حرب ترمب التجارية... استراتيجية محفوفة بالمخاطر على الاقتصاد الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين بجوار الطائرة الرئاسية بعد وصوله لقاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند بالولايات المتحدة 2 فبراير 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين بجوار الطائرة الرئاسية بعد وصوله لقاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند بالولايات المتحدة 2 فبراير 2025 (رويترز)
TT

حرب ترمب التجارية... استراتيجية محفوفة بالمخاطر على الاقتصاد الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين بجوار الطائرة الرئاسية بعد وصوله لقاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند بالولايات المتحدة 2 فبراير 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين بجوار الطائرة الرئاسية بعد وصوله لقاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند بالولايات المتحدة 2 فبراير 2025 (رويترز)

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب حرباً تجارية بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على المنتجات المستوردة من كندا والمكسيك، وزيادة الرسوم على المنتجات المقبلة من الصين بنسبة 10 في المائة، في استراتيجية محفوفة بالمخاطر للاقتصاد الأميركي، بحسب تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

اعترف الرئيس الأميركي الجديد، الأحد، على صفحته على موقع «تروث سوشيال» بأن مواطنيه قد يعانون من الحرب التجارية غير المسبوقة التي شنها، السبت.

ومن خلال فرض ضريبة على الواردات من كندا والمكسيك والصين، يعمل الملياردير على إعادة تعريف قواعد التجارة العالمية. وستدخل هذه الإجراءات حيّز التنفيذ بدءاً من الثلاثاء على أقرب تقدير، وفقاً لأول مرسوم رئاسي. وحذّر رئيس الدولة يوم السبت من أن أوروبا، التي لا تزال بمنأى عن هذه الرسوم الجمركية، قد تكون الهدف التالي. إن المعركة بدأت للتو وما زال مدى عواقبها غير قابل للتنبؤ. ولكنها قد تؤدي أيضاً إلى إضعاف الدولة التي أطلقتها، وفق «لوفيغارو».

بالنسبة للدول الثلاث المستهدفة من الرسوم وكذلك بالنسبة للولايات المتحدة، فإن المخاطر كبيرة من زيادة الرسوم؛ إذ تمثل المكسيك والصين وكندا مجتمعة 43 في المائة من واردات السلع الأميركية.

وكان الرد على أميركا سريعاً، حيث أعربت بكين عن «استيائها الشديد»، وتقدمت بشكوى ضد واشنطن لدى منظمة التجارة العالمية. وحذرت وزارة التجارة الصينية من أنه «لا يوجد فائز في الحرب التجارية».

ويهدد النظام الشيوعي الصيني باستخدام أدوات للرد على الرسوم الأميركية، مثل هيمنة الصين العالمية على قطاعات المعادن الحيوية، كما يمكن لبكين أن تعمل على تعقيد موقف شركة «تسلا» للسيارات من خلال تأخير أو رفض منح تراخيص للشركة في الصين.

سيارات أمام مصنع شركة «فورد» لتجميع السيارات في أوكفيل مع تصاعد التوترات التجارية بسبب الرسوم الجمركية الأميركية والإجراءات الانتقامية من جانب كندا (رويترز)

صناعة السيارات

من جهتها، أعلنت المكسيك عن «إجراءات جمركية وغير جمركية دفاعاً عن مصالحها»، دون إعطاء مزيد من التفاصيل. أما بالنسبة لكندا، الشريك التجاري الرئيس لـ34 من الولايات الأميركية الخمسين، فقد أعلنت أنها ستطعن ​​في هذه الإجراءات أمام منظمة التجارة العالمية، وأنها ستفرض أيضاً رسوماً جمركية على المنتجات التي تصدرها جارتها الجنوبية. وسوف يؤثر هذا الإجراء على «ما مجموعه 155 مليار دولار كندي»، أو خُمس واردات كندا من الولايات المتحدة. كما أمر رئيس الوزراء الكندي المستقيل جاستن ترودو باستبعاد أي عقود تجارية جديدة مع الموردين الأميركيين، حتى إشعار آخر.

وفي ظل هذه الظروف، قد ينتهي الأمر بالولايات المتحدة إلى دفع ثمن باهظ لحربها التجارية، إذا استمرت في هذه الحرب. يواصل ترمب تكرار أن «الرسوم الجمركية ستجعلنا أغنياء للغاية وأقوياء للغاية»، لكن كثيراً من المراقبين يؤكدون أن هذه السياسة لا يمكن مساواتها بالحمائية الحقيقية. ويرون الأمر شكلاً من أشكال التهديد.

تجعل الحرب التجارية صناعة السيارات في أميركا الشمالية عرضة بشكل خاص للضرائب. وتعد سلاسل التوريد الخاصة بهذه الصناعة متكاملة بشكل عميق عبر البلدان الثلاثة (أميركا وكندا والمكسيك)، حيث تعبر أجزاء ومكونات هذه الصناعة الحدود عدة مرات قبل التجميع النهائي في السيارة.

وبالتالي، فإن «الرسوم الجمركية» التي يفرضها ترمب قد تأتي بنتائج عكسية على المستهلكين الأميركيين، الذين يخاطرون برؤية أسعار السيارات ترتفع نتيجة لهذه الضرائب الجديدة.

أعلام المكسيك والولايات المتحدة وكندا ترفرف بسيوداد خواريز بالمكسيك في الأول من فبراير 2025 (رويترز)

عجز تجاري

«الولايات المتحدة تعاني من عجز تجاري كبير لأنها تستهلك الكثير»، يقول الخبير الاقتصادي سيلفان بيرسينغر.

ويضيف أنه «إذا أراد سكان بلد ما أن يأكلوا 11 تفاحة وأنتجوا 10 تفاحات فقط، فلا بد أن يكون هناك عجز تجاري قدره تفاحة واحدة. الرسوم الجمركية لا تغيّر هذا الوضع».

ويرى الخبير أن السياسة المتمثلة في فرض الرسوم الجمركية «ضارة بالولايات المتحدة بقدر ما هي ضارة بشركائها التجاريين، لأنها لا تحفز الصناعة ولا تحسن الميزان التجاري للبلاد. وتعاقب صادرات البلد الذي يضع منتجاته تحت تصرف البلد المستورد».

تشير تقديرات اقتصادية إلى أن زيادة الرسوم الجمركية على النفط الكندي من شأنها أن تؤدي لزيادة أسعار الطاقة في الغرب الأوسط الأميركي (رويترز)

قطاع الطاقة

تهدد الرسوم الجديدة كذلك قطاع الطاقة. تعد كندا أكبر مورد للنفط الخام إلى الولايات المتحدة، حيث تمثل 60 في المائة من واردات الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، ويعد نفطها الثقيل ضرورياً لبعض المصافي الأميركية المخصصة لمعالجة هذا النوع من الذهب الأسود، كما أن القرب الجغرافي يقلل بشكل كبير من تكاليف النقل.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن زيادة الرسوم الجمركية على النفط الكندي - التي حددتها إدارة ترمب عند 10 في المائة - «من شأنها أن تؤدي إلى زيادة أسعار الطاقة في الغرب الأوسط» (في الولايات المتحدة)، وفق الصحيفة.

عربة تسوق بأحد المتاجر الكبرى في مانهاتن بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 10 يونيو 2022 (رويترز)

زيادة أسعار السلع الأميركية

الرسوم الجمركية الجديدة لن تكون خالية من العواقب على الاقتصاد الأميركي، حسب «لوفيغارو».

ويمكن أن تؤدي إلى زيادة التضخم بمقدار 0.7 نقطة مئوية في الربع الأول من عام 2025 في الولايات المتحدة.

وتستورد الولايات المتحدة مجموعة واسعة من المنتجات الزراعية، من الأفوكادو إلى الطماطم والبيض والدواجن، خاصة من البلدين المجاورين (كندا والمكسيك)، بأسعار ترتفع بالفعل. علاوة على ذلك، فإن جزءاً كبيراً من الواردات الكندية والمكسيكية إلى الولايات المتحدة تستخدمها الصناعات الأميركية.

فرض الضرائب على الواردات إلى الولايات المتحدة يؤدي إلى انخفاض الطلب على العملات الأجنبية (البيزو المكسيكي، والدولار الكندي)، ما يؤدي إلى ارتفاع قيمة الدولار الأميركي. قوة الدولار تجعل المنتجات الأميركية أكثر تكلفة في الخارج، وهو ما يضر بصادراتها. وليس من السهل، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأميركية، تحقيق التوازن في الميزان التجاري، حتى لو انخفضت الواردات إلى الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

سيول: كوريا الشمالية زرعت 960 ألف لغم على الحدود منذ 2024

آسيا جنود كوريون جنوبيون يقومون بدورية قرب المنطقة منزوعة السلاح في باجو بكوريا الجنوبية يوم 20 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

سيول: كوريا الشمالية زرعت 960 ألف لغم على الحدود منذ 2024

زرعت كوريا الشمالية نحو 960 ألف لغم أرضي على طول حدودها مع كوريا الجنوبية منذ عام 2024، وفقاً لتقديرات الجيش الكوري الجنوبي.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا متظاهر يلتف بالعلم الإسباني خلال احتجاج أمام البرلمان في مدريد على أزمة الهجرة في سبتة يوم 2 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

أزمة الهجرة في سبتة تزيد الضغوط على سانشيز قبل الانتخابات الإسبانية

تُعزّز أزمة الهجرة في سبتة التأييد لليمين قبل الانتخابات الإسبانية، وتضغط على رئيس الحكومة، فيما يسعى اليسار لتركيز النقاش على الإسكان والحقوق الاجتماعية.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق نسرين سكيك (إنستغرام)

من غزة إلى العالم... طفلة فلسطينية تصل إلى نهائيات جوائز صناع المحتوى الرقمي

تأهلت الطفلة الفلسطينية نسرين سكيك إلى نهائيات جوائز صناع المحتوى الرقمي (Digital Creator Awards) لعام 2026، ضمن قائمة تضم ثمانية متنافسين، فماذا تعرف عنها؟

يسرا سلامة (القاهرة)
أوروبا قاذفة أميركية من طراز «بي - 1» تقلع من قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية يوم 4 أكتوبر 2026 في لقطة من فيديو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي (رويترز) p-circle

بريطانيا تعتقل شخصين مجدداً للاشتباه في مساعدتهما الاستخبارات الإيرانية بواقعة فيرفورد

أعادت الشرطة البريطانية توقيف رجلين للاشتباه في مساعدتهما الاستخبارات الإيرانية، ضمن تحقيق في واقعة بقاعدة فيرفورد الجوية الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز) p-circle

«التجمع الوطني» بزعامة لوبن يراهن على خطاب الأمن لتعزيز حظوظه لرئاسة فرنسا

يهاجم حزب «التجمع الوطني» الحكومة واليسار بعد عنف الاحتجاجات، مقدّماً نفسه ضامناً للنظام قبيل انتخابات الرئاسة الفرنسية، وسط تحذيرات من استفادته انتخابياً.

«الشرق الأوسط» (باريس)

ألمانيا تتجه إلى تسجيل عجز تجاري قياسي مع آسيا والمحيط الهادئ بقيمة 163 مليار دولار

سفن حاويات في محطة «ألتنفيردر» بميناء هامبورغ الألماني (رويترز)
سفن حاويات في محطة «ألتنفيردر» بميناء هامبورغ الألماني (رويترز)
TT

ألمانيا تتجه إلى تسجيل عجز تجاري قياسي مع آسيا والمحيط الهادئ بقيمة 163 مليار دولار

سفن حاويات في محطة «ألتنفيردر» بميناء هامبورغ الألماني (رويترز)
سفن حاويات في محطة «ألتنفيردر» بميناء هامبورغ الألماني (رويترز)

تتجه ألمانيا إلى تسجيل عجز تجاري قياسي مع منطقة آسيا والمحيط الهادئ يناهز 146 مليار يورو (163 مليار دولار) في عام 2026، مع تراجع الصادرات إلى الصين بما يفوق نمو المبيعات في أسواق أخرى بالمنطقة، وفقاً لتقرير صادر عن الوكالة الألمانية للتجارة والاستثمار «جي تي إيه آي» اطلعت عليه «رويترز».

وتُسلط هذه الأرقام الضوء على التحديات المتزايدة التي تواجه المصدّرين الألمان في الصين، التي كانت تُعدّ من أهم الأسواق الخارجية لألمانيا، في ظل توسع الشركات الصينية في الإنتاج المحلي للتكنولوجيا المتقدمة والآلات والسيارات الكهربائية.

وتوقعت وكالة الترويج الاقتصادي والتنمية الدولية أن تنخفض الصادرات الألمانية إلى 29 اقتصاداً رئيسياً في آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 3.2 في المائة خلال العام الحالي، لتصل إلى 185.3 مليار يورو، في حين ترتفع الواردات بنسبة 6.4 في المائة إلى 330.9 مليار يورو.

ويزور المستشار الألماني فريدريش ميرتس اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة من الاثنين إلى الجمعة. ودعا، الثلاثاء، القوى المتوسطة في أوروبا وآسيا إلى بناء تحالف استراتيجي في مجالات التجارة والتكنولوجيا والأمن.

تراجع الطلب الصيني يضغط على الصادرات الألمانية

وأشارت «جي تي إيه آي» إلى أن الصين تستحوذ على نحو نصف تجارة السلع الألمانية مع منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ما يجعلها ذات تأثير كبير في الأرقام الإجمالية للتجارة بين الجانبين.

وأضافت أن الصادرات الألمانية إلى المنطقة، باستثناء الصين، يُتوقع أن تنمو بنسبة 2.8 في المائة خلال عام 2026، في حين سيتقلص العجز التجاري مع المنطقة إلى أقل بقليل من 35 مليار يورو.

ووفق التقرير، انخفضت صادرات الآلات الألمانية إلى الصين بنسبة 18 في المائة، خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما تراجعت صادرات السيارات بنسبة 30 في المائة.

كما أوضحت الوكالة أن مبيعات السيارات الألمانية في الصين انخفضت إلى نحو نصف ذروتها السابقة، التي تجاوزت 5 ملايين سيارة، مع تعزيز الشركات المحلية حضورها في سوق السيارات الكهربائية واستفادتها من سيطرتها على سلاسل إمداد البطاريات.

الهند وجنوب شرقي آسيا تعززان حضورهما

وقالت «جي تي إيه آي» إن الهند تكتسب أهمية متزايدة بوصفها سوقاً للصادرات الألمانية ومصدراً للسلع التي تستوردها الشركات الألمانية.

وخلال العقد الماضي، ازدادت الصادرات الألمانية إلى الهند، وكذلك الواردات الألمانية من الدولة الواقعة في جنوب آسيا.

ويشهد هيكل الواردات الألمانية من الهند مزيداً من التنوع؛ فإلى جانب الملابس التي لا تزال تمثل أحد المنتجات المهمة، تزداد مشتريات الشركات الألمانية من المنتجات الصيدلانية ومكونات الآلات الهندية، وفقاً للتقرير.

في المقابل، لا تزال اليابان سوقاً مستقرة نسبياً للشركات الألمانية، على الرغم من الانخفاض الحاد بقيمة الين أمام اليورو والدولار، خلال السنوات الست الماضية، وهو ما أضعف القوة الشرائية اليابانية.

وتتوقع الوكالة أن تنمو الصادرات الألمانية إلى الدول الأعضاء الـ11 في رابطة دول جنوب شرقي آسيا «آسيان» بوتيرة أسرع من الواردات خلال عام 2026، بدعم من تسليم الطائرات.

وعلى المدى الطويل، تزداد أهمية المنطقة بوصفها مصدراً للإلكترونيات والمُعدات الكهربائية، متجاوزة دورها التقليدي بوصفها مورّداً للملابس والأحذية.


تقرير: غلاء المعيشة يتصدر قلق العالم للعام الخامس... تليه قضايا الفقر والبطالة

جلسات حوارية على هامش «مبادرة مستقبل الاستثمار» التي تقام سنوياً في الرياض (واس)
جلسات حوارية على هامش «مبادرة مستقبل الاستثمار» التي تقام سنوياً في الرياض (واس)
TT

تقرير: غلاء المعيشة يتصدر قلق العالم للعام الخامس... تليه قضايا الفقر والبطالة

جلسات حوارية على هامش «مبادرة مستقبل الاستثمار» التي تقام سنوياً في الرياض (واس)
جلسات حوارية على هامش «مبادرة مستقبل الاستثمار» التي تقام سنوياً في الرياض (واس)

تصدرت تكاليف المعيشة مخاوف المشاركين في استطلاع عالمي للعام الخامس على التوالي، فيما برزت نفقات الحياة والديون عائقاً أمام إنجاب العدد المرغوب من الأطفال لدى 57 في المائة، وفق نتائج النسخة الخامسة من مؤشر «أولويات مبادرة مستقبل الاستثمار (FII PRIORITY Compass)»، الصادر عن مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار».

وأظهرت النتائج أن تكاليف المعيشة تتقدم المخاوف على المستوى الوطني بنسبة 56 في المائة، تليها قضايا الفقر وعدم المساواة بنسبة 38 في المائة، ثم البطالة 36 في المائة، بما يعكس استمرار الضغوط الاقتصادية في تشكيل الخيارات اليومية، وتطلعات الأسر إلى المستقبل.

وشمل الاستطلاع، الذي أُجري بالشراكة مع «إبسوس»، آراء أكثر من 61 ألف بالغ في 32 دولة، وسلّط الضوء على الضغوط المالية، وتوقعات الأفراد تجاه التكنولوجيا، والتحولات في الثقة العامة.

توجيه رؤوس الأموال

وقالت الأميرة الدكتورة مها بنت مشاري بن عبد العزيز آل سعود، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، إن المؤشر يكشف عن مخاوف مشتركة، واحتياجات لم تُلبَّ، مع استمرار تكاليف المعيشة في صدارة الأولويات العالمية لخمس سنوات، مؤكدةً أهمية أن يكون المؤشر مرجعاً أساسياً للمستثمرين، وصنّاع القرار، لتوجيه السياسات ورؤوس الأموال نحو فرص تحقق عوائد، وتسهم في تحسين حياة الناس.

وكشفت النتائج عن تفاوت واضح في النظرة إلى المستقبل بين الجنوب العالمي والشمال العالمي؛ إذ رأى 47 في المائة من المشاركين في دول الجنوب أن العالم يسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 15 في المائة فقط في دول الشمال.

وفي مجال الذكاء الاصطناعي، أظهرت الإجابات ترحيباً بمنافعه، لكنه يقترن بمطالب واسعة بتنظيمه؛ فبينما قال 60 في المائة إنه حسّن حياتهم، طالب 85 في المائة بوضع تنظيم عالمي له.

الأعباء المالية

وامتد هذا التفاوت إلى تقبّل الروبوتات داخل المنازل؛ إذ أبدى 61 في المائة ارتياحهم لإسناد الأعمال المنزلية إليها، بينما تراجعت النسبة إلى 53 في المائة عندما تعلق الأمر برعاية كبار السن.

وعلى صعيد حماية الأطفال في البيئة الرقمية، أيّد 51 في المائة اشتراط موافقة أبوية موثّقة لمن هم دون السادسة عشرة لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي، فيما أيد 40 في المائة حظر حسابات الأطفال.

وأبرز الاستطلاع كذلك العلاقة بين الأعباء المالية والقرارات الأسرية؛ إذ أفاد 57 في المائة بأن نفقات المعيشة والديون تشكل عوائق أمام إنجاب العدد الذي يرغبون فيه من الأطفال.

وفي ملف الإعلام والثقة، أظهرت النتائج أن غالبية المشاركين يثقون بوسائل الإعلام التقليدية للحصول على معلومات دقيقة، مع اعتقاد 75 في المائة بأنها منحازة سياسياً.

وأُجري الاستطلاع عبر الإنترنت خلال الفترة من 24 أبريل (نيسان) إلى 5 يونيو (حزيران) 2026، وشمل بالغين، أعمارهم 18 عاماً فأكثر، في دول تضم 66 في المائة من سكان العالم.


رغيف الخبز يثقل كاهل السودانيين مع تفاقم تكاليف الإنتاج

عامل في مخبز بأم درمان يشرف على إنتاج الخبز (الشرق الأوسط)
عامل في مخبز بأم درمان يشرف على إنتاج الخبز (الشرق الأوسط)
TT

رغيف الخبز يثقل كاهل السودانيين مع تفاقم تكاليف الإنتاج

عامل في مخبز بأم درمان يشرف على إنتاج الخبز (الشرق الأوسط)
عامل في مخبز بأم درمان يشرف على إنتاج الخبز (الشرق الأوسط)

عمّق رفع سعر رغيف الخبز إلى 500 جنيه سوداني الضغوط المعيشية على الأسر في السودان، بعدما ارتفع السعر بنسبة 35 في المائة، وسط تراجع القدرة الشرائية وتصاعد تكاليف الإنتاج التي يواجهها أصحاب المخابز بفعل غلاء الدقيق والخميرة والوقود، إلى جانب انقطاع الكهرباء وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار. وبينما يطالب المواطنون بتدخل يخفف أعباء الغذاء الأساسي، يحذر العاملون في القطاع من صعوبة احتواء الزيادات في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

وقال الطيب الجعلي، صاحب مخبز في أم درمان، إن الزيادة الأخيرة في سعر الرغيف جاءت نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، موضحاً أن سعر جوال الدقيق بلغ 190 ألف جنيه، فيما وصل سعر كرتونة الخميرة إلى 290 ألف جنيه، بالتزامن مع ارتفاع أجور العمال اليومية بنسبة 25 في المائة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن تكلفة ألف لتر من الغاز بلغت أربعة ملايين و700 ألف جنيه، بينما تتجاوز انقطاعات الكهرباء 12 ساعة يومياً، ما يضطر أصحاب المخابز إلى استخدام الجازولين لتشغيلها، بتكلفة تصل إلى 400 ألف جنيه يومياً.

ورأى الجعلي أن الحد من ارتفاع أسعار الخبز، وتخفيف الأعباء عن أصحاب المخابز والمستهلكين يتطلبان تدخلاً من السلطات للحد من تقلبات سعر الصرف وكبح التضخم، في ظل التراجع المستمر لقيمة العملة السودانية.

تراجع القوة الشرائية

وتنعكس زيادة سعر الخبز على الأسر والأنشطة التجارية التي تعتمد عليه في تقديم وجباتها، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين تحت وطأة ارتفاع أسعار السلع الأساسية.

وقال سليمان عبد الله، صاحب مطعم، إن غلاء الخبز بات يضيف أعباء جديدة على نشاط المطاعم، ويحد من قدرتها على تقديم الوجبات بأسعار تناسب الزبائن. وأوضح أن تقديم أطباق الفول أو العدس أو الكبدة مع رغيفين لم يعد يرضي بعض الزبائن، خصوصاً مع صغر حجم الرغيف، ما يدفعهم إلى شراء رغيف إضافي ويرفع تكلفة الوجبة.

أما المواطن عصام التاج، وهو سائق سيارة أجرة، فقال إن ارتفاع أسعار السلع الأساسية مع استمرار الحرب جعل تأمين احتياجات الأسرة اليومية أكثر صعوبة، مشيراً إلى أن أسرته تحتاج إلى خبز بقيمة نحو 20 ألف جنيه يومياً. وأضاف أنه يضطر إلى الانتظار في طوابير طويلة قد تمتد ثلاثة أيام لتعبئة سيارته بالوقود، في حين لا يكفي دخله لتغطية الاحتياجات الأساسية لأسرته.

وتتفاقم هذه الضغوط بالنسبة إلى الأسر التي عادت إلى العاصمة بعد النزوح. وقال حسين عبد الله إن عودته وأسرته إلى الخرطوم رافقها أمل في استعادة الخدمات الأساسية، من الكهرباء والمياه إلى الخبز والدواء، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام أعباء معيشية لا يستطيعون تحملها.

من جهتها، قالت فاطمة أحمد إنها لم تعد قادرة على توفير الخبز لوجبة الإفطار لأطفالها قبل ذهابهم إلى المدرسة، مضيفة أن الأسرة تحاول تدبير احتياجات أبنائها رغم ضيق الحال. وطالبت السلطات بدعم المخابز وتخفيف أثر ارتفاع الأسعار على المواطنين.

مخبز بمدينة أم درمان يشكو تدافع الزبائن بسبب الغلاء (الشرق الأوسط)

تحركات لتأمين الدقيق

وفي محاولة لمعالجة الأزمة، تفقد حاكم ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، الاثنين الماضي، مطاحن مصنع روتانا في منطقة الجيلي الصناعية شمال بحري، للوقوف على حجم الإنتاج وبحث سبل تأمين الدقيق واستمرار إمدادات المخابز.

وأشار حمزة إلى وجود تداخل في الاختصاصات يؤثر على انسياب عمليات التوزيع، ووجّه بتشديد الرقابة ومعالجة الاختلالات بما يضمن استمرار تشغيل المخابز وتوفير الخبز للمواطنين.

ارتفاع تكلفة الإنتاج

من جانبه، أرجع رئيس اتحاد المخابز، عصام عكاشة، الزيادة الأخيرة إلى ارتفاع أسعار القمح عالمياً، وتراجع قيمة الجنيه السوداني، إلى جانب زيادة أسعار الوقود والغاز والخميرة.

وبلغ سعر الدولار في السوق الموازية نحو 10 آلاف جنيه، ما يزيد تكلفة استيراد مدخلات الإنتاج، ويضاعف الضغوط على قطاع المخابز. وقال عكاشة إن معالجة الأزمة تتطلب استيراد دقيق القمح من الخارج وتقديم الدعم للمخابز، لكنه أقر بصعوبة التوصل إلى حلول مستدامة في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

وأشار إلى أن صادرات البلاد تقتصر إلى حد كبير على الذهب، الذي تذهب عائداته، بحسب قوله، إلى دعم الإنفاق على الحرب. وأعرب عن أمله في ألا ترتفع أسعار الخبز أكثر من مستوياتها الحالية، وأن يظل سعر الرغيفين عند ألف جنيه، مراعاة للظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها المواطنون.

صاحب المخبز سليمان عبد الله يتحدث لـ«الشرق الأوسط»

دعوات إلى مخزون استراتيجي

بدوره، قال الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي إن أزمة الخبز تعكس اختلالات هيكلية في منظومة الإنتاج، ولا تقتصر على موجة تضخم عابرة. وأوضح أن الدقيق يمثل نحو 70 في المائة من تكلفة الإنتاج، ما يجعل أي زيادة في سعره تنعكس مباشرة على السعر النهائي، خصوصاً في ظل غياب آليات دعم مستقرة.

وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود بأكثر من 100 في المائة في بعض الفترات رفع تكاليف النقل والتوزيع، فيما أسهمت زيادة تعرفة الكهرباء في رفع كلفة التشغيل، في ظل غياب سياسة واضحة للأمن الغذائي.

ودعا فتحي إلى التعامل مع الخبز بوصفه سلعة أساسية، من خلال إنشاء مخزون استراتيجي من القمح وتعزيز دور الدولة في استيراده وتوزيعه، بدلاً من ترك العملية بالكامل لآليات السوق.

وأشار إلى وجود خلافات تتعلق بأسعار النقد الأجنبي المستخدم في استيراد الدقيق والقمح، والفارق بين هذه الأسعار وسعر الدولار الذي يعتمد عليه القطاع الخاص في السوق الموازية لتوفير احتياجاته من العملة الصعبة.

وتضيف زيادة أسعار الخبز عبئاً جديداً على السودانيين الذين أنهكتهم الحرب، في ظل النزوح والجوع وتآكل القدرة الشرائية. ومع ارتفاع تكلفة إنتاج الرغيف وتراجع دخول الأسر، بات تأمين أحد أبسط الاحتياجات اليومية تحدياً كبيراً، فيما تظل قدرة السلطات على توفير الدقيق وضبط تكاليف الإنتاج عاملاً أساسياً في الحد من تفاقم الأزمة.