الكاكاو أغلى من النحاس... «الذهب البني» يتفوق على البتكوين

لغز ارتفاع سعره... من غرب أفريقيا وصولاً إلى سويسرا المستهلك الأكبر للشوكولاته

ارتفاع درجات الحرارة والجفاف أديا إلى إجهاد المحاصيل وإتلافها (رويترز)
ارتفاع درجات الحرارة والجفاف أديا إلى إجهاد المحاصيل وإتلافها (رويترز)
TT

الكاكاو أغلى من النحاس... «الذهب البني» يتفوق على البتكوين

ارتفاع درجات الحرارة والجفاف أديا إلى إجهاد المحاصيل وإتلافها (رويترز)
ارتفاع درجات الحرارة والجفاف أديا إلى إجهاد المحاصيل وإتلافها (رويترز)

هل كنا نتوقع أن يصبح سعر طن الكاكاو أغلى من النحاس المعدني في يوم من الأيام، أو أن يحقق «الذهب البني» عوائد أفضل من البتكوين وكثير من السندات والأسهم؟ لقد حصل ذلك بالفعل؛ فأسعار الكاكاو، وهي المكون الخام في صنع الشوكولاته قفزت إلى مستويات لا يمكن تخيُّلها لتصل إلى 10 آلاف دولار للطن الواحد من 2500 دولار قبل عام، أي بزيادة أكثر من 250 في المائة، وهو ضعف الرقم المسجل في 46 عاماً حين وصل في فبراير (شباط) الماضي إلى 5500 دولار للطن.

في المقابل، فإن سعر النحاس المعدني يبلغ اليوم حدود 3950 دولاراً، في حين أن الكاكاو تفوق على البتكوين حين اكتسبت السلعة أكثر من 250 في المائة.

هذه الأزمة المتفجرة سوف تؤدي بالطبع إلى ارتفاع تكاليف منتجات الشوكولاته، وهو أمر سيشعر به المتسوقون في موسم الأعياد الذين يعدّون الشوكولاته من «زينة» العيد.

ولكي نفهم ما الذي يحدث اليوم، لا بد من العودة إلى جذور المشكلة!

بدأت القصة من غرب أفريقيا، وتحديداً من ساحل العاج وغانا، اللتين تزرعان أكثر من 60 في المائة من جميع حبوب الكاكاو في العالم. الأولى تتصدر قائمة أكبر منتجي الكاكاو على مستوى العالم وتؤمن ما يعادل ثلث الإنتاج العالمي (2.2 مليون طن عام 2022)، في حين أن الثانية التي تتبعها في المرتبة مباشرة تنتج 1.1 مليون طن سنوياً.

إلا أن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف أديا إلى إجهاد المحاصيل وإتلافها، رغم ما تتمتع به حقول ساحل العاج وغانا من مميزات مثالية لزراعة الكاكاو، أي مناخ استوائي رطب وتربة مغذية. كما لعبت أمراض المحاصيل، مثل فيروس تورم الكاكاو، الذي يؤدي إلى استئصال الأشجار المصابة وزراعة أخرى جديدة قد تستغرق سنوات لبلوغ ذروة الإنتاج، دوراً كبيراً في تقليل الإنتاج.

بالإضافة إلى ذلك، يفتقر المزارعون الذين يتقاضون أجوراً منخفضة في ساحل العاج وغانا إلى الحافز لتوسيع إنتاجهم. كما خفضت مصانع الكاكاو الأفريقية الكبرى في ساحل العاج وغانا معالجة الكاكاو بسبب عدم القدرة على شراء الحبوب. ففي غانا مثلاً، توقفت جميع مصانع حبوب الكاكاو الثمانية تقريباً عن العمل بسبب نقص الحبوب.

وإلى جانب عامل المناخ، لعب تزايد الطلب العالمي على هذه السلعة دوره أيضاً. فبحسب «المنظمة العالمية للكاكاو»، ارتفع الطلب على الكاكاو بواقع المثلَيْن في العقدين الماضيين، مدفوعاً بالأسواق الناشئة مثل الصين والهند حيث يتزايد استهلاك الشوكولاته؛ ما يخلق عجزاً هائلاً.

نقص الكاكاو يهدد صناعة الشوكولاته

وأدى ارتفاع الأسعار إلى عرقلة آلية راسخة لتجارة الكاكاو العالمية، التي من خلالها يبيع المزارعون الحبوب إلى التجار المحليين الذين يبيعونها إلى مصانع المعالجة أو التجار العالميين. وبدورهم، يبيع هؤلاء التجار منتجات الكاكاو الخاصة بهم إلى سلاسل الشوكولاته العالمية الكبرى.

عادة، يتم تنظيم عملية شراء الشوكولاته بشكل كبير، ويقوم التجار والمصنّعون بشراء حبوب الكاكاو من المزارعين المحليين لمدة تصل إلى عام مقدماً، ثم تحدد الهيئات التنظيمية المحلية أسعاراً أقل يفرضها هؤلاء المزارعون مقابل حبوب الكاكاو.

ومع ذلك، منذ بداية نقص حبوب الكاكاو، قام المزارعون ببيع حبوب الكاكاو الخاصة بهم على الفور، وتسويقها بسعر أعلى بكثير.

على هذا النحو، لم تحصل مصانع الشوكولاته الكبرى على حبوب الكاكاو التي طلبتها مسبقاً، وفقاً لموقع «غوبال هيدج» البحثي.

وتتوقع «المنظمة الدولية للكاكاو» أن ينخفض إنتاج الكاكاو العالمي بنسبة 10.9 في المائة إلى 4.45 مليون طن متري هذا الموسم.

ومن المتوقَّع أن تنخفض عمليات الطحن بنسبة 4.8 في المائة إلى 4.78 مليون حيث يواجه المعالجون تحديات في شراء الحبوب وتوفير كميات أقل من زبدة الكاكاو بأسعار أعلى لصانعي الشوكولاته. وبالتالي، ارتفعت أسعار الشوكولاته نتيجة لسلسلة الأحداث هذه.

هذا، ويستعد المزارعون لموسم الأمطار المقبل، متطلعين إلى تحسن الظروف الجوية، مع توقعات بأمطار غزيرة تبدأ في أبريل (نيسان) وتستمر حتى نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو ما يُعدّ مفتاحاً لنمو الكاكاو بشكل جيد. لكن بينما يأملون في الأفضل، فإنهم يظلون يعانون من التحديات الحالية. يقول يوجين كواسي الذي يزرع قرب مدينة دالوا لـ«رويترز» إن منسوب المياه انخفض 2.2 ملليمتر الأيام الماضية أي أقل بـ15.7 ملليمتر من متوسط الخمس سنوات، مضيفاً: «السماء لا تمطر جيداً والجو حار جداً، الحبوب ستكون صغيرة للغاية وذات نوعية رديئة».

التهريب يهدد اقتصاد غانا

وتواجه غانا مشكلة تهريب حبوب الكاكاو إلى الدول المجاورة، مما يسبب خسائر مالية للاقتصاد. وفي هذا الإطار، يوضح مساعد مدير الإعلام لدى «مجلس الكاكاو»، بنجامين تيي لاروه لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن البلاد خسرت في عام 2022 نحو 150 ألف طن متري من محاصيل الكاكاو بسبب التهريب مع دول مجاورة لغانا، ما يمثل عائدات تقدر بنحو 600 مليون دولار.

​ الأزمة المتفجرة سوف تؤدي إلى ارتفاع تكاليف منتجات الشوكولاته

الأزمة المتفجرة سوف تؤدي إلى ارتفاع تكاليف منتجات الشوكولاته

سويسرا في قلب الأزمة

تتمتع سويسرا بسمعة جيدة كمنتج للشوكولاته عالية الجودة؛ فالعديد من ماركات الشوكولاته السويسرية معروفة دولياً. على هذا النحو، تُعد سويسرا من بين أكبر مصدري الشوكولاته في العالم. كما أن السوق المحلية قوية أيضاً، حيث يسجل المستهلكون السويسريون ثاني أعلى استهلاك للفرد من الشوكولاته في العالم. كما أن سويسرا هي تاسع أكبر مستورد أوروبي لحبوب الكاكاو.

وأظهرت أرقام وزارة الخارجية السويسرية أنها استوردت نحو 52 ألف طن في عام 2021، بقيمة 145 مليون دولار.

من هنا، فإن سويسرا ستكون بالتأكيد في قلب هذه الأزمة، حيث يجد مصنعو الشوكولاته فيها أنفسهم أمام واقع قاسٍ متمثل في أن العنصر الرئيسي في منتجاتهم الشهية أصبح نادراً ومكلفاً جداً.

وأعلنت شركة الشوكولاته السويسرية العملاقة «ليندت وسبرونغلي» مؤخراً أنها تتوقع ارتفاع تكلفة الكاكاو بنسبة تتراوح بين 8 و10 في المائة سنوياً، ما يفرض ضغوطاً كبيرة على هوامش الربح.

إلى ذلك، ترى «بلومبيرغ» أن الضغوط تتزايد أيضاً في السوق المالية، حيث باع بعض المتداولين العقود الآجلة للتحوط ضد الممتلكات المادية، وبينما ينتظرون حلول موعد استحقاق العقود، فإنهم يحتاجون إلى النقد لتلبية نداءات الهامش على الخسائر في المشتقات المالية.

كما تميل شركات الشوكولاته إلى التحوُّط في مشترياتها من المواد الخام لمدة تصل إلى 12 شهراً مقدماً وفق «ساسكو بنك»، ومع حدوث الجزء الأكبر من الارتفاع في أسعار الكاكاو في هذا الربع، سيُنظَر إلى تكاليف صنع الشوكولاته الحالية على أنها منخفضة في نهاية العام.

في الختام، تشكل الزيادة في أسعار الكاكاو تذكيراً بأنه في حين تتراجع معدلات التضخم الرئيسية في جميع أنحاء العالم، فإن الزيادات في السلع الأساسية الفردية لا تزال قادرة على الضغط على المستهلكين. صحيح أنه قد يُنظر إلى الشوكولاته على أنها رفاهية أكثر منها ضرورة، لكن هناك كثير من علامات الشوكولاته التجارية غالباً ما تكون أجزاء منتظمة من سلات التسوق الأسبوعية.


مقالات ذات صلة

التوترات الجيوسياسية تضغط على قطاع المواد الأساسية في السعودية

الاقتصاد أحد المستثمرين يقف أمام شاشة التداول في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)

التوترات الجيوسياسية تضغط على قطاع المواد الأساسية في السعودية

في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية الراهنة، يواجه قطاع المواد الأساسية في السعودية تحديات متعددة تؤثر على نموه وأرباحه.

زينب علي (الشرق الأوسط)
الاقتصاد سيارات شحن تنتظر تفريغها في حاويات بأحد الموانئ المصرية (رويترز)

مصر: ارتفاع قيمة الصادرات السلعية إلى 13 مليار دولار في 4 أشهر

ارتفعت صادرات مصر السلعية للشهر الرابع على التوالي لتبلغ قيمتها 12.912 مليار دولار في الأشهر الـ4 الأولى من العام الحالي بزيادة 10 في المائة عن الفترة المقارنة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق إرنو روبيك مخترع أشهر مكعب ألعاب في العالم (أ.ف.ب)

بعد 50 عاماً على اختراعه... مبتكر مكعب روبيك يؤكد أهميته في عالم تغزوه الشاشات

في أحد أيام ربيع 1974 وداخل غرفته المليئة بالأوراق والخيوط طرأت في بال إرنو روبيك فكرة ربط مكعبات خشبية صغيرة ببعضها من دون أن يتوقع أن اختراعه سيغزو العالم.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
الاقتصاد سيارات شحن تنتظر تفريغها في حاويات بأحد الموانئ المصرية (رويترز)

ارتفاع صادرات مصر إلى 9.6 مليار دولار في 3 أشهر

أعلنت وزارة التجارة والصناعة المصرية أن الصادرات السلعية ارتفعت 5.3 في المائة خلال الربع الأول من العام الجاري لتصل إلى 9.612 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصطفى مدبولي رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع (صفحة رئاسة الوزراء عبر فيسبوك)

رئيس الوزراء المصري: من المهم أن تنخفض أسعار السلع بعد عيد الفطر

شدد مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء المصري، اليوم الخميس، على أهمية حدوث موجة انخفاض في أسعار السلع بعد عيد الفطر، مشيراً إلى أن «الأمور حالياً مستقرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

اجتماع سعودي - أميركي لتوسيع فرص التجارة وتعزيز الاستثمار

خلال انعقاد الاجتماع السابع لمجلس التجارة والاستثمار السعودي - الأميركي في مارس 2023 (حساب السفارة الأميركية في الرياض)
خلال انعقاد الاجتماع السابع لمجلس التجارة والاستثمار السعودي - الأميركي في مارس 2023 (حساب السفارة الأميركية في الرياض)
TT

اجتماع سعودي - أميركي لتوسيع فرص التجارة وتعزيز الاستثمار

خلال انعقاد الاجتماع السابع لمجلس التجارة والاستثمار السعودي - الأميركي في مارس 2023 (حساب السفارة الأميركية في الرياض)
خلال انعقاد الاجتماع السابع لمجلس التجارة والاستثمار السعودي - الأميركي في مارس 2023 (حساب السفارة الأميركية في الرياض)

بدأ مجلس التجارة والاستثمار السعودي - الأميركي (TIFA) اجتماعه الثامن في واشنطن بهدف بحث العلاقات التجارية والاستثمارية، والتعرف على فرص التوسع المتاحة فيها، والعمل على إزالة المعوقات التي تعترض تدفق هذين القطاعين، إضافة إلى تعزيز التنمية الاقتصادية بين البلدين.

ويعمل المجلس على مناقشة القضايا التجارية والاستثمارية بين البلدين، وتسهيل الوصول إلى الأسواق، وحماية حقوق الملكية الفكرية، والبيانات والتجارة الإلكترونية، وبناء القدرات، ومراجعة سياسات التجارة والاستثمار.

وترأست الهيئة العامة للتجارة الخارجية وفد المملكة المشارِك في الاجتماع، الذي بدأ الأحد حتى الثامن والعشرين من الشهر الحالي، برئاسة وكيل محافظ الهيئة للعلاقات الدولية عبد العزيز السكران، ومشاركة 20 جهة حكومية.

ويشارك الوفد السعودي على هامش الاجتماع، في عدد من الاجتماعات وورش العمل، منها ورشة عمل بعنوان «الفرص التجارية بين الشرق الأوسط والولايات المتحدة»، بمشاركة سفراء أميركا لدى دول الخليج، والجلسة الافتتاحية في «قمة الاستثمار الأميركية» برئاسة وزيرة التجارة الأميركية جينا رايموندو.

كما يشارك في منتدى الحوار الخامس للتجارة والاستثمار الخليجي - الأميركي، وجلسة نقاش بعنوان «استثمار السعودية في التكنولوجيا»، والمنتدى الأميركي - السعودي الذي يأتي بعنوان «الاستثمار في مستقبلنا المشترك»، وكذلك لقاء الطاولة المستديرة الخليجية - الأميركية، ولقاء الطاولة المستديرة السعودية - الأميركية، بمشاركة القطاع الخاص من الجانبين.

ويضم الوفد كلاً من: وزارة التجارة، ووزارة الطاقة، ووزارة الاستثمار، ووزارة البيئة والمياه والزراعة، ووزارة التعليم، ووزارة السياحة، ووزارة الاقتصاد والتخطيط، ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، ووزارة الصناعة والثروة المعدنية، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والهيئة العامة للتجارة الخارجية، والهيئة العامة للغذاء والدواء، والهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والهيئة العامة للصناعات العسكرية، والهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة، والهيئة السعودية للملكية الفكرية، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، و«صندوق الاستثمارات العامة»، ومبادرة «السعودية الخضراء».

يشار إلى أن الهيئة العامة للتجارة الخارجية، تعمل على تنمية العلاقات التجارية الثنائية من خلال مجالس التنسيق واللجان الحكومية المشتركة، والعمل على تمكين صادرات المملكة غير النفطية من النفاذ إلى الأسواق الخارجية والمساعدة في تذليل المعوقات التي تواجهها كافة.

يذكر أن حجم التبادل التجاري بين السعودية وأميركا في عام 2023، بلغ نحو 34 مليار دولار، إذ جاءت المنتجات المعدنية والأسمدة، أبرز السلع الوطنية المُصدَّرة للولايات المتحدة، في حين كانت الأدوات الآلية وأجزاؤها، والسيارات وأجزاؤها أبرز السلع الأميركية المستورَدة.