«صندوق النقد» يُعلن عن تسريع إعادة هيكلة الديون وتحسين معاملة الدول المَدينة

قال إن الولايات المتحدة والصين بحاجة ماسة إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة الاختلالات المالية

بيير أوليفييه غورينشاس كبير الاقتصاديين بصندوق النقد الدولي ونائبة مدير إدارة الأبحاث بيتيا كويفا بروكس في مؤتمر صحافي في واشنطن (أ.ف.ب)
بيير أوليفييه غورينشاس كبير الاقتصاديين بصندوق النقد الدولي ونائبة مدير إدارة الأبحاث بيتيا كويفا بروكس في مؤتمر صحافي في واشنطن (أ.ف.ب)
TT

«صندوق النقد» يُعلن عن تسريع إعادة هيكلة الديون وتحسين معاملة الدول المَدينة

بيير أوليفييه غورينشاس كبير الاقتصاديين بصندوق النقد الدولي ونائبة مدير إدارة الأبحاث بيتيا كويفا بروكس في مؤتمر صحافي في واشنطن (أ.ف.ب)
بيير أوليفييه غورينشاس كبير الاقتصاديين بصندوق النقد الدولي ونائبة مدير إدارة الأبحاث بيتيا كويفا بروكس في مؤتمر صحافي في واشنطن (أ.ف.ب)

تُعد مشكلة الديون العالمية من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي اليوم، حيث وصلت مستوياتها إلى أرقام قياسية لم يسبق لها مثيل، ممّا يشكل عبئاً هائلاً على الدول والأفراد على حدٍ سواء.

ومع ارتفاع الدين العام العالمي بشكل طفيف ليصل إلى 93 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023، وهو ما يزيد بنحو 9 نقاط مئوية عن مستواه قبل جائحة كورونا، يضع صندوق النقد الدولي معالجةَ الديون العالمية على رأس أولوياته، حيث حظيت هذه القضية باهتمام كبير خلال اجتماعات الربيع المنعقدة حالياً في واشنطن.

تقدم ملحوظ في قضايا الديون العالمية

وفي هذا الإطار، قال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبرازيل، الرئيس الحالي لمجموعة العشرين، يوم الأربعاء إن هناك تقدماً ملحوظاً في قضايا الديون العالمية خلال الأشهر الأخيرة، مشيرين إلى اتفاقات جديدة بشأن الجداول الزمنية المطلوب ومعاملة المتعاملين بالمثل.

وأصدرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، ورئيس البنك الدولي أجاي بانجا، ووزير المالية البرازيلي فرناندو حداد، بياناً مشتركاً بعد اجتماع على مستوى الوزراء لاجتماع المائدة المستديرة العالمي بشأن الديون السيادية (GSDR) التي تجمع بين الدول المدينة والدائنين والمؤسسات المالية الدولية والقطاع الخاص لتحريك عمليات إعادة هيكلة الديون التي توقفت لفترة طويلة وبناء فهم أكبر حول طرق معالجة التحديات، وذلك على هامش الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وفق «رويترز».

وأشار البيان إلى أن المناقشات أكدت الحاجة إلى تحسين الوضوح والتنسيق والشفافية بين مجموعات الدائنين، وتزويد الدول المدينة بالمقاييس لكيفية تقييم ديونها الخاصة. كما يجب أن يضمن الدائنون من القطاع الخاص والدولة المدينة، قبل الانتهاء من اتفاق المبدأ وإعلانه، أن تكون الصفقة قد تمت مراجعتها من قبل موظفي صندوق النقد الدولي بشأن التوافق مع أهداف الديون ومعايير البرنامج، ومع الدائنين الثنائيين الرسميين بشأن معاملة المتعاملين بالمثل.

ونوّه البيان بالتقدم المحرز في تسريع الجداول الزمنية للمرور بعملية إعادة الهيكلة، والانتقال من اتفاقية على مستوى موظفي صندوق النقد الدولي إلى موافقة مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، لكنه قال إن الجداول الزمنية لا تزال طويلة جداً.

كما اتفق المشاركون على تقصير الجدول الزمني لتشكيل لجنة رسمية للدائنين(OCC)، وهي خطوة من شأنها أيضاً أن تساعد على التواصل والتنسيق مع الدائنين من القطاع الخاص وتسريع عمليات إعادة الهيكلة الخاصة بهم.

المزيد من الحرية لدعم الدول المتعثرة

كما أيد مجلس إدارة الصندوق تغييراً رئيسياً لمنحه مزيداً من الحرية لدعم البلدان المتضررة من الأزمة حتى لو كانت عمليات إعادة التفاوض بشأن الديون مع الحكومات الدائنة الكبرى مثل الصين لا تزال جارية.

ويتمثل الاقتراح في إصلاح ما يسميه الصندوق بسياسة الإقراض للمتأخرات الرسمية (LIOA)، وهو إطار يحدد ما إذا كان بإمكانه إقراض دولة تدين بأموال لدولة أخرى عضو في صندوق النقد الدولي ومتى.

وقال الصندوق في بيان إن مجلسه التنفيذي أقر «إصلاحات لتعزيز قدرة صندوق النقد الدولي على دعم الدول التي تقوم بإعادة هيكلة الديون».

وسيكون التغيير الرئيسي هو أنه سيكون قادراً على إقراض بلد لم يتم التوصل فيه إلى اتفاق ديون مع واحد أو أكثر من دائنيه الثنائيين، إذا تم تزويد الصندوق «بضمانات إضافية»، وفق شبكة «سي إن بي سي أفريكا».

وقال صندوق: «أيد المديرون إضافة شق رابع يسعى الصندوق بموجبه إلى الحصول على ضمانات إضافية عندما لم يتم التوصل إلى اتفاق تمثيلي مناسب من خلال منتدى تمثيلي دائم».

عبء الديون المتزايد يُهدد الولايات المتحدة والصين

في المقابل، حذر صندوق النقد الولايات المتحدة من أن عجزها المالي الضخم أدى إلى زيادة التضخم وشكل «مخاطر كبيرة» على الاقتصاد العالمي، متوقعاً أن تسجل عجزاً مالياً بنسبة 7.1 في المائة العام المقبل - أكثر من ثلاثة أضعاف المتوسط البالغ 2 في المائة للاقتصادات المتقدمة الأخرى.

كما أثار المخاوف بشأن ديون الحكومة الصينية، حيث من المتوقع أن تسجل البلاد عجزاً بنسبة 7.6 في المائة في عام 2025 - أكثر من ضعف المتوسط البالغ 3.7 في المائة للأسواق الناشئة الأخرى - في الوقت الذي تتعامل فيه بكين مع ضعف الطلب وأزمة الإسكان، وفق صحيفة «فاينانشيال تايمز».

وكانت الولايات المتحدة والصين من بين أربع دول وصفها الصندوق بأنها بحاجة ماسة إلى اتخاذ إجراءات سياسية لمعالجة الاختلالات الأساسية بين الإنفاق والإيرادات. أما الدول الأخرى فكانت المملكة المتحدة وإيطاليا.

وقال الصندوق إن الإنفاق المفرط من جانب الولايات المتحدة والصين على وجه الخصوص يمكن أن تكون له «آثار عميقة على الاقتصاد العالمي ويشكل مخاطر كبيرة على التوقعات المالية الأساسية في الاقتصادات الأخرى».

ويوم الثلاثاء، قال كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، بيير أوليفييه غورينشا، إن الوضع المالي للولايات المتحدة «مثير للقلق بشكل خاص»، مما يشير إلى أنه قد يعقد محاولات مجلس الاحتياطي الفيدرالي لإعادة التضخم إلى هدفه البالغ 2 في المائة.

وأضاف: «إنه يزيد المخاطر على المدى القصير لعملية تباطؤ التضخم، فضلاً عن مخاطر الاستقرار المالي على المدى الطويل للاقتصاد العالمي».

وارتفعت أعباء ديون الحكومات بعد ارتفاع الإنفاق خلال المراحل الأولى من الوباء والارتفاعات الكبيرة في تكاليف الاقتراض العالمية، حيث سعت المصارف المركزية إلى ترويض أسوأ نوبة تضخم منذ عقود.

وقال مكتب الموازنة في الكونغرس إن حجم الديون الفيدرالية للولايات المتحدة بلغ 26.2 تريليون دولار، أو 97 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، في نهاية العام الماضي. وتتوقع هيئة الرقابة المالية المستقلة أن يطابق أعلى مستوى سابق له بعد الحرب العالمية الثانية بنسبة 116 في المائة في عام 2029.

وفي الاقتصادات المتقدمة الأخرى، مثل منطقة اليورو، تم كبح العجز المالي خلال عام 2023.

لكن صندوق النقد قال إن الولايات المتحدة أظهرت «انزلاقات مالية كبيرة بشكل ملحوظ»، حيث وصل العجز المالي إلى 8.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي - أي أكثر من ضعف رقم العجز البالغ 4.1 في المائة المسجل لعام 2022.

وأشار إلى أن العجز المالي في البلاد ساهم بنسبة 0.5 نقطة مئوية في التضخم الأساسي - وهو مقياس لضغوط الأسعار الأساسية التي تستثني الطاقة والغذاء. وهذا يعني أن أسعار الفائدة الأميركية ستحتاج إلى أن تظل أعلى لفترة أطول لإعادة التضخم إلى هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة.

واعتبر أن «الزيادات الكبيرة والمفاجئة» في تكاليف الاقتراض الأميركي تؤدي عادة إلى ارتفاعات في عائدات السندات الحكومية في جميع أنحاء العالم واضطرابات في أسعار الصرف في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية.

وقال: «إن التداعيات غير المباشرة لأسعار الفائدة العالمية يمكن أن تساهم في تشديد الأوضاع المالية، وزيادة المخاطر في أماكن أخرى».

أما بالنسبة إلى ديون الحكومة الصينية، فتميل على عكس سندات الخزانة الأميركية، إلى الاحتفاظ بها محلياً، لذلك من غير المرجح أن يؤثر الارتفاع الحاد على الأسواق العالمية بنفس الطريقة. لكن الصندوق قال إن ديناميكيات الديون في البلاد لا تزال تؤثر على شركائها التجاريين.

وأضاف: «إن تباطؤ النمو في الصين بشكل أكبر من المتوقع، الذي من المحتمل أن يتفاقم بسبب التشديد المالي غير المقصود نظراً للاختلالات المالية الكبيرة في الحكومات المحلية، يمكن أن يولد آثاراً سلبية غير مباشرة على بقية العالم من خلال انخفاض مستويات التجارة الدولية والتمويل الخارجي والاستثمارات».

وقال كبير مسؤولي السياسة المالية في الصندوق، فيتور غاسبار، إن القوة الاقتصادية لكل من الولايات المتحدة والصين تعني أن لديهما الوقت الكافي للسيطرة على مواردهما المالية. ورأى أن الحكومتين تتمتعان بمساحة مالية أكبر من نظيرتيهما، مما يمنحهما «مساحة أكبر للمناورة للتصحيح والسيطرة».

وبحسب الصندوق، فإنه من دون بذل جهود حاسمة لخفض العجز، سيستمر الدين العام في الارتفاع في العديد من الدول، مع توقع أن يقترب الدين العام العالمي من 99 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029. وستكون الزيادة مدفوعة من قبل الصين والولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يرتفع إلى ما هو أبعد من القمم التاريخية.

«عام الانتخابات الكبرى» يُهدد المالية العامة

وفي تقريره الجديد عن الراصد المالي، حث الصندوق الدولي على كبح الإنفاق المالي وإعادة بناء الاحتياطات المالية، لكنه قال إن ذلك قد يكون صعباً في أكبر عام انتخابي في العالم على الإطلاق.

ويرى أن الخطر الأكثر حدة على المالية العامة ينشأ من العدد القياسي للانتخابات المقرر إجراؤها في عام 2024، مما يؤدي إلى تسميته بـ«عام الانتخابات الكبرى»، وفق «رويترز».

قال صندوق النقد الدولي إن تجاوز الموازنة أمر محتمل في كثير من الأحيان في سنوات الانتخابات، وهو خطر يتفاقم بسبب زيادة الطلب على الإنفاق الاجتماعي. وأشار إلى أن العجز في سنوات الانتخابات يميل إلى تجاوز التوقعات بنسبة 0.4 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بالسنوات غير الانتخابية.

وقال الصندوق في مدونة نُشرت مع التقرير: «ينبغي على الحكومات أن تتخلص تدريجياً من إرث سياسات المالية في عصر الأزمات، بما في ذلك دعم الطاقة، وأن تسعى إلى إجراء إصلاحات للحد من ارتفاع الإنفاق مع حماية الفئات الأكثر ضعفاً».

دعوة إلى إصلاح ضريبي عالمي

على صعيد آخر، قالت غورغييفا إن سد الثغرات الضريبية وضمان دفع الأثرياء لحصتهم العادلة من الضرائب يمكن أن يساعد في تعبئة الأموال المطلوبة بشكل عاجل لتحقيق نمو مستدام وشامل.

وأضافت أن أبحاث صندوق النقد الدولي أظهرت أن إنهاء التهرب الضريبي من قبل الشركات يمكن أن يوفر إيرادات إضافية بقيمة 200 مليار دولار سنوياً للحكومات، في حين أن تطبيق ضريبة الحد الأدنى العالمية للشركات من شأنه أن يزيد الإيرادات بما يقدر بـ150 مليار دولار سنوياً.

وقال صندوق النقد إن الاقتصادات الناشئة والنامية يمكنها زيادة الإيرادات الضريبية عن طريق تحسين أنظمة الضرائب لديها وتوسيع القواعد الضريبية وتعزيز القدرات المؤسسية - وهو ما يؤدي مجتمعاً إلى تحقيق ما يصل إلى 9 في المائة إضافية من الناتج المحلي الإجمالي.

وأشار إلى أن الاقتصادات المتقدمة التي لديها سكان مسنين يجب أن تقوم بإصلاح برامج الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية لاحتواء ضغوط الإنفاق. كما يمكن أن تعزز الإيرادات من خلال استهداف الأرباح المفرطة كجزء من نظام ضريبة دخل الشركات.


مقالات ذات صلة

«رؤية 2030» تدخل مرحلتها الثالثة بتحقيق 93 % من مؤشرات الأداء

الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

«رؤية 2030» تدخل مرحلتها الثالثة بتحقيق 93 % من مؤشرات الأداء

تدخل السعودية عام 2026 المرحلة الثالثة لـ«رؤية 2030»، بعد سنوات من الإصلاحات أعادت خلالها تشكيل هيكل اقتصادها.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد عامل يعدّ أوراقاً نقدية من فئة الدولار داخل محل صرافة ببغداد (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: خيارات العراق الاقتصادية «محدودة» لمواجهة تداعيات الحرب

أكد مسؤول كبير بصندوق النقد الدولي أن العراق يواجه خيارات اقتصادية ضيقة للتعامل مع تداعيات الحرب.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
خاص أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)

خاص أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

«هي صدمة متعددة الأبعاد»... هكذا اختصر مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، المشهد القاتم الذي يعصف بالمنطقة.

هلا صغبيني (الرياض)
خاص وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

خاص لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد.

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (صندوق النقد الدولي)

محافظ «المركزي السعودي»: نموذجنا الوطني حصّن الاقتصاد ضد الصدمات

قال محافظ البنك المركزي السعودي (ساما)، أيمن السياري، إن الاقتصاد السعودي بات اليوم نموذجاً للمرونة والقدرة على مواجهة الأزمات من موقع قوة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)
عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)
عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)

تحولت الإصلاحات الهيكلية في قطاعي التعدين والصناعة في السعودية إلى واقع ملموس، بعد رحلة تطوير بدأت منذ إطلاق «رؤية 2030». هذه الرحلة لم توجد بيئة تنافسية فحسب، بل حققت قمة تاريخية في الاستكشاف التعديني، حيث قفز الإنفاق لكل كيلومتر مربع من 105 ريالات (28 دولاراً) في 2020 إلى 539 ريالاً (143 دولاراً) حالياً، متجاوزاً المستهدفات المرسومة عند 200 ريال (53 دولاراً) بمراتب عديدة. بينما استطاعت المملكة من خلال رؤيتها رفع الاستثمارات الصناعية إلى 1.2 مليار ريال (320 مليون دولار)، بعد أن كانت نحو 963 مليون ريال (256 مليون دولار) في 2020.

وبدأت الحكومة المرحلة الرابعة من إطلاق «رؤية 2030» عام 2016 التي استشرفت مستقبل التعدين واهتمت بتطويره، بوصفه قطاعاً استراتيجياً يولِّد الوظائف وفرص الاستثمار، ويدعم الصناعة، مستندة في ذلك على ما بُني طوال المراحل الثلاث السابقة، ومقتنصة فرصة ما تزخر به أرض المملكة من معادن ثمينة ونادرة وحرجة، لتعطي القطاع ميزة تنافسية تدفعه للتقدم أكثر، وتعزيز مكانته في جذب الاستثمارات التعدينية، والتكامل مع القطاع الصناعي ودعم نموه، عبر تزويده بالمعادن التي تحتاج إليها صناعات واعدة واستراتيجية وعالية التقنية.

وضمن جهود المملكة لتعزيز القطاع وتحفيز الاستثمار فيه، تمكَّنت خلال العام الماضي من إطلاق مبادرة استوديو الابتكار التعديني، وإطلاق المنافسة العالمية للابتكار في المعادن «رواد مستقبل المعادن»، وكذلك تدشين أكاديمية هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، وإطلاق منصتها الإلكترونية، وأيضاً انتقال إصدار الترخيص الصناعي لمزاولة صناعة المعادن الثمينة والأحجار الكريمة إلى وزارة الصناعة والثروة المعدنية.

جذب الاستثمارات

أصبحت المملكة اليوم من بين الدول الأكثر جاذبية للاستثمار التعديني، وهو ما يجعلها مصدراً موثوقاً في تثبيت دعائم أمن واستقرار سلاسل الإمداد التعدينية. إذ زادت القيمة المقدَّرة للثروات المعدنية إلى أكثر من 9.4 تريليون ريال (2.5 تريليون دولار)، بنمو بلغ نحو 90 في المائة، مقارنة بعام 2016، مع قفزة في قيمة المعادن الأرضية النادرة التي قُدِّرت قيمتها بـ375 مليار ريال (100 مليار دولار).

وقد انعكس هذا التطور في التقارير الدولية؛ إذ حلت المملكة في المرتبة العاشرة عالمياً حسب تقرير معهد فريزر الكندي 2025. وجاءت في المرتبة العاشرة خلال العام المنصرم، والأولى عالمياً في المؤشر الفرعي الخاص بنظام الضريبة التعدينية، والمؤشر الفرعي الخاص بالاتساق التنظيمي وعدم التعارض، بالإضافة إلى مؤشر وضوح لوائح النظام التعديني وكفاءة الإدارة التنفيذية.

وحلَّت المملكة ثالثة في المؤشر الفرعي الخاص باستقرار ووضوح التشريعات البيئية، وأيضاً في مؤشر التعامل مع مطالبات الأراضي وتنمية المجتمعات المحيطة، والرابعة عالمياً في المؤشر الفرعي الخاص بالسياسات والتشريعات.

الرخص التعدينية

على صعيد العمل الميداني، نما عدد رخص الاستغلال التعديني إلى 275 رخصة، وزاد عدد رخص الكشف إلى أكثر من ألف رخصة، مقابل 50 رخصة فقط في 2015.

وتسارعت أعمال المسح الجيولوجي إلى 65 في المائة في 2025، مما أدى لاكتشافات أولية في نجران (جنوب المملكة) بنحو 11 مليون طن من المعادن (ذهب، وفضة، وزنك، ونحاس)، مما رفع قيمة الثروات غير المستغلة إلى أكثر من 227 مليار ريال (60.5 مليار دولار).

النهضة الصناعية

في ملف الصناعة، حققت المملكة خلال العام الفائت عدداً من المنجزات، لعل أبرزها وصول بلوغ عدد المصانع المنتشرة في أنحاء المملكة نحو 12.9 ألف مصنع منتشرة في أنحاء المملكة، مقارنة بـ7.2 ألف في 2016. ونمت الاستثمارات لتصل إلى 1.2 مليار ريال في 2025.

كما وافقت الحكومة على وثيقة مشروع تخصيص مصنع الملابس والتجهيزات العسكرية، وأطلقت الأكاديمية الوطنية لصناعة الأسمنت، وكذلك أطلقت تجمع صناعات الطيران بواحة مدن في جدة، والإعلان عن اشتراطات ممارسة الأنشطة الصناعية خارج المواقع المخصصة للأنشطة الصناعية.

أحد المصانع السعودية (واس)

ومن خلال برنامج «صُنع في السعودية»، استطاعت الحكومة تصدير أكثر من 3 آلاف منتج إلى ما يزيد على 74 دولة، في شبكة تربط بين المصدِّرين المحليين والمشترين.

وتمكن صندوق التنمية الصناعية من تقديم 4.5 مليار ريال كقروض تمويلية خلال النصف الأول من عام 2025، وتمويل 300 مشروع خلال الفترة من 2022 إلى 2024.

وقدَّم بنك التصدير والاستيراد السعودي تسهيلات ائتمانية في 2025، بلغت 116 مليار ريال. أما المدن الصناعية فقد أتاحت 2200 مصنع جاهز حتى منتصف العام الفائت.

المنتجات السعودية

توسعت المملكة في دعم المنتج المحلي؛ حيث تجاوزت المنتجات في القائمة الإلزامية 1.6 ألف منتج في 2025، من 100 منتج في 2019، في حين ارتفع عدد المصانع المستفيدة من هذه القائمة بما يتجاوز 6.7 ألف مصنع في العام السابق.

واستثمرت المملكة في تطوير البيئة الصناعية وربطها بالموانئ والطرق، وعملت على تطويرها، ما جعلها جاهزة ومحفزة لاحتضان المصانع، وتمكين صناعات واعدة واستراتيجية، وتوطينها.

وتحتضن مدينة الملك عبد الله الاقتصادية مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات، الذي يضم مصانع مثل «لوسِد»، و«سير» و«هيونداي»، وغيرها.

مصنع تابع لشركة «لوسِد» في السعودية (واس)

وتم إطلاق أول مصنع متخصص في أنظمة طاقة الرياض في ينبع الصناعية، ومجمعين صناعيين نوعيين في المنطقة الشرقية، وكذلك أكبر مصنع لأغشية التناضح العكسي، بالإضافة إلى اقتراب إنجاز أكبر مصنع لقاحات في الشرق الأوسط، بمدينة سدير للصناعات والأعمال.

وحقق برنامج مصانع المستقبل الذي يهدف إلى تمكين المصانع من تبني التقنيات الحديثة، الوصول إلى 3900 مصنع، في حين أن المستهدف 4000 مصنع.

وضمن مبادرات البرنامج السعودي لأشباه الموصلات، تمت صناعة 25 رقاقة إلكترونية بأيدٍ سعودية، تستخدم في تطبيقات متنوعة؛ كالإلكترونيات، والاتصالات اللاسلكية، والترددات العالية، والإضافة الموفرة للطاقة، وغيرها.


السعودية تعزز أمنها الغذائي وتبني منظومة للاستدامة ضمن «رؤية 2030»

فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
TT

السعودية تعزز أمنها الغذائي وتبني منظومة للاستدامة ضمن «رؤية 2030»

فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)

تواصل السعودية ترسيخ مكانتها في مجالي الأمن الغذائي، والمائي، من خلال تطوير منظومات متكاملة تستند إلى إعادة هيكلة القطاعات الحيوية، ورفع كفاءة الإنتاج، وتعزيز الاستدامة، وفق ما ورد في «تقرير رؤية 2030» للعام 2025.

على مدار سنوات طويلة، عززت المملكة قدراتها الغذائية، والزراعية، بهدف تحقيق الأمن الغذائي بوصفه أساساً للاستقرار، والرخاء. واستمرت هذه الجهود حتى جاءت «رؤية 2030» التي أكملت المسار، واضعةً أسساً وممكنات تتواكب مع تحديات المرحلة، ومتغيراتها.

وأُعيدت هيكلة منظومة الغذاء، والزراعة، حيث أُسست الهيئة العامة للأمن الغذائي لإدارة أمن الغذاء، والمخزون الاستراتيجي، كما جرى تخصيص مطاحن الدقيق عبر أربع شركات لتحقيق الكفاءة التشغيلية.

برامج ومبادرات

وامتد التطوير إلى برامج ومبادرات داعمة للمزارعين، من أبرزها برنامج الإعانات الزراعية، وبرنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة (ريف)، إضافة إلى إصدار نظام صندوق التنمية الزراعية بما يواكب التحول في القطاع. كما أُطلق نظام الإنذار المبكر المطور للأغذية، الذي يهدف إلى متابعة الإنتاج، وسلاسل الإمداد، ومستويات المخزونات المحلية للسلع الاستراتيجية، بما يعزز اتخاذ القرار، ويضمن استدامة واستقرار أسواق الغذاء. ولتعزيز كفاءة الإنتاج، تم دعم تبني التقنيات الزراعية الحديثة، إضافة إلى إطلاق البرنامج الوطني للحد من الفقد، والهدر في الغذاء (لتدوم).

رجل وابنه في موسم حصاد الورد الطائفي (وزارة السياحة)

كما تسهم «الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني» (سالك) في دعم استدامة الغذاء، من خلال استثماراتها في الداخل، والخارج، إضافة إلى تأسيس «الشركة الوطنية للحبوب» بالتعاون مع «الشركة الوطنية للنقل البحري» (بحري) لتعزيز سلاسل الإمداد، والدعم اللوجستي.

وأُنشئت أيضاً «الشركة الوطنية لإمدادات الحبوب» (سابل) لإدارة الصوامع، والخزن الاستراتيجي للقمح، إضافة إلى تطوير محطة الحبوب في ميناء ينبع التجاري بمساحة 313 ألف متر مربع.

الاكتفاء الذاتي في 2025

سجلت المملكة نسب اكتفاء ذاتي في عدد من السلع الغذائية خلال عام 2025 على النحو التالي:

- لحوم الدواجن: 76 في المائة.

- بيض المائدة: 105 في المائة.

- الأسماك والروبيان: 69 في المائة.

- الألبان: 120 في المائة.

- اللحوم الحمراء: 55 في المائة.

موظف يطعم الأبقار في إحدى مزارع «المراعي» السعودية (الشركة)

مركز عالمي في الأغذية

هذا وتواصل المملكة تطوير سوق المنتجات والخدمات الغذائية بوصفه قطاعاً استراتيجياً، مستفيدة من نمو القاعدة الزراعية، وارتفاع الإنتاج، وتطور الصناعات الغذائية، إلى جانب كون السوق السعودية الكبرى في المنطقة.

متجر نوق (سواني)

وشهد القطاع تأسيس شركات وطنية متخصصة، منها: شركة «تطوير منتجات الحلال» (حلال)، وشركة «سواني» لمنتجات حليب الإبل، وشركة «تراث المدينة» (ميلاف) لمنتجات التمور، و«الشركة السعودية للقهوة» (جازين).

كما تواصل «الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني» (سالك) دورها في دعم استدامة الغذاء، من خلال 13 استثماراً في 7 دول، و5 قارات، إضافة إلى مساهمتها في تأسيس «الشركة الوطنية للحبوب».

وفي إطار تعزيز تنافسية السوق، أُنشئ المركز السعودي للحلال لمنح شهادات اعتماد للمنتجات وفق المعايير الشرعية.

كما تطورت البنية التحتية للقطاع، من خلال التجمع الغذائي في جدة بوصفه الأكبر عالمياً، ومجمع صناعات الألبان في الخرج، إضافة إلى الإعلان عن مدينة للثروة الحيوانية في حفر الباطن.

المياه و«غينيس«

تُعد المملكة رائدة في إدارة الموارد المائية، من خلال منظومة عززت استدامة المياه في بيئة صحراوية، وتحديات مائية معقدة.

إحدى منظومات تحلية المياه في السعودية (هيئة المياه)

وأُعيد تنظيم القطاع عبر تحويل المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة إلى الهيئة السعودية للمياه، بما يعزز شمولية إدارة الموارد المائية.

كما أُسست المنظمة العالمية للمياه في الرياض، بهدف تنسيق الجهود الدولية لمواجهة تحديات المياه عالمياً.

وتجسدت جهود المملكة في تنويع مصادر المياه لتتجاوز 471 مصدراً، إلى جانب تطوير شبكات الإمداد والتحلية والمياه الجوفية، ورفع المحتوى المحلي في القطاع.

وسجلت الهيئة السعودية للمياه 12 رقماً قياسياً في موسوعة «غينيس»، من أبرزها:

- أكبر محطة تحلية بتقنية التناضح العكسي.

- طاقة إنتاجية تبلغ 670.8 ألف متر مكعب يومياً.

- أقل معدل استهلاك للطاقة في التحلية عند 1.7 كيلوواط في الساعة لكل متر مكعب.

هذه المنظومة المتكاملة تعكس أن المملكة تتجه نحو بناء نموذج مستدام في الأمن الغذائي والمائي، وقائم على تطوير البنية المؤسسية، وتعزيز الكفاءة، وتوسيع الشراكات، بما يدعم استقرار الموارد، ويرسخ مكانتها لتكون قوة إقليمية وعالمية في القطاعين.


«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
TT

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية. فعلى مدى العقد الماضي، أثبتت المملكة قدرة فائقة على تجاوز الصدمات العالمية بقوة أكبر، مستندة إلى نهج «رؤية 2030» القائم على المرونة، والاستباقية. هذا الاستثمار الممنهج في «مكامن القوة» لم يكن مجرد استجابة لمتطلبات التنمية المحلية، بل كان بناءً لدرع دفاعي اقتصادي عابر للحدود، حوّل التحديات الراهنة إلى منصة انطلاق للريادة العالمية.

لقد استحال الموقع الجيواستراتيجي للمملكة في ضوء الرؤية من ميزة نسبية ساكنة إلى أداة ديناميكية صاغت واقعاً اقتصادياً جديداً؛ عبر الربط النوعي بين المعابر المائية الحيوية من الخليج العربي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً. هذا الترابط، المدعوم بمنصات نقل جوي وسككي متطورة، لم يعزز مكانة المملكة باعتبارها حلقة وصل بين القارات الثلاث فحسب، بل جعل منها شرياناً حيوياً يضمن استدامة التجارة الدولية، وبرهن على قدرة المنظومة الوطنية على تحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص ريادية تضمن استقرار الرخاء العالمي.

التناغم المؤسسي: هندسة الوحدة اللوجستية

انطلقت رحلة التطوير الشامل عبر إعادة تنظيم المنظومة اللوجستية، بهدف رفع كفاءة الأداء، وتحقيق أعلى درجات التكامل بين قطاعاتها المختلفة. وقد تجسد ذلك في تحول وزارة النقل إلى وزارة النقل والخدمات اللوجستية، لتقود تناغماً مؤسسياً يجمع تحت مظلته الهيئات العامة للنقل، والموانئ، والطيران المدني.

ولم يتوقف هذا الإصلاح عند الجانب التنظيمي، بل امتد لتعزيز الدور التشغيلي للكيانات الوطنية؛ حيث تم تمكين «الشركة السعودية للخطوط الحديدية» (سار)، وتأسيس كيانات استراتيجية جديدة، مثل «طيران الرياض»، و«شركة خدمات الملاحة السعودية»، و«الهيئة العامة للطرق»، و«المركز الوطني لسلامة النقل». كما شهدت المنظومة تحولاً نوعياً في قطاع الخدمات البريدية عبر تطوير مؤسسة «سبل»، وتوسيع نطاق خدماتها لتواكب المتطلبات اللوجستية الحديثة.

خريطة الطريق نحو اليقين الاستراتيجي

ساهمت الاستراتيجيات الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية والطيران في خلق حالة من «اليقين الاستراتيجي» بمستقبل القطاع، مدعومة بمشاريع بنية تحتية عملاقة تضمن استدامة النمو من خلال:

- التوسع الجوي: العمل على إنشاء مطارات دولية رائدة، مثل مطار الملك سلمان الدولي، ومطارات أبها، وجازان الجديدة، بالتوازي مع إطلاق «برنامج الربط الجوي» لتعزيز الوصول العالمي.

- المراكز اللوجستية الذكية: إطلاق المخطط العام للمراكز اللوجستية المتضمن إنشاء 59 مركزاً (تم تفعيل 24 منها بنهاية 2025)، وتطوير الموانئ لتصبح «موانئ ذكية» تعتمد الرقمنة لتكون ركيزة أساسية.

- الربط السككي: توسيع شبكة الخطوط الحديدية، وربط خطوط الشمال بالشرق (الجبيل-الدمام)، مما وفر حلولاً لوجستية منخفضة التكلفة، وعالية الموثوقية.

أحد قطارات الخطوط الحديدية السعودية (واس)

كيف رقمنت المملكة مستقبل الاستثمار؟

شهدت البيئة اللوجستية تطوراً جوهرياً مكّنها من تبوّؤ مكانة بارزة لتكون وجهة جاذبة للاستثمار العالمي، بفضل تبنّي استراتيجية الرقمنة الشاملة للخدمات، والربط المتكامل عبر منصات رقمية موحّدة. وقد أفضى هذا التحول إلى تعزيز سهولة ممارسة الأعمال من خلال تبسيط الإجراءات التنظيمية، وأتمتة إصدار التراخيص، مما جعلها أكثر مرونة وسرعة في استجابتها لمتطلبات السوق.

كما ساهم هذا المسار الرقمي في رفع كفاءة التنسيق اللحظي بين مختلف الجهات التنظيمية، وهو ما أدى بدوره إلى اختصار «رحلة المستثمر»، وترسيخ مستويات الموثوقية في العمليات اللوجستية الوطنية.

وعلى صعيد الأثر الاقتصادي المباشر، لعبت هذه الممكنات الرقمية دوراً محورياً في تحفيز معدلات النمو، والتنوع؛ حيث ساهمت في تنشيط قطاعات إعادة التصدير، وتقديم دعم لوجستي فعال للصادرات غير النفطية. كما أتاح التكامل التقني تسهيل وصول المنتجات المحلية إلى الأسواق الدولية وفق معايير تنافسية من حيث الكفاءة، والتكلفة، مما جعل من المنظومة اللوجستية محركاً أساسياً لدعم التجارة العابرة للحدود، وتوسيع نطاق نفوذ الاقتصاد السعودي عالمياً.

لغة الأرقام

تُوجت هذه الجهود الاستراتيجية بتقدم ملموس للمملكة في أهم المحافل الدولية، ما يعكس كفاءة الاستثمار المستدام في البنية التحتية، والارتقاء المستمر بالأداء اللوجستي. وتجسد ذلك في وصول المملكة إلى قائمة أفضل عشر دول عالمياً ضمن «مؤشر الأداء اللوجستي» (LPI)الصادر عن البنك الدولي، بالإضافة إلى حصدها المرتبة الثانية عالمياً في معدلات النمو ضمن دول مجموعة العشرين، وبنمو نسبته 32 في المائة مقارنة بالعام 2024. كما حافظت المملكة على حضورها القوي بين المراكز الأربعة الأولى في مؤشر «أجيليتي» للأسواق الناشئة لعام 2025، مما يؤكد تنافسية البيئة الاستثمارية السعودية، واستقرارها. وفي إطار تسهيل حركة التجارة العالمية، حققت المملكة قفزات نوعية في كفاءة العمليات الحدودية؛ حيث نجحت في خفض معدلات زمن الفسح الجمركي من 9 ساعات في عام 2021 إلى أقل من ساعتين بحلول عام 2025. وتزامن هذا الإنجاز مع توسع استراتيجي في المرافق اللوجستية تمثل في زيادة عدد مناطق الإيداع المرخصة لتصل إلى 21 منطقة، مما عزز من قدرة المملكة على استيعاب تدفقات السلع العالمية، ودعم انسيابية سلاسل الإمداد بكفاءة، واقتدار.

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (الهيئة العامة للموانئ)

قصة 24 مليون حاوية قياسية

تُعد جغرافية الخليج العربي والبحر الأحمر من أكثر المعابر المائية حيوية، وتأثيراً في حركة التجارة الدولية، وهو ما يمنح الموانئ السعودية الممتدة على السواحل الشرقية والغربية أهمية استراتيجية فائقة بوصفها ركائز أساسية للملاحة العالمية. فمن خلال كونها نقاط التقاء لوجستية تربط بين ثلاث قارات، نجحت هذه الموانئ في ترسيخ دورها المحوري في ضمان استدامة سلاسل الإمداد العالمية، وتدفق البضائع، محولةً المزايا الجغرافية للمملكة إلى قوة اقتصادية فاعلة تدعم استقرار حركة التجارة العابرة للحدود.

وفي إطار السعي لتعظيم هذه المكتسبات، أطلقت المملكة سلسلة من مشاريع التطوير النوعية لتحديث البنية التحتية للموانئ، وتوسيع نطاق خدمات الشحن. وقد أثمرت هذه الجهود قفزة كبرى في الطاقة الاستيعابية التي ارتفعت بنسبة 50 في المائة لتصل إلى 24.3 مليون حاوية قياسية، بالتوازي مع زيادة ملموسة في عدد خدمات الشحن الملاحية المضافة التي بلغت 101 خدمة.

هذا التوسع لم يساهم في زيادة ترابط المملكة مع الأسواق العالمية فحسب، بل مكنها من استحداث مسارات ملاحية جديدة تعزز من مرونة الوصول إلى أهم الموانئ الدولية.

لقد تجاوزت هذه الرؤية التطويرية حدود الموانئ لتشمل إنشاء مناطق ومراكز لوجستية متكاملة صُممت لتكون حواضن جاذبة للاستثمارات الكبرى. وتتيح هذه المناطق للمستثمرين الاستفادة القصوى من تكامل الخدمات اللوجستية لتنمية أعمالهم، بجانب تفعيل نشاط إعادة التصدير الذي يمثل قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

ومن خلال هذه المنظومة المتكاملة، تؤكد المملكة التزامها بدورها باعتبار أنها قائد عالمي في القطاع البحري، موفرةً بيئة لوجستية متطورة تضمن كفاءة العمليات التشغيلية، وتدعم استدامة النمو الاقتصادي العالمي.

إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلّق في سماء العاصمة السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

قطار الرؤية: شريان حديدي يربط المدن بالموانئ

استثمرت المملكة منذ وقت مبكر في بناء قطاع طيران قوي، انطلاقاً من إدراكها لأهمية التواصل مع العالم، وتسهيل وفود ضيوف الرحمن، بالإضافة إلى إيجاد حلول مبتكرة لشحن البضائع. وقد مر القطاع بمحطات تنظيمية مفصلية بدأت بتأسيس «مصلحة الطيران المدني»، و«الخطوط السعودية»، وصولاً إلى مرحلة الاستقلال الهيكلي بتأسيس «الهيئة العامة للطيران المدني»، مما أرسى دعائم العمل المؤسسي الذي مهد الطريق لتحولات كبرى تتماشى مع المتطلبات الدولية المتنامية. ومع انبثاق «رؤية 2030»، استشرفت المملكة فرصاً استثنائية لتطوير قطاع الطيران، والمساهمة بفاعلية في النمو الاقتصادي، مستندة إلى موقعها الاستراتيجي الذي يربط قارات العالم الثلاث. وقد تُرجمت هذه الرؤية عبر إعادة تنظيم «الهيئة العامة للطيران المدني»، وتأسيس كيانات استراتيجية جديدة، مثل «طيران الرياض» و«شركة خدمات الملاحة السعودية»، بالتوازي مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للطيران، وبرنامج الربط الجوي، اللذين استهدفا توسيع نطاق الوصول الدولي عبر مسارات جوية جديدة تربط المدن السعودية بالعواصم العالمية. وفي سياق تحديث البنية التحتية، تسارعت وتيرة إنشاء مطارات دولية كبرى، مع استمرار أعمال التطوير في كافة مناطق المملكة، مع تسريع إشراك القطاع الخاص في إدارة المطارات لرفع كفاءة الأداء التشغيلي.

وبفضل هذه الجهود تحولت المطارات السعودية اليوم إلى مراكز ربط محورية تربط الوجهات العالمية، والإقليمية، مما ساهم في تحقيق قفزات نوعية في أعداد المسافرين، ونشاط الشحن الجوي، لتمضي المملكة بخطى ثابتة نحو مستهدفاتها الطموحة بربطها بـ250 وجهة عالمية عبر 29 مطاراً، لخدمة 330 مليون مسافر، ونقل 4.5 مليون طن من الشحن سنوياً بحلول عام 2030.

قطار تابع للخطوط الحديدية السعودية (الشرق الأوسط)

شبكة السكك الحديدية

بدأت قصة السكك الحديدية في المملكة باعتبارها ضرورة استراتيجية لربط العاصمة الرياض بميناء الدمام، مما أدى إلى تأسيس «المؤسسة العامة للسكك الحديدية» لتعزيز حركة الاستيراد والتصدير، ونقل البضائع.

ومع اتساع المشاريع التنموية، وخاصة في قطاع التعدين، تأسست «الشركة السعودية للخطوط الحديدية» (سار) لتمتد الشبكة، وتصل إلى أقصى شمال المملكة، صانعة بذلك بنية تحتية صلبة لنقل الركاب، والمعادن، والسلع التجارية بكفاءة عالية.

ومع إطلاق «رؤية 2030»، دخل قطاع السكك الحديدية مرحلة طموحة تستهدف تحقيق التكامل التام مع كافة القطاعات اللوجستية الأخرى.

وقد شهدت هذه المرحلة توسعاً غير مسبوق في تشغيل القطارات، مما جعل المدن السعودية أكثر ترابطاً؛ حيث اتصل شمال المملكة بوسطها، وشرقها، مما وفّر حلول نقل موثوقة، ومستدامة. كما تسارع العمل في «قطار الحرمين السريع» ليمثل نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن، بربطه بين مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة، ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية برابغ، بأعلى معايير السرعة، والأمان.

واليوم تمضي المملكة نحو مستقبل أكثر ترابطاً عبر مشاريع طموحة تدعم تنشيط الحركة السياحية، وتعزز الربط الإقليمي بين المدن السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

هذه الشبكة المتطورة لم تعد مجرد وسيلة للنقل، بل أصبحت ركيزة أساسية لتعزيز جودة الحياة، ودعم التنوع الاقتصادي، من خلال تقليل التكاليف اللوجستية، وتحسين موثوقية الخدمات، بما يرسخ مكانة المملكة باعتبار أنها مركز لوجستي عالمي يربط بين المراكز الصناعية، والموانئ، والمجتمعات الحضرية.

في الختام، يتضح أن التحول الجذري الذي شهده القطاع اللوجستي السعودي ليس مجرد سباق نحو الأرقام والمؤشرات، بل إعادة صياغة كاملة لـ«الهوية الاقتصادية للمملكة» لتكون الرابط الحيوي والموثوق للتجارة العالمية.