بين الإصلاح والتحفيز... كيف سيتعامل الاقتصاد الصيني مع تحديات 2025؟

شارع تجاري رئيسي في العاصمة الصينية بكين (رويترز)
شارع تجاري رئيسي في العاصمة الصينية بكين (رويترز)
TT

بين الإصلاح والتحفيز... كيف سيتعامل الاقتصاد الصيني مع تحديات 2025؟

شارع تجاري رئيسي في العاصمة الصينية بكين (رويترز)
شارع تجاري رئيسي في العاصمة الصينية بكين (رويترز)

في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة التي تواجهها الصين منذ أزمة «كوفيد - 19»، بدأ الاقتصاد الصيني يُظهِر أخيراً علامات على التعافي بعد فترة طويلة من التباطؤ.

ورغم المخاوف التي أُثيرت حول قدرة الصين على تحقيق هدف النمو السنوي البالغ 5 في المائة، تشير البيانات الأخيرة إلى أن الحكومة الصينية قد اتخذت خطوات فعّالة لتحفيز الاقتصاد، من خلال تدابير مالية ونقدية جديدة. ومع ذلك، يظل أمام الصين العديد من التحديات الكبيرة التي تتطلب حلولاً مبتكرة وفعّالة، في ظل تباطؤ قطاع العقارات، وزيادة الضغوط على الحكومات المحلية، بالإضافة إلى التأثيرات المحتملة من العوامل الخارجية، وعلى رأسها التهديدات الاقتصادية من الإدارة الأميركية الجديدة.

تراجع النمو

شهد نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين تراجعاً خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2024؛ حيث انخفض من 5.3 في المائة إلى 4.7 في المائة ثم إلى 4.6 في المائة، مما أثار القلق بشأن قدرة الصين على تحقيق هدفها السنوي للنمو البالغ نحو 5 في المائة. ومع ذلك، تشير البيانات الحديثة إلى أن الاقتصاد بدأ في التعافي تدريجياً، بعد تدهور ملحوظ في الأنشطة الاقتصادية نتيجة أزمة «كوفيد - 19». وهو ما كان متوقَّعاً نظراً لتأثير 3 سنوات من الإغلاقات على الحسابات المالية للأسر والشركات والحكومات المحلية. كما ساهم تراجع ثقة الأعمال، نتيجة الضغوط التنظيمية على القطاع المالي وقطاع العقارات واقتصاد المنصات، في تفاقم الوضع الاقتصادي، وفقاً لصحيفة «اليابان تايمز».

وفي بداية عام 2021، عندما بدأ الاقتصاد الأميركي في التعافي بعد أسوأ فترات الإغلاق بسبب الجائحة، بدأت الأسر الأميركية في إنفاق الأموال التي جمعتها خلال الجائحة. في المقابل، استمرت الأسر الصينية في تراكم مدخراتها، حتى بعد انتهاء الإغلاقات. وبين يناير (كانون الثاني) 2020 وأغسطس (آب) 2024، زادت ودائع الأسر الصينية في البنوك بمقدار 65.4 تريليون يوان (نحو 9 تريليونات دولار)، مع مساهمة كبيرة من الأثرياء. ورغم السياسات الحكومية الداعمة خلال تلك الفترة، فإن المسؤولين امتنعوا عن تنفيذ تحفيزات اقتصادية قوية، بسبب القلق من الآثار الجانبية المحتمَلة؛ فقد أسهم برنامج التحفيز الضخم الذي قدمته الحكومة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 في تحفيز النمو، لكنه أيضاً ساعد في تكوين فقاعة عقارية وزيادة ديون الحكومات المحلية، مما أثر سلباً على كفاءة الاستثمار.

تدابير جديدة لتعزيز النمو

مع نهاية الربع الثالث من 2024، تغيَّرت حسابات الحكومة الصينية، وأصبح من الواضح أن الاقتصاد بحاجة إلى مزيد من الدعم لتحقيق مسار نمو مستدام. في أواخر سبتمبر (أيلول) 2024، كشف محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغ شينغ، عن 3 تدابير رئيسية لتحفيز الاقتصاد، وهي خفض نسبة الاحتياطي للبنوك، وتخفيض سعر الفائدة، وإنشاء أدوات سياسة نقدية لدعم سوق الأسهم. وفي 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أعلن وزير المالية الصيني، لان فوان، أن التدابير المالية الجديدة ستركز على معالجة مشاكل ديون الحكومات المحلية، واستقرار سوق العقارات، ودعم التوظيف. ثم تبعت هذه الخطوات خطة لتبادل الديون بقيمة 10 تريليونات يوان للحكومات المحلية، في بداية نوفمبر (تشرين الثاني).

وقد أشار كل من بان ولان إلى أن الحكومة الصينية ستستمر في تقديم مزيد من التدابير التحفيزية، مع التأكيد على أن الحكومة المركزية لا تزال تمتلك مجالاً كبيراً لزيادة ديونها وعجزها. وتشير البيانات الأخيرة للمؤشرات الاقتصادية عالية التردد، التي تتفاعل سريعاً مع التغيرات في السياسات، إلى أن الإجراءات الحكومية بدأت تؤتي ثمارها بسرعة؛ ففي أكتوبر، ارتفع «التمويل الاجتماعي» (إجمالي التمويل للاقتصاد الحقيقي) بنسبة 7.8 في المائة على أساس سنوي، وزادت القروض البنكية المستحَقَّة بنسبة 7.7 في المائة. كما ارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 4.8 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بزيادة بنسبة 1.6 نقطة مئوية عن الشهر السابق. كذلك، ارتفع مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 50.1، بعد 3 أشهر من القراءات دون 50. وزاد مجدداً إلى 50.3 في نوفمبر. وفي خبر إيجابي آخر، انخفض معدل البطالة في المدن المسجَّلة بنسبة 0.1 نقطة مئوية في أكتوبر، ليصل إلى 5 في المائة. حتى سوق العقارات شهدت تحسناً طفيفاً، على الرغم من أن مبيعات الأراضي والاستثمار العقاري لا يزالان ضعيفَيْن. وإذا استمرت هذه الاتجاهات الإيجابية؛ فمن المحتمل أن يعود نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 5 في المائة في الربع الرابع من 2024.

البنك الدولي يرفع توقعاته للنمو

ويوم الخميس، قال البنك الدولي إنه رفع توقعاته للنمو الاقتصادي في الصين لعامي 2024 و2025. لكنه حذَّر من أن ضعف ثقة المستهلكين والشركات، والتحديات في قطاع العقارات، ستواصل التأثير على النمو، العام المقبل. ويتوقع البنك نمو الناتج المحلي الإجمالي 4.9 في المائة هذا العام، مقابل 4.8 في المائة، في توقعات سابقة، وذلك بفضل تأثير التيسير النقدي في الآونة الأخيرة، وقوة الصادرات في المدى القريب.

وقالت مارا وارويك، المديرة المعنية بشؤون الصين في البنك الدولي: «التصدي للتحديات في قطاع العقارات وتعزيز شبكات الضمان الاجتماعي وتحسين ماليات الحكومة المحلية ستكون عناصر ضرورية لتحقيق التعافي المستدام». وأضافت في بيان أنه «من المهم الموازنة بين الدعم قصير الأجل للنمو والإصلاحات الهيكلية طويلة الأجل».

تحديات الاقتصاد الصيني في 2025

بالنسبة لتوقعات عام 2025، فإنها تظل أقل وضوحاً. وإذا كانت الصين ستتمكن من تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5 في المائة في العام المقبل (على افتراض أن هذا هو الهدف الذي تسعى الحكومة لتحقيقه) فسيتعين على صانعي السياسات مواجهة 3 تحديات رئيسية.

أولاً، يتعين على الصين معالجة استقرار قطاع العقارات، الذي يسهم بنحو 20 في المائة من نمو الناتج المحلي الإجمالي، ويمثل 70 في المائة من ثروة الأسر. ووفقاً لصحيفة «تشاينا كونستراكشن نيوز»، نقلاً عن مؤتمر عمل عقدته هيئة تنظيم الإسكان، فستستمر الجهود الرامية إلى استقرار سوق العقارات في الصين في عام 2025، مع التركيز على منع المزيد من الانخفاضات في هذا القطاع الحيوي.

وأوضح التقرير أن الصين ستعمل على تعزيز إصلاحات نظام مبيعات المساكن التجارية بشكل قوي، وتوسيع نطاق تجديد القرى الحضرية بما يتجاوز إضافة مليون وحدة سكنية. كما ستفرض الحكومة رقابة صارمة على المعروض من المساكن التجارية، مع زيادة توفير المساكن بأسعار معقولة، بهدف معالجة المشاكل المعيشية لعدد كبير من المواطنين الجدد، بمن في ذلك الشباب والعمال المهاجرون.

ويتمثل التحدي الثاني في حسابات الحكومات المحلية؛ حيث دفع النقص في الأموال السلطات المحلية مؤخراً إلى تقليص الإنفاق، مثل خفض رواتب المسؤولين، والبحث عن الإيرادات، من خلال ملاحقة الشركات بسبب الضرائب المتأخرة أو حتى احتجاز رجال الأعمال من مناطق أخرى، مما يضر بالنمو. أما التحدي الثالث، فيتمثل في تأثير التهديدات الاقتصادية المقبلة من الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترمب، الذي تعهَّد بفرض رسوم جمركية بنسبة 60 في المائة على جميع الواردات من الصين في أول عام من ولايته. وبالنظر إلى أن صادرات الصين إلى الولايات المتحدة تشكل 3 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، فإن هذه الرسوم - حتى وإن كانت أقل من ذلك - سيكون لها تأثير كبير على النمو في عام 2025. على سبيل المثال، توقعت مجموعة «يو بي إس» أن ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين إلى 4 في المائة في 2025.

دارت العديد من المناقشات في الصين حول ما إذا كان الاقتصاد بحاجة إلى إصلاحات هيكلية أم مزيد من التحفيزات الاقتصادية. والحقيقة أن الصين بحاجة إلى كليهما؛ يجب أن تبدأ الحكومة الصينية بحزمة تحفيزية حاسمة تشمل مكوناً قوياً من السياسات المالية؛ فهذا سيسهم في تحقيق أكبر تأثير فوري على الاقتصاد. ولكن بمجرد تنفيذ الحزمة، يجب على الحكومة توجيه اهتمامها إلى الإصلاحات الهيكلية التي تركز على تعزيز الثقة بين المستهلكين والمستثمرين ورجال الأعمال. وعلى مدار العام الماضي، نشرت الحكومة الصينية عدة وثائق سياسات تهدف إلى استعادة الثقة، لكن نظراً لأن المشاركين في السوق لم يقتنعوا تماماً، يجب على الحكومة اتخاذ تدابير أكثر جرأة ومرئية، مثل تعزيز حماية الشركات الخاصة وتقليص مراقبة المسؤولين المحليين للسجلات الضريبية القديمة بحثاً عن المدفوعات المفقودة، مما سيساعد في تعزيز ثقة الأعمال وتحفيز النمو.


مقالات ذات صلة

«سينوبك» الصينية تشتري النفط الروسي لتعويض إمدادات الشرق الأوسط

الاقتصاد ناقلات نفط بميناء بحري تابع لشركة «سينوبك» في نانتونغ بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

«سينوبك» الصينية تشتري النفط الروسي لتعويض إمدادات الشرق الأوسط

ذكرت مصادر تجارية عدة أن شركة «سينوبك» الصينية الحكومية للنفط اشترت شحنات من النفط الروسي؛ لتعويض إمدادات النفط الخام من الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد استقرت واردات الصين من النفط المنقول بحراً في مارس عند 10.5 مليون برميل يومياً بينما ارتفعت المخزونات 34 مليون برميل (أ.ب)

واردات الصين من النفط في مارس لم تتأثر بحرب إيران

تراجعت واردات الصين من النفط الخام في مارس (آذار) 2.8 في المائة عن الفترة نفسها من العام الماضي، في حين أدت حرب إيران إلى تراجع معدلات التشغيل في المصافي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سجَّلت الصين قفزة في إجمالي إيرادات قطاع البرمجيات لتصل إلى 2.15 تريليون يوان خلال يناير وفبراير الماضيين (أ.ف.ب)

ارتفاع إيرادات قطاع البرمجيات في الصين 11.7 % خلال يناير وفبراير

أظهرت بيانات رسمية أصدرتها وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، نمواً مطرداً في إيرادات أعمال قطاع البرمجيات الصيني خلال يناير وفبراير الماضيين.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد محطة للتزود بالوقود في بكين تابعة لشركة «بتروتشاينا» الصينية (رويترز)

«بتروتشاينا»: إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز تمثل 10 % من عملياتنا

قال رئيس مجلس إدارة شركة «بتروتشاينا»، عملاق النفط المملوك للدولة في الصين، يوم الاثنين، إن أعمال تكرير النفط والغاز الطبيعي في الشركة تعمل بشكل طبيعي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)

استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

أظهرت بيانات رسمية استقرار الديون الخارجية للصين، خلال العام الماضي، مع وصولها إلى نحو 2.33 تريليون دولار.

«الشرق الأوسط» (بكين)

السعودية تتصدر صمود النمو خليجياً

بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
TT

السعودية تتصدر صمود النمو خليجياً

بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)

وسط الصورة القاتمة التي رسمها «صندوق النقد الدولي» بخفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بمقدار 0.2 نقطة مئوية إلى 3.1 في المائة جراء الصراعات الجيوسياسية، برزت السعودية نموذجاً استثنائياً للصمود في منطقة الخليج.

فبينما تسببت «حرب إيران» في اختناق ممرات التجارة وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية، نجحت الرياض في تحييد تلك المخاطر بفضل خطوط الأنابيب البديلة التي تربط شرق المملكة بغربها عبر البحر الأحمر، وهو ما مكّنها من تجاوز إغلاق مضيق هرمز وضمان تدفق النفط للأسواق العالمية من دون انقطاع، ووضعها في صدارة دول المنطقة بنمو متوقع قدره 3.1 في المائة لعام 2026، مع آفاق واعدة ترتفع إلى 4.5 في المائة في عام 2027.

وتترنح اقتصادات مجاورة تحت وطأة انكماش حاد وتعطل مرافقها الطاقوية، حيث يتوقع الصندوق انكماش الاقتصاد القطري بنسبة 8.6 في المائة، في مراجعة هي الأقسى للمنطقة بفارق 14.7 نقطة مئوية عن تقديرات يناير (كانون الثاني) الماضي، نتيجة توقف منشأة رأس لفان الحيوية.


الجدعان: اقتصاد السعودية أثبت كفاءته في مواجهة الصدمات

الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجدعان: اقتصاد السعودية أثبت كفاءته في مواجهة الصدمات

الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)

أكّد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المملكة أثبتت قدرة فائقة على التعامل مع الصدمات الاقتصادية العالمية والمحافظة على استقرارها المالي، مشدداً على مضي المملكة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى تنويع القاعدة الاقتصادية وتعظيم دور القطاع الخاص بوصفه شريكاً استراتيجياً في التنمية.

جاء ذلك خلال مشاركة الجدعان، الثلاثاء، في اجتماع الطاولة المستديرة الذي نظمته غرفة التجارة الأميركية في العاصمة واشنطن، بمشاركة نخبة من قيادات القطاع الخاص، وذلك على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين لعام 2026.

وأوضح الجدعان أن البيئة الاستثمارية في المملكة ترتكز على الشفافية والاستقرار، مما عزز ثقة المستثمرين الدوليين ودعم تدفق الاستثمارات الأجنبية بشكل مستدام.

وأشار إلى أن الاقتصاد السعودي يزخر بفرص استثمارية قيّمة في قطاعات حيوية؛ كالخدمات اللوجيستية، والتقنية، والصناعة، وذلك رغم حالة عدم اليقين التي تخيّم على الاقتصاد العالمي.

ووجّه الجدعان رسالة للمستثمرين بأن التركيز على الأسس الاقتصادية طويلة المدى هو المفتاح الحقيقي للاستفادة من التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة.

وأكد الدور الريادي للمملكة بوصفها شريكاً موثوقاً في دعم الاستقرار الاقتصادي العالمي، مستندة في ذلك إلى سياسات مالية متزنة ورؤية تنموية طموحة ترسّخ مكانتها بوصفها مركز جذب استثماري رائداً على خريطة الاقتصاد الدولي.


أزمات سلاسل الإمداد تضاعف احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي

شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
TT

أزمات سلاسل الإمداد تضاعف احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي

شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)

ضاعفت أزمات سلاسل الإمداد بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي. وسط محفزات للمزارعين بهدف زيادة معدلات توريد المحصول من بينها صرف المستحقات خلال 48 ساعة وتذليل العقبات خلال عمليتي الحصاد والتوريد.

وأعلنت وزارة الزراعة الاستعدادات النهائية لبدء موسم حصاد وتوريد القمح المحلي بجميع المحافظات. وقال وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، علاء فاروق، الثلاثاء، إن «الدولة تستهدف تسلم نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي من المزارعين خلال موسم الحصاد الحالي، بما يسهم بشكل مباشر في تضييق الفجوة الاستيرادية وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية للدولة».

وأشار وزير الزراعة المصري في بيان، إلى أن الموسم الحالي شهد قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح لتتخطى حاجز الـ3.7 مليون فدان بزيادة قدرها 600 ألف فدان على العام الماضي، ولفت إلى أن «الجهود البحثية المكثفة التي بذلتها المراكز التابعة للوزارة ساهمت في رفع كفاءة الفدان ليتراوح متوسط الإنتاجية ما بين 18 إلى 20 إردباً، وذلك نتيجة استنباط أصناف جديدة من التقاوي العالية الجودة وتطبيق أحدث الممارسات الزراعية».

وأكد «حرص الدولة على دعم الفلاح المصري وتشجيعه وضمان العائد المناسب له وتحسين مستوى دخله»، كما أشار إلى زيادة سعر توريد القمح هذا العام إلى 2500 جنيه للإردب (الدولار يساوي 52.5 جنيه) وذلك بتوجيه من الرئيس السيسي لدعم المزارعين مع التوجيه بالصرف الفوري للمستحقات المالية للمزارعين والموردين، وبحد أقصى 48 ساعة، لافتاً إلى أن «استقبال القمح المحلي سيبدأ من 15 أبريل (نيسان) الحالي ويستمر حتى انتهاء الموسم في 15 أغسطس (آب) المقبل».

اجتماع برئاسة السيسي لمتابعة «منظومة الأمن الغذائى» الأحد الماضي (الرئاسة المصرية)

وبحسب أستاذ الاقتصاد واللوجيستيات والنقل الدولي، محمد على إبراهيم، فإن «الحرب الإيرانية قد تكون ممتدة، وهناك أزمة في الأسمدة، وكل من (منظمة الفاو) و(برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) تحدثا عن مشاكل في تدفقات الغذاء ولا سيما القمح». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «من المفترض أن تستبق مصر هذه التطورات، وهذا هو موسم حصاد القمح وسيتبعه موسم زراعة جديد، لذا من المناسب جداً رفع أسعار التوريد كما حدث».

ووفق اعتقاد إبراهيم فإن «الجهود الحكومية الموجودة خلال موسم القمح الحالي جيدة؛ لكن لابد من البناء عليها بشكل أكبر». ويفسر: «مثلاً تتم المقارنة ما بين سعر التوريد المحلي وسعر التوريد الدولي، ثم البدء في التسعير بشكل مناسب من أجل تنمية الزراعة ما يقربني كدولة من الاكتفاء الذاتي».

وسجلت واردات مصر من القمح ثاني أعلى مستوى تاريخي لها بنهاية العام الماضي وبانخفاض نسبته 12.7 في المائة على أساس سنوي، بحسب بيانات رسمية. وأوضحت البيانات أن «إجمالي واردات القمح خلال عام 2025 بلغ نحو 12.3 مليون طن مقارنة بنحو 14.1 مليون طن خلال 2024».

حول المحفزات الحكومية للمزارعين في موسم القمح الحالي. يرى أستاذ الاقتصاد واللوجيستيات والنقل الدولي أن «رفع أسعار التوريد مهم جداً، فضلاً عن آليات الصرف السريع للمزارعين وحل أي مشاكل تواجههم». ويلفت إلى أن » آثار الحرب الإيرانية سوف تستمر حتى لو انتهت، لذا لابد من الاستعداد الحكومي لهذه الفترات المقبلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع».

جولة ميدانية لمسؤولين في وزارة الزراعة (وزارة الزراعة)

ووجه وزير الزراعة المصري، الثلاثاء، بـ«ضرورة الجاهزية القصوى وتوفير جميع الآلات والمعدات اللازمة لمساعدة المزارعين في عمليات الحصاد الآلي»، مؤكداً «أهمية صيانة المعدات وتوزيعها بشكل عادل على مختلف المحافظات لضمان سرعة نقل المحصول إلى الصوامع والشون وتسهيل عملية التوريد ومنع التكدس». كما وجه بـ«تذليل أي عقبات تواجه عمليات التوريد بما يضمن استقرار السوق المحلية وتأمين مخزون استراتيجي آمن من المحصول».

في سياق ذلك، نشر «المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري»، الثلاثاء، إنفوغرافاً أشار فيه إلى زيادة المساحة المزروعة بالقمح خلال الموسم الحالي. وذكر أن «هذا التوسع الكبير جاء مدعوماً بجهود بحثية مكثفة من المراكز والمعاهد التابعة لوزارة الزراعة». وأكد أن «هذا التطور يعكس نجاح استنباط أصناف جديدة من التقاوي العالية الجودة، إلى جانب التوسع في تطبيق الممارسات الزراعية الحديثة، بما يعزز من إنتاجية المحصول ويدعم جهود تحقيق الأمن الغذائي».

مزراعون وسط حقل قمح الشهر الماضي (وزارة الزراعة)

وقال محافظ الفيوم، محمد هانئ غنيم، إن «محصول القمح يمثل أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية التي ترتكز عليها جهود الدولة لتحقيق الأمن الغذائي»، مشيراً إلى «حرص الدولة على تقديم مختلف أوجه الدعم والتيسيرات اللازمة للمزارعين بهدف التوسع في المساحات المنزرعة وزيادة الإنتاجية». وأضاف في تصريحات، الثلاثاء، أن «تحقيق معدلات توريد مرتفعة من محصول القمح يسهم في تقليل الفجوة الاستيرادية وتعزيز الاكتفاء الذاتي من القمح».