الكاكاو أغلى من النحاس... «الذهب البني» يتفوق على البتكوين

لغز ارتفاع سعره... من غرب أفريقيا وصولاً إلى سويسرا المستهلك الأكبر للشوكولاته

ارتفاع درجات الحرارة والجفاف أديا إلى إجهاد المحاصيل وإتلافها (رويترز)
ارتفاع درجات الحرارة والجفاف أديا إلى إجهاد المحاصيل وإتلافها (رويترز)
TT

الكاكاو أغلى من النحاس... «الذهب البني» يتفوق على البتكوين

ارتفاع درجات الحرارة والجفاف أديا إلى إجهاد المحاصيل وإتلافها (رويترز)
ارتفاع درجات الحرارة والجفاف أديا إلى إجهاد المحاصيل وإتلافها (رويترز)

هل كنا نتوقع أن يصبح سعر طن الكاكاو أغلى من النحاس المعدني في يوم من الأيام، أو أن يحقق «الذهب البني» عوائد أفضل من البتكوين وكثير من السندات والأسهم؟ لقد حصل ذلك بالفعل؛ فأسعار الكاكاو، وهي المكون الخام في صنع الشوكولاته قفزت إلى مستويات لا يمكن تخيُّلها لتصل إلى 10 آلاف دولار للطن الواحد من 2500 دولار قبل عام، أي بزيادة أكثر من 250 في المائة، وهو ضعف الرقم المسجل في 46 عاماً حين وصل في فبراير (شباط) الماضي إلى 5500 دولار للطن.

في المقابل، فإن سعر النحاس المعدني يبلغ اليوم حدود 3950 دولاراً، في حين أن الكاكاو تفوق على البتكوين حين اكتسبت السلعة أكثر من 250 في المائة.

هذه الأزمة المتفجرة سوف تؤدي بالطبع إلى ارتفاع تكاليف منتجات الشوكولاته، وهو أمر سيشعر به المتسوقون في موسم الأعياد الذين يعدّون الشوكولاته من «زينة» العيد.

ولكي نفهم ما الذي يحدث اليوم، لا بد من العودة إلى جذور المشكلة!

بدأت القصة من غرب أفريقيا، وتحديداً من ساحل العاج وغانا، اللتين تزرعان أكثر من 60 في المائة من جميع حبوب الكاكاو في العالم. الأولى تتصدر قائمة أكبر منتجي الكاكاو على مستوى العالم وتؤمن ما يعادل ثلث الإنتاج العالمي (2.2 مليون طن عام 2022)، في حين أن الثانية التي تتبعها في المرتبة مباشرة تنتج 1.1 مليون طن سنوياً.

إلا أن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف أديا إلى إجهاد المحاصيل وإتلافها، رغم ما تتمتع به حقول ساحل العاج وغانا من مميزات مثالية لزراعة الكاكاو، أي مناخ استوائي رطب وتربة مغذية. كما لعبت أمراض المحاصيل، مثل فيروس تورم الكاكاو، الذي يؤدي إلى استئصال الأشجار المصابة وزراعة أخرى جديدة قد تستغرق سنوات لبلوغ ذروة الإنتاج، دوراً كبيراً في تقليل الإنتاج.

بالإضافة إلى ذلك، يفتقر المزارعون الذين يتقاضون أجوراً منخفضة في ساحل العاج وغانا إلى الحافز لتوسيع إنتاجهم. كما خفضت مصانع الكاكاو الأفريقية الكبرى في ساحل العاج وغانا معالجة الكاكاو بسبب عدم القدرة على شراء الحبوب. ففي غانا مثلاً، توقفت جميع مصانع حبوب الكاكاو الثمانية تقريباً عن العمل بسبب نقص الحبوب.

وإلى جانب عامل المناخ، لعب تزايد الطلب العالمي على هذه السلعة دوره أيضاً. فبحسب «المنظمة العالمية للكاكاو»، ارتفع الطلب على الكاكاو بواقع المثلَيْن في العقدين الماضيين، مدفوعاً بالأسواق الناشئة مثل الصين والهند حيث يتزايد استهلاك الشوكولاته؛ ما يخلق عجزاً هائلاً.

نقص الكاكاو يهدد صناعة الشوكولاته

وأدى ارتفاع الأسعار إلى عرقلة آلية راسخة لتجارة الكاكاو العالمية، التي من خلالها يبيع المزارعون الحبوب إلى التجار المحليين الذين يبيعونها إلى مصانع المعالجة أو التجار العالميين. وبدورهم، يبيع هؤلاء التجار منتجات الكاكاو الخاصة بهم إلى سلاسل الشوكولاته العالمية الكبرى.

عادة، يتم تنظيم عملية شراء الشوكولاته بشكل كبير، ويقوم التجار والمصنّعون بشراء حبوب الكاكاو من المزارعين المحليين لمدة تصل إلى عام مقدماً، ثم تحدد الهيئات التنظيمية المحلية أسعاراً أقل يفرضها هؤلاء المزارعون مقابل حبوب الكاكاو.

ومع ذلك، منذ بداية نقص حبوب الكاكاو، قام المزارعون ببيع حبوب الكاكاو الخاصة بهم على الفور، وتسويقها بسعر أعلى بكثير.

على هذا النحو، لم تحصل مصانع الشوكولاته الكبرى على حبوب الكاكاو التي طلبتها مسبقاً، وفقاً لموقع «غوبال هيدج» البحثي.

وتتوقع «المنظمة الدولية للكاكاو» أن ينخفض إنتاج الكاكاو العالمي بنسبة 10.9 في المائة إلى 4.45 مليون طن متري هذا الموسم.

ومن المتوقَّع أن تنخفض عمليات الطحن بنسبة 4.8 في المائة إلى 4.78 مليون حيث يواجه المعالجون تحديات في شراء الحبوب وتوفير كميات أقل من زبدة الكاكاو بأسعار أعلى لصانعي الشوكولاته. وبالتالي، ارتفعت أسعار الشوكولاته نتيجة لسلسلة الأحداث هذه.

هذا، ويستعد المزارعون لموسم الأمطار المقبل، متطلعين إلى تحسن الظروف الجوية، مع توقعات بأمطار غزيرة تبدأ في أبريل (نيسان) وتستمر حتى نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو ما يُعدّ مفتاحاً لنمو الكاكاو بشكل جيد. لكن بينما يأملون في الأفضل، فإنهم يظلون يعانون من التحديات الحالية. يقول يوجين كواسي الذي يزرع قرب مدينة دالوا لـ«رويترز» إن منسوب المياه انخفض 2.2 ملليمتر الأيام الماضية أي أقل بـ15.7 ملليمتر من متوسط الخمس سنوات، مضيفاً: «السماء لا تمطر جيداً والجو حار جداً، الحبوب ستكون صغيرة للغاية وذات نوعية رديئة».

التهريب يهدد اقتصاد غانا

وتواجه غانا مشكلة تهريب حبوب الكاكاو إلى الدول المجاورة، مما يسبب خسائر مالية للاقتصاد. وفي هذا الإطار، يوضح مساعد مدير الإعلام لدى «مجلس الكاكاو»، بنجامين تيي لاروه لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن البلاد خسرت في عام 2022 نحو 150 ألف طن متري من محاصيل الكاكاو بسبب التهريب مع دول مجاورة لغانا، ما يمثل عائدات تقدر بنحو 600 مليون دولار.

​ الأزمة المتفجرة سوف تؤدي إلى ارتفاع تكاليف منتجات الشوكولاته

الأزمة المتفجرة سوف تؤدي إلى ارتفاع تكاليف منتجات الشوكولاته

سويسرا في قلب الأزمة

تتمتع سويسرا بسمعة جيدة كمنتج للشوكولاته عالية الجودة؛ فالعديد من ماركات الشوكولاته السويسرية معروفة دولياً. على هذا النحو، تُعد سويسرا من بين أكبر مصدري الشوكولاته في العالم. كما أن السوق المحلية قوية أيضاً، حيث يسجل المستهلكون السويسريون ثاني أعلى استهلاك للفرد من الشوكولاته في العالم. كما أن سويسرا هي تاسع أكبر مستورد أوروبي لحبوب الكاكاو.

وأظهرت أرقام وزارة الخارجية السويسرية أنها استوردت نحو 52 ألف طن في عام 2021، بقيمة 145 مليون دولار.

من هنا، فإن سويسرا ستكون بالتأكيد في قلب هذه الأزمة، حيث يجد مصنعو الشوكولاته فيها أنفسهم أمام واقع قاسٍ متمثل في أن العنصر الرئيسي في منتجاتهم الشهية أصبح نادراً ومكلفاً جداً.

وأعلنت شركة الشوكولاته السويسرية العملاقة «ليندت وسبرونغلي» مؤخراً أنها تتوقع ارتفاع تكلفة الكاكاو بنسبة تتراوح بين 8 و10 في المائة سنوياً، ما يفرض ضغوطاً كبيرة على هوامش الربح.

إلى ذلك، ترى «بلومبيرغ» أن الضغوط تتزايد أيضاً في السوق المالية، حيث باع بعض المتداولين العقود الآجلة للتحوط ضد الممتلكات المادية، وبينما ينتظرون حلول موعد استحقاق العقود، فإنهم يحتاجون إلى النقد لتلبية نداءات الهامش على الخسائر في المشتقات المالية.

كما تميل شركات الشوكولاته إلى التحوُّط في مشترياتها من المواد الخام لمدة تصل إلى 12 شهراً مقدماً وفق «ساسكو بنك»، ومع حدوث الجزء الأكبر من الارتفاع في أسعار الكاكاو في هذا الربع، سيُنظَر إلى تكاليف صنع الشوكولاته الحالية على أنها منخفضة في نهاية العام.

في الختام، تشكل الزيادة في أسعار الكاكاو تذكيراً بأنه في حين تتراجع معدلات التضخم الرئيسية في جميع أنحاء العالم، فإن الزيادات في السلع الأساسية الفردية لا تزال قادرة على الضغط على المستهلكين. صحيح أنه قد يُنظر إلى الشوكولاته على أنها رفاهية أكثر منها ضرورة، لكن هناك كثير من علامات الشوكولاته التجارية غالباً ما تكون أجزاء منتظمة من سلات التسوق الأسبوعية.


مقالات ذات صلة

«منظمة التجارة العالمية» تدعو لإصلاح النظام وتحذر من تكلفة الانقسام

الاقتصاد شعار «منظمة التجارة العالمية» على مقرها في جنيف بسويسرا (رويترز)

«منظمة التجارة العالمية» تدعو لإصلاح النظام وتحذر من تكلفة الانقسام

دعت «منظمة التجارة العالمية، الثلاثاء، أعضاءها لإصلاح قواعد التجارة العالمية، محذرة بأن الفشل في ذلك قد يدفع بالاقتصاد العالمي نحو مزيد من الانقسام والتشرذم...

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الاقتصاد حاويات شحن في ميناء مونتريال بمقاطعة كيبيك الكندية (رويترز)

رسوم أميركية جديدة على سلع كندية تدخل حيز التنفيذ

دخلت تغييرات رئيسية على الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على السلع الكندية حيز التنفيذ، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا سلع تباع بأسعار مخفضة داخل سوق من تنظيم وزارة التموين في محافظة الشرقية (وزارة التموين المصرية)

التحوُّل من الدعم العيني إلى النقدي... لماذا يثير هواجس المصريين؟

يتخوف مصريون من توجه حكومي للتحول من الدعم التمويني العيني (السلع) إلى دعم نقدي، وهو ما ينضوي على تحرير سعر السلع التموينية.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا تطمينات حكومية مصرية بتوافر السلع الاستراتيجية مع عودة التوترات الإقليمية (صفحة وزارة التموين على فيسبوك)

مصر: تطمينات حكومية بتوافر السلع الاستراتيجية مع عودة التوترات الإقليمية

قدمت الحكومة المصرية تطمينات جديدة بتوافر مخزون كافٍ من السلع الاستراتيجية مع عودة التوترات الإقليمية.

عصام فضل (القاهرة )
الاقتصاد سلع غذائية مرصوصة على أرفف أحد منافذ البيع المصرية (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

«غضب» في مصر مع «غربلة» موسعة لقوائم مستحقي الدعم

قدمت عضو مجلس النواب، نشوى الشريف، طلب إحاطة لرئيس الوزراء ووزير التموين، الأحد، حول آلية حذف المواطنين من بطاقات التموين.

أحمد عدلي (القاهرة )

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)

أكّد البنك المركزي السعودي (ساما) أن مشاركته في مشروع «إم بريدج» (mBridge) للعملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية انتهت في عام 2025، موضحاً أنه أكمل تجربة إثبات المفهوم (PoC) في 13 مايو (أيار) من ذلك العام، وأن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته في المشروع منذ انضمامه إليه.

وجاء توضيح «ساما»، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، عقب تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، يوم الأحد، أفاد بانسحاب السعودية من منصة «إم بريدج». ووصفت الصحيفة هذه المنصة بأنها مشروع تقوده الصين، وأنه يأتي ضمن جهود بكين لتطوير نظام للمدفوعات العابرة للحدود أقل اعتماداً على الدولار.

وقال «ساما» لـ«الشرق الأوسط» إن البنك المركزي انضم إلى مشروع بنك التسويات الدولية «إم بريدج» كعضو مراقب في 11 يونيو (حزيران) 2023، إلى جانب أكثر من 25 بنكاً مركزياً ومنظمة دولية أخرى، من بينها البنك المركزي الأوروبي، ومركز نيويورك للابتكار التابع للاحتياطي الفيدرالي (NYIC)، وبنك إيطاليا، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

شعار البنك المركزي السعودي في أحد المؤتمرات (الشرق الأوسط)

وفي 5 يونيو 2024، أصبح البنك المركزي السعودي مشاركاً ضمن نطاق محدود في المشروع بهدف إجراء تجربة إثبات مفهوم (PoC)، أي اختبار عملي لمدى جدوى الفكرة والتقنية، إلى جانب اختبار منتج الحد الأدنى (MVP)، وهو النسخة الأولية من المنصة التي تتضمن وظائفها الأساسية.

وأوضح «ساما» أن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وجرى خلالها فحص وظائف المنصة لتقييم جدوى استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية (Wholesale CBDC) في تحسين كفاءة المدفوعات العابرة للحدود وعمليات التسوية بين البنوك التجارية.

وأضاف البنك أنه، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته منذ انضمامه إلى المشروع، أكمل تجربة إثبات المفهوم في 13 مايو 2025، وباكتمال التجربة انتهت مشاركة البنك المركزي السعودي في المشروع، ولم ينضم بعدها إلى مراحله التالية.

وأوضح «ساما» أن هذه الخطوة تأتي استكمالاً لجهوده المستمرة الرامية إلى دراسة الاستخدامات المحتملة للعملات الرقمية للبنوك المركزية وتقنيات الترميز واختبارها، بما يشمل بحث المسائل والتحديات المرتبطة بالسياسات والجوانب القانونية والفنية التي تواجهها البنوك المركزية والتجارية فيما يتعلق باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية في المدفوعات العابرة للحدود، إضافة إلى تقييم انعكاساتها المحتملة على مستقبل أنظمة المدفوعات والبنى التحتية للأسواق المالية.


الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
TT

الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)

أكد وزير البلديات والإسكان، ماجد بن عبد الله الحقيل، أن سوق إدارة المرافق في المملكة يتجاوز حجمها 50 مليار دولار، مشيراً إلى أن حجم المنظومة يعكس الفرص المتاحة لتعظيم قيمة الأصول، ورفع كفاءة المدن، وتطوير قطاع وطني قادر على المنافسة عالمياً.

وافتتح وزير البلديات والإسكان ماجد بن عبد الله الحقيل، اليوم، أعمال المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026، الذي يُقام تحت شعار «مرافق ذكية... مدن ذكية»، بمشاركة نخبة من المختصين والخبراء والجهات الحكومية والخاصة والمهتمين بقطاع إدارة المرافق.

وأوضح أن انعقاد المؤتمر يأتي في مرحلة تتوسع فيها المدن السعودية وتتنامى أصولها وخدماتها، بالتزامن مع استحقاقات وطنية وعالمية كبرى، في مقدمتها «إكسبو الرياض 2030» و«كأس العالم 2034»، ما يعزز الحاجة إلى تطوير أساليب إدارة الأصول والمرافق ورفع كفاءتها.

تشغيل المرافق

وأشار وزير البلديات والإسكان إلى أن إدارة المرافق أصبحت عنصراً مؤثراً في قدرة المدن على الحفاظ على مواردها وتحسين خدماتها واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، مؤكداً أهمية الانتقال من تشغيل المرفق إلى إدارة قيمة الأصل طوال دورة حياته، ومن معالجة الأعطال بعد وقوعها إلى التنبؤ بالاحتياج قبل حدوثها.

وبيّن أن البيانات والذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية توفر أدوات عملية لرفع كفاءة إدارة الأصول، من خلال قراءة أدائها، والتنبؤ باحتياجاتها، ودعم اتخاذ القرار، بما يسهم في تقديم خدمات أكثر موثوقية، ورفع كفاءة الأصول، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.

ولفت إلى أن الوزارة تركز في هذا المجال على أولويتين رئيسيتين؛ تتمثل الأولى في إدارة الأصول بالبيانات والنتائج، من خلال ربط إدارة الأصل بمراحل التصميم والتخطيط والتشغيل والصيانة والتحسين، وتطوير عقود تربط مقدم الخدمة بالنتائج، ومؤشرات أداء تقيس القيمة الفعلية.

الابتكار والاستثمار

فيما تتمثل الأولوية الثانية في بناء سوق سعودية تنافسية تصنع الحلول والمهارات، بما يتيح للشركات الوطنية النمو، ويعزز فرص الابتكار والاستثمار في القطاع الخاص، ويدعم تأهيل الكفاءات السعودية في مجالات الهندسة والتقنية وإدارة الأصول وتحليل البيانات.

الوزير الحقيل خلال جولته في المعرض المرافق للمؤتمر (الشرق الأوسط)

وبحسب الوزير الحقيل، فإن دور وزارة البلديات والإسكان يتمثل في تطوير بيئة تنظيمية واضحة ومحفزة، وتعزيز الشراكات التي تسهم في رفع مستوى الممارسة وتوسيع أثرها، لافتاً إلى أن تطوير قطاع إدارة المرافق مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز المعرفة والخبراء.

وأكمل أن المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026 يستهدف الانتقال من تبادل الأفكار إلى شراكات ومشروعات وحلول قابلة للتوسع، بما يعزز تطور القطاع ويرفع جاهزيته للمرحلة المقبلة.

المدن الذكية

واختتم وزير البلديات والإسكان كلمته بالتأكيد على أن المدن الذكية تُبنى بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرار، والقرار إلى خدمة، والخدمة إلى قيمة يشعر بها الإنسان، مبيناً أن مستقبل إدارة المرافق في المملكة يقوم على التقنية بوصفها أداة، والبيانات كونها أساساً، والاستثمار بصفته محركاً، والكفاءة كونها معياراً، والإنسان اعتباره غاية.

وشهد المؤتمر، الذي تنظمه جمعية إدارة المرافق السعودية، مشاركة أكثر من 200 جهة حكومية وخاصة في نسخة 2026، إلى جانب حضور دولي من خبراء ومتخصصين وأساتذة جامعات، يناقشون مستقبل قطاع إدارة المرافق، ويستعرضون أبرز التجارب والممارسات والحلول والتقنيات الحديثة في هذا المجال.


«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.