تباين الآراء في «المركزي الأوروبي» حول تأثير الركود المحتمل على الفائدة

المصرف يواجه معضلة في تحديد مسار السياسة النقدية

لافتة خارج مبنى المصرف المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
لافتة خارج مبنى المصرف المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

تباين الآراء في «المركزي الأوروبي» حول تأثير الركود المحتمل على الفائدة

لافتة خارج مبنى المصرف المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
لافتة خارج مبنى المصرف المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

يتزايد الخلاف بين صانعي السياسة في المصرف المركزي الأوروبي حول توقعات النمو الاقتصادي، وهو خلاف قد يؤثر على النقاش بشأن تخفيض أسعار الفائدة لعدة أشهر، حيث يخشى البعض من حدوث ركود، بينما يركز الآخرون على استمرار الضغوط التضخمية، حسبما ذكرت مصادر مقربة من النقاش.

وقام البنك المركزي الأوروبي بخفض أسعار الفائدة في يونيو (حزيران)، ومن شبه المؤكد أنه سيقوم بخفض آخر في سبتمبر (أيلول) استجابةً لتباطؤ نمو الأسعار. ومع ذلك، قد تكون القرارات المتعلقة بالسياسة النقدية في المستقبل أكثر تعقيداً مع دخول اقتصاد منطقة اليورو في حالة أكثر هشاشة، وفقاً لمحادثات مع ما يقرب من عشرة مصادر، بحسب «رويترز».

ويتمحور النقاش حول كيفية تأثير ضعف النمو الاقتصادي والركود المحتمل على التضخم - وهو الهدف الأساسي للصرف - حيث يحاول خفض التضخم إلى 2 في المائة بحلول نهاية عام 2025. ورغم أن الكثير من المناقشات يتم بشكل خاص، فإن المحادثات مع مصادر على معرفة مباشرة بها تكشف عن وجهات نظر متباينة.

ويجادل دعاة السياسة الداعمة للنمو، والذين ما زالوا يشكلون أقلية، بأن الاقتصاد أضعف مما كان يُعتقد، وأن مخاطر الركود تتزايد وأن الشركات التي كانت تحتفظ بالعمالة بدأت في تقليص فرص العمل، مما يجعل سوق العمل أكثر ليونة. وبمجرد انخفاض معدلات التوظيف، ينخفض ​​الدخل المتاح أيضاً، مما يؤدي إلى تآكل الاستهلاك بسرعة ويخلف حالة من الركود المعزز ذاتياً.

وقال أحد المصادر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته: «هذا سيضعف ضغوط الأسعار بشكل أسرع مما نتوقع الآن، لذا أعتقد أن خطر العودة إلى التضخم دون المستوى المستهدف حقيقي».

وهذا يشير إلى أن «المركزي» متأخر في خفض أسعار الفائدة ودعم الاقتصاد، مما يعزز الحجة لخفض أسعار الفائدة بسرعة أكبر.

ومن المتوقع الآن أن يرتفع التضخم، الذي انخفض إلى 2.2 في المائة في أغسطس (آب)، مرة أخرى بحلول نهاية العام ويعود إلى 2 في المائة فقط في أواخر عام 2025.

ركود؟

ويجادل المحافظون، أو الصقور في مصطلحات المصارف المركزية، الذين يهيمنون على النقاش السياسي منذ بدء رفع أسعار الفائدة السريع في 2022، بأن أرقام النمو الفعلية تتفوق باستمرار على نتائج الاستطلاعات الضعيفة وأن الاقتصاد ما زال صامداً. فالاستهلاك قوي، وقد حققت الكتلة موسماً سياحياً رائعاً، وأخيراً بدأ قطاع البناء في الانتعاش، لذا فإن النمو ما زال محترماً.

علاوة على ذلك، لا يزال نمو الأجور أعلى بكثير من المستويات المتسقة مع هدف التضخم بنسبة 2 في المائة، لذا فإن الدخل الحقيقي يتعافى بسرعة ويجب أن يستمر في حماية الاقتصاد.

ورغم أن الصناعة تشهد تراجعاً عميقاً وقد تجر ألمانيا إلى الركود، فإن هذه مشكلة أكثر هيكلية وقد يستغرق حلها سنوات، وبالتالي فإن السياسة النقدية لها دور محدود، وفقاً لعدة مصادر.

كل هذا يدعم الحجة لخفض أسعار الفائدة ببطء، ربما مرة كل ربع سنة، حتى يتأكد «المركزي الأوروبي» من أن التضخم يتجه نحو 2 في المائة.

ومن المرجح أن يقاوم الصقور أي تخفيف للسياسة قد يؤدي إلى تأخير تحقيق هدف التضخم حتى 2026، لأن ذلك قد يهدد مصداقية «المركزي الأوروبي»، وفقاً للمصادر.

وتجادل عضوة مجلس إدارة «المركزي الأوروبي» وهي من المحافظين البارزين، إيزابيل شنابل، بأن مخاوف التضخم يجب أن تتفوق على النمو.

وقالت في خطاب يوم الجمعة: «يجب أن تظل السياسة النقدية مركزة على إعادة التضخم إلى هدفنا في الوقت المناسب. في حين أن المخاطر على النمو قد زادت، لا يزال الهبوط الناعم أكثر احتمالًا من الركود».

أكتوبر

قالت المصادر إن من غير المرجح أن يؤثر الخلاف على قرار السياسة في سبتمبر، حيث يوجد بالفعل إجماع واسع النطاق على خفض أسعار الفائدة.

لكن يمكن أن يؤثر ذلك على كيفية تواصل رئيسة المركزي الأوروبي كريستين لاغارد بشأن القرار، مما يغير التوقعات لاجتماع أكتوبر (تشرين الأول).

كما أنه من غير المرجح أن يتخلى البنك عن نهجه «اجتماعاً تلو الآخر» في تحديد السياسة حتى لا يكون هناك التزام بشأن أكتوبر، لكن الداعمين للنمو يريدون من لاغارد أن تبرز مخاطر النمو، وتشير إلى أن التخفيضات المتتالية ليست مستبعدة.

ويخشى الصقور أن مثل هذه الرسالة ستزيد من توقعات السوق بشكل كبير، مما يضع «المركزي الأوروبي» في موقف صعب. ويرى المستثمرون بالفعل احتمالاً بنسبة 40 في المائة إلى 50 في المائة لخفض الفائدة في أكتوبر، وستعزز هذه الرسالة الضعيفة تلك الرهانات.

وقال مصدر ثالث: «أعتقد أن التخفيضات الفصلية تخدمنا بشكل جيد، والبيانات لا تدعم ببساطة تسريع هذه الوتيرة».

وبينما سيتفق المحافظون على نص بيان السياسة، تتمتع لاغارد ببعض الحرية في إيصال الرسالة ويمكنها اختيار التأكيد على نقاط معينة.

ويبدو أن الاقتصاديين يتبنون وجهات نظر مختلطة بشأن التوقعات، حتى لو اتفق معظمهم على أنها بعيدة عن أن تكون مشرقة.

وقال الاستراتيجي في «ماكواري»، تييري ويزمان: «حتى لو تجنب الاقتصاد الأميركي الركود، قد لا يحدث ذلك في أوروبا». وأشار ويزمان إلى أن ضعف الطلب الصيني على السلع الأوروبية يزيد من حدة التباطؤ، بينما قد يؤثر تأثيره المحتمل على الاستقرار السياسي نتيجة صعود اليمين المتطرف في فرنسا وألمانيا أيضاً على معنويات المستهلكين.

من جهته، توقع بنك «إيه بي إن أمرو» الهولندي استمرار النمو، وإن كان متواضعاً.

وقال: «إن انتعاش الاقتصاد في منطقة اليورو يكافح لاكتساب الزخم. يشير معدل الادخار المرتفع إلى أن المستهلكين أقل استعداداً لإنفاق مكاسب الدخل الحقيقي، خاصة في فرنسا وهولندا وألمانيا».


مقالات ذات صلة

«إتش سي» تتوقع تثبيت الفائدة خلال اجتماع «المركزي» المصري الخميس المقبل

الاقتصاد مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«إتش سي» تتوقع تثبيت الفائدة خلال اجتماع «المركزي» المصري الخميس المقبل

توقعت شركة «إتش سي» للأوراق المالية والاستثمار أن يثبت البنك المركزي المصري أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقرر، يوم الخميس المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد رجل يتسوق لشراء اللحوم في سوق «إيسترن ماركت» وسط العاصمة الأميركية (رويترز)

مبيعات التجزئة الأميركية تتراجع بشكل مفاجئ في يوليو

تراجعت مبيعات التجزئة الأميركية بشكل غير متوقع في يوليو (تموز)، بعد مكاسب قوية سجلتها مؤخراً بدعم من استردادات ضريبية كبيرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)

نمو الاقتصاد الماليزي يتجاوز التوقعات... و«المركزي» يترقب 5 % في 2026

قال البنك المركزي الماليزي، يوم الجمعة، إن اقتصاد البلاد قد ينمو بنحو 5 في المائة هذا العام، عند الحد الأعلى من نطاق توقعاته الرسمية.

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية تتجه لخسارة أسبوعية طفيفة وتترقب بيانات اقتصادية حاسمة

اتسم أداء الأسهم الأوروبية بالاستقرار، يوم الجمعة، لكنها ظلت متجهةً نحو تسجيل خسارة أسبوعية طفيفة، في ظل متابعة المستثمرين لتعثر الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد العلم الأميركي يرفرف في «ناشونال مول» بالقرب من مبنى الكابيتول في واشنطن (رويترز)

«فيتش» تُبقي تصنيف الولايات المتحدة عند «إيه إيه +» مع نظرة مستقبلية مستقرة

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني يوم الخميس تصنيفها السيادي للولايات المتحدة عند «إيه إيه +» مع نظرة مستقبلية مستقرة، مشيرةً إلى حجم الاقتصاد الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«إتش سي» تتوقع تثبيت الفائدة خلال اجتماع «المركزي» المصري الخميس المقبل

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

«إتش سي» تتوقع تثبيت الفائدة خلال اجتماع «المركزي» المصري الخميس المقبل

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

توقعت شركة «إتش سي» للأوراق المالية والاستثمار أن يثبت البنك المركزي المصري أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقرر، يوم الخميس المقبل.

وعلى الرغم من الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية المتكررة في المنطقة، فإن هبة منير، محلل الاقتصاد الكلي في شركة «إتش سي» ترى أن الوضع الخارجي لمصر لا يزال يتمتع بمرونة نسبياً، وقالت: «نظراً لتزايد الضغوط التضخمية، نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده في 20 أغسطس (آب) الحالي».

وأشارت منير إلى اتساع صافي فائض الأصول الأجنبية للبنوك المصرية بشكل ملحوظ بقيمة 5.04 مليار دولار مقارنة بالشهر السابق له ليصل إلى 27.995 مليار دولار في يونيو (حزيران) الماضي، مقارنةً بـ22.957 مليار دولار في مايو (أيار) الماضي، وذلك نتيجة ارتفاع إجمالي الأصول الأجنبية للبنوك والبنك المركزي المصري بقيمة 4.81 مليار دولار خلال شهر يونيو، مقابل انخفاض التزامات البنوك بقيمة 1.06 مليار دولار، وزيادة التزامات البنك المركزي المصري بقيمة أقل بـ826 مليون دولار مقارنة بالشهر السابق له.

كما أشارت إلى ارتفاع صافي الاحتياطي الدولي والودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية معاً بمقدار 2.72 مليار دولار على أساس شهري ليصل إلى 56.29 مليار دولار و12.54 مليار دولار في يوليو (تموز) على التوالي.

وأضافت، أن مؤشر مبادلة مخاطر الائتمان لمدة عام لمصر شهد تذبذباً هبوطياً، مسجلاً 190 نقطة أساس في الوقت الحالي، متراجعاً من أعلى مستوى وصل إليه عند 326 نقطة أساس خلال العام الحالي بنهاية مارس (آذار) الماضي.

أما عن سعر الصرف، وفقاً لهبة، فقد «أسهمت مرونته في تخفيف حدة التوتر خلال فترات النزاع الإقليمي، حيث انخفضت قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار بنحو 13 في المائة منذ بداية العام إلى أن بلغ 54.7 جنيه للدولار خلال الأسبوع الأول من أبريل (نيسان)، ثم قلص خسائره، مرتفعاً بنحو 9 في المائة ليصل إلى 50.4 جنيه مصري للدولار حالياً، الأمر الذي انعكس في تقليل التراجع في قيمة الجنيه مقابل الدولار إلى نحو 5 في المائة فقط منذ بداية العام وحتى الآن».

أسعار الطاقة

ولفتت هبة إلى الوضع الداخلي للبلاد، وقالت إن «هناك بعض التحديات الناجمة عن الحرب، وبالأخص تلك التي أدت إلى ارتفاع تكاليف الطاقة محلياً، والتي تؤثر بالسلب في مستهدفات الحكومة في ضبط مستهدفات الموازنة. وفي هذا الصدد، أبقت الحكومة المصرية، في بداية الشهر الحالي، على تعريفة الكهرباء للشريحة الأولى من الاستهلاك المنزلي دون تغيير، بينما رفعتها بنحو 12 في المائة للشرائح السكنية الأخرى، الأمر الذي سيؤثر في الضغوط التضخمية خلال الربع الثالث لعام 2026؛ ونتوقع أن يبلغ متوسط التضخم نحو 16 في المائة خلال الربع الثالث الحالي من العام مقارنةً بنحو 15 في المائة خلال الربع الثاني السابق».

أذون الخزانة

انخفض عائد أذون الخزانة لأجل 91 يوماً منذ 19 مايو 2026 ليكون أقل من العائد على أذون الخزانة لأجل 364 يوماً، ليعود شكل المنحنى الذي يمثل الفرق بين الفترتين إلى شكله الطبيعي. وفقاً لهبة منير، التي أشارت إلى أن «منحنى العائد بالسلب بين أذون الخزانة ذات فترات الاستحقاق الأقل، والتي تشمل 182 يوماً و273 يوماً، وعائد أذون الخزانة ذات الفترة الأطول (364 يوماً)، يتراجع تدريجياً، تمهيداً للعودة إلى مستوياته الطبيعية فور حل النزاع الجيوسياسي بالمنطقة».

وارتفع عائد أذون الخزانة لأجل 182 يوماً و273 يوماً و364 يوماً، بما هو أكثر من 200 نقطة أساس منذ الأسبوع الأول من مارس، بعد اندلاع حرب إيران. ومع ذلك، عكس آخر عائد لأذون الخزانة لأجل 12 شهراً، والبالغ 25.07 في المائة، معدل فائدة حقيقي إيجابي بنسبة 6.47 في المائة.


عودة المنصات البحرية للتشغيل تُنعش سلاسل إمداد الطاقة في السعودية

منصة بحرية تابعة لـ«شيلف دريلينغ» إحدى الشركات التابعة لـ«أديس القابضة» السعودية (الشركة)
منصة بحرية تابعة لـ«شيلف دريلينغ» إحدى الشركات التابعة لـ«أديس القابضة» السعودية (الشركة)
TT

عودة المنصات البحرية للتشغيل تُنعش سلاسل إمداد الطاقة في السعودية

منصة بحرية تابعة لـ«شيلف دريلينغ» إحدى الشركات التابعة لـ«أديس القابضة» السعودية (الشركة)
منصة بحرية تابعة لـ«شيلف دريلينغ» إحدى الشركات التابعة لـ«أديس القابضة» السعودية (الشركة)

تستعيد السعودية تدريجياً طاقتها التشغيلية في قطاع الحفر البحري، بعد إعلان شركتي «أديس القابضة» و«الحفر العربية»، خلال يومين متتاليين، استئناف تشغيل منصاتهما البحرية التي كانت معلَّقة مؤقتاً، في تطور يعيد جزءاً مهماً من الأسطول البحري إلى العمل، ويعزز وضوح مستويات النشاط في سوق الحفر.

والمنصة البحرية هي منشأة متخصصة تستخدم لحفر آبار النفط والغاز في البحر، وتضم معدات وأنظمة وطواقم فنية لتنفيذ عمليات الحفر والتحكم في الآبار، إلى جانب أعمال صيانة الآبار وإعادة تأهيلها والعمليات المرتبطة بتطوير وإنتاج الحقول. وتحتاج هذه المنصات إلى إمدادات مستمرة من المعدات وقطع الغيار ومواد وكيماويات الحفر، إضافة إلى خدمات الصيانة والسلامة والإعاشة ونقل العاملين، فيما تتولى سفن الإمداد نقل جانب كبير من احتياجاتها من الموانئ وقواعد الدعم اللوجستي إلى مواقع العمل.

وبالتالي، فإن عودة المنصة إلى التشغيل تعني عودة الطلب إلى سلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بها، من النقل والموانئ والمستودعات إلى المعدات والصيانة والخدمات الهندسية والفنية.

«أديس» أولاً... ثم «الحفر العربية»

وكانت «أديس القابضة» الشركة التابعة لـ«صندوق الاستثمارات العامة» أول من أعلن تلقيها إخطارات باستئناف العمل في جميع منصاتها البحرية التي عُلّق تشغيلها مؤقتاً في السعودية يوم الثلاثاء، مؤكدة أن معدلات تشغيل منصات الحفر المرفوعة المتعاقد عليها تتجاوز 90 في المائة، بدعم من مستويات إيجار يومي مرتفعة.

وأشارت الشركة إلى أن استئناف العمل يمنح رؤية أوضح لمستويات النشاط في المنطقة، ويعكس متانة الأساسيات التي تقوم عليها سوق الحفر البحري في دول الخليج، موضحة أن تعليق بعض المنصات كان راجعاً إلى تطورات إقليمية، لا إلى ضعف في الطلب.

وعلّق الرئيس التنفيذي لـ«أديس القابضة»، محمد فاروق، على هذا التطور قائلاً إنه يعبّر عن انفراج إيجابي في الوضع الإقليمي، مقروناً بجاهزية فرق العمل لاستئناف النشاط، مشدداً على أن سلامة الموظفين والأصول تبقى في مقدمة أولويات الشركة.

وأبقت «أديس» على توقعاتها للأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء لعام 2026 ضمن نطاق 4.50 إلى 4.87 مليار ريال (1.20 إلى 1.30 مليار دولار)، وهو ما يستند إلى حجم المجموعة واتساع انتشارها الجغرافي عبر 123 منصة حفر، إضافة إلى الوفورات التشغيلية الناتجة عن استحواذها على «شيلف دريلينغ».

وفي اليوم التالي مباشرة، أعلنت «الحفر العربية» تلقيها إشعارات باستئناف تشغيل ما تبقى من منصاتها البحرية المعلّقة، متوقعةً أن يصل معدل تشغيل أسطولها البحري إلى 100 في المائة مع نهاية الربع الثالث من عام 2026.

وذكرت الشركة أن استئناف تشغيل هذه المنصات يعكس استمرار تعافي نشاط قطاع الحفر البحري، معتبرة أن الوصول إلى تشغيل كامل للأسطول يمثل محطة مهمة تعزز جاهزيتها التشغيلية وقدرتها على تلبية احتياجات السوق.

وكانت «الحفر العربية» قد أعلنت، في يوليو (تموز) الماضي، إمكانية استئناف تشغيل ثلاث منصات حفر بحرية كانت قد علقت أعمالها مؤقتاً بسبب الظروف الإقليمية، موضحة أن التعليق جاء كإجراء احترازي بالتنسيق مع العملاء والجهات المعنية، مع إعطاء الأولوية لمتطلبات السلامة.

منصّة بحرية تابعة لـ«الحفر العربية» (الشركة)

إعادة تشغيل «منظومة متكاملة»

وفي قراءته لتداعيات استئناف النشاط، أوضح الخبير اللوجستي حسن آل هليل، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن ما تقوم به الشركتان لا يمكن اختزاله في مجرد عودة أصول حفر إلى الخدمة، بل هو إعادة تشغيل لمنظومة متكاملة تمتد من المورّد إلى المصنع فالمستودع فالميناء، وصولاً إلى المنصة البحرية وموقع البئر.

وبيّن أن المنصة البحرية تمثل الحلقة الأخيرة من سلسلة إمداد ضخمة، تضم قطع الغيار والمعدات والمواد الاستهلاكية وكيماويات الحفر، فضلاً عن الصيانة والفحص والمعايرة والسلامة والإعاشة ونقل العاملين والمعدات. كما تعتمد هذه المنصات على شبكة نقل بحري عبر سفن الإمداد، والتي ترتبط بدورها بالنقل البري والموانئ والمستودعات وقواعد الدعم اللوجستي.

وأضاف آل هليل أن عودة المنصة إلى العمل تعني في جوهرها عودة الطلب على منظومة خدمات كاملة على البر، لافتاً إلى أن نشاط المنصات لا يقتصر على حفر آبار جديدة، بل يمتد ليشمل صيانة الآبار وإعادة تأهيلها، وعمليات الحفر المتخصصة، والخدمات المرتبطة بتطوير حقول النفط والغاز وإنتاجها.

القطاعات المستفيدة

يتسع نطاق المستفيدين من استئناف النشاط ليشمل شركات الخدمات اللوجستية والنقل البري والبحري والمستودعات والموانئ والمناولة، إضافة إلى شركات المعدات وقطع الغيار والصيانة والخدمات الهندسية والكيماويات ومعدات السلامة والخدمات المساندة.

ويعتقد آل هليل أن الأثر الأبرز قد يظهر في مجال إدارة المخزون والتخطيط لسلاسل الإمداد؛ كون طبيعة العمل البحري تجعل تكلفة نقص أي قطعة غيار حرجة مرتفعة للغاية، فالوصول إلى المنصة يستلزم ترتيبات بحرية خاصة، وأي تأخر في توفير قطعة أو مادة أساسية قد يوقف عملية تشغيلية بأكملها؛ ما يجعل تكلفة عدم التوفر أعلى بكثير من تكلفة التخزين المسبق.

ويتوقع حسن أن يدفع ذلك الشركات إلى بناء مخزونات استراتيجية محلية للمواد الحرجة، وتحسين التنبؤ بالطلب، وربط مستويات المخزون بخطط الحفر والصيانة، وتقليص زمن التوريد من المورّد إلى موقع التشغيل.

فرصة... للمحتوى المحلي

لا يقتصر الأثر الاقتصادي لاستئناف النشاط على تنشيط الطلب فحسب، بل يمكن أن يفتح آفاقاً أوسع أمام الشركات السعودية لتوطين أجزاء أكبر من سلسلة القيمة المرتبطة بالحفر البحري. وتشمل هذه الفرصة تصنيع قطع الغيار والمكونات محلياً، وتطوير قدرات الصيانة والإصلاح، وإنشاء مراكز إمداد متخصصة، وتوطين الخدمات الفنية، إلى جانب بناء شركات سعودية قادرة على تقديم حلول متكاملة للمنصات البحرية.

ويشدد آل هليل على أن مقياس المحتوى المحلي في هذا السياق لا ينبغي أن يقتصر على حجم المشتريات من الشركات السعودية، بل يجب أن يمتد ليشمل قدرة الاقتصاد المحلي على تلبية الاحتياجات الحرجة وضمان استمرارية العمليات.

ويوضح أن التوسُّع في التصنيع والخدمات المحلية يقلّل من تعرض العمليات لمخاطر الشحن الدولي، وتقلبات أسعار النقل، وطول فترات التوريد، والاضطرابات الجيوسياسية، وهو ما يرفع من مرونة سلاسل الإمداد المرتبطة بقطاع الطاقة.

إحدى المنصات البحرية التابعة لـ«أديس» (الشركة)

المنافسة في القطاع

يرى آل هليل أن المرحلة المقبلة قد تمنح أفضلية واضحة للشركات التي تجمع بين الجودة والسرعة والقدرة المحلية، ذلك أن المنافسة في قطاع الحفر البحري لا تُحسم بالسعر وحده. ويضيف أن المورّد القادر على توفير قطعة الغيار أو الخدمة في الوقت المناسب قد تكون قيمته أعلى من مورّد آخر يعرض سعراً أقل لكنه يحتاج إلى أسابيع للوصول؛ خصوصاً في ظل ارتفاع تكلفة توقف المنصة. وبذلك، تنتقل شركات الخدمات اللوجستية من دور «الناقل التقليدي أو مقدّم الخدمة» إلى دور أكثر ارتباطاً باستمرارية العمليات نفسها، من خلال ضمان توفر الاحتياجات في الوقت والمكان المناسبين.

«الجاهزية» تحسم عودة المنصة

يشرح آل هليل أن عملية العودة تمر عادة بعدة مراحل؛ تبدأ بالتقييم الفني وفحص المعدات والأنظمة الرئيسية، والتأكد من جاهزية الطواقم وقطع الغيار والمواد، تليها إعادة بناء الجاهزية اللوجستية، وتجهيز المستودعات وقواعد الإمداد، والتأكد من جاهزية وسائل النقل البري والبحري وسفن الإمداد.

وإذا احتاجت المنصة إلى إعادة تموضع، تُضاف إلى ذلك مرحلة الانتقال إلى موقع العمل، قبل إجراء اختبارات السلامة والتشغيل، ثم البدء التدريجي في العمليات.

وقد تكون هذه العودة سريعة نسبياً إن كانت المنصة في حالة جيدة ولا تحتاج إلى صيانة كبيرة، في حين قد تمتد إلى أسابيع عدة إذا استلزم الأمر صيانة أو إعادة تجهيز أو تغيير الموقع.

ويؤكد آل هليل أن «زمن العودة لا تحدده المنصة وحدها، بل تحدده جاهزية سلسلة الإمداد المحيطة بها»، فالجاهزية الفنية وحدها لا تكفي ما لم تتوفر قطعة الغيار أو المادة التشغيلية أو الخدمة البحرية في التوقيت المناسب.

عودة المنصات... أثر يتجاوز قطاع الحفر

مع استئناف «أديس» و«الحفر العربية» تشغيل منصاتهما البحرية، يتجاوز مدلول هذا التطور مجرد عودة أصول تشغيلية إلى مواقعها، ليصل إلى إعادة تحريك دورة اقتصادية كاملة تشمل الموردين والمصنّعين وشركات النقل والموانئ والمستودعات والخدمات الفنية والهندسية.

ومن هذا المنظور، يقول آل هليل إن الفرصة الأهم تكمن في الانتقال من منطق «تلبية الاحتياج» إلى منطق «ضمان استمرارية العمليات». فاللوجستيات في قطاع الحفر البحري، بحسب وصفه، لا تعني مجرد نقل قطعة غيار من مكان إلى آخر، بل تعني ضمان وصول المادة الصحيحة إلى المكان الصحيح وفي الوقت الصحيح، بما يحول دون توقف المنصة عن العمل.

وبالتالي، فإن عودة المنصات البحرية إلى التشغيل قد تمثل أكثر من مجرد انتعاش في نشاط شركات الحفر؛ فهي تعيد تحريك منظومة اقتصادية بأكملها، وتمنح الشركات السعودية فرصة لالتقاط قيمة أكبر من دورة الإنفاق في قطاع الطاقة، عبر التوسع في الخدمات والتصنيع المحلي، وبناء سلاسل إمداد أكثر سرعة ومرونة.


70 مليار دولار من «الديون الخفية» تقلق مستثمري سندات الذكاء الاصطناعي

رفوف خوادم البيانات ووحدات معالجة الرسومات ووحدات المعالجة المركزية داخل مركز بيانات «نيبيوس إيه آي» في لندن (رويترز)
رفوف خوادم البيانات ووحدات معالجة الرسومات ووحدات المعالجة المركزية داخل مركز بيانات «نيبيوس إيه آي» في لندن (رويترز)
TT

70 مليار دولار من «الديون الخفية» تقلق مستثمري سندات الذكاء الاصطناعي

رفوف خوادم البيانات ووحدات معالجة الرسومات ووحدات المعالجة المركزية داخل مركز بيانات «نيبيوس إيه آي» في لندن (رويترز)
رفوف خوادم البيانات ووحدات معالجة الرسومات ووحدات المعالجة المركزية داخل مركز بيانات «نيبيوس إيه آي» في لندن (رويترز)

تزداد مخاوف مستثمري السندات من التزامات ائتمانية محتملة بنحو 70 مليار دولار مرتبطة بموجة الإنفاق الهائلة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بعدما بدأت شركات التكنولوجيا والرقائق في استخدام ترتيبات تمويلية وضمانات لا تظهر بصورة مباشرة في ميزانياتها. ويخشى المستثمرون من أن تتحوَّل هذه الالتزامات إلى أعباء فعلية إذا تعرَّض قطاع الذكاء الاصطناعي لانكماش حاد أو تراجَعَ الطلب على الرقائق ومعدات مراكز البيانات.

وتبرز شركة «إنفيديا» في قلب هذه الترتيبات، بعدما أصبحت مستعدة لتقديم عشرات المليارات من الدولارات ضماناتٍ للقيمة المتبقية في صفقات ديون مرتبطة بالتَّوسُّع في الذكاء الاصطناعي. وتتيح هذه الآلية للشركات التي تشتري الرقائق أو تستثمر في مراكز البيانات الوصول إلى التمويل بتكلفة أقل، مستفيدة من قوة المركز الائتماني لشركات التكنولوجيا الكبرى.

وتأتي هذه الترتيبات في وقت يتسارع فيه الطلب على قدرات الحوسبة اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يدفع شركات مثل «إنفيديا» و«برودكوم» إلى دعم مبيعاتها لعملاء القطاع، من دون تحمل كامل الديون المرتبطة بهذه الاستثمارات مباشرة في ميزانياتها.

لكن هذا النموذج يثير قلق مستثمري السندات، لأنَّ الضمانات التي تبدو محدودة المخاطر خلال فترة الازدهار قد تصبح التزامات بمليارات الدولارات في حال تراجُع الطلب على الرقائق أو انخفاض قيمة معدات مراكز البيانات. وفي هذه الحالة، قد تضطر الشركات التي قدَّمت الضمانات إلى تحمُّل جزء من الخسائر بدلاً من تركها بالكامل على عاتق المقترضين.

شعارا «إنفيديا» و«أوبن إيه آي» (رويترز)

كيف تعمل «الضمانات الخفية»؟

تعتمد الصفقات على هياكل تمويلية مُعقَّدة تسمح بفصل الديون عن الميزانيات الرئيسية للشركات. وفي أحد النماذج، تقترض شركة ذات غرض خاص لشراء الرقائق أو معدات الحوسبة، بينما يتم دعم الدين بالتدفقات النقدية الناتجة عن عقد مع شركة تستخدم تلك التكنولوجيا.

ويعني ذلك أنَّ المقرضين يعتمدون على قيمة المعدات والتدفقات النقدية المستقبلية للعقود لتأمين القروض. وإذا توقف العميل عن السداد، يمكن إعادة تأجير الأصول أو بيعها لسداد الدين. أما إذا لم تكفِ عائدات البيع أو إعادة التأجير لتغطية الالتزامات، فيمكن أن يتدخل الطرف الذي قدَّم الضمان لتغطية الفارق.

وتكشف 3 صفقات رئيسية عن حجم هذه السوق الناشئة. فقد بلغت صفقة «بينييه» التابعة لشركة «ميتا» نحو 28 مليار دولار، بينما وصلت صفقة «سوبايبيلا» التابعة للشركة إلى 13 مليار دولار. وفي حالة أخرى، بلغت صفقة «بيغ سكاي» التي نفَّذتها «برودكوم» لصالح شركة «أنثروبيك» نحو 29 مليار دولار، وفق «بلومبرغ».

وتعكس هذه الصفقات اتجاهاً متنامياً نحو استخدام التمويل المدعوم بالأصول والعقود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بدلاً من تحميل شركات التكنولوجيا نفسها كامل تكلفة التَّوسُّع في البنية التحتية.

«إنفيديا» توسع دورها في تمويل الطفرة

وتعتزم «إنفيديا» تقديم آلية لدعم القيمة المتبقية قد تغطي ما يصل إلى 25 في المائة من قيمة بعض الفرص، وفقاً للرئيس التنفيذي للشركة جنسن هوانغ. ويستهدف هذا الترتيب فتح المجال أمام تدفقات ضخمة من رؤوس الأموال المستقلة لتمويل التَّوسُّع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع محاولة إبقاء المخاطر ضمن مستويات يمكن السيطرة عليها.

وتأتي هذه الخطوة ضمن شراكة تمويلية ضخمة أعلنتها «إنفيديا»، يشارك فيها 6 من كبار مديري الاستثمار الأميركيِّين؛ بهدف توفير ما يصل إلى 500 مليار دولار لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لعملاء شركة الرقائق.

ويعكس حجم التمويل المتوقع مدى ضخامة الاستثمارات المطلوبة لبناء مراكز البيانات وتوفير الرقائق ومعدات الشبكات والطاقة اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لكنه في الوقت نفسه يزيد من حجم المخاطر التي قد تنتقل إلى أسواق الائتمان.

تفاصيل داخل وحدة المعالجة المركزية في مركز للبيانات (رويترز)

«برودكوم» تضاعف الرهان

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على «إنفيديا». فقد بدأت «برودكوم» أيضاً استخدام ترتيبات تمويلية مرتبطة بمبيعاتها من الرقائق، بما يسمح لعملائها بتمويل عمليات شراء المعدات من خلال هياكل منفصلة عن ميزانياتهم الرئيسية.

وتشير التقديرات إلى أن منصة «إيه آي إكس بي في» التابعة لـ«برودكوم» يمكن أن تجمع ما يصل إلى 370 مليار دولار من الديون الممتازة بحلول منتصف عام 2029، وهو ما يعكس الحجم المحتمل للتمويل الذي يمكن أن يرتبط بالتوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ويعني ذلك أن حجم الديون المرتبطة بالقطاع قد يتجاوز بكثير الالتزامات الحالية، خصوصاً إذا استمر بناء مراكز البيانات بالوتيرة الحالية واستمرت الشركات في استخدام هياكل تمويل خارج الميزانيات.

الخطر في حال انحسار الطفرة

ويحذر محللون من أن الضمانات قد تزيد من حدة دورة «الازدهار والانهيار» في القطاع. ففي أوقات الرواج، تبدو هذه الضمانات منخفضة التكلفة والمخاطر، إذ تستفيد الشركات من ارتفاع الطلب وقوة أسعار الرقائق وقيم معدات مراكز البيانات.

لكن الصورة قد تتغير سريعاً إذا تراجع الطلب. فإذا انخفضت أسعار الرقائق أو أصبحت معدات مراكز البيانات قديمة بوتيرة أسرع من المتوقع، فقد تهبط القيمة التي يمكن استردادها من الأصول، في وقت قد تتعرض فيه التدفقات النقدية للعقود المرتبطة بها للضغط.

وفي مثل هذا السيناريو، يمكن أن يتعرض المقرضون لخسائر أكبر، بينما تواجه الشركات التي قدمت الضمانات التزامات لم تكن تظهر بصورة مباشرة في ميزانياتها.

وكالات التصنيف تراقب الالتزامات

وتعدُّ وكالات التصنيف بعض هذه الضمانات التزامات شبيهة بالدين، وهو ما يعكس أهمية تقييم المخاطر الحقيقية المرتبطة بها، حتى وإن لم تظهر جميعها في شكل ديون تقليدية على الميزانية.

ويرى مستثمرون أن تراكم هذه الالتزامات خارج الميزانيات يستحق مراقبة دقيقة، خصوصاً مع استمرار التساؤلات بشأن قدرة الإنفاق الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد تبرر حجم الاستثمارات.

وتكمن المخاوف الرئيسية في أن تكون الشركات قد بالغت في تقدير الطلب المستقبلي على قدرات الحوسبة، أو أن تتطور التكنولوجيا بسرعة تجعل بعض المعدات الحالية أقل قيمة قبل انتهاء فترة التمويل.

التمويل يعيد توزيع المخاطر

وبذلك، لا تعني الضمانات أنَّ شركات التكنولوجيا تتحمل الديون مباشرة، لكنها تعيد توزيع المخاطر بين شركات الرقائق والعملاء والمقرضين والمستثمرين.

فخلال فترة النمو القوي، تتيح هذه الآليات للشركات تسريع بناء مراكز البيانات والوصول إلى رأس المال بتكلفة أقل. لكن في حال تباطؤ القطاع، قد تنتقل المخاطر التي كانت تبدو بعيدة عن الميزانيات إلى الشركات التي قدمت الضمانات، ثم إلى أسواق السندات والمستثمرين.

ولهذا السبب يزداد اهتمام المستثمرين ليس فقط بحجم الاستثمارات المعلنة في الذكاء الاصطناعي، وإنما أيضاً بكيفية تمويلها ومَن يتحمَّل الخسائر إذا لم تُحقِّق الأصول والعقود التدفقات النقدية المتوقعة.

وهنا تكمن المفارقة في طفرة الذكاء الاصطناعي: فكلما توسَّع الإنفاق على الرقائق ومراكز البيانات، زادت الحاجة إلى مصادر تمويل جديدة، لكن اتساع استخدام الضمانات والهياكل خارج الميزانيات قد يجعل تقدير المخاطر الفعلية للقطاع أكثر صعوبة.