سياسة «الفيدرالي» الغامضة تزيد من تعقيدات سوق السندات في 2025

وسط زيادة العجز المالي والإصدار المتوقع لديون الخزانة الأميركية

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

سياسة «الفيدرالي» الغامضة تزيد من تعقيدات سوق السندات في 2025

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

نادراً ما واجه تجار السندات هذا القدر من التحديات في دورة التيسير التي يتبعها بنك الاحتياطي الفيدرالي. ومع ذلك، يشعرون الآن بقلق زائد من أن عام 2025 قد يشهد مزيداً من التعقيدات المشابهة. وعليه، تتجه أنظار المستثمرين إلى كيفية أداء سوق السندات في هذا العام، في ظل حكومة جمهورية جديدة وزيادة متوقعة في العجز المالي، مما يستدعي مزيداً من إصدارات ديون الخزانة.

وقد ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بأكثر من ثلاثة أرباع نقطة أساس منذ أن بدأ محافظو البنوك المركزية في خفض أسعار الفائدة القياسية في سبتمبر (أيلول)، ووصلت يوم الثلاثاء إلى 4.579 في المائة. وعلى مدار العام، شهد العائد زيادة بأكثر من 60 نقطة أساس، وهو أفضل مكسب سنوي له في عامين. وفي أواخر أبريل (نيسان)، بلغ العائد 4.739 في المائة، وهو أعلى مستوى في عام 2024. بينما سجل الذروة في 26 ديسمبر (كانون الأول) عند 4.641 في المائة، رغم قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة للمرة الثالثة على التوالي، وهو أعلى مستوى في أكثر من ستة أشهر، حيث كانت السوق تتوقع مزيداً من ضغوط التضخم في عام 2025 تحت حكم الرئيس الجمهوري المنتخب دونالد ترمب، مع فرض التعريفات الجمركية وتخفيضات الضرائب، وفق «رويترز».

وقال شون سيمكو، رئيس إدارة محفظة الدخل الثابت العالمية لدى «إس إي آي إنفستمنتس»: «تمت إعادة تسعير سندات الخزانة وفقاً لفكرة أسعار فائدة أعلى لفترة أطول، وبنك الاحتياطي الفيدرالي الأكثر تشدداً». وأضاف أن هذا الاتجاه سيستمر، بقيادة العوائد المرتفعة على المدى الطويل، وفقاً لـ«بلومبرغ».

وتؤكد العوائد المرتفعة على تفرد هذه الدورة الاقتصادية والنقدية. وعلى الرغم من ارتفاع تكاليف الاقتراض، نجح الاقتصاد المرن في إبقاء التضخم بعناد أعلى من هدف بنك الاحتياطي الفيدرالي، مما أجبر المتداولين على التراجع عن الرهانات على تخفيضات أسعار الفائدة العدوانية، والتخلي عن الآمال في ارتفاع أسعار السندات على نطاق واسع. وبعد عام من التقلبات الجامحة، يواجه المتداولون الآن عاماً آخر من خيبة الأمل، حيث بالكاد تحقق سندات الخزانة الأميركية ككل التعادل.

وأشار تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين والشريك في شركة «أبوللو غلوبال مانجمنت» في نيويورك، في مدونته اليومية، يوم الثلاثاء، إلى أن علاوة الأجل (العائد الزائد المتوقع) التي يحصل عليها المستثمرون جراء احتفاظهم بسندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل قد ارتفعت بمقدار 75 نقطة أساس في الأشهر الثلاثة الماضية. وقال: «بعبارة أخرى، ارتفعت أسعار الفائدة لمدة 10 سنوات بمقدار 75 نقطة أساس إضافية أكثر مما يمكن تبريره بتغيير توقعات (الفيدرالي)، مما يعكس على الأرجح المخاوف الزائدة في الأسواق بشأن الاستدامة المالية للولايات المتحدة».

الخبر السار

الخبر السار هو أن الاستراتيجية الشعبية التي نجحت إلى حد كبير خلال دورات التيسير السابقة قد اكتسبت زخماً متجدداً. هذه التجارة، المعروفة باسم «منحدر المنحنى»، هي رهان على أن سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل والحساسة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي ستتفوق على نظيراتها الأطول أجلاً - وهو الأمر الذي حدث بشكل عام في الآونة الأخيرة.

ومع ذلك، فإن التوقعات ستكون صعبة. فلا يتعين على مستثمري السندات فقط التعامل مع الفيدرالي الذي من المرجح أن يظل في مرحلة التوقف لفترة من الوقت، بل سيواجهون أيضاً اضطرابات محتملة نتيجة الإدارة المقبلة للرئيس المنتخب دونالد ترمب، الذي تعهد بإعادة تشكيل الاقتصاد بسياسات تتراوح بين التجارة والهجرة، التي يراها كثير من الخبراء تضخمية.

وقال جاك ماكنتاير، مدير المحفظة لدى «برانديواين غلوبال إنفستمنت مانجمنت»: «لقد دخل (الفيدرالي) مرحلة جديدة من السياسة النقدية - مرحلة التوقف». وأضاف: «كلما طالت مدة هذه الفترة، زادت احتمالات اضطرار الأسواق إلى تسعير زيادات أسعار الفائدة بدلاً من خفضها على قدم المساواة. وسوف يؤدي عدم اليقين السياسي إلى مزيد من التقلبات في الأسواق المالية في عام 2025».

والآن أصبح الاجتماع الأخير لـ«الفيدرالي» هذا العام في الخلفية، ومن المرجح أن تدعم نتائجه انحدار المنحنى عند مطلع العام. ومع ذلك، بمجرد تولي إدارة ترمب زمام الأمور في يناير (كانون الثاني)، فقد تتوقف هذه الديناميكية وسط حالة من عدم اليقين المحيطة بالسياسات الجديدة للحكومة.

فقد فوجئ تجار السندات بعد أن أشار صناع السياسات في الفيدرالي إلى مزيد من الحذر بشأن سرعة تقليص تكاليف الاقتراض وسط مخاوف التضخم المستمرة. وقد توقع مسؤولو «الفيدرالي» خفضين فقط بمقدار ربع نقطة في عام 2025، بعد خفض أسعار الفائدة بمقدار نقطة مئوية كاملة من أعلى مستوى لها في عقدين من الزمان. ويرى 15 من 19 مسؤولاً في بنك الاحتياطي الفيدرالي مخاطر تصاعدية للتضخم، مقارنة بثلاثة فقط في سبتمبر.

وسارع التجار إلى إعادة معايرة توقعاتهم للأسعار. وأظهرت مقايضات أسعار الفائدة أن التجار لم يحسبوا بالكامل تخفيضاً آخر حتى يونيو (حزيران). وهم يراهنون على خفض إجمالي بنحو 0.36 نقطة مئوية في العام المقبل، وهو أقل من متوسط توقعات نصف النقطة على ما يسمى بمخطط النقاط لبنك الاحتياطي الفيدرالي. ومع ذلك، في سوق الخيارات، انحرفت تدفقات التجارة نحو مسار غير معقد.

البحث عن فرص في السندات القصيرة

انخفض مؤشر «بلومبرغ» القياسي لسندات الخزانة للأسبوع الثاني على التوالي، مما أدى إلى محو مكاسب هذا العام تقريباً، حيث قادت السندات طويلة الأجل عمليات البيع. ومنذ أن بدأ «الفيدرالي» في خفض أسعار الفائدة في سبتمبر، انخفضت ديون الحكومة الأميركية بنسبة 3.4 في المائة. بالمقارنة، حققت السندات عوائد إيجابية في الأشهر الثلاثة الأولى من كل من دورات التيسير الست الماضية.

ولم تجذب الانخفاضات الأخيرة في السندات طويلة الأجل كثيراً من صائدي الصفقات. وفي حين أوصى الاستراتيجيون في «جيه بي مورغان تشيس آند كو»، بقيادة جاي باري، العملاء بشراء سندات مدتها عامان، قالوا إنهم لا «يشعرون بالإلزام» بشراء الديون ذات الأجل الأطول، مشيرين إلى الافتقار إلى البيانات الاقتصادية الرئيسة في الأسابيع المقبلة، وضعف التداول في نهاية العام، فضلاً عن العرض الجديد.

ويوم الثلاثاء، استقر العائد على السندات لأجل عامين عند 4.252 في المائة، بعد أن سجل أدنى مستوى في أسبوعين عند 4.217 في المائة في وقت سابق من الجلسة. وبدأ العائد على السندات لأجل عامين عام 2024 عند 4.328 في المائة، وانتهى العام بانخفاض بنحو 7 نقاط أساس إلى 4.254 في المائة. ولم يكن هذا الانخفاض مفاجئاً نظراً لأن «الفيدرالي» بدأ دورة التيسير النقدي في سبتمبر.

الاستراتيجية الرابحة

خلقت البيئة الحالية الظروف المثالية لاستراتيجية الانحدار. ففي اليوم الأخير من ديسمبر، انحدر منحنى العائد الأميركي، حيث وصل الفارق بين العائدات لأجل عامين وعشرة أعوام إلى 34.3 نقطة أساس، وهو الأكثر انحداراً منذ مايو (أيار) 2022. ويعكس هذا التغير عادةً التوقعات بتخفيضات في أسعار الفائدة في المستقبل، خاصة في أوقات التيسير النقدي.

ومن السهل فهم المنطق وراء هذه الاستراتيجية. فقد بدأ المستثمرون في ملاحظة القيمة فيما يُسمى «النهاية القصيرة»، حيث إن العوائد على السندات لأجل عامين، التي تبلغ 4.3 في المائة، تقترب بشكل كبير من عوائد سندات الخزانة لأجل ثلاثة أشهر، مما يجعلها معادلة تقريباً للنقود. لكن السندات لأجل عامين تتمتع بميزة إضافية تتمثل في احتمال ارتفاع أسعارها إذا قرر «الفيدرالي» خفض الفائدة بشكل أكبر من المتوقع. علاوة على ذلك، تقدم هذه السندات قيمة استثمارية من منظور الأصول المتقاطعة، خاصة عند النظر إلى التقييمات المرتفعة للأسهم الأميركية.

وقال مايكل دي باس، رئيس تداول الأسعار العالمي في «سيتادل» للأوراق المالية: «تنظر السوق إلى السندات على أنها رخيصة، وبالتأكيد بالنسبة للأسهم، وترى أنها تمثل تأميناً ضد التباطؤ الاقتصادي». وأضاف: «السؤال هو، كم عليك أن تدفع مقابل هذا التأمين؟ إذا نظرت إلى الواجهة الأمامية الآن، فلن تضطر إلى دفع الكثير».

تحديات السندات طويلة الأجل

وعلى النقيض من ذلك، تواجه السندات طويلة الأجل صعوبة في جذب المشترين في ظل التضخم المستمر والاقتصاد القوي. ويشعر بعض المستثمرين بالقلق أيضاً من المنصة السياسية لترمب وإمكاناتها ليس فقط في تغذية النمو والتضخم، بل وأيضاً في تفاقم العجز الكبير في الموازنة بالفعل.

وقال مايكل هانستاد، نائب الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة «نورثرن تراست» لإدارة الأصول التي تشرف على 1.3 تريليون دولار: «عندما تبدأ في الأخذ في الاعتبار إدارة ترمب والإنفاق، فإن هذا قد يدفع بالتأكيد العوائد طويلة الأجل إلى الارتفاع». وأضاف أنه يفضل السندات المرتبطة بالتضخم بصفتها «تأميناً رخيصاً إلى حد ما» ضد ارتفاع أسعار المستهلك.

تأثير الإدارة الجديدة في 2025

ومن بين الأمور التي تشغل بال المستثمرين أيضاً ما إذا كان فريق إدارة الديون التابع لترمب سيختار تغيير نمط إصداره في عام 2025. فقد اختار الرئيس المنتخب مدير صندوق التحوط سكوت بيسنت ليكون وزيراً للخزانة، وهو المنصب الذي لا يزال يحتاج إلى تأكيد من الكونغرس. وفي بيان على منصته «تروث سوشيال»، أعلن أنه يرشح ستيفن ميران لقيادة مجلس مستشاريه الاقتصاديين.

وانتقد كل من بيسنت وميران في وقت سابق من هذا العام إدارة وزيرة الخزانة جانيت يلين لإصدار الديون.

وفي ما أصبح الآن تقليداً مقدساً في «وول ستريت»، وضع كبير خبراء الاقتصاد في شركة «أبوللو غلوبال مانجمنت» تورستن شميت في مذكرة توقعاته للمخاطر التي تواجهها الأسواق في عام 2025 واحتمالات كل نتيجة. وقد قدّم بوب ميشال، كبير مسؤولي الاستثمار في الدخل الثابت العالمي لدى «جيه بي مورغان» لإدارة الأصول، تحليلاً مماثلاً الأسبوع الماضي.

وفي قائمة المخاطر المكونة من 12 سيناريو، رأى أن هناك فرصة بنسبة 85 في المائة لتسارع الاقتصاد الأميركي مجدداً، وأن تكون هناك حالة من التفاؤل أو النشاط الاقتصادي المكثف. بالإضافة إلى احتمال بنسبة 40 في المائة لرفع «الفيدرالي» لأسعار الفائدة في عام 2025. أما بالنسبة للركود الاقتصادي في الولايات المتحدة، فقد قدر الاحتمال بنحو صفرٍ لهذه النتيجة.


مقالات ذات صلة

السوق السعودية تغلق مرتفعة بدعم من «أرامكو» و«الراجحي»

الاقتصاد مستثمران يتابعان تحركات الأسهم (أ.ف.ب)

السوق السعودية تغلق مرتفعة بدعم من «أرامكو» و«الراجحي»

أنهى مؤشر السوق الرئيسية (تاسي) جلسة الثلاثاء على ارتفاع بنسبة 0.2 في المائة ليغلق عند 10982 نقطة، بتداولات بلغت قيمتها نحو 4.7 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر في السوق المالية السعودية (أ.ف.ب)

مؤشر السوق السعودية يهبط للجلسة الخامسة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية

أكمل مؤشر السوق السعودية سلسلة الهبوط للجلسة الخامسة على التوالي، وذلك مع تصاعد التوترات الجيوسياسية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)

تراجع طفيف لسوق الأسهم السعودية في أولى جلسات الأسبوع

أنهى مؤشر سوق الأسهم السعودية تداولاته على تراجع طفيف، إذ انخفض بنسبة 0.25 في المائة ليغلق عند مستوى 10968 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها نحو 2.9 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يتابع تحركات الأسهم في السعودية (أ.ف.ب)

«السوق السعودية» تغلق دون 11 ألف نقطة بضغط من الأسهم القيادية

تماسكت السوق السعودية في ختام تعاملات الخميس، بعد ضغط من سهم «أرامكو»، ليغلق مؤشر السوق الرئيسية «تاسي» متراجعاً بشكل طفيف دون مستوى 11 ألف نقطة...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يمر أمام شاشة تعرض معلومات سوق الأسهم السعودية في الرياض (رويترز)

ارتفاع معظم أسواق الخليج وسط ترقب لقاء ترمب وشي بشأن الحرب الإيرانية

سجّلت معظم أسواق الأسهم الخليجية ارتفاعاً في التعاملات المبكرة الخميس مع تركيز المستثمرين على اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي ونظيره الصيني

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مخاوف الحرب تقفز بعوائد السندات الأميركية لأعلى مستوى منذ 2007

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

مخاوف الحرب تقفز بعوائد السندات الأميركية لأعلى مستوى منذ 2007

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

لامس عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً أعلى مستوياته منذ عام 2007 خلال تعاملات يوم الثلاثاء، في مؤشر واضح على تصاعد مخاوف المستثمرين من تداعيات تضخمية حادة ومستمرة تغذيها الحرب المستعرة في الشرق الأوسط.

وسجل العائد مستوى 5.17 في المائة بحلول الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش، بعد أن قفز في وقت سابق من التداولات إلى 5.18 في المائة، مقارنة بمستوى 4.61 في المائة المسجل قبل بدء التحالف الأميركي الإسرائيلي موجة ضرباته الجوية على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي.

ويعني هذا الارتفاع الحاد أن واشنطن باتت ملزمة بدفع مبالغ أعلى لتمويل واستدعاء ديونها، مما يعكس تصاعد تقييمات المخاطر بخصوص استدامة الضغوط التضخمية في الاقتصاد الأميركي.

وتأتي هذه الاضطرابات في أسواق الدين بالتوازي مع قفزة قياسية في أسعار النفط، والتي ارتفعت بنحو 60 في المائة منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط، نتيجة إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز الحيوي أمام معظم حركة ناقلات النفط العالمية. في حين حذر خبراء ومطلعون في قطاع الطاقة من أن أسعار الخام مرشحة لمزيد من الصعود ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سريع بين واشنطن وطهران لإعادة تسيير الشحنات البحرية، وسط أجواء جيوسياسية مشحونة.

إذ حذر الجيش الإيراني يوم الثلاثاء من أنه سيقوم بـ«فتح جبهات جديدة» ضد الولايات المتحدة في حال استأنفت هجماتها، وذلك بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب أشار فيها إلى أنه أرجأ شن هجوم جديد لعل وعسى ينجح في إبرام صفقة.

ولم تقتصر شظايا الارتفاع في عوائد السندات على الأسواق الأميركية فحسب، بل تحولت إلى مصدر قلق متزايد في أوروبا؛ حيث يقترب عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات من مستوى 3.2 في المائة، وهو مستوى تاريخي لم تشهده القارة العجوز منذ عام 2011.


المركزي البرازيلي يوقف التوجيهات المستقبلية للفائدة وسط ضبابية الحرب

مبنى المقر الرئيسي للبنك المركزي البرازيلي في برازيليا (رويترز)
مبنى المقر الرئيسي للبنك المركزي البرازيلي في برازيليا (رويترز)
TT

المركزي البرازيلي يوقف التوجيهات المستقبلية للفائدة وسط ضبابية الحرب

مبنى المقر الرئيسي للبنك المركزي البرازيلي في برازيليا (رويترز)
مبنى المقر الرئيسي للبنك المركزي البرازيلي في برازيليا (رويترز)

قال نيلتون ديفيد، مدير السياسة النقدية في البنك المركزي البرازيلي، يوم الثلاثاء، إن البنك لن يقدم أي توجيهات مستقبلية بشأن مسار السياسة النقدية في ظل حالة عدم اليقين المتزايدة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط.

وكان البنك قد خفّض أسعار الفائدة مرتين متتاليتين بمقدار 25 نقطة أساس لتصل إلى 14.50 في المائة، فيما شدد ديفيد مراراً على أن مستويات الفائدة ستبقى في نطاق تقييدي إلى أن يقتنع صانعو السياسة باقتراب التضخم من الهدف الرسمي البالغ 3 في المائة، وفق «رويترز».

وقد تسارع التضخم في أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، ليصل إلى 4.39 في المائة على أساس سنوي في أبريل (نيسان).

وأوضح ديفيد، خلال فعالية نظمها بنك «سانتاندير»، أن قرار عدم تقديم توجيهات مستقبلية يعكس تقييم البنك لتأثير الصراع على أسعار الطاقة، في ظل غياب أفق واضح لانتهائه.

وقال: «سيستغرق الأمر وقتاً قبل أن تعود أسعار الطاقة إلى مستوياتها الطبيعية، إن عادت أصلاً».

وأضاف: «لن يتدخل البنك المركزي في أي تحركات للأسعار ناجمة عن النزاع، لكنه لن يتسامح مع انتقالها إلى تضخم مستدام في المستقبل».

وأشار ديفيد إلى أن البنك يراقب بقلق تراجع تثبيت توقعات التضخم عن مستهدفه، لا سيما على المدى الطويل حتى عام 2028، وهو ما يُعد عادة أقل تأثراً بالصدمات الآنية.

كما أوضح أن الاقتصاد لم يعد ينمو بوتيرة تفوق قدراته الإنتاجية، مؤكداً أن صناع السياسة يفضلون الحفاظ على «الهدوء» مع التريث لتقييم البيانات الاقتصادية المختلفة، بما في ذلك أوضاع الائتمان وسوق العمل.

تدخلات البنك في سوق الصرف الأجنبي

وفيما يتعلق بتحركات البنك الأخيرة في سوق الصرف، عقب ارتفاع الريال البرازيلي بنحو 5 في المائة منذ بداية العام، قال ديفيد إن تلك الإجراءات تهدف إلى ضمان سلاسة عمل السوق.

وأشار إلى أن آخر تدخل مباشر كان في عام 2024، خلال فترة تراجع حاد للعملة نتيجة مخاوف مالية.

وأكد أن البنك المركزي سيتدخل فقط في حال حدوث اختلالات في سوق الصرف الأجنبي، مشدداً على أن الريال يعمل بنظام سعر صرف حر، وأن البنك لا يستهدف مستوى معيناً للعملة.


استقلالية «الفيدرالي» تحت المجهر... والأسواق تترقب توجهات الرئيس الجديد

كيفن وارش يدلي بشهادته أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأميركي خلال جلسة تثبيته بواشنطن 21 أبريل 2026 (رويترز)
كيفن وارش يدلي بشهادته أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأميركي خلال جلسة تثبيته بواشنطن 21 أبريل 2026 (رويترز)
TT

استقلالية «الفيدرالي» تحت المجهر... والأسواق تترقب توجهات الرئيس الجديد

كيفن وارش يدلي بشهادته أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأميركي خلال جلسة تثبيته بواشنطن 21 أبريل 2026 (رويترز)
كيفن وارش يدلي بشهادته أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأميركي خلال جلسة تثبيته بواشنطن 21 أبريل 2026 (رويترز)

أثار اقتراح كيفن وارش، الرئيس المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بأن استقلالية البنك المركزي قد لا تمتد بالكامل إلى دوره في إدارة أزمات السيولة خارج الولايات المتحدة، قلقاً لدى نظرائه من صانعي السياسات النقدية الذين يخشون أن يؤدي أي تقليص لدوره العالمي إلى تهديد استقرار الأسواق.

وبالنظر إلى أن الدولار هو العملة الأكثر استخداماً في العالم، يلعب «الفيدرالي» دوراً محورياً في تهدئة الأسواق، خلال فترات الاضطراب، وقد وسّع، على مدى السنوات الماضية، أدواته لمواجهة الأزمات؛ لضمان استمرار تدفق التمويل العالمي، وفق «رويترز».

إلا أن وارش، الذي اختاره الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتولّي المنصب، أثار تساؤلات عندما أشار إلى أن استقلالية البنك المركزي في تحديد أسعار الفائدة لا تمتد، بشكل كامل، إلى عملياته الأوسع، بما في ذلك دوره في النظام المالي الدولي، مؤكداً ضرورة تنسيقٍ أكبر مع الإدارة الأميركية و«الكونغرس».

وخلال جلسة تثبيته، قال وارش إن استقلالية «الفيدرالي» في السياسة النقدية لا تشمل بالضرورة كل وظائفه، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى التساؤل حول مدى قدرته على التحرك بسرعة وحسم، خلال الأزمات المقبلة.

الولايات المتحدة مستفيد رئيسي من النظام

تشير تصريحات مسؤولي السياسة النقدية، التي أدلى بها علناً وفي الكواليس أكثر من ستة مسؤولين، إلى أنهم يتابعون باهتمامٍ تصريحات «وارش»، وينتظرون توضيحاً بشأنها. ومع ذلك فإنهم لا يتوقعون أي تغيير كبير بالسياسات في الوقت الحالي، ولو لمجرد أن التسهيلات التمويلية (أدوات السيولة) التي يوفرها «الفيدرالي» تحمي الاقتصاد الأميركي، في نهاية المطاف، بالقدر نفسه الذي تحمي به اقتصاد الشركاء العالميين.

وحذَّر مسؤولون من أن تراجع مصداقية «الفيدرالي» قد يدفع دولاً إلى تقليل اعتمادها على الدولار، مما قد يُسرّع الاتجاه النزولي لحصة العملة الأميركية في الاحتياطات العالمية، خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.

في المقابل، لا تمتلك البنوك المركزية أدوات كافية على المدى القصير، إذا ما قيد «الفيدرالي» وصول الدولارات، لكن حتى مجرد الإيحاء بتقييد خطوط السيولة قد يؤدي إلى اضطرابات بالأسواق.

وقال أحد صانعي السياسات في البنك المركزي الأوروبي: «هذا سلاح ذو حدين، فالعالم يعتمد على الدولار، وإذا لم يكن متاحاً بسهولة، فالجميع سيدفع الثمن، بما في ذلك الولايات المتحدة».

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي بواشنطن (رويترز)

آلية السيولة العالمية

يوفر «الفيدرالي» حالياً الدولار عند الطلب للبنك المركزي الأوروبي ونظرائه في كندا واليابان وبريطانيا وسويسرا، مقابل ضمانات، عبر أدوات سيولة دائمة. كما يمكن لبنوك مركزية أخرى الوصول إلى الدولار عبر آليات أكثر تعقيداً.

ويستند هذا الدور إلى حقيقة أن البنوك التجارية خارج الولايات المتحدة تحتفظ بتريليونات الدولارات من سندات الخزانة الأميركية، وأن أي ضغوط في الأسواق قد تدفعها إلى البيع السريع للحصول على السيولة، ما قد ينقل الاضطراب إلى الأسواق الأميركية نفسها.

وتاريخياً، لم يكن إدخال السياسة في توفير الدولار أمراً جديداً، إذ قدمت إدارة ترمب خط ائتمان بقيمة 20 مليار دولار للأرجنتين قبل الانتخابات العام الماضي، كما طلبت دول في الخليج وآسيا مؤخراً تسهيلات سيولة لمواجهة صدمات الطاقة وتداعيات حرب إيران.

كما أثار الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ هذه القضية، خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، هذا الشهر.

تحذيرات من انعكاسات عالمية

وأشار الخبير الاقتصادي تاكاهيدي كيوتش، وهو عضو سابق ببنك اليابان، إلى أن سياسات «الفيدرالي» قد تترك آثاراً واسعة على الأسواق العالمية، قائلاً إن وارش قد يحاول الموازنة بين سياسة نقدية ميسّرة تتماشى مع رغبات ترمب، وسياسة ميزانية أكثر تشدداً.

وحذّر من أن أي اضطراب في الأسواق الأميركية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط نتيجة حرب إيران، قد يدفع عوائد السندات اليابانية طويلة الأجل إلى الارتفاع، ما يضغط على الاقتصاد والأسواق باليابان.

اليورو غير جاهز للاستفادة

ويرى بعض المسؤولين أن الحفاظ على تدفق الدولار عالمياً يصبّ أيضاً في مصلحة الولايات المتحدة؛ لأنه يسهّل تمويل العجز الكبير في الموازنة.

لكن أي تراجع في مصداقية «الفيدرالي» قد يعزز تدريجياً مكانة اليورو كعملة بديلة، رغم أن البنية المؤسسية للعملة الأوروبية الموحدة لا تزال غير مهيّأة لتولّي دور عالمي مماثل، وفق مصادر.

واتفق جميع المسؤولين على أن خطط الطوارئ قد تساعد البنوك المركزية على التكيف مع أي تقييد محتمل لدور «الفيدرالي»، لكنهم شددوا على أنه في أوقات الأزمات يبقى البنك المركزي الأميركي «المُقرِض الأخير بالدولار».

وقال سبيروس أندريوبولوس، مؤسس شركة «ثين آيس ماكروإيكونوميكس»: «لا توجد بدائل حقيقية، فحجم سوق اليورو-دولار البالغ 30 تريليون دولار يجعل من المستحيل توفير بديل كافٍ».

قدامى المحاربين لا يُحدثون تغييرات جذرية

يرى عدد من المصادر أن وارش من غير المرجح أن يُحدث تغييراً جذرياً؛ نظراً لكونه مصرفياً مركزياً مخضرماً، ويمتلك فهماً عميقاً للمسؤوليات الأساسية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وقال كارستن برزيسكي، خبير الاقتصاد ببنك «آي إن جي»: «كانت تعليقاته موجَّهة إلى ترمب أكثر من كونها موجَّهة إلى نظرائه الأوروبيين».

وأضاف: «وارش مخضرم في (الفيدرالي)، ومخضرم في الأزمات المالية، وهو يدرك جيداً المخاطر المحتملة على الاستقرار المالي، إذا ما تم تقليص خطوط تبادل السيولة (swap lines)».

ويرى آخرون أن صانعي السياسات في «الفيدرالي» سيحافظون، بشكل جماعي، على شبكة الأمان، خاصة أن وارش يمتلك صوتاً واحداً فقط، كما أنه لم يجرِ التشكيك سابقاً في خطوط السيولة هذه.

وقال تيف ماكلم، محافظ بنك كندا: «عملت معه، خلال الأزمة المالية في عام 2008. أعتقد أن ثقافة وسلوك (الفيدرالي) سيستمران كما كانا في الماضي».