«المركزي الأوروبي» في 2025... نحو سياسة نقدية أكثر مرونة

توقعات بتقليص أسعار الفائدة إلى 2 % بحلول منتصف العام المقبل

علم الاتحاد الأوروبي على عملات من فئة اليورو (رويترز)
علم الاتحاد الأوروبي على عملات من فئة اليورو (رويترز)
TT

«المركزي الأوروبي» في 2025... نحو سياسة نقدية أكثر مرونة

علم الاتحاد الأوروبي على عملات من فئة اليورو (رويترز)
علم الاتحاد الأوروبي على عملات من فئة اليورو (رويترز)

من المتوقع أن يشهد عام 2025 تحولاً جديداً في سياسات البنك المركزي الأوروبي، مع توجهه نحو مزيد من التيسير النقدي في ظل استمرار ضعف الأداء الاقتصادي بمنطقة اليورو وتراجع معدلات التضخم. وبينما تشير التوقعات إلى خفض محتمل لسعر الفائدة على الودائع إلى 2 في المائة، فإن هذه الخطوة تعكس حرص البنك على تجنب الانزلاق نحو الركود ودعم النشاط الاقتصادي المتباطئ. ومع ذلك، يظل الباب مفتوحاً أمام احتمالات اتخاذ إجراءات أكثر جرأة إذا تصاعدت التحديات الاقتصادية العالمية، خصوصاً في ظل المخاطر التجارية والتوترات الجيوسياسية التي قد تزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي في منطقة اليورو.

التحول نحو التيسير النقدي

أدى تراجع التضخم وضعف الأداء الاقتصادي إلى دفع البنك المركزي الأوروبي لتغيير نهجه نحو سياسات أكثر مرونة. ففي عام 2024، خفّض البنك سعر الفائدة على الودائع إلى 3 في المائة، وهو انخفاض بمقدار نقطة مئوية كاملة. لكن مع تباطؤ التضخم إلى 2.2 في المائة بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى جانب تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 0.4 في المائة في الربع الثالث، يتوقع المحللون مزيداً من التخفيضات.

وفي خطاب لها في فيلنيوس، أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، أن البنك يقترب من تحقيق هدف التضخم البالغ 2 في المائة بفضل هذه السياسات، مشيرة إلى أنه «بعد فترة طويلة من السياسات التقييدية، نحن واثقون الآن من العودة إلى هدفنا في الوقت المناسب».

من جانبه، قال عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، بوريس فوجسيتش، إن المركزي قد يخفض تكاليف الاقتراض مرة أخرى. وأضاف: «المركزي الأوروبي يعتمد بشكل كبير على البيانات، وإذا كانت البيانات الواردة متوافقة مع توقعاتنا، فمن المؤكد أننا قادرون على الاستمرار في خفض أسعار الفائدة». وأكد أن «اتجاه التوقعات يشير إلى تخفيض آخر في أسعار الفائدة»، وفقاً لما ذكرته «بلومبرغ».

وعندما سُئل عن المدى الذي قد تصل إليه تخفيضات أسعار الفائدة، قال فوجسيتش: «لا أستطيع أن أقول الآن إلى أي مستوى، لكن الأمر سيتضح في العام المقبل».

تغير في نبرة «المركزي»

خلال اجتماع ديسمبر (كانون الأول) 2024، أظهر البنك المركزي تحولاً كبيراً في استراتيجيته، حيث أسقط التزامه السابق بالحفاظ على السياسات التقييدية «طالما كان ذلك ضرورياً». وعلقت لاغارد قائلة: «هذا التغيير يعكس المشهد الاقتصادي المتطور، وتوقعاتنا للتضخم، والمخاطر المحيطة به».

وتشير توقعات البنك الأخيرة إلى انخفاض طفيف في التضخم المتوقع، حيث يُتوقع أن يصل التضخم الرئيسي إلى 2.1 في المائة والتضخم الأساسي إلى 2.3 في المائة في 2025، قبل أن ينخفضا إلى 1.9 في المائة في 2026. كذلك، خُفّضت توقعات النمو الاقتصادي لتصل إلى 1.1 في المائة في 2025، و1.4 في المائة في 2026.

نحو مستوى الحياد: ما هو؟

يشير مصطلح «مستوى الحياد» إلى النقطة التي لا تؤثر عندها أسعار الفائدة بشكل إيجابي أو سلبي على الاقتصاد. حالياً، تتوقع الأسواق أن يخفض البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة إلى 2 في المائة، وهو ما يعدّ قريباً من هذا المستوى الحيادي. ويقول غيوم ديريين، الخبير الاقتصادي في بنك «بي إن بي باريبا»: «نتوقع خفضاً بمقدار 25 نقطة أساس في كل اجتماع للبنك حتى يصل المعدل إلى 2 في المائة بحلول يونيو (حزيران) 2025».

دور السياسة المالية والتوترات التجارية

رغم أهمية السياسة النقدية، أكد البنك المركزي الأوروبي أن معالجة التحديات الاقتصادية الكبرى تتطلب تكاملاً بين السياسة النقدية والمالية. وفي هذا السياق، قالت لاغارد: «المركزي الأوروبي لا يمكن أن يكون الحل الوحيد لجميع مشاكل الاقتصاد الأوروبي». وقد دعت لاغارد الحكومات إلى اتخاذ خطوات أكثر جرأة في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز النمو. كما شدد خبراء، مثل إد يارديني، رئيس مؤسسة «يارديني للأبحاث»، على أهمية الإصلاحات الهيكلية في الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى توصيات قدمها سابقاً ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، وإنريكو ليتا، رئيس الوزراء الإيطالي السابق.

وعلى صعيد آخر، تلوح في الأفق تهديدات تجارية كبيرة، خصوصاً مع تعهد الرئيس المنتخب دونالد ترمب، بفرض رسوم جمركية تصل إلى 60 في المائة على الواردات الصينية، و10 في المائة على جميع الواردات الأخرى. مثل هذه الخطوات قد تؤثر بشكل كبير على الصناعات الأوروبية المعتمدة على التصدير، مثل الأدوية والآلات. وقال فوجسيتش: «إذا نشبت حرب تجارية، فإن ذلك سيكون له تأثير سلبي على النمو في أوروبا وبقية العالم»، مضيفاً أن الحروب التجارية عادة ما تؤدي إلى ارتفاع الأسعار. وتابع: «نأمل ألا نشهد حرباً تجارية، لأن ذلك لن يكون مفيداً لأي طرف».

وعبر لويس دي جيندوس، نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي عن قلقه المزداد بشأن سياسة التجارة والتفتت المحتمل للاقتصاد العالمي. وقال: «إذا تحققت هذه التعريفات، فقد نشهد تحولاً جذرياً في الوضع الاقتصادي، وهو ما يتناقض تماماً مع الدروس المستفادة من ثلاثينات القرن العشرين والمسار الذي اختارته الاقتصادات الكبرى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية».

وأضاف: «المشكلة هذه المرة لا تقتصر على التعريفات الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة على الواردات، بل تشمل أيضاً الردود الانتقامية من الدول الأخرى. إذا اندلعت حرب تجارية، فستكون لها آثار سلبية كبيرة على الاقتصاد العالمي، سواء على النمو أو التضخم. على سبيل المثال، فرض تعريفة بنسبة 60 في المائة على السلع المقبلة من الصين قد يغير تدفقات التجارة ويؤثر على أسعار الصرف. والأهم من ذلك، لا أحد يعرف إلى أين ستؤدي هذه التطورات».

ومع تصاعد التوترات التجارية وضعف البيانات الاقتصادية، يرى بعض المحللين أن البنك المركزي قد يتجه نحو خفض أسعار الفائدة إلى ما دون 2 في المائة. ويقول روبين سيغورا كايويلا، الخبير الاقتصادي في «بنك أوف أميركا»: «نتوقع تخفيضات متتالية إلى 1.5 في المائة بحلول سبتمبر (أيلول) 2025 إذا تفاقمت التحديات الاقتصادية». من جانبه، يتوقع بنك «غولدمان ساكس» تخفيضات تصل إلى 1.75 في المائة بحلول منتصف 2025، لكنه يحذر من إمكانية خفض «أسرع وأعمق» إذا استمرت التوترات التجارية في التأثير على الاقتصاد.

ما الذي ينتظر منطقة اليورو؟

يعتمد مستقبل السياسة النقدية في منطقة اليورو على تطورات عدة، منها أداء الاقتصاد العالمي، وتحركات التضخم، ومدى استجابة الحكومات للسياسات المالية. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن البنك المركزي الأوروبي مستعد لاتخاذ إجراءات إضافية لدعم الاقتصاد، لكنه يظل حذراً من تجاوز حدود دوره.

وعليه، قد تكون الفترة المقبلة حاسمة للاقتصاد الأوروبي، إذ ستكشف عن مدى قدرة البنك المركزي والحكومات على التنسيق لمواجهة التحديات المزدادة وضمان استقرار المنطقة على المدى الطويل.


مقالات ذات صلة

عوائد سندات اليورو ترتفع مع تعثر المحادثات الأميركية الإيرانية

الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات اليورو ترتفع مع تعثر المحادثات الأميركية الإيرانية

ارتفعت عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو، يوم الاثنين، عقب تعثر المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار الأمبركي محفوظة في دالاس (أ.ب)

هدنة هشة بين أميركا وإيران تضع الدولار في مهب الريح

ظل الدولار الأميركي متذبذباً يوم الخميس بعد خسائر سابقة، حيث يعيد المستثمرون تقييم صمود وقف إطلاق النار بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد صورة لجورج واشنطن معروضة على كومة من الأوراق النقدية الأميركية من فئة الدولار الواحد في دالاس (أ.ب)

«هدنة ترمب» تهوي بالدولار لأدنى مستوياته في شهر

هوى الدولار الأميركي إلى أدنى مستوياته في شهر، بينما قفزت اليورو والين والجنيه الإسترليني.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد حاويات مكدسة في ميناء الجزيرة الخضراء بمحافظة قادس جنوب إسبانيا (رويترز)

«اقتصاد اليورو» يسجل أول انخفاض في الطلب منذ 8 أشهر نتيجة أزمة الطاقة

تراجع نمو القطاع الخاص في منطقة اليورو بشكل حاد في مارس؛ حيث أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وتعطيل سلاسل التوريد.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

عضو في «المركزي الأوروبي»: السياسة النقدية ستعتمد على مدى انقطاع إمدادات الطاقة

قال يانيس ستورناراس، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، إن السياسة النقدية المناسبة لمنطقة اليورو ستتحدد بناءً على حجم وطبيعة انقطاع إمدادات الطاقة.

«الشرق الأوسط» (أثينا)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.