ترقب لتراجع التضخم الأميركي إلى أدنى مستوياته منذ «كوفيد-19»

يمهد الطريق لخفض أسعار الفائدة في اجتماع «الفيدرالي» الأسبوع المقبل

ورقة نقدية أميركية من فئة 5 دولارات (رويترز)
ورقة نقدية أميركية من فئة 5 دولارات (رويترز)
TT

ترقب لتراجع التضخم الأميركي إلى أدنى مستوياته منذ «كوفيد-19»

ورقة نقدية أميركية من فئة 5 دولارات (رويترز)
ورقة نقدية أميركية من فئة 5 دولارات (رويترز)

ربما وصل معدل التضخم بالولايات المتحدة إلى أدنى مستوى له في ثلاث سنوات، خلال أغسطس (آب) الماضي، وهو ما يؤكد أن معدل ارتفاع الأسعار يتراجع إلى مستويات ما قبل «كوفيد-19»، ويمهّد الطريق أمام مجلس الاحتياطي الفيدرالي لبدء خفض أسعار الفائدة الرئيسية، الأسبوع المقبل.

ومن المتوقع أن يتباطأ التضخم على أساس سنوي إلى 2.6 في المائة، الشهر الحالي، وفقاً لمسحٍ أجراه مزود البيانات «فاكت ست». وسيكون هذا أدنى معدل من نوعه منذ مارس (آذار) 2021. وباستثناء أسعار المواد الغذائية والطاقة المتقلبة، من المتوقع أن يظل التضخم الأساسي دون تغيير عند 3.2 في المائة، وفق وكالة «أسوشيتد برس».

وبلغ التضخم ذروته عند 9.1 في المائة خلال يونيو (حزيران) 2022 ــ وهو أعلى مستوى له منذ أربعة عقود ــ مع تعافي الاقتصاد من الركود الناجم عن الجائحة بسرعة وقوة غير متوقعتين. واستجاب بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة 11 مرة في عاميْ 2022 و2023، فرفع سعر الفائدة القياسي إلى أعلى مستوى له في 23 عاماً، وجعل الاقتراض أكثر تكلفة في مختلف أنحاء الاقتصاد.

ويتداخل أحدث أرقام التضخم مع السباق الرئاسي في أسابيعه الأخيرة. فقد ألقى الرئيس السابق دونالد ترمب اللوم على نائبة الرئيس كامالا هاريس في ارتفاع التضخم، الذي بدأ في أوائل عام 2021 عندما تعطلت سلاسل الإمداد العالمية، مما تسبَّب في نقص حاد بالأجزاء والعمالة. وقد اقترحت هاريس تقديم إعانات للمشترين والمطورين العقاريين؛ في محاولة لتخفيف تكاليف السكن، وتدعم حظراً فيدرالياً على الجشع في تسعير المواد الغذائية. في المقابل، قال ترمب إنه سيعمل على زيادة إنتاج الطاقة؛ لمحاولة خفض التضخم بشكل عام.

وأشار مسؤولو بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى ثقتهم المتزايدة بأن التضخم يتراجع بشكل مطّرد إلى هدفهم البالغ 2 في المائة، وأنهم يحوّلون تركيزهم الآن إلى دعم سوق العمل التي تتباطأ بسرعة.

وتتلخص مهمة بنك الاحتياطي الفيدرالي في السعي إلى استقرار الأسعار، وتوفير أقصى قدر من فرص العمل.

ومن المتوقع أن يؤدي خفض أسعار الفائدة، التي يفرضها «الفيدرالي»، بمرور الوقت، إلى خفض تكلفة اقتراض المستهلكين والشركات، بما في ذلك الرهن العقاري وقروض السيارات وبطاقات الائتمان.

وقال كريستوفر والر، أحد صانعي السياسات الرئيسيين بمجلس محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي، الأسبوع الماضي: «بشكل عام، أرى تقدماً كبيراً ومستداماً نحو هدف التضخم (الذي حدّده بنك الاحتياطي الفيدرالي)، والذي أتوقع أن يستمر خلال بقية هذا العام».

وأشار إلى أن التضخم السنوي لأكثر من نصف السلع والخدمات التي تتعقبها الحكومة، انخفض إلى أقل من 2.5 في المائة، وهو علامة على تباطؤ زيادات الأسعار على نطاق واسع.

والسبب الرئيسي وراء انخفاض التضخم، على الأرجح، الشهر الماضي، هو أن أسعار الغاز انخفضت بنحو 10 سنتات للغالون في أغسطس، وفقاً لإدارة التضخم في الطاقة، إلى متوسط ​​وطني يبلغ نحو 3.29 دولار.

ويتوقع خبراء الاقتصاد أيضاً أن ترتفع تدابير الحكومة، المتعلقة بالأسعار الخاصة بالبقالة والإيجار، بشكل أبطأ. وعلى الرغم من أن أسعار المواد الغذائية أغلى بنحو 20 في المائة مما كانت عليه قبل الجائحة، لكنها ارتفعت بنسبة 1.1 في المائة فقط عن العام الماضي.

ومن بين العوامل المحتملة الأخرى لتباطؤ التضخم أن تكلفة استئجار الشقق الجديدة بدأت التباطؤ مع اكتمال بناء سلسلة من الشقق المبنية حديثاً. ووفقاً لشركة السمسرة العقارية «ريدفين»، ارتفع متوسط ​​الإيجار لعقد إيجار جديد بنسبة 0.9 في المائة فقط خلال أغسطس، مقارنة بالعام السابق، إلى 1645 دولاراً شهرياً.

لكن مقياس الحكومة يشمل جميع الإيجارات، بما في ذلك الإيجارات للأشخاص الذين كانوا في شققهم لشهور أو سنوات. ويستغرق الأمر بعض الوقت حتى يظهر تباطؤ الإيجارات الجديدة، في بيانات الحكومة. ففي يوليو (تموز)، ارتفعت تكاليف الإيجار بنسبة 5.1 في المائة، مقارنة بالعام الماضي، وفقاً لمؤشر أسعار المستهلك الحكومي.

كما تنمو أجور الأميركيين بشكل أبطأ - بنحو 3.5 في المائة سنوياً، وهي وتيرة لا تزال قوية - مما يقلل الضغوط التضخمية. وقبل عامين، تجاوز نمو الأجور 5 في المائة، وهو المستوى الذي يمكن أن يجبر الشركات على رفع الأسعار بشكل حادّ لتغطية تكاليف العمالة الأعلى. وفي خطاب رفيع المستوى ألقاه، الشهر الماضي، أشار رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، إلى أن التضخم تحت السيطرة، واقترح أن سوق العمل من غير المرجح أن تكون مصدراً للضغوط التضخمية.

ونتيجة لهذا، يستعد بنك الاحتياطي الفيدرالي لبدء خفض سعر الفائدة الرئيسي عندما يجتمع، الأسبوع المقبل؛ على أمل تعزيز النمو والتوظيف. وكان المستهلكون هم المحرك للاقتصاد على مدى السنوات الثلاث الماضية، لكنهم يتجهون بشكل متزايد إلى الديون لدعم إنفاقهم وبطاقات الائتمان، كما ترتفع معدلات تأخر سداد أقساط السيارات، مما يثير المخاوف من أنهم قد يضطرون قريباً لكبح جماح إنفاقهم. وقد يدفع انخفاض إنفاق المستهلكين مزيداً من أصحاب العمل إلى تجميد التوظيف، أو حتى خفض الوظائف.

وقال باول: «نحن لا نسعى ولا نرحب بمزيد من التيسير في ظروف سوق العمل. من المتوقع على نطاق واسع أن يخفّض بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة القياسي بمقدار ربع نقطة متواضعة، الأسبوع المقبل، على الرغم من أنه من الممكن أن يقرر صناع السياسات، بدلاً من ذلك، أن هناك حاجة لخفض بمقدار نصف نقطة».

ويتوقع متداولو «وول ستريت» خفض سعر الفائدة بمقدار نصف نقطة، في الاجتماع المقبل لبنك الاحتياطي الفيدرالي، في نوفمبر (تشرين الثاني)، وفقاً لأسعار العقود الآجلة.


مقالات ذات صلة

محافظ بنك إنجلترا: الأسواق لا تزال تبالغ في تقدير رفع الفائدة

الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا خلال حديثه إلى «رويترز» (رويترز)

محافظ بنك إنجلترا: الأسواق لا تزال تبالغ في تقدير رفع الفائدة

قال محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي الأربعاء إن الأسواق لا تزال تبالغ في تقدير رفع البنك المركزي لأسعار الفائدة رداً على تداعيات الحرب الإيرانية

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سيدة تتسوق داخل أحد المتاجر في واشنطن (رويترز)

ارتفاع ثقة المستهلكين في أميركا رغم صعود أسعار الطاقة

ارتفعت ثقة المستهلكين في الولايات المتحدة خلال الشهر الحالي رغم ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوراق من الدولار الأميركي (رويترز)

أزمة السندات الأميركية: ديون قياسية وتكاليف حرب ترهق الموازنة

أدت مخاطر التضخم إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية منذ اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية - الإيرانية التي أشعلت أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد موظفون بقاعة التداول في بورصة نيويورك (أ.ب)

مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» يسجل أسوأ أداء ربع سنوي منذ 2022

يسجل مؤشر الأسهم الأميركية الرئيسي أسوأ أداء ربع سنوي له منذ 4 سنوات؛ مما يعكس انخفاضاً واضحاً في إنفاق المستثمرين؛ بسبب مخاوف التضخم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أرفف مليئة بالفاكهة داخل سوبر ماركت في برلين (رويترز)

تضخم منطقة اليورو يقفز إلى 2.5 % بفعل صدمة أسعار الطاقة

تجاوز التضخم بمنطقة اليورو هذا الشهر هدف «البنك المركزي الأوروبي» البالغ اثنين في المائة؛ نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، مما زاد تعقيد معضلة السياسة النقدية.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت (ألمانيا) )

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.