطاقة على مدخل مقرها في باريس (أ.ف.ب)
TT

وكالة الطاقة الدولية تعلن تفاصيل السحب من احتياطات النفط

شعار وكالة الطاقة على مدخل مقرها في باريس (أ.ف.ب)
شعار وكالة الطاقة على مدخل مقرها في باريس (أ.ف.ب)

أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن الخطوات التنفيذية للقرار الذي اتخذته الدول الأعضاء في 11 مارس (آذار) الحالي، والقاضي بطرح 400 مليون برميل من النفط من احتياطاتها الاستراتيجية في الأسواق العالمية، استجابةً لاضطرابات الإمدادات الناتجة عن الصراع في الشرق الأوسط.

وأوضحت الوكالة في تحديثها الصادر يوم الأحد أن الدول الأعضاء بدأت في تقديم خطط تنفيذها الفردية، وفقاً لما تقتضيه الظروف الوطنية لكل دولة، ويشمل الجدول الزمني للضخ:

  • آسيا وأوقيانوسيا: بدأت الدول الأعضاء في هذه المنطقة في طرح حصصها في الأسواق بشكل فوري.
  • الأميركيتان وأوروبا: من المقرر أن تبدأ عمليات طرح المخزونات من هذه المناطق اعتباراً من نهاية شهر مارس (آذار) الحالي.

وتتوزع الكميات الملتزم بها، البالغة 400 مليون برميل، على النحو التالي:

  • 271.7 مليون برميل من الاحتياطات الحكومية.
  • 116.6 مليون برميل من مخزونات الصناعة الملزمة حكومياً.
  • 23.6 مليون برميل من مصادر طوارئ إضافية.
  • نوعية النفط: يمثل النفط الخام 72 في المائة من إجمالي الكميات المتاحة، بينما تشكل المنتجات النفطية 28 في المائة.

التوزيع الإقليمي للالتزامات

وفقاً للبيانات المحدثة، تحملت الدول الأعضاء في منطقة الأميركيتين الحصة الأكبر من الالتزام بتوفير 172.2 مليون برميل، تليها دول آسيا وأوقيانوسيا، ثم دول أوروبا، وذلك بالتنسيق الكامل مع الأمانة العامة للوكالة.

سياق القرار

يُعد هذا التدخل هو السادس من نوعه في تاريخ وكالة الطاقة الدولية منذ إنشائها في عام 1974، حيث سبقتها عمليات جماعية مماثلة في أعوام 1991، 2005، 2011، ومرتين خلال عام 2022.

وأكدت الوكالة أن هذه الخطوة تأتي كإجراء طارئ لمواجهة توقف حركة الملاحة في مضيق هرمز، مشددة على أن استئناف حركة الشحن المنتظمة وتوفير آليات الحماية والتأمين المادي للسفن يظل المطلب الجوهري لضمان عودة استقرار تدفقات النفط العالمية.


بورغوم: إدارة ترمب بحثت التدخل في سوق عقود النفط الآجلة لكبح الأسعار

بورغوم يلقي كلمةً في حفل استقبال منتدى الأمن الطاقي والتجاري لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في طوكيو (أ.ب)
بورغوم يلقي كلمةً في حفل استقبال منتدى الأمن الطاقي والتجاري لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في طوكيو (أ.ب)
TT

بورغوم: إدارة ترمب بحثت التدخل في سوق عقود النفط الآجلة لكبح الأسعار

بورغوم يلقي كلمةً في حفل استقبال منتدى الأمن الطاقي والتجاري لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في طوكيو (أ.ب)
بورغوم يلقي كلمةً في حفل استقبال منتدى الأمن الطاقي والتجاري لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في طوكيو (أ.ب)

أعلن وزير الداخلية الأميركي، دوغ بورغوم، أن مسؤولين في إدارة ترمب أجروا مناقشات حول اتخاذ مراكز في أسواق العقود الآجلة للنفط الخام بهدف خفض الأسعار.

وفي مقابلة مع تلفزيون «بلومبرغ» في طوكيو، قال بورغوم إنه لم يكن على علم بأي نشاط تجاري حكومي أميركي حتى الآن، لكنه أكد أن هذا الأمر كان من بين الإجراءات التي ناقشتها إدارة الرئيس دونالد ترمب في محاولتها لوقف ارتفاع أسعار النفط وسط الحرب في الشرق الأوسط، وفق ما ذكرت «ستاندرد آند بورز كوموديتيز».

وقال بورغوم: «حسناً، أقول إنه جرى نقاشٌ في هذا الشأن بالتأكيد. لدينا كثير من الأشخاص الأذكياء يعملون في هذه الإدارة، وهناك كثير من الأشخاص الأذكياء في سوق تجارة الطاقة». وأضاف: «تجارة الطاقة من أكبر الأسواق في العالم. أي تدخل، كما تعلمون، للتلاعب بالأسعار أو خفضها سيتطلب رؤوس أموال ضخمة. هذا كل ما سأقوله في هذا الصدد».

جاءت تصريحات بورغوم عقب تقارير أفادت بأن الرئيس التنفيذي لمجموعة بورصة شيكاغو التجارية، تيري دافي، صرّح في مؤتمر عُقد يوم الجمعة، بأن الولايات المتحدة ستُخاطر بكارثةٍ كبيرة إذا تدخلت في أسواق السلع.

ووفقاً لتقارير متعددة، قال دافي: «الأسواق لا تُحبذ تدخل الحكومات في تحديد الأسعار».

وقد تسبب الصراع في الشرق الأوسط في اضطرابٍ شديد لحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، وشهد ذلك هجمات كثيرة على المنشآت والمحطات، وأجبر منتجي الخليج على إيقاف الإنتاج.

وقد قيّمت «بلاتس»، التابعة لشبكة «ستاندرد آند بورز العالمية للطاقة»، سعر خام برنت المؤرخ عند 103.47 دولار للبرميل يوم الجمعة، بزيادة قدرها 46 في المائة عن 27 فبراير (شباط)، أي قبل اندلاع الحرب. وبلغ فارق سعر خام برنت عن خام دبي 7.29 دولار للبرميل الجمعة، منخفضاً من ذروته في 9 مارس (آذار )عند 12.59 دولار للبرميل، ولكنه يأتي مرتفعاً من 1.91 دولار للبرميل في 27 فبراير.

وسعت إدارة ترمب إلى كبح جماح ارتفاع الأسعار عبر تدخلات حكومية أخرى، شملت الإفراج عن 172 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، وإنشاء برنامج لإعادة التأمين على ناقلات النفط التي أُلغي تأمينها التجاري. كما كانت تدرس إلغاء قانون جونز الخاص بالشحن المحلي الأميركي في محاولة لتسهيل حركة التجارة الداخلية، حسبما أكد متحدث باسم البيت الأبيض لـ«بلاتس» في 13 مارس.